مقالات وبحوث مميزة

أسمارُ "النَّقدِ التَّاريخيِّ"، وزخارفُ "البحثِ العِلميِّ"

قِراءةٌ نَقْديَّةٌ لمقالةِ الأسْتاذِ عَبْدِ اللهِ الغِزِّيِّ

عن صِفةِ الكَلامِ للباري سُبْحانَه.

الحَلْقَةُ التَّاسِعةُ

تحريرُ مَذهبِ الإمامِ أحمدَ، ونَقْدُ تأويلِ مُتكلِّمي الحنابلةِ

الشَّيْخُ الدُّكتور بَنْدر بن عبدالله الشُّويقيُّ

10/11/1444هـ


قدَّمتُ في ثامنِ حَلقاتِ هذه السِّلسلةِ طائفةً من نصُوصِ الوحيِ المتواترةِ بإثباتِ أنَّ الجليلَ -سُبحانه- يتكلَّمُ متى شاءَ وكيفَ شاءَ؛ وهو المعتقَدُ الفطريُّ الذي ما كان لمسلمٍ أنْ يتردَّدَ فيه لظُهورِ دلائلهِ وتواتُرها، لولا مُحدَثاتُ الكلامِ التي أفسدت على أصحابها أظهرَ أوصافِ باريهم.

وفي هذهِ الحلقةِ أبدأُ -بعَونِ الله- بذكرِ ما يسمحُ به المقامُ من نصُوصِ أئمَّةِ السَّلفِ في تقريرِ ذلك المعتَقدِ، مُستَفتِحًا بتحريرِ مذهبِ الإمامِ أحمدَ -رحمهُ اللهُ-. لكنْ قبلَ الشُّروعِ في ذلك أَجِدُ من المتعيِّنِ التَّنبيهَ إلى مسألتَينِ بدا ليَ أنَّهما من أكبرِ أسبابِ عَجزِ الأستاذِ عبدِ اللهِ الغِزِّيِّ عن رؤيةِ تلك الآثارِ السَّلفيَّةِ رُغْمَ قُربِها وكثرتِها:

السَّببُ الأوَّلُ: أنَّ الرُجُلَ بدا كأنَّه يريدُ رُؤيةَ مُعتقَدِ القدماءِ في المسألةِ مُقرَّرًا مُبيَّنًا في موضعٍ واحدٍ على طريقةِ كتُبِ الكلامِ، بينما غالبُ عقائدِ الأوائلِ إنَّما تؤخذُ من مَروياتٍ وسؤالاتٍ مُتناثرةٍ مُتفرِّقةٍ، أما إشباعُ الكلامِ وتقسيمُ المسائلِ وبسطُ العباراتِ فذاكَ شيءٌ عزيزٌ في كلامِ القُدماءِ.

السَّببُ الثَّاني: الغفلةُ -أو التَّغافُلُ- عن الاختلافِ والتَّبايُنِ بين ألفاظِ الأوائلِ وعباراتهم، وألفاظِ واصطلاحَاتِ كتُبِ الفرقِ والمقالاتِ المتأخِّرةِ عن زمانِهم، فالذي يستحضِرُ هذا الاختلافَ ويفهمُه يدركُ أنَّ البحثَ في المصنَّفاتِ الأثريَّةِ المتقدِّمةِ يُفترَضُ أن يتوجَّهَ إلى الحقائقِ والمعَاني لا إلى الاصطلاحاتِ والألفاظِ التي طَرأتْ بعدَهُم ولم تجْرِ على ألسَنتهِم.

ومع بداهَةِ هذا المأخَذِ لدى الباحثينَ، إلا أنِّي رأيتُه غائبًا عن كلامِ الأستاذِ الغِزِّيِّ وهو يتحدَّثُ عن (القِدَمِ النَّوعيِّ لصِفَةِ الكَلامِ)، حيثُ ظلَّ يؤكِّدُ ويكرِّرُ أنَّه لم يجِدْ لهذا المعتقَدِ ذِكرًا في كلامِ أحمدَ وأهلِ الحديثِ في القَرنَينِ الثَّالثِ والرَّابعِ، مع أنَّ أحدًا لم يَدَّعِ أنَّ أهلَ تلكَ الطَّبقاتِ تكلَّمُوا باصطلاحِ (القِدَمِ النَّوعيِّ)، لا ابنُ تيميَّة ولا غيرُه.

القِدَمُ النَّوعيُّ لصِفَةِ الكَلامِ معناهُ: (أنَّ اللهَ سبحانه لم يَزلْ يتكلَّمُ متى شاءَ أن يتكلَّمَ)، فالذي يريدُ التَّحقُّقَ من نسبةِ هذا المعتقَدِ للسَّلفِ، عليهِ أن يبحثَ في كلامهِم عن تقريرِ هذا المعنى، لا عن مُصطلحِ (القِدَمِ النَّوعيِّ).

وحتى عند البحثِ عن هذا المعنى، فليسَ بالضَّرورةِ أن يجدَهُ الباحثُ مُقرَّرًا بتمامِه في موضعٍ واحدٍ، أو في روايةٍ واحدةٍ، لأنَّ تلك العِبارةَ تجمع مسألتَين اثنتينِ:

-فعبارةُ: (لم يزل يتكلَّم): يُقْصَدُ بها أزليَّةُ الصِّفة، بمعنى أنَّهُ -سبحانه- لم يزل مُتَّصِفًا بالكلام، لم تحدُثْ له هذه الصِّفَةُ بعد أن لم تكُن، فلا أوَّلَ لكلامِهِ كما أنَّه لا أوَّلَ لوجودِه سُبحانه، (وهذا على خلافِ طريقَةِ الكرَّاميَّةِ القائلينَ: إنَّ الله تكلَّم بعد أن لم يَكُنْ يتكلَّم).

-وعبارةُ: (متى شاءَ أن يتكلَّم): يُقْصَدُ بها أنَّ تكلُّمهُ سبحانهُ يحدثُ بمشيئتهِ واختيارهِ، فهو لم يزلْ يُكلِّمُ من يشاءُ أيَّ وقتٍ يشاءُ. (وهذا على خلافِ قولِ من يزعُمُ أنَّ الله ليس له إلا كلامٌ واحدٌ قديمٌ أزليٌّ صدرَ عنه بغير مشيئةٍ أو اختيارٍ).

فبعيدًا عن مصطلحِ (القِدَمِ النَّوعيِّ): أيَّ هذينِ المعنيَيْنِ ينكرُ الأستاذُ نسبتَهُ للإمامِ أحمدَ؟ وأيُّهما يزعُمُ أنه لم يجدْ له ذِكرًا في كلامِ أهلِ الحديثِ؟!

أيُريدُ الأستاذُ أنَّه لم يجدْ في كلامهِم ما ينفي مُعْتقَدَ الكرَّاميَّةِ القائلينَ: إنَّ اللهَ تكلَّمَ بعد أن لم يكُنْ يتكلَّمُ؟ أو يقصِدُ أنَّهُ لم يجدْ في عباراتهمْ أنَّ اللهَ يتكلَّمُ باختيارهِ متى شاءَ؟

هذانِ المعنيانِ هما ما يفترضُ أن يفتِّش عنه الأستاذُ، غيرَ أنَّه اختارَ التَّعميَةَ والإبهامَ، وظلَّ يعيدُ ويكرِّرُ أنَّه لم يجدْ حُضُورًا لـ (القِدَمِ النَّوعِيِّ) في كلامِ أحمدَ وأهلِ الحديثِ، لكنَّ مقصُودَهُ ظهرَ وفُهِمَ لـمَّا شرعَ في سردِ اعتراضاتِهِ التي بيَّنتْ أنَّهُ إنَّما ينازعُ في المعنى الثَّاني(1) وينتصِرُ لقولِ من يَنْسُبُ لأحمدَ القَولَ بالكلامِ الواحدِ القديمِ.

نصُوص الإمامِ أحمدَ -رحمهُ الله-:

(لم يزلْ اللهُ مُتكلِّمًا إذا شاءَ): هذهِ العبارةُ -وعباراتٌ أخرى في مَعناها-جاءتْ على لسانِ الإمامِ -رحمهُ اللهُ- في أكثرَ من مناسبةٍ وفي أكثرَ من مصدرٍ، ومن جُملةِ تلكَ المصادرِ رسالةُ (الرَّدِّ على الزَّنادقةِ والجَهْميَّة)، والأستاذُ حين كتبَ مقالتَهُ المتهوِّرةَ: (القراءةُ المذهبيَّةُ)، كان يظُنُّ أنَّ تلكَ المقولَةَ لم تثبُتْ عن الإمامِ إلا في رسالَةِ (الرَّدِّ)، فلذلكَ أجهَدَ نفسَهُ في نفي الرِّسالةِ عن الإمامِ، ثمَّ تهجَّمَ على من يَنسُبُ لأحمدَ مَذهبًا بناءً على ذلكَ النَّصِّ المشكوكِ في ثُبوتهِ!

ولأجلِ أمرٍ سأشرحُه قريبًا: أجدُ من الضَّروريِّ سياقَ عباراتِ الأستاذِ وتشكيكاتِهِ في نسبةِ تلكَ المقولةِ للإمامِ أحمدَ؛ فقد بدأ الأستاذُ أوَّلًا بطَرحِ تساؤلٍ: "ماذا عن قضيَّة صِحَّة نسبةِ هذهِ المقولةِ ابتداءً للإمامِ، فهل كتابُ (الرَّدِّ على الزَّنادقة والجهميَّة)-المصدرُ التي [كذا] وردَتْ فيه هذهِ المقولةُ -ثابتُ النِّسبَةِ إلى الإمامِ؟"(2).

ثمَّ قالَ بعد كلامٍ له: "إنَّ تجاوُزَ مثلَ هذهِ الإشكالاتِ لتقريرِ نَتيجةٍ مُسْبَقَةٍ بناءً على نَصٍّ مُجمَلٍ، وفي ثبوتِ نسبتهِ إشكالٌ=هي قراءةٌ مَذهبيَّةٌ مختصرةٌ لهذهِ القضايا الشَّائكةِ في تاريخ العقائدِ"(3).

ثمَّ قالَ -أيضًا-: "إنَّ تقريرَ قولِ الإمامِ في (القِدَمِ النَّوعيِّ لصفَةِ الكلامِ)، لا ينبغي أن يَقْتَصِرَ على مَقولةٍ واحدةٍ على ثُبوتِ صِحَّتِها إشكالٌ"(4).

ثمَّ وسَّعَ الأستاذُ نقدَهُ إلى ابن تيميَّة فقالَ: إنَّ "القولَ بالقِدَمِ النَّوعيِّ للصِّفاتِ الذَّاتيَّةِ الفعليَّةِ هو من الأصُولِ التي ركَّزَ عليها الشَّيخُ (ابنُ تيميَّة) في مشروعِهِ النَّقديِّ، وظهرَ أثرُ ذلكَ في صفَةِ الكلامِ على نحوٍ مُحدَّدٍ، مُستَنِدًا على مَقُولةٍ تُنْسَبُ للإمام"(5).

ثمَّ زادَ فوضعَ عُنوانًا بارزًا نصُّه: (الإشكالُ الثُّبوتيُّ على هذهِ المقُولةِ)(6)، وكانَ مما قالَهُ تحت هذا العُنوانِ: "لا بُدَّ من بحثِ صِحَّةِ نسبةِ هذهِ المقُولة للإمامِ قبـلَ بحثِ دلالتِها. وهذه المقولةُ وردَتْ -كما أسلَفْنا- في كتابِ (الرَّدُّ على الزَّنادقة والجهْميَّةِ)، ونسبةُ هذا الكتابِ إلى الإمامِ محـلُّ شَـكٍّ لعدَّةِ اعتباراتٍ عِلميَّةٍ"(7). ثمَّ عابَ على مَن: "تعاملَ مع المقُولَةِ نفسِها كما لو أنَّها ثابتةٌ، ودلالتَها صريحةٌ"(8).

تلك عباراتُ الأستاذِ وألفاظُه، وإنَّما طوَّلتُ بنَقْلها لأنَّ الأستاذَ لما ظهرَتْ بعضُ الرُّدودِ على مقالتِه، وعَرَفَ غلطَه الكبيرَ في نفي المقُولَةِ عن الإمامِ ذهبَ يعتذِرُ بأنَّهُ إنما كانَ يُناقِشُ محقِّقَ كتاب (الطَّريقة الأثريَّة) الذي لم يَستشهِدْ إلا بالنَّصِّ الواردِ في رسالةِ (الرَّدِّ)!

وهذه المكابرةُ كما أنَّها سَوْأةٌ أدبيَّةٌ، فهي-أيضًا-افتراءٌ على محقِّقِ الكتابِ كما يعرفُ ذلك من يُرَاجِعُ كلامَه، لكن ما يعنينا هنا أنَّ مقالةَ الأستاذِ تصرخُ بالتَّشكيكِ في نسبةِ المقُولةِ للإمامِ، فإذا عرَفْنا -بعدَ ذلك- خطأ تشكيكاتِهِ، وأنَّ تلك المقُولةَ ثابتةٌ في مصادرَ متعدِّدةٍ، فمن حقِّنا أن نتساءلَ إن كانَ الأستاذُ بنى تشكيكاتِهِ على جهلٍ بنصُوصِ الإمامِ أو أنَّه تعمَّدَ تجاهُلَها.

أقوالُ الإمامِ أحمدَ في أزليَّةِ صفةِ الكلامِ:

أما قولُ الإمامِ: إنَّ اللهَ "لم يزلْ مُتكلِّمًا"، فقد روى عنه حَنْبَلٌ في كتابِ (المحنَةِ) أنَّه قالَ: "لم يَزل الله مُتكلِّمًا، والقرآنُ كلامُ اللهِ-عزَّ وجلَّ- غيرُ مَخلوقٍ"(9)، وروى حَنْبَلٌ كذلكَ عنه أنَّه قالَ: "لم يزل اللهُ مُتكلِّمًا حيًّا عالمًا غَفُورًا"(10).

وفي (المحنةِ) لحَنْبَلٍ -أيضًا- عن الإمامِ: "لم يزل اللهُ عالمًا مُتكلِّمًا"(11).

وقال حَنْبَلٌ: "سمعتُ أبا عبد اللهِ قالَ: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)، فأثبتَ الكلامَ لموسَى كرامةً منه لموسَى، ثمَّ قال تعالى يؤكِّدُ كلامَه: (تكليمًا)". قال حَنْبَلٌ: قلتُ لأبي عبد الله: يُكلِّمُ عبدَه يومَ القيامةِ؟ قالَ: نعم. فمن يقضِي بين الخلائقِ إلا اللهُ عزَّ وجلَّ؟! يكلِّمُ عبدَه ويَسألُه. اللهُ مُتكلِّمٌ، لم يزلْ يأمرُ بما يشاءُ ويحكمُ، وليس له عِدلٌ ولا مثلٌ، كيف شاءَ، وأنَّى شاءَ"(12).

وقال الإمامُ -في روايةِ ابنِ هانئٍ وفي روايةِ إبراهيمَ بن الحارثِ-: "لم يزل اللهُ مُتكلِّمًا"(13).

وروى المروزيُّ عنه قالَ: "لم يزل اللهُ -تبارك وتعَالى- مُتكلِّمًا عالمًا"(14).

وقال في الرِّسالةِ إلى ابن حَمدُونَ الأنطاكيِّ(15): "اللهُ لم يخْلُ من العِلْمِ والكلامِ، وليسا من الخَلقِ، لأنَّه لم يخلُ منهُما"، وقالَ فيها أيضًا: "لما يزل اللهُ عالمًا مُتكلِّمًا"(16).

وصحَّ عنه أنَّه كان يعجبُه قولُ المحدِّث محمدِ بنِ سليمانَ؛ الملقَّبِ بلُوَيْنٍ: "لم يزلْ مُتكلِّمًا قبل أن يخلُقَ الخلقَ"(17).

ففي هذا كلِّه أنَّ من مذهبِ الإمامِ أنَّ اللهَ (لم يزلْ مُتكلِّمًا)، وأنَّهُ لم يخلُ أبدًا من صفةِ الكلامِ، على خلافِ قولِ الكرَّاميَّةِ الزَّاعمينَ أنَّه سبحانه تكلَّمَ بعد أن لم يكُن يتكلَّم.

أقوالُ الإمامِ أحمدَ في حدوثِ الكلامِ وتَعليقهِ بالمشيئةِ:

الأستاذُ -في سَعيهِ لإلصاقِ القولِ بالكلامِ الواحد القديم للإمامِ- أوردَ بعضَ الشَّواهدِ المذكورةِ آنفًا وأغفلَ أكثرَها. وأما المرويَّاتُ التي تشرحُ مرادَ الإمامِ، وتثبتُ قولَه بتجدُّدِ التكلُّمِ وتعليقِ الكلامِ بالمشيئةِ، فلم يذكُر الأستاذُ منها شيئًا، بل جميعُ سياقاتِ كلامه تدلُّ على أنَّه إما لم يعرفْ تلك المرويَّاتِ أصلًا، أو أنَّهُ عرفها وتعمَّد تجاهلَها.

فمن تلك المرويَّاتِ: ما تقدَّمَ من قولِ الإمامِ لما سألهُ حَنْبَلٌ: "يكلِّمُ (اللهُ) عبدَه يوم القيامة؟ فقال الإمامُ: فمن يقضي بين الخلائقِ إلا اللهُ عزَّ وجَلَّ؟! يُكلِّمُ عبدَه ويسألهُ. الله مُتكلِّمٌ، لم يزلْ يأمرُ بما يشاءُ ويحكمُ، وليس له عِدْلٌ ولا مثلٌ، كيف شاءَ، وأنَّى شاءَ".

وروى يوسفُ بن موسى أنَّ الإمامَ سُئلَ: أهلُ الجنَّةِ ينظرونَ إلى ربِّهم -عزَّ وجلَّ- ويُكلِّمُونه ويكلِّمهُم؟ قال: نعم؛ ينظرُ وينظرونَ إليه، ويكلِّمهُم ويُكلِّمونه، كيف شاءَ وإذا شاءَ"(18).

وقال الإمامُ في الرِّسالة إلى ابن حَمْدُونَ: "أخبر ﷺ أنَّ المؤمنينَ ينظرونَ إلى ربِّهم في القيامةِ، ويُكلِّمونه، ويُسائلهُم ويضحكُ إليهم، وأنَّهم يُعاينون ذلك منه، وينظُرون إليهِ، ويسمعونَ منه".

وقال الإمامُ أيضًا: "لقد أكَّد ﷺ على ذلك فقالَ: ما منكُم من أحدٍ إلا سيكلِّمه ربُّه، ليس بينه وبينه ترجمانٌ ولا حاجبٌ". ثمَّ ساق الإمامُ أخبارًا في رؤيةِ اللهِ وكلامِهِ يومَ القيامةِ، منها حديثُ: (يدنو المؤمنُ من اللهِ -عزَّ وجلَّ- يومَ القيامةِ، فيضعُ عليهِ كَنَفَه، فيقولُ: هل تعرفُ ذنبَ كذا وكذا؟ فيقولُ: ربِّ أعرفُ. فيقول: هل تعرفُ؟ فيقول: ربِّ أعرفُ، فيقولُ: أنا سترتُها عليك في الدُّنيا)، ثمَّ علَّق الإمامُ على تلك المرويَّاتِ قائلًا: "وفي ذلك من الأخبارِ أمرٌ عظيمٌ لا يجهلها أحدٌ من أهلِ العلمِ، ردٌّ على أعداءِ الله المكذِّبةِ الرادَّةِ على رسول الله بقوله ﷺ: إنَّهم يُعَاينُونَ ذلك من ربِّهم ويسمعُونه". ثمَّ ذكر الإمامُ مَزيدًا من المرويَّاتِ بهذا المعنى، منها ما جاءَ عن محمَّد بن كعبٍ القُرَظَيِّ قال: إذا سمِعَ الناسُ القرآنَ يومَ القيامةِ مِن فيِّ الرَّحمنِ تباركَ وتعَالى، كأنَّهم لم يسمعوا قبلَ ذلك قطُّ".

ثمَّ قالَ: "وفي أحاديثِ الرُّؤيةِ الصِّحاحِ التي قالها رسولُ اللهِ ﷺ ما يبيِّنُ هذا؛ أنَّ المؤمنينَ يُعاينونَ ذلك من اللهِ إذا تكلَّمَ وهُم ينظُرونَ، وإذا ضحك إليهم"(19).

ففي هذه الشَّواهدِ عن الإمامِ: أنَّ اللهَ سبحانه يأمرُ بما يشاءُ كيف شاءَ ومتى شاءَ، وأنَّه يُسائلُ عبادَهُ يومَ القيامةِ ويكلِّمُهم إذا شاءَ ويُكلِّمونهُ، وأنَّهُم يعاينونَ ذلك منه، فينظرونَ إليه إذا تكلَّم ويسمعُونَ. يقولُ الإمامُ هذا مع ما تقدَّمَ من إثباته أزليَّةَ صفةِ الكلامِ للهِ، فهذا المعتقَدُ المركَّبُ من هذينِ المعنيَيْنِ، هو ما اصطُلِحَ على تسميتهِ: (القِدَمَ النَّوعيَّ)، وهو المعتقدُ الذي يزعمُ الأستاذُ أنَّه لم يجدْ له أثرًا في كلامِ الإمام أحمدَ وأنَّ من يَنْسُبُه للإمامِ فهو كاذبٌ عليه أو جاهلٌ بنصُوصه(20)!

الأستاذُ ومَزَلَّةُ التَّأويلات الكلاميَّة.

الأستاذُ الغِزِّيُّ كانَ -أولَ أمرِه- يُكْثِرُ الكلامَ عن أهميَّةِ توثيقِ مقولاتِ الفِرَقِ من مصادرها، وهو الأمرُ الذي لا يتنازَعُ الباحثونَ في أهميَّته نظريًّا وإن وقعَ التساهُلُ فيه عمليًّا. لكنَّ الأستاذَ -في مرحلةٍ لاحقةٍ- اشتبهتْ عليه المسالكُ، فخلطَ بين توثيقِ مقالاتِ الفِرَقِ من مصادرها، وبين نَصْبِ تلك المصادرِ لتكونَ مَرجعًا لتفسيرِ مقالاتِ أئمَّةِ السَّلَفِ، والخلطُ بين هذا وهذا لا يقعُ إلا مع ضَعفِ التَّأسيسِ العلميِّ للباحثِ وغفلتِه عن التَّبايُنِ المنهجيِّ بين أصُولِ السَّلَفِ وأصُولِ مُخالفِيهم، وهذا الضَّعفُ عادةً ما يُمهِّد العقْلَ والقَلْبَ لقَبولِ التَّأويلاتِ الكلاميَّةِ المحدَثةِ لأقوالِ الأئمَّةِ وحَملِ عباراتهم على معانٍ أجنبيَّةٍ عن مَشاربهم.

وقبلَ تفصيلِ هذه المسألةِ أقولُ:

إنَّ العلمَ درجاتٌ ومراتبُ يُبْنَى بعضُها على بعضٍ، ومطالعةُ كتُبِ المخالفينَ مَرحلةٌ مُتْقَدِّمةٌ لا تُناسِبُ من ضَعُفَ تحقيقُه لمذاهبِ السَّلفِ وتحريرُه مبانيها، فإذا اجتمعَ مع هذا الضَّعْفِ احتقانٌ ولَّدَتْه الخصُوماتُ، وصاحبَ ذلك استعدادٌ نفسيٌّ وقابليَّةٌ للتَّسليمِ بالدَّعاوى والمقدِّماتِ الفاسدةِ، فالثَّمرةُ المتوقَّعةُ لن تكونَ إلا شططًا وانحرافًا يلبسُ ثَوْبَ التَّحقيق والموضوعيَّة العلميَّة.

ومن يتابع ما ينشُرُه الأستاذ الغِزِّيُّ من حينٍ لآخر، لن تخطئ عينُه تحولاتٍ وتقلُّباتٍ تشهدُ أنَّ الرجُلَ ظلم نفسَه حين قفزَ إلى كتُبِ التَّجهُّم والاعتزالِ واستغرقَ فيها قبلَ استكمالِ آلتِهِ العلميَّة، فبِسَببِ ذلك وقعَ تحت أثرِ مُعضلةٍ ذاتِ حَدَّين، فهو: إمَّا أن تخفى عليه مَقولاتُ أهلِ السُّنة أصلًا، وإمَّا أن يقرأَ تلك المقولاتِ ويُفسِّرَها بتأويلاتٍ محدَثةٍ أخذها من كتُبِ أهل الكلامِ الذين يقرأون كلامَ السَّلفِ من خلال أصُولهم وقواعدِهم.

فأما خفاءُ المقولاتِ عنه، فقد رأينا آنفًا غفلتَهُ عن نصُوصِ الإمامِ أحمدَ المشهورةِ، ورأينا -قبل ذلك- كيف كانَ يفتِّشُ عن مذهبِ أحمدَ وأهلِ الحديثِ في كتُبِ الجهميَّةِ والمعتزلةِ(21).

وأما انسياقُه وراءَ التَّأويلاتٍ الكلاميَّةٍ، فهذا ما سنراهُ في حالة التِّيْهِ التي ظهرتْ في شَقْشَقَاتِهِ وتَشْقِيقَاتهِ التي ساقَها في تفسيرِ قولِ الإمامِ: "إنَّ اللهَ لم يزلْ مُتكلِّمًا إذا شاءَ".

تسليطُ التَّأويلاتِ المحدَثَةِ على كَلامِ الإمامِ أحمدَ:

لو سألنا الأستاذَ عن العبارةِ التي يمكنُ أن يتكلَّمَ بها الإمامُ أحمدُ لو أراد إثباتَ أنَّ اللهَ يتكلَّمُ بمشيئتهِ واختيارهِ، فهل هناك أوضحُ وأصرحُ من قول: إنَّ الله يتكلَّم (إذا شاءَ)، و(أنَّى شاءَ)، و(كيف شاءَ)؟ وإذا كانتْ هذه العباراتُ كلُّها ليست صريحةً في تعليقِ الكلامِ بالمشيئةِ، فما العبارةُ الأصرحُ التي يمكنُ أن تؤدِّيَ هذا المعنى؟

في ظنِّي -بل يقيني- أنَّ الأستاذَ لن يجِدَ في اللِّسانِ العربيِّ أبلغَ وأوضحَ من تلك العباراتِ. غيرَ أن الأستاذَ بعدما أجهدَ نفسَه في نفي المقولةِ عن الإمامِ، انتقلَ للكلامِ عن معناها، فقال مُتسائلًا: "ما معنى هذهِ المقولةِ الحقيقيِّ الذي أرادَهُ صاحبُها؟ وهل تدلُّ على التَّقريرِ التَّيميِّ؟ وما مستوى دلالتِها؟ فهل تدلُّ على أنَّ الكلامَ قديمُ النَّوعِ حادثُ الآحادِ؟

أو تدلُّ على أنَّ أزليَّةَ الكلامِ هي أزليَّةُ القُدْرَةِ على الكلام؟

وهل تعليقُ الكلامِ بالمشيئةِ يدلُّ على الحدوثِ في الذَّات؟ أو (تجدُّد التَّعلُّق)؟ أو (مشيئةِ إسماعِ الكلامِ الأزَليِّ)؟ أم أنَّها محتملةٌ لكلِّ هذا؟"(22).

هكذا يضعُ الأستاذُ الاحتمالاتِ لتفسيرِ عبارةِ الإمامِ أحمدَ، وكأنَّه يشرحُ مقولةً لأحدِ رؤوسِ أهلِ الكلامِ، فرُغم وضوحِ العبارةِ وقُربِ معناها، إلا أنَّ الأستاذَ تجاهَلَ النَّفَسَ الأثريَّ للإمامِ أحمدَ، وانطلقَ إلى تأويلاتٍ كلاميَّةٍ أجنبيَّةٍ عن مَشْرَبِ الإمامِ ومسلَكِه، ثمَّ جاء ليَزعُمَ أنَّها مما يمكنُ أن تكونَ مقصودةً للإمامِ!

يواصلُ الأستاذُ هذا المسلكَ، فيضعُ عنوانًا نصُّه: (الإشكالُ المدلُوليُّ لهذه الكلمة)(23)، وتحت هذا العنوانِ أعادَ وكرَّرَ أنَّ مقولةَ الإمامِ تحتملُ تلك التَّأويلاتِ المحدثةَ، ليَصِلَ بهذا إلى أنَّ عبارةَ "يتكلَّم إذا شاءَ"، ليست صريحةً في الدِّلالةِ على أنَّ "الله يتكلَّمُ إذا شاء"!

وفي غمرةِ هذا التِّيْهِ والضَّياعِ لم يُسائل الباحثُ (الشاهدُ لنفسِه بالتَّميُّزِ) نفسَه قَطُّ عن مَنْشأ تلك التَّأويلاتِ التي ذكرَها، وعن المدرسةِ التي أدخلتها على أهلِ الإسلامِ، وعمَّا إذا كانت هناك صلةٌ -أو حتى شُبْهةُ صلةٍ- بينها والإمامِ أحمدَ.

الأستاذُ يقولُ: إنَّ تعليقَ الإمامِ الكلامَ على المشيئةِ يحتملُ أن يكونَ المرادُ به (تجدُّدَ التَّعلُّق)، أو تجدُّدَ (مشيئةِ إسماعِ الكلامِ الأزليِّ)، وهذه لوثاتٌ كلاميَّةٌ لا شأنَ للإمامِ أحمدَ بها من قريبٍ ولا من بعيدٍ، ولو نقَّبَ الأستاذُ ما نقَّبَ، ولو فتَّشَ ما فتَّشَ فلن يجدَ لمثلِ هذه التَّأويلاتِ أيَّ أثرٍ، لا في كلامِ الإمامِ ولا في كلامِ غيرِه من أئمَّةِ الحديثِ، وأؤكِّدُ هنا أنَّ الاعتراضَ ليس على ألفاظٍ واصطلاحاتٍ طارئةٍ يُعبَّرُ بها عن معانٍ ثابتةٍ عن السَّلف، بل ما أدَّعيهِ على الأستاذِ أنَّه لن يجدَ لهذه التَّأويلاتِ أيَّ ذكرٍ لفظيٍّ ولا معنويٍّ في كلامِ أحمدَ وأهلِ الحديثِ.

أما (تجدُّد التَّعلُّق)، فهو مَخرَجٌ ابتدعَهُ المتكلِّمون للخلاصِ من كلِّ دليلٍ يعارِضُ أصلَهم في (المنعِ من قيامِ الحوادثِ في الذَّاتِ الإلهيَّةِ)، فأصحابُ هذا الأصلِ عند كلامهم عن صفةِ (الإرادةِ) مثلًا، يقولونَ: إنَّ اللهَ تعالى ليس له إلا إرادةٌ واحدةٌ أزليَّةٌ، يقولونَ هذا لأنَّه لا يجوزُ عندهم أن يقومَ بذاته سبحانه إراداتٌ تتجدَّدُ وتتعدَّدُ، فإذا اصطدمُوا بمثلِ قولِه تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، ورأوا ظاهرَ قولِه: (إذا أرادَ) يفيدُ حدوثَ الإراداتِ وتعدُّدَها، أجابوا بأنَّ الذي يَحْدُثُ ويتجدَّدُ فقط إنَّما هو (تعلُّق الإرادةِ القديمةِ) بالمرادِ المحدَثِ. هكذا يقولونَ ويتكلَّفونَ(24)!

هذا المخْرَجُ الكلاميُّ المحدَثُ هو التأويلُ الذي سوَّغ الأستاذُ أن يُفسَّرَ به كلامُ الإمامِ أحمدَ، فنحنُ هنا أمامَ تأويلٍ محدَثٍ شَرِبَهُ الأستاذُ من مُطالعاتِ كتبِ الكلامِ، ثمَّ جاءَ به ليجعلَ كلامَ الإمامِ محتمِلًا قابلًا له. يفعلُ الأستاذُ هذا، ثمَّ يعودُ ليَعِظَ الباحثينَ ويُذكِّرَهم بضرورةِ تفسيرِ كلامِ العالمِ من خلالِ سياقهِ التَّاريخيِّ وبيئتهِ الاجتماعيَّةِ!

وهكذا تكونُ الزَّخارفُ والأسمارُ!

تأويلُ التَّكليمِ بالإسماعِ!

ما قيلَ عن (تجدُّدِ التَّعلُّقِ)، يُقالُ مثلُه عن تأويلِ تكليمِ اللهِ عبادَه على معنى: (إسماعِهم كلامَهُ الأزليَّ)، فأصلُ هذا التَّأويلِ أنَّ الكُلابيَّةَ والأشعريَّةَ لما كانوا يقولونَ: إنَّ الله لا يتكلَّمُ بحرفٍ وصَوتٍ، وأنَّ كلامَه معنى قديمٌ قائمٌ في نفسه تعالى، لما كان هذا معتقدَهم، ذهبوا إلى مثلِ قولِه تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)، فرأوا ظاهرَه يفيدُ أنَّ اللهَ خاطبَ موسى بحرفٍ وصَوتٍ حادثٍ سمعهُ موسى وقتَ كلامِ اللهِ له، فاحتاجُوا للخلاصِ من هذا بِصَرْف الآيةِ عن ظاهرِها، فقالوا: إنَّ اللهَ لم يكلِّم موسى يومَ الطُّورِ، وإنَّما خلقَ فيه قدرةً على فهمِ أو سماعِ المعنى القديمِ القائمِ في نفسِه تعالى، يقولونَ هذا لأنَّ إثباتَ تكلُّمِ الله يومَ الطُّورِ يعني إثباتَ (قيامِ الحوادثِ في الذَّات)، فمن هذه التُّربةِ الأشعريَّةِ نبتَ وترعرعَ تأويلُ التَّكليم بإسماعِ الكلامِ الأزليِّ، وفي الرَّبطِ بين هذا التَّأويلِ والمذهبِ الأشعريِّ يقول الرازيُّ: "من قالَ إنَّ كلامَه ليس بحرفٍ ولا صوتٍ قالَ: إنَّه يخلقُ في أذُنِ المكلَّفِ سمعًا يسمعُ به كلامَه القديمَ"(25)!

فهذا التَّأويلُ -إذن- من مُخلَّفاتِ مُعتَقدِ الأشعريَّةِ في الكلامِ النَّفسيِّ، وأما أحمدُ وأئمَّةُ السَّلَفِ المثبتين للحرفِ والصَّوتِ، فلن يجدَ الأستاذُ عنهم حرفًا واحدًا بهذا المعنى.

الأستاذُ جاء بهذا التَّأويلِ الأشعريِّ ثمَّ سلَّطه على قول الإمامِ: (إنَّ اللهَ لم يزلْ يتكلَّمُ إذا شاءَ)، لينتهيَ بذلك إلى أنَّ تلك المقولةَ ليس فيها دلالةٌ صريحةٌ على أنَّ اللهَ يتكلَّمُ إذا شاءَ! فحَسْبَ رأي الأستاذِ (النَّاقدِ التَّاريخيِّ، الشَّاهدِ لنفسهِ بالتَّميُّزِ): فإنَّ الإمامَ أحمدَ إمامَ أهل السُّنَّةِ والأثر من الممكنِ أن يقولَ: (إنَّ الله يتكلَّمُ متى شاءَ)، ويقصِدُ بذلك أنَّه يسمعُ من يشاءُ كلامَه الواحدَ القديمَ الأزليَّ الذي صدر عنه دونَ إرادةٍ أو اختيارٍ منه!

تعلُّقُ الأستاذِ بتأويلِ القاضي أبي يَعْلى:

مما يستوقفُ النَّاظرَ هنا أنَّ الأستاذَ لما أوردَ تلك التَّلفيقاتِ ذكرَ أنَّ "الشَّيخَ (ابنَ تيميَّة) وأتباعَه ... يرفضونَ توجيهَ عامَّة فقهاءِ المذهبِ بأنَّ المشيئةَ مُتعلِّقةٌ بإسماعِ الكلامِ الأزليِّ لا بالكلامِ نفسه. [ابن تيميَّة، التِّسعينيَّة 1/334]"(26)، هكذا زعمَ أنَّ ذاك التَّأويلَ المبتدَعَ قولُ "عامَّة فُقهاء المذهب"، وأحالَ في ذلك إلى كتابِ (التِّسعينيَّة) لابنِ تيميَّة، والذي يرجعُ إلى الموضعِ الذي أحالَ عليه الأستاذُ يجد ابنَ تيميَّة إنَّما ذكرَ أنَّ "القاضي (أبا يَعْلى) وأتباعَه" يتأوَّلونَ كلامَ أحمدَ على الإسماعِ ونحوه(27)، فلا أدري كيفَ استنبطَ الأستاذُ من كلام الشَّيخِ أنَّ ذاك التَّأويلَ قولُ: "عامَّة فقهاءِ المذهبِ"!

على أنَّ الأستاذَ لو كان يمارِسُ نقدًا تاريخيًّا حقيقيًّا، فلن يتعبَ كثيرًا في إدراكِ أنَّ القاضي إنما أخذَ هذا التَّأويلَ بما يُشبه النَّقلَ النَّصِّيَّ عن أبي بكر ابن فُورك الأشعريِّ، يعرفُ هذا من يقارنُ بين كلام أبي يَعْلى في (إبطال التَّأويلات)، وكلامِ ابنِ فُورك في كتابه (مُشْكِل الحديثِ وبيانه).

وأصلُ ذلك أنَّ ابنَ فُورك لما وضعَ كتابَه ملأه بتأويلِ أحاديثِ الصِّفاتِ على الطَّريقةِ الأشعريَّةِ، فجاءَ القاضي أبو يعلى وردَّ عليه في كتابِ (إبطال التَّأويلات)، وتعقَّبه في أكثرِ تأويلاتِه، لكنْ لما كانَ القاضي يوافقُ ابنَ فُورك في الأصلِ الكلاميِّ المحدَثِ: (المنع من حُلولِ الحوادثِ)(28)، فقد مشى معه في المنعِ من إثبات كلامٍ حادثٍ مُعَلَّقٍ بالمشيئةِ، ثمَّ وافقَه -بعد ذلك- في تأويلِ النُّصوصِ التي تُثبتُ حدوثَ الكلام وتجدُّدَه.

ابنُ فُورك -بمَشرَبهِ الأشعريِّ- يقولُ بالكلامِ النَّفسيِّ القديمِ، ولا يثبتُ كلامًا بحَرْفٍ وصَوتٍ فرارًا من إثبات (قيام الحوادثِ في الذَّات)، فجاءَ أبو يَعْلى -بمَشرَبهِ الحنبليِّ-فأثبتَ الحرفَ والصَّوتَ تبعًا للإمامِ أحمدَ، لكن خلطَ معه قولَ الأشعريَّةِ، فأثبتَ كلامًا بحروفٍ وأصواتٍ قديمةٍ أزليَّةٍ، فجاءَ قولُه مُلَفَّقًا ظاهرَ التَّناقضِ والتَّنافُرِ(29).

ولأنَّ القَوْلَ بكلامٍ واحدٍ قديمٍ يصادمُ أدلَّة الوحي التي تثبتُ تجدُّدَ الكلامِ وحدُوثَه وتعدُّدَهُ، فقد احتاجَ أبو يعلى إلى تأويلِ تلك الأدلَّة، فلم يجدْ أمامَه إلا تأويلاتِ ابن فُورك، فأخذها وحوَّلها إلى كتابهِ ونقلَها كما هي، ومن يقرأُ كلامَ الرجُلينِ يُدركُ أنَّ هذا مأخوذٌ من ذاك.

من ذلك مثلًا أنَّ ابنَ فورك جاءَ لحديث: (ما تقرَّبَ العبدُ إلى اللهِ سبحانه بمثلِ ما خرجَ منه. يعني القرآنَ)-وكانَ هذا من أشهرِ حُججِ أهلِ الحديثِ في نَفْيِ خلقِ القرآنِ-فلمَّا رأى ابنُ فُورك أنَّ عبارةَ (خرجَ منهُ) لا تنسجِمُ مع مذهبهِ في الكلامِ النَّفسيِّ، لأنَّ الكلام النفسيَّ لا يخرجُ، فلذلك احتاجَ لتأويلِ الخبرِ، فحملهُ على معنى قولِ القائلِ: (خرجَ لنا من كلامك خيرٌ كثيرٌ، وأتانا منه نفعٌ بيِّنٌ)(30)، فتأوَّلَ خروجَ الكلامِ من اللهِ على معنى ظهورِ منافعهِ للخلقِ، ومع أنَّ أبا يعلى لا يقولُ بالكلامِ النَّفسيِّ، لكنَّه أيضًا وجدَ في لفظةِ (الخروج) ما يتنافى مع (قِدَمِ الصَّوت والحَرْف)، فلجأ إلى انتساخِ تأويلِ ابن فُورك، وقال: "المرادُ بالخروجِ هنا ظهورُ المنافعِ"(31).

ومما قاله ابنُ فُورك في كتابه: "اعلمْ أنَّه لا يَصلحُ على أصلِنا في قولِنا: (إنَّ كلامَ اللهِ غيرُ مخلوقٍ ولا حادثٍ) بوجهٍ من الوجوهِ أن يقولَ: إنَّ اللهَ يتكلَّمُ بكلامٍ بعدَ كلامٍ، لأنَّ ذلك يوجبُ حُدوثَ الكلامِ"(32). ثمَّ جاءَ أبو يعلى فقالَ مثلَه: "اعلمْ أنَّا وإن أثبتنا الحروفَ والأصواتَ، فلا نقولُ: إنَّ اللهَ يتكلَّمُ كلامًا بعد كلامٍ، لأنَّ ذلك يوجبُ حدثَ الكلامِ"(33).

ومع أنَّ إثباتَ كلامٍ واحدٍ قديمٍ لا معنى لهُ إلا أنَّ اللهَ إنَّما تكلَّمَ مرةً واحدةً في الأزلِ، ثمَّ لم يتكلَّمْ بعدَ ذلك، إلا أنَّ ابن فُورك حرصَ على التَّبرِّي والتَّنصُّلِ من ذلك المعنى، فقال: "ولسنا نقولُ -أيضًا-: إنَّ اللهَ -عزَّ وجلَّ-إنَّما تكلَّمَ في الأزلِ، ثمَّ لم يتكلَّم بعد ذلك..." (34). وعلى الخُطى نفسِها يمشي أبو يَعْلى فيقولُ: "ولا نقولُ: إنَّه تكلَّمَ في الأزلِ مرةً، ثمَّ لم يتكلَّمْ بعد ذلك"(35).

ثمَّ يقولُ ابنُ فورك: "نقولُ: إنَّ اللهَ لم يزل مُتكلِّمًا، ولا يزال مُتكلِّمًا، وإنَّه قد أحاطَ كلامُه بجميعِ معاني الأمرِ والنَّهي، والخبرِ والاستخبارِ"(36). وبالألفاظِ نفسِها يقولُ أبو يعلى: "نقولُ: إنَّ اللهَ لم يزلْ مُتكلِّمًا، ولا يزالُ مُتكلِّمًا، وأنَّه قد أحاطَ كلامُه بجميعِ معاني الأمرِ والنَّهي والخبرِ والاستخبارِ"(37).

ثمَّ يأتي ما يؤكِّدُ أنَّ أبا يعلى كانَ يكتُبُ وعينُه على كتابِ ابنِ فُورك، وذلك لما نقل ابنُ فُورك عن الإمامِ ابنِ خُزيمةَ قوله: (إنَّ كلامَ اللهِ متواصلٌ لا سكتَ بَيْنَهُ)، فأطالَ في رفض ذلك ونَقْضهِ(38)، فجاء أبو يعلى ليقولَ مُوافِقًا: "وقد حكى ابنُ فُورك عن ابن خُزيمةَ أنَّه قالَ: (كلامُه متواصلٌ لا سَكْتَ فيهِ ولا صَمْتَ) وأنكرَ عليه ذلك"(39). ويُلحَظُ هنا أنَّ كلامَ ابن خُزَيمة هذا موجودٌ في كتابهِ (التَّوحيد)(40)، أحدِ أشهَرِ مَصادرِ مُعتقدِ أهلِ الحديثِ، إلا أنَّ عبارةَ أبي يعلى تُشعِرُ أنَّه لم يقِفْ على قَولِ ابن خُزَيمة، وإنما عرفَه بواسطةِ ابنِ فُورك!

ثمَّ نصِلُ -بعدَ ذلك-إلى تأويل التَّكليمِ بالإسماعِ: فنجدُ ابنَ فورك يعقدُ فصلاً في نَقْدِ كتاب (الأسماء والصِّفات) لأبي بكرٍ الصِّبْغيِّ؛ أحدِ أصحابِ الإمامِ ابنِ خُزَيمة(41)، وكانَ الصِّبْغِيُّ قد ساقَ مروياتٍ ظاهرُها حدوثُ الكلامِ من اللهِ وتجدُّدُه، فجاءَ ابنُ فُورك ليَعترِضَ ويقُولَ: إنَّه "قد أوْهَمَ بروايةِ هذه الأخبارِ التي ذكرها أنَّ اللهَ -جلَّ وعزَّ-يتكلَّمُ كلاماً بعد كلامٍ، ويقولُ قولاً بعدَ قولٍ ... نحو ما رُوِيَ أنَّ اللهَ تكلَّمَ بعدما خلقَ آدمَ، وتكلَّمَ يومَ أخذَ الميثاقَ، وتكلَّمَ لما خلقَ ذريَّةَ آدمَ، وتكلَّم لما خلقَ العقلَ، وتكلَّم لما خلقَ الجبالَ(42)، وتكلَّمَ بعد أن بعثَ إبراهيمَ -عليه السَّلامُ-، وبعد أن بعثَ أيُّوبَ، وبعدَ أن بعثَ يوسفَ وموسى...". ثمَّ يجيبُ ابنُ فُورَك عن هذا كلِّهِ فيقول: "إنَّ ذلك يرجِعُ إلى معنى تكثيرِ الإفهامِ والإسماعِ". يعني أنَّ اللهَ لم يتكلَّم في تلك الأوقاتِ والمناسباتِ، وإنما أسمعَ المخاطبينَ كلامَه القديمَ. ثمَّ يؤكِّدُ هذا ويقولُ: "الأولى أن يُقالَ: إنَّ كلامَ اللهِ لم يزلْ موجُودًا، ولا يزالُ موجودًا، وأنَّه يُفهِمُ خلقَه معانيَ كلامِهِ أولًا فأوَّلًا، وشيئًا بعدَ شيءٍ"(43).

هذا كلُّه كلامُ ابنِ فُورك، فإذا تحوَّلنا إلى كتابِ القاضي أبي يعلى وجدناهُ -أيضًا-يقول: "إن قيلَ: فقد رُويَ أنَّ اللهَ تعالى يتكلَّمُ في وقتٍ بعد وقتٍ، نحو ما رُوِيَ إنَّ اللهَ تكلَّمَ بعدما خلقَ آدمَ(44)، وتكلَّمَ لما خلقَ ذريَّة آدم وأخذَ الميثاقَ عليهِم، وتكلَّمَ بعد أن بعثَ إبراهيمَ، وبعد أن بعثَ أيُّوبَ وداودَ"(45). ثمَّ يجيبُ أبو يعلى بعين جوابِ ابن فُورك: "قيلَ معناهُ: أنه يُفْهِمُ خلقَه ويسمعهُم كلامَه وقتًا بعد وقتٍ، أو شيئًا فشيئًا"(46).

ثمَّ يُعيدُ ابنُ فُورك الاعتراضَ، ويقولُ: "فإن قالَ قائلٌ: أليسَ قد رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللهَ -عزَّ وجلَّ-تكلَّمَ ويكلِّمُ عبادهُ بعد أن يُقيمَ القيامةَ، وكما قالَ -عزَّ وجلَّ-: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ)، و(يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ)، وما قالَ الرسولُ ﷺ لعديِّ بنِ حاتمٍ: (ما منكم إلا وسيكلِّمُه ربُّه، ليس بينه وبينه تَرْجُمانٍ)". ثمَّ يجيبُ ابنُ فورك: "هذا راجعٌ إلى التَّكليمِ والإفهامِ، لا إلى تجديدِ الكلامِ"(47)، ويقول: "الذي يتجدَّدُ الإسماعُ والإفهامُ دون المسموعِ والمفهومِ"(48).

فيأتي القاضي أبو يعلى ليُعيدَ كتابةَ كلامِ ابنِ فُورك ويقولُ: "كذلك الجوابُ عمَّا رُوِيَ إنَّ اللهَ يُكلِّمُ عبادَهُ بعد قيامِ القيامَةِ، فقالَ: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ)، وقوله: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ)، وقولُ أهلِ الجنَّة له: (يا ربِّ ألم تغفرْ لنا؟ فيقولُ: بلى)..معناهُ ما تقدَّم من الإفهامِ والإسماعِ لكلامهِ القديمِ"(49).

فكما نرى: القاضي أبو يَعْلى لـمَّا لم يجدْ في كلامِ أحمدَ والسَّلفِ ما يعالجُ به تلك الأدلَّةَ المشكلةَ على قَولهِ، لجأ إلى ابنِ فُورك الأشعريِّ فمشى مع تأويلاتهِ حَذْوَ القُذَّة بالقُذَّة.

وبعدما تأوَّلَ القاضي أدلةَ الوحي على طريقةِ ابنِ فُورك، انطلقَ إلى كلامِ الإمامِ أحمدَ ليتأوَّله -أيضًا- بالطَّريقةِ نفسِها؛ فقالَ: "قال (أحمدُ) في رواية عبد الله فيما خرَّجهُ على الجهميَّةِ: (لم يزلْ مُتكلِّمًا إذا شاءَ)، ومعنى قولِ أحمدَ إذا شاءَ أن يسمِعَنا ويُفهِمَنا ذلك"(50). قال أبو يعلى هذا دون أن ينقُلَ عن أحمدَ شيئًا في هذا المعنى، وأحمد -رحمه الله-كانَ من أبعدِ النَّاسٍ عن مثلِ هذا التَّكلُّف، ولن يقولَ أبدًا: إنَّ اللهَ إذا شاء تكلَّمَ، إلا وهو يريدُ تعليقَ الكلامِ بالمشيئةِ، ولا يمكنُ أن يقولَ هذا ثمَّ يكونُ مقصودُه أنَّ اللهَ إنما تكلَّم مرةً في الأزل!

تلك حقيقةُ المصدرِ الذي جاءَ منه كلامُ القاضي، فهو مصدَرٌ لا صلةَ له بالإمامِ أحمدَ ومذهبِه، ولو أنَّ الأستاذَ تحرَّرَ قليلًا من آثارِ خصُوماتهِ، وانعتقَ من متاهَةِ التَّأويلاتِ الكلاميَّةِ، ومارسَ نقدًا تاريخيًّا حقيقيًّا، فلن تخطئَ عينُه أنَّ القاضي حين تأوَّلَ التَّكليمَ بالإسماعِ، فهو إنَّما كانَ يقرأُ كلامَ أحمدَ بعَينِ ابن ِفُورك وأصحابه، أو لِنَقُل: إنَّه كان يقرأُ كلامَ أحمدَ بما اعتادَ الأستاذُ تسميتَه: "القراءةَ الرِّساليَّةَ"، فالقاضي كان يريدُ تبرئةَ أحمدَ مما يراهُ هو باطلًا، فلذلك تأوَّل عِبارتَه على غير وجهِها، لكنْ أخشى أن الأستاذَ لا يلحظُ (القراءةَ الرِّساليَّةَ) إلا في جهةٍ واحدةٍ.

وقفةٌ مع مدرسَةِ القاضي أبي يعلى:

القاضي -رحمهُ اللهُ-وإن كان رأسًا في معرفةِ فقهِ أحمدَ، إلا أنَّ مَشْربَهُ العقديَّ لم يكُن خالصًا على طريقةِ الإمام ِوطريقةِ أصحابِه من أهلِ الأثرِ، ولعلَّ كتابَه (المعتمد في أصول الدِّين) أولُ مُصَنَّفٍ لعالمٍ حَنْبليٍّ يقرِّرُ المعتقَدَ على منوالِ كتُب الكلامِ، وعلى نهجِ القاضي مشى تلميذُه أبو الوفاءِ ابنُ عقيلٍ في (الإرشاد)، ومن بعدهما أبو الحسنِ ابنُ الزَّاغونيِّ في (الإيضاح)، وكثيرٌ من المسائلِ الكلاميَّةِ التي يذكرُها هؤلاء في تصانيفهِم اجتهاداتٌ لهم يذكرونها ويستدلُّونَ عليها من رأيهم، ولا ينقلونَ فيها شيئًا عن الإمامِ أحمدَ.

ومصادرُ هؤلاء في بحثهِم العقديِّ ليست مثلَ مصادرِهم في البحثِ الفقهيِّ، فكلامُهم في الفقهِ الحنبليِّ يدورُ حولَ نصوصِ الإمامِ واختياراتِه وترجيحاتِ أصحابِه، أما بحثُهم العقديُّ فمن أهمِّ مصادرِهم فيه كتُبُ الكلامِ التي لم يكُن للحنابلةِ سهمٌ فيها أصلًا، فهؤلاء كانوا يتتلمَذونَ في علمِ الكلامِ على مُخالفيهم، ثمَّ يجهدونَ بعد ذلك في الاستقلالِ بآرائهِم واختياراتهم، فبِسبَبِ ذلك وقعَ في كلامهم ما وقعَ من خللٍ.

فأما القاضي أبو يَعْلى فقد وقعَ في كلامِه موافقاتٌ كثيرةٌ لأقوالِ الأشعريَّةِ كما سيأتي.

وأما ابنُ عَقِيلٍ فقد ذكرَ هو عن نفسهِ أنه أخذَ الأصُولَ عن أبي عليِّ ابن الوليد وأبي القاسم ابنِ التَّبَّان(51)، وكلاهما من المعتزلةِ؛ من أصحابِ شيخِ الاعتزالِ؛ أبي الحسين البصريِّ، والأولُ منهما كانَ داعيًا إلى مذهبهِ(52)، وكان ابن ُعقيلٍ يقرأُ عليهما سِرًّا(53)، فلهذا نزعَ في اختياراتِهِ نحو مَذهبهما قبلَ أن يؤوبَ ويُعْلِنَ توبتَه(54)، ومع ذلكَ فقد بقيَتْ آثارُ الاعتزال في كلامِهِ(55)، وبسببِها قالَ عنه الذَّهبيُّ: "حصلَ فيه شائبةُ تجهُّمٍ واعتزالٍ، وانحرافٌ عن السُّنَّة"(56). وقال ابنُ رجبٍ: "كان بارعًا في الكلامِ، ولم يكُن تامَّ الخبرةِ بالحديثِ والآثارِ، فلهذا يضطربُ في هذا البابِ، وتتلوَّنُ فيه آراؤه"(57). وقد رأيتُ له موضعاً في كتابه (الفنون) ذكر فيه أنَّه يجتهِدُ فلا يقلِّدُ أحمدَ ولا غيرَه، حتى في أصُول الدِّين(58).

وأما ابنُ الزَّاغُوني فيقولُ عنه الذَّهبيُّ: "له تصانيفُ فيها أشياءُ من بحوثِ ‌المعتزلةِ، بدَّعُوه بها لكونهِ نصَرَها"(59). ومَن يطالعُ كتابَه (الإيضاح) يرى فيه مباحثَ كثيرةً لا صِلَةَ بينها وبين الإمامِ أحمدَ، بل إنَّ نقلَه عن الإمامِ في الكتابِ لا يكادُ يُذكَرُ، ومع طولِ الكتابِ وكَثْرةِ مسائلِه، فلعلَّ النصُوصَ التي نقلَها فيه عن الإمامِ لا يبلغُ تعدادُها أصابعَ اليَدِ أو قريبًا منها.

وعلى ابن عقيلٍ وابن الزَّاغُوني تخرَّجَ أبو الفرج ابنُ الجوزيِّ وقد عُرِفَ ميلُه للتَّعطيلِ واشتهرَ مُصنَّفُه في تأويل الصَّفاتِ على خلافِ طريقةِ أحمدَ، متابعةً لشيخِه ابنِ عَقيلٍ(60).

ومن مُسْتَشْنَعِ الأقوالِ التي وقعتْ في كلامِ ابنِ الزَّاغُونيِّ -وقَبْلَهُ أبو يَعْلى- قولُهما إنَّ ما يُسمَعُ من تالي القرآنِ هو "صوتُ اللهِ تعالى"! هكذا عِبارةُ ابنِ الزَّاغُونيِّ(61)، وأما أبو يَعْلى فقالَ: إنَّ كلامَ اللهِ يظهرُ في صوتِ التَّالي: "كظهورِ الوجهِ في المرآةِ والصَّدى في الجُدرانِ"، نقلَ ذلك عنه تلميذُه ابنُ عَقيلٍ وذكر أنَّه تلقَّى هذا القولَ عن بعضِ المتكلِّمينَ ونصَّ عليه في بعض كتُبهِ(62). ثمَّ قال ابنُ عَقيلٍ مُنتَقِدًا: "وما هذا مأخوذٌ من كلامِ المسلمينَ، وإنما هو من كلامِ النَّصارى والفلاسفةِ، ذكرَهُ ابن التَّبَّانِ (المعتزليُّ) لشيخِنا، ونقلَهُ شيخُنا على ما حكاهُ له من الشَّبَهِ في الانطباعِ، وما لهم ولكلامِ الفلاسفةِ الملحَدَةِ يُتَعلَّقُ به في أمرٍ لا يليق"(63).

وليس المقصُودُ هنا تتبُّعَ ما وقعَ في كلامِ أولئكَ من غلطٍ-يغفرُ اللهُ لهم-، وإنما المرادُ التَّنبيهُ على واحدٍ من الأخطاءِ الشَّائعةِ لدى بعضِ من دخَلَ في هذه المباحِثِ، فصار يريدُ أن يجعلَ لاسمِ (الحنابلَةِ) مثلَ ما لاسمِ (الإمامِ أحمدَ) من مَنزلةٍ وإمامةٍ في السُّنة، أو يريدُ يَنصِبَ أقوالَ مُتكلِّمةِ الحنابلةِ، لتكونَ المقدَّمةَ في تفسيرِ قولِ الإمامِ دون أصحابِه من أهل الحديث.

أحمدُ-رحمهُ اللهُ-لم يؤسِّس مَذْهَبًا عقديًّا ولا مدرسةً كلاميَّةً، وإنما كانَ رأسًا في مذهبِ أهلِ الحديثِ القائمِ قبلَه. والمذاهبُ العقديَّةُ لم تَنْقَسِمْ -في الأصلِ- إلى: (حنفيَّةٍ، ومالكيَّةٍ، وشافعيَّةٍ، وحنبليَّةٍ)، وإنما انقسمتْ إلى: (أهلِ الحديثِ، والأشعريَّةِ، والمعتزلَةِ، والكرَّاميَّةِ،...)، فلأجل ذلك كانَ كثيرٌ من علماءِ الحنفيَّةِ والمالكيَّةِ والشَّافعيَّةِ يَنْسُبونَ أنفسَهم لمعتقَدِ أحمدَ، قاصدينَ بذلك طريقةَ أسلافِه من أهلِ الحديثِ؛ فأولى الحنابلةِ بالإمامِ وأعرفُهم بنهجِهِ العقديِّ من كانَ منهُم على مثل مَشْرَبِهِ؛ مَشْرَبِ أهلِ الحديثِ والأثرِ.

واستعمالُ اسمِ (الحنابلةِ) في كتُبِ الكلامِ والمقالاتِ ينبغي أن يؤْخَذَ بالكثيرِ من الحذَرِ، فقُدماءُ الحنابلةِ كانوا أهلَ حديثٍ ورِوايةٍ، والمتكلِّمونَ الذين كتبُوا في المقالاتِ إنمَّا يعرفون كلامَ نُظرائهم ممن بحثُوا وكتبوا على طريقتهِم، وفُقهاءُ مذهبِ أحمدَ وإن كانُوا -في الجملةِ- أسلمَ وأبعدَ عن مسالكِ أهلِ التَّعطيلِ، إلا أنَّهم لم يبقَوا بمَعْزلٍ عمَّا دخلَ على غيرهم، وبخاصَّةٍ تلك الطَّبقةُ التي ابتدأتْ البحثَ الكلاميَّ مع قلَّةِ معرفةٍ بآثارٍ السَّلف.

والقاضي أبو يَعْلى-رحمهُ اللهُ-وإن كانَ ميَّالًا للإثباتِ في باب الصِّفات، وبخاصَّةٍ الصِّفاتُ الخبريَّةُ، إلا أنَّ بحثَه العقديَّ مدخولٌ مُضطَربٌ، يعرفُ هذا من يُقَارِنُ بين كتابَيه (المعتمَد) و(إبطال التَّأويلاتِ)، حيث يقرِّرُ في أحدِهما خلافَ ما في الآخرِ، ولولا خشيةُ الإطالةِ لذكرتُ نماذجَ من ذلك.

وقد جاءَ في ترجمتِه -رحمهُ اللهُ- أنه قرأَ في أصُولِ الدِّينِ على أبي محمَّد ابنِ اللَّبَّان الأصبهانيِّ (446ه)(64)؛ تلميذِ أبي بكرٍ الباقلانيِّ، وعلى ما يحكيهِ ابنُ عساكرٍ فقد كانَ أبو يَعْلى يقرأُ عليه سِرًّا فَرَقًا من أن يعلمَ بذلك أصحابُه من حنابلةِ بغدادَ(65)، وهذا ما فعلَهُ من بعدِه تلميذُه ابنُ عَقيلٍ لما قرأ على شيوخِ المعتزلةِ.

وابنُ اللَّبَّانِ -الذي قرأ عليه أبو يَعْلى في أصول الدِّين-هو الذي يذكرُ عنه مُعَاصِرُه أبو نصرٍ السِّجْزيُّ أنَّه أُخرِجَ من بغدادَ بعدما ألَّفَ رسالةً في الاعتقادِ على طريقةِ الأشعريِّ سمَّاها: (شرحُ مقالةِ الإمامِ الأوحدِ، أبي عبدِ الله أحمدَ بنِ حَنبلٍ)(66)! ولا يُعرَفُ إن كان أبو يَعْلى أخذَ الكلامَ عن غيرِ هذا الشَّيخِ أو لا، لكن من المجزومِ به أنَّهُ يأخذُ في تصانيفِه عن مُتكلِّمي الأشعريَّةِ، حتى مع مخالفتِهِ لهم ورَدِّه عليهم؛ فكما أخذَ ببعضِ تأويلاتِ ابن فُورك في كتابِ (إبطال التَّأويلات)، فقد انتحلَ في كتاب (المعتمَد) طائفةً من أقوال أبي بكرٍ الباقلانيِّ(67).

وكان من أظهرِ الأصُولِ التي سرَتْ إلى القاضي أبي يَعْلى من أهل الكلامِ، القولُ بمنع قيام الحوادث في الذَّات، وهو الأصلُ الذي بنى عليه مذهبَه في كلام الله سبحانه.

أغلوطةُ المنع من قيام الحوادث في الذَّات:

اللهُ سبحانه وصفَ نفسَه فقال: (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)، وتجدُّدُ الأفعال منه سبحانه مما تواترت به أدلَّةُ القرآنِ والسُّنَّة وأقوالُ الصَّحابة وآثارُ السَّلف. غيرَ أنَّ جمهورَ أهلِ الكلامِ يمنعونَ أن يقومَ بذاته سبحانه فعلٌ حادثٌ، لأنَّ الحادثَ عندَهم لا يقومُ إلا بحادثٍ مخلوقٍ!

وأبو يعلى -رحمه الله- ممَّن مشى على هذا الأصل وقَّررَه في أكثرَ من موضعٍ، من ذلك قوله في (الإبطال): "اللهُ يتعالى عن وُجودِ الحوادثِ بذاته"(68)، وهو حين يذكرُ هذا الأصلَ لا ينقُل فيهِ حرفًا واحدًا عن الإمامِ أحمد أو عن غيرِه من أهل الحديث، ذلك أنَّ كلامَ أحمدَ ونصوصَه المستفيضةَ تأبى هذا الإطلاقَ وتنقضُه، غيرَ أنَّ المتكلِّمين -زمنَ أبي يَعْلى وقبلهُ- كانُوا يذكرونَ هذا الأصلَ الكَلاميَّ كما تُذْكَرُ المسلَّماتُ، وقلَّ منهم من ينازِعُ فيه، حتى قال الجُوينيُّ -المعاصرُ لأبي يعلى-: "لم يَصِرْ أحدٌ من أهل الملَلِ والنِّحَل -بعد المجوسِ-إلى تجويزِ قيامِ الحوادثِ بالقديمِ إلا الكرَّاميَّةَ"(69)، ثمَّ جاء ابنُ الزَّاغُوني ليزعُمَ إجماعَ الأمَّةِ قاطبةً على هذا الأصلِ(70). ثمَّ حكى الآمديُّ عليهِ اتفاقَ: "العقلاءِ من أربابِ الملَلِ وغيرهِم"(71).

فأبو يَعْلى تلقَّى هذه المسلَّمةَ الكلاميَّةَ وقَبِلَ بها والتزمَ لوازمَها، فكما قالَ بكلامٍ واحدٍ قديمٍ لا يتعدَّدُ ولا يتعاقَبُ التزامًا بهذا الأصلِ، فقد قالَ مثلَ هذا في صفاتِ (الإرادةِ)، و(العلمِ)، و(القُدرةِ) حيثُ قالَ: "هو سبحانَهُ عالمٌ بعلمٍ واحدٍ، وقادرٌ بقُدرةٍ واحدةٍ، وحيٌّ بحياةٍ واحدةٍ، ومُريدٌ بإرادةٍ واحدةٍ، ومُتكلِّمٌ بكلامٍ واحدٍ"(72). فهو -غفرَ اللهُ له- كما فرَّ من إثباتِ كلامٍ يحدُثُ بعد كلامٍ، يريد -أيضًا-أن يَفِرَّ من إرادةٍ تحدثُ بعد إرادةٍ، أو علمٍ يحدُثُ بعد علمٍ، كي لا يُثْبِتَ قيام الحوادث في الذَّات.

ولما جاء لحديثِ: (اشتدَّ غضبُ الله على من كذَبَ عليَّ مُتعمِّدًا)، منعَ من دلالةِ عبارة (اشتدَّ غضبُ اللهِ) على زيادةِ الغَضَبِ، ثمَّ علَّل ذلك وقالَ: "لأنَّ صفاتِ الذَّاتِ لا تُوْصَفُ بالتَّزايُد"، قالَ هذا لأنَّه يفهَمُ أنَّ تزايُدَ الغضبِ يعني الحدوثَ والتَّجدُّدَ في الذَّات(73).

ولما جاءَ لحديثِ: (سبقتْ رحمتي غضبي)، تأوَّله وقالَ: "معناهُ سبقَ الكائنُ من رحمتي غضبي، لأنَّ صفاتِ ذاتِه لا تتَّصِفُ بسَبْقِ بعضِها على بعضٍ"(74).

ويلحَظُ هنا -أيضًا-أنه يقولُ هذا كُلَّهُ اجتهادًا، ولا يحكي شيئًا عن الإمام أحمد.

ومن الأقوالِ الفاسدةِ التي قال بها القاضي التزامًا بقاعدةِ: (المنع من قيامِ الحوادثِ) مسألةُ (الموافاةِ)، وهي -في الأصلِ-من مقالات ابنِ كُلَّابٍ والأشعريِّ المشهورةِ عنهُما(75)، وخلاصتُها أنَّ اللهَ سبحانهُ لم يزلْ مُحِبًّا للكافرِ الفاجرِ، راضيًا عنه حالَ إقامتِهِ على الكُفرِ والفجُورِ، إذا كانَ يعلمُ أنَّه سيؤمنُ ويوافي على الإيمانِ، كما أنَّهُ سبحانه لم يزلْ ساخطًا غاضبًا كارهًا للمؤمنِ التَّقيِّ حالَ إيمانِهِ وتقواهُ، إذا كانَ يعلمُ أنه سينكُصُ ويوافي على الكُفْرِ، فابنُ كُلَّابٍ والأشعريُّ اضطرَّا لهذا القولِ الفاسدِ فرارًا من إثباتِ رضا يحدُثُ بعد سخطٍ، أو سخطٍ يحدُثُ بعد رضا.

وعلى هذا المذهبِ جرى القاضي فقالَ في (إبطال التَّأويلاتِ): "لم يزلْ راحمًا مُريدًا تنعيمَ من عَلِمَ تنعيمَه، ولم يزلْ غضبانَ مُريدًا تعذيبَ من قد علِمَ تعذيبَه"(76). وقالَ في (المعتمَد): "نقولُ: إنَّ الله تعالى كان راضيًا عن أبي بكرٍ وعمرَ أولَ الكُفرِ وعبادةِ الأصنامِ، وإنَّه كانَ مُبغضًا ساخطًا على إبليسَ في حالِ العبادةِ والطَّاعةِ"(77).

وممَّن قال بهذا من الحنابلةِ -أيضًا-أبو الفضلِ التَّميميُّ في مختصَرِهِ الذي صنَّفهُ في مُعتقدِ الإمامِ أحمدَ، حيثُ قالَ فيه: "لم يزلْ اللهُ تعالى غاضبًا على ما سبقَ في علمِه أنَّه يكونُ ممَّن يعصيهِ، ولم يزلْ راضيًا على ما سبقَ في علمِهِ أنَّه يكونُ ممن يُرضِيهِ"(78).

وكلا الرَّجُلَين يقولانِ بهذا القولِ الكُلَّابيِّ الأشعريِّ دونَ أن يحكيا فيه شيئًا عن الإمامِ أحمدَ، وإنما يقولانه التزامًا بالمنعِ من قيامِ الحوادثِ في الذَّات.

والمقصودُ من ذِكْرِ هذا كلِّه: التَّذكيرُ والتَّنبيهُ على أنَّ الباحثَ والنَّاقدَ الحقيقيَّ يحتاجُ أن يستحضرَ أنَّ القاضي ومُوافقيهِ لديهُم أصلٌ كلاميٌّ كبيرٌ يمنعُهم ضرورةً من إثباتِ كلامٍ للهِ حادثٍ مُعَلَّقٍ بالمشيئة. وإذا كانُوا يتأوَّلونَ نصُوصَ الوحي المعارِضةِ لهذا الأصلَ، فلا غَرْوَ أن يتأوَّلوا مثلَ كلام الإمامِ أحمدَ، وهذا ما فعلهُ القاضي حين انتسخَ تأويلَ ابن فُورك وأنزلَه أوَّلًا على نصُوصِ الوحي، ثمَّ أنزلهُ على قولِ الإمامِ: إنَّ اللهَ (لم يزلْ يتكلَّمُ إذا شاء).

والذي يقبلُ هذا التَّأويلَ، إن كانَ يفهمُ الأصلَ الذي بُنيَ عليهِ، فسيحتاجُ إلى الموافقةِ على منظُومةٍ عقديَّةٍ واسعةٍ تتناولُ بالتَّأويلِ سائرَ صفاتِ الأفعالِ الاختياريَّةِ للهِ سبحانه، كالضَّحكِ والفرَحِ والعَجَبِ والرِّضا والمحبَّةِ والغضَبِ والسَّخطِ والمقْتِ والنُّزولِ والمجيءِ وغيرِ ذلك، فالقولُ بالكلامِ القديمِ، ثمَّ تأويلُ التَّكليمِ بالإسماعِ ليس قولًا مُنفرِدًا معزولًا عن سياقهِ، بل هو جزءٌ من منظومة تأويلٍ مُتفرِّعةٍ عن أصلٍ عقديٍّ إثباتُه عن أحمدَ دونَه خرطُ القتاد.

ومما يحسُنُ ذكرُه هنا:

أنَّ القاضي أبا يَعْلى -حين تأوَّلَ عبارةَ الإمامِ أحمدَ- كان يُدركُ أنَّ ظاهرَها يخالفُ قولَهُ، لكنَّه اضطرَّ إلى تأويلِها تنزيهًا للإمامِ عمَّا يراه قولًا باطلًا، يدلُّ على ذلك قولُه: "حكى أبو بكرٍ في السُّنَّةِ من (المقنعِ) عن بعضِ أصحابِنا أنه (يتكلَّمُ إذا شاء)، كما نقولُ: (يخلقُ إذا شاءَ)، ولعلَّهُ تعلَّقَ بظاهرِ كلامِ أحمدَ في روايةِ عبدِ اللهِ. وقد حكيتُ كلامَ هذا القائلِ في (مسائل القرآنِ)، وبيَّنتُ أنَّ هذا قولٌ يؤدِّي إلى حَدَثِ القرآن"(79). فهو -يغفرُ اللهُ له- يعلمُ ويفهَمُ ظاهرَ كلامِ الإمامِ، لكنَّه يرى أنَّ هذا الظاهرَ يؤدِّي إلى باطلٍ، فلذلك لجأَ إلى تأويله.

وحيثُ وصلنا -مع الأستاذِ-إلى الحديثِ عن (ظاهرِ الكلامِ)، فسنعودُ مرَّةً أخرى إلى إشكالِ القَفز إلى كتُبِ المخالفينَ قبل استكمالِ الأدواتِ العلميَّةِ المؤهِّلَةِ للتعامُل معها.

بين مُصطلَحِ (الظَّاهرِ)، ومُصطلَحِ (المجمَلِ):

ذكرتُ فيما سبقَ أنَّ الأستاذَ لما أوردَ استشكالاتِه على مَقولةِ الإمام أحمدَ، قالَ ما لفظُه: "إنَّ تجاوُزَ مثلَ هذه الإشكالاتِ لتقريرِ نتيجةٍ مُسْبَقَةٍ، بناءً على نَصٍّ مجمَلٍ، وفي ثبوتِ نسبته إشكالٌ=هي قراءةٌ مذهبيَّةٌ مختصرةٌ لهذه القضايا الشَّائكةِ في تاريخ العقائد"(80).

فالأستاذُ هنا يزعمُ أنَّ مقولةَ الإمامِ نصٌّ مُجمَلٌ لا يمكنُ الاعتمادُ عليه في معرفةِ مذهبهِ، وقد ظنَنْتُ -أولَ الأمرِ-أنَّ هذا سهوٌ وذهولٌ عن معنى (المجمَل)، لكنّي رأيتُه كرَّرَ هذا الخطأَ في موضعٍ آخرَ من مقالتِه(81)، ثمَّ بنى على ذلك إهدارَ معنى مقولةِ الإمام.

ومثلُ هذا الكلامِ -الذي استعملَ فيه الأستاذُ مُصطلحَ (المجمَل) في غيرِ محلِّه- هو ما يكشِفُ ويؤكِّدُ ضرورةَ استكمالِ الآلةِ العلميَّة قبلَ الانتقالِ للنَّظرِ في كتُب المخالفين، فما كتبَهُ الأستاذُ هنا يدلُّ على أنَّهُ لا يميِّزُ بين مصطلحِ (الظَّاهر)، ومصطلحِ (المجمَل).

(المجمَلُ) في اصطلاح العُلماء يُطْلَقُ على: "ما لا يُفهَمُ منه عند الإطلاقِ معنى"(82)، أو: "كلُّ لفظٍ لا يُعْرَفُ معناهُ منه"(83). هذا تفسيرُ (المجمَل) عندَهم، فهو مصطلحٌ يطلقُ على الكلامِ المبهَمِ الذي يفتقرُ ضرورةً إلى كلامٍ آخَرَ يشرحُ المرادَ منه، مثلُ قولِه تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ)، فالحقُّ المأمورُ بأدائه في الآيةِ غيرُ مفهومٍ، فهو (مجمَلٌ) يفتقرُ إلى دليلٍ يُبيِّنُه، ودونَ هذا الدَّليل المبيِّنِ يبقى معنى الكلامِ مُبهَمًا غيرَ مفهومٍ.

وكذلك قولُه: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)، فالصَّلاةُ والزَّكاةُ المأمورُ بهما في الآيةِ لا يمكنُ فهمُ المرادِ منهُما إلا بدليلٍ آخرَ مُبيِّنٍ، ومن هنا صارَ أهلُ العلمِ يقُولونَ: إنَّ السُّنَّة تأتي مُبَيِّنةً لما أجمِلَ في القرآنِ الكريمِ، ويجعلونَ هذا مما يُبطِلُ دعوى الاستغناءِ عن السُّنَّة بالقرآنِ.

هذا معنى (المجمَل) عند العُلماءِ، ومن هذا يُعلَمُ خطأُ تنزيلِه على مقولةِ الإمامِ: (إنَّ اللهَ لم يزل مُتكلِّمًا إذا شاءَ)؛ إذ لا يمكنُ لأحدٍ أن يدَّعِيَ أنها عبارةٌ لا يُفهَمُ معناها، فحتى لو تنزَّلنا جدلًا وقَبِلْنا احتمالَها تلك التَّأويلاتِ التي تكلَّفها الأستاذُ، فأقلُّ ما يُقالُ عنها: إنها تندرجُ تحت مصطلحِ (الظَّاهر) لا (المجمَل)، فالظَّاهرُ عند أهل العلم: "كلُّ لفظٍ يحتملُ مَعْنَيَيْن وأكثر، وبعضُها أولى باللَّفظِ، فيُحمَلُ على الأولى والأظهرِ"(84).

والأخذُ بالظَّاهر يقابِلُه: (التَّأويلُ)، فلذلك يقولُ ابن قُدامة: "حكمُه: أن يُصَارُ إلى معناه الظَّاهرِ، ولا يجوزُ تركُه إلا بتأويلٍ"(85).

فالظَّاهرُ -إذن-كلامٌ له معنى مفهومٌ قريبٌ يتعيَّنُ الأخذُ به، ولا يجوزُ العدولُ عنه وتأويلُه إلى معنى آخرَ مُحتمَلٍ إلا بدليلٍ يوجبُ إهدارَ المعنى الأقربِ.

والخلطُ بين مصطلحي (الظَّاهر)، و(المجمَل) ليس خطأً شكليًّا يتعلَّقُ فقط باستخدامِ لفظةٍ مكانَ أخرى، بل هو تضييعٌ لأصلِ أهلِ السُّنَّة الأهمِّ في باب الصِّفات؛ فمن أهمِّ الأصولِ السُّنيَّةِ: التَّأكيدُ على إجراءِ نصُوصِ الصِّفات على (ظواهرها)، ورفضُ تأويلاتِ أهل التَّعطيلِ حتى لو قُدِّرَ أنَّ لها وجهًا في اللِّسان العربيِّ. ومن سوَّى بين ظاهرِ الكلامِ وتأويلِه، وجعلَ الجميعَ بمنزلةٍ واحدةٍ، فسوف تلتبِسُ عليه المسالكُ، ليس فقط في التَّعامُلِ مع نصُوصِ الأئمَّةِ، بل حتى مع نصُوصِ الوحي، فمن المعلوم أنَّ عُمدةَ تأويلاتِ أهل التَّعطيلِ صَرْفُ (ظواهرِ) نصوصِ الصِّفاتِ إلى معانٍ بعيدةٍ يرونَ اللِّسان العربيَّ يقبَلُها.

وكما أنَّ لهؤلاء تأويلاتِهم لنصُوص الوحي، فلهم كذلك تأويلاتٌ لنصوصِ من يُعظِّمُونه من الأئمَّةِ متى رأوا في كلامهِ ما يعارضُ قولَهم، ومن لا يتفطَّنُ لهذا المزلقِ، فلا غرابةَ أنْ تروجَ عليه نسبةُ تأويلاتِ (تَجَدُّدِ التَّعلُّقِ)، و(إسماعِ الكلامِ القديمِ) للإمامِ أحمدَ، وإن سارَ الأستاذُ على هذا النَّهْجِ في معاملةِ نصوصِ الأئمَّةِ فستدخُلُ عليه -لا محالةَ-تأويلاتُ المتكلِّمينَ لنصُوصِ الوَحي أيضًا، فالبابُ هنا واحدٌ.

خاتمةٌ من أسمارِ الأستاذِ وزخارفِه:

لا يزالُ لحديثنا بقيَّةٌ، وحيثُ طال المقامُ، فسوف أختمُ هذه الحلقةَ بواحدةٍ من زخارف الأستاذِ وأسمارِه:

ففي مقالةِ: (القراءة المذهبيَّة) أرادَ الأستاذُ مُعارضةَ القولِ بتأثُّر أبي يعلى ومُوافقيه بمذهبِ الكلابيَّةِ والأشعريَّةِ، فكان من حُجَّتِه أنَّ التَّشابُهَ بين المذاهبِ "ليس كافيًا لدعوى حُصولِ تأثُّرٍ"(86)، ثمَّ قال الأستاذُ مُتَزَخْرِفًا: "وقد نبَّهَ على هذا عبدُالرحمن بَدَوي في نقدِه لمنهجِ المستشرقِ الإسبانيِّ آسين ميغيل بلاثيُوس". وبعد هذه الجملة الزُّخرفيَّة نقل الأستاذُ نصًّا للدكتور عبدِالرحمن بدوي أساءَ فهمَه وأنزلَهُ في غير محلِّه الذي أرادَه قائلُه!

بلاثيوس له مُؤلَّفٌ عن (ابنِ عربي المتصوِّف) ربط فيه بطريقةٍ غيرِ منهجيَّةٍ بين أشخاصٍ وطوائفَ مُتباعدينَ مكانًا أو زمانًا، فكانَ يُطلِقُ القولَ بتأثُّر بعضِهم ببعضٍ لأدنى تشابُهٍ يجدُه دون أن يُثْبِتَ حصولَ اتصالٍ بين تلك الشَّخصيَّاتِ والطَّوائفِ المتباعدةِ التي زعمَ تأثُّر بعضِها ببعضٍ.

فمن ذلك مثلًا: رَبْطُه بين أبي الحسين الحلَّاج والرَّاهبةِ الإسبانيَّةِ تِيريزا الآبُليَّةِ، فالحلَّاجُ عاشَ في القرنِ الثالثِ في بلادِ فارسٍ وقُتلَ ببغدادَ، وتِيريزا عاشتْ في الأندلسِ في القرنِ العاشرِ(87)، فيأتي بلاثيوس ليَربُطَ بينهُما لمجرَّد أنه وجد تشابُهًا في المعنى بين بيتِ شعرٍ للحلَّاج وبين جُملَةٍ كانتْ تيريزا تستخدمُها في مُناجاتها(88)!

ومن دعاوى بلاثيوس: ما ذكره من تأثُّر ابنِ عربيٍّ بـ (اليوجَا) الهنديَّة(89)! وزَعْمُه أنَّ الشَّاعرَ الإيطاليَّ دانتي تأثَّرَ في (الكوميديا الإلهيَّةِ) بكتابِ (الفتوحاتِ المكيَّةِ) لابن عربيِّ(90)!

فهذا الرَّبطُ العشوائيُّ هو ما عابَه بَدَوي على بلاثيوس، فاعتراضُه كان على رَبطٍ مُرتجَلٍ بين شخصيَّاتٍ وطوائفَ مُتباعدةٍ لم يثبت اتصالُ بعضِها ببعضٍ بناءً على تشابُهٍ يمكنُ وقوعُه اتفاقًا. فإذا عُلمَ مقصودُ بَدَوي، فإنَّ من سُوءِ الفَهمِ تنزيلَ كلامِه على نقدٍ تاريخيٍّ مُقارِنٍ يربِطُ بين كلاميَّاتِ القاضي أبي يَعلى وبين أقوالِ الأشعريَّة الذين كان يعيشُ بينهم، ويقرأ مُصنَّفاتهم، ويدرُسُ على بعضِهم، ويتلقَّى علمَ الكلامِ عنهُم.

ومن مثاراتِ العجَبِ هنا أنَّ نصَّ بَدَوي الذي نقلَهُ الأستاذُ صريحٌ في بيانِ مُراده، فالأستاذُ نقلَ عن بَدَوي قولَه: "ينبغي أن نأخُذَ أقواله (بلاثيوس) فيما يتعلَّقُ بالتَّأثيرِ والتأثُّرِ بأشدَّ الحذرِ، لأنَّ منهجَه هنا غيرُ مُحكَمٍ؛ إذ اعتمدَ على مُجرَّد التَّشابُهِ العامِّ ليُقرِّرَ وجودَ تأثيرٍ، مع أنه لا يجوزُ لباحثٍ أبدًا أن يقرِّرَ تأثيرًا إلا إذا ثبتَ بالوثائقِ الكتابيَّةِ أو النُّقولِ الشَّفَويَّة الصَّحيحةِ أنَّ المتأثِّرَ المزعومَ قد اطَّلعَ على الذي زُعِمَ أنه أثَّر وعرفَه ونقلَ عنه"(91).

فالذي يقرأ هذا الكلامَ يحتاجُ فقط إلى فهمٍ متوسِّطٍ ليُدرِكَ مرادَ بدوي الذي كان يتحدَّثُ في وادٍ بعيدٍ عن وادي الزَّخارف والأسمار حيثُ يقطُنُ الأستاذُ الشَّاهدُ لنفسه بالتميُّز.
 

للحديث بقية إن شاء الله ...

---------------------------------------

 

(1) القراءةُ المذهبيَّةُ للتَّاريخ العقديِّ (ص172)، وانظر -أيضًا-ما سبق بيانه في الحلقتين الثَّانية والثَّامنة من هذه السِّلسلة.

(2) القراءةُ المذهبيَّةُ للتَّاريخ العقديِّ (ص166).

(3) القراءةُ المذهبيَّةُ للتَّاريخ العقديِّ (ص167).

(4) القراءةُ المذهبيَّةُ للتَّاريخ العقديِّ (ص167).

(5) القراءةُ المذهبيَّةُ للتَّاريخ العقديِّ (ص167).

(6) القراءةُ المذهبيَّةُ للتَّاريخ العقديِّ (ص171).

(7) القراءةُ المذهبيَّةُ للتَّاريخ العقديِّ (ص171).

(8) القراءةُ المذهبيَّةُ للتَّاريخ العقديِّ (ص175).

(9) المحنة (ص140)، وعنه ابنُ أبي يعلى في طبقات الحنابلة (1/386).

(10) السُّنَّة للخلَّال، كما في بيان تلبيس الجهميَّة (2/624)، وقد روى نحوها غلام الخلَّال في السُّنَّة (504/رقم35).

(11) المحنة (ص102).

(12) رواه الخلَّال في السُّنَّة -كما نقله ابن تيميَّة في درء التَّعارض (2/37)- ورواه غلام الخلَّال في السُّنَّة (500/رقم32)، وابن بطَّة في الإبانة الكبرى-الرَّدُّ على الجهميَّة (2/321/496). والنصُّ إلى قوله: (كرامةً منه لموسى) في المحنة لحنبل (ص113)، وفي المحنة لعبد الغنيِّ (ص61).

(13) إبطال التَّأويلات (ص686).

(14) السُّنَّة، لغلام الخلَّال (498/رقم29).

(15) هو كتابٌ رواه الخلَّالُ في السُّنَّة (2/112) عن أبي بكرٍ المرُّوذيِّ قال: "أمرني أبو عبد الله أن أكتُبَ إلى محمَّد بن هارون الأنطاكيِّ، وأعطاني بعض الكتاب، وكتبتُ أنا بعضه، فعرَضْتُه عليه، فصحَّحه بيدِه...".

(16) السُّنَّة، للخلَّال (2/114-115).

(17) السُّنَّة، للخلَّال (2/89/1874).

(18) رواه الخلَّال في السُّنَّة -كما في درء التَّعارض (2/29)، وهو في الإبانة لابن بطَّة (7/53).

(19) السُّنَّة، للخلَّال (2/116-119).

(20) انظر ما تقدَّم في الحلقة الثَّامنة من هذه السِّلسلة.

(21) ينظَرُ في هذا ما سبق تفصيلُه في الحلقة الثَّالثة من هذه السِّلسلة.

(22) القراءةُ المذهبيَّةُ للتَّاريخ العقديِّ (ص166).

(23) القراءةُ المذهبيَّةُ للتَّاريخ العقديِّ (ص167).

(24) انظر مثلًا: تفسير الرَّازي (26/310).

(25) تفسير الرَّازي (5/339). وانظر -أيضًا-: مجرَّد مقالات الأشعريِّ، لابن فورك (ص59).

(26) القراءةُ المذهبيَّةُ للتَّاريخ العقديِّ (ص170).

(27) التِّسعينيَّة (1/334).

(28) قال في إبطال التَّأويلات (ص683): "الله يتعالى عن وجود الحوادث بذاته، وعن كونه قادرًا بقُدرة محدثة"، وانظر نحو ذلك في (ص454)، (ص624).

(29) وهذا القولُ يُشبه مذهبًا يُنْسَبُ للحارث المحاسبيِّ ولابن سالم، حكاه الكلاباذيُّ في كتابه: التعرُّف لمذهب أهل التَّصوُّف (18-19).

(30) مشكل الحديث وبيانه (ص155).

(31) إبطال التَّأويلات (ص438).

(32) مشكل الحديث وبيانه (ص240).

(33) إبطال التَّأويلات (546).

(34) مشكل الحديث وبيانه (ص240)، ومقصود ابن فورك أنَّهم لما كانوا يقولونَ: إنَّ الله لم يزل يُسمِعُ من يشاء ذلك المعنى النفسيَّ القائم بذاته، فإنَّ هذا -في رأيه- يمنعُ من أن يَنْسُبَ أحدٌ لهم أنَّ الله لا يتكلَّمُ بعد كلامِه الأزليِّ!

(35) إبطال التَّأويلات (ص456).

(36) مشكل الحديث وبيانه (ص241).

(37) إبطال التَّأويلات (ص546).

(38) مشكل الحديث وبيانه (ص238).

(39) إبطال التَّأويلات (456).

(40) التَّوحيد (1/349).

(41) لنا عَودَةٌ -إن أذنَ اللهُ-في حلقةٍ قادمةٍ إلى كلامِ الصِّبْغي وأستاذِه ابن خُزَيمةٍ.

(42) في بعض النُّسخ المطبوعة: (الجبار).

(43) مشكل الحديث وبيانه (ص270-271).

(44) في النُّسخة المطبوعة (بعدما خلق ذريَّة آدم)، وهكذا هو في الأصل الخطيِّ، وأظنه وهمٌ من الناسخ.

(45) إبطال التَّأويلات (ص548).

(46) إبطال التَّأويلات (ص548).

(47) مشكل الحديث وبيانه (ص272).

(48) مشكل الحديث وبيانه (ص271).

(49) إبطال التَّأويلات (ص548).

(50) إبطال التَّأويلات (ص547).

(51) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (17/180).

(52) لسان الميزان (5/57).

(53) ذيل طبقات الحنابلة (1/322).

(54) انظر: الكامل في التَّاريخ (8/648)، سير أعلام النُّبلاء (19/444)، ميزان الاعتدال (3/146)، شذرات الذَّهب (6/60).

(55) ذكر ذلك ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة (1/322).

(56) معرفة القرَّاء الكبار (ص261).

(57) ذيل طبقات الحنابلة (2/187).

(58) الفنون (2/606).

(59) ميزان الاعتدال (3/144).

(60) ذكر ذلك ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة (2/187)، وقبله ابن تيميَّة في مجموع الفتاوى (5/397).

(61) الإيضاح في أصول الدِّين (ص411).

(62) الإرشاد في الاعتقاد (ص380).

(63) الإرشاد في الاعتقاد (ص381).

(64) طبقات الشَّافعيِّين، للحافظ ابن كثيرٍ (ص451).

(65) تبيين كذب المفتري (ص262).

(66) الرِّسالة إلى أهل زَبيد (ص357).

(67) ينظرُ ما ذكره محقِّقا (مختصر المعتمد) في مقدِّمة التَّحقيق (ص40).

(68) إبطال التَّأويلات (ص683)، وانظر أيضًا (ص454)، (ص624).

(69) الشَّامل في أصول الدِّين (ص529).

(70) الإيضاح في أصول الدِّين (ص377).

(71) أبكار الأفكار (2/20).

(72) مختصر المعتمد في أصول الدِّين (ص180).

(73) إبطال التَّأويلات (ص610).

(74) إبطال التَّأويلات (ص540).

(75) انظر: مقالات الإسلاميِّين (ص169)، ومجرَّد مقالات الأشعريِّ، لابن فورك (ص45).

(76) إبطال التَّأويلات (ص541)، وانظر أيضًا (ص689).

(77) مختصر المعتمد (ص387).

(78) ينظر رسالته الملحقة بطبعة حامد الفقي من طبقات الحنابلة (2/297).

(79) إبطال التَّأويلات (ص547).

(80) القراءةُ المذهبيَّةُ للتَّاريخ العقديِّ (ص172).

(81) القراءةُ المذهبيَّةُ للتَّاريخ العقديِّ (ص165).

(82) روضة النَّاظر، لا بن قدامة (1/516).

(83) التَّمهيد في أصول الفقه، لأبي الخطَّاب الكلوذانيِّ (1/9).

وانظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (3/154)، العدَّة في أصول الفقه (1/142)، اللُّمع في أصول الفقه، لأبي إسحاق الشِّيرازيِّ (ص49)، الفقيه والمتفقِّه للخطيب البغداديِّ (1/234)، قواطع الأدلَّة لأبي المظفَّر السَّمعانيِّ (1/263)، التَّمهيد في أصول الفقه (1/9).

(84) قواطع الأدلَّة (1/263)، لأبي المظفَّر السمعانيِّ.

وانظر: رسالة في أصول الفقه لأبي شهاب العكبريِّ الحنبلي (ص64)، العدَّة في أصول الفقه لأبي يعلى (1/140)، والفقيه والمتفقِّه، للخطيب البغداديِّ (18232)، الإشارة في أصول الفقه، لأبي الوليد الباجيِّ (ص55)، اللُّمع في أصول الفقه، لأبي إسحاق الشِّيرازيِّ (ص48)، التمهيد، لأبي الخطَّاب الكلوذانيِّ (1/7)، روضة النَّاظر لابن قدامة (1/508).

(85) روضة النَّاظر (1/508).

(86) القراءةُ المذهبيَّةُ للتَّاريخ العقديِّ (ص164).

(87) انظر: معجم أعلام المورد، لمنير البعلبكِّي (ص149)، ومعجم الفلاسفة، لجورج طرابيشي (ص224).

(88) ابن عربي، حياته ومذهبه، لآسين بلاثيوس (ص246). كانت تيزيرا تردِّدُ: (أموتُ من كوني لا أموت لأراك)، وكان الحلَّاج يقول في شعره: (اقتلوني يا ثقاتي***إنَّ في قتلي حياتي)، فمن مثل هذا التَّشابُه ربط بلاثيوس بين الإثنين!

(89) المرجع السابق (ص187).

(90) المرجع السابق (ص99).

(91) القراءةُ المذهبيَّةُ للتَّاريخ العقديِّ (ص164)، وكلام بدوي في مقدِّمته لكتاب بلاثيوس (ص7-8).