مقالات وبحوث مميزة

أسْمارُ "النَّقْدِ التَّارِيخيِّ" ... وزَخارِفُ "البَحْثِ العِلميِّ"
قِراءةٌ نَقْديَّةٌ لمقالة الأسْتاذِ عَبْدِ اللهِ الغِزِّيِّ
عن صِفةِ الكَلامِ للباري سُبْحانَه.

(الحَلْقةُ الأُولى)

الشَّيخُ الدُّكتور بَنْدر بن عبدالله الشُّويقيُّ

 

للأُستاذِ الباحِثِ عَبدِ اللهِ الغِزِّيِّ -وَفَّقه اللهُ لِمَرضاتِه-مُشارَكاتٌ ينشُرها مِن حينٍ لآخَرَ، سواءٌ في أبحاثٍ مَطبوعةٍ، أو في تعليقاتٍ يبثُّها عَبْرَ وَسائِلِ التواصُلِ. عامَّةُ تلك المُشارَكاتِ تتعَلَّقُ بأقوالِ الفِرَقِ وبالمباحِثِ العَقَديَّةِ. والمُتابِعُ للسَّاحةِ العِلْميَّةِ يَعلَمُ أنَّ عددًا مِن كتاباتِ الأُستاذِ أثارت انتقاداتٍ وجَدَلًا، ورُدودَ أفعالٍ من المختَصِّينَ ومِن غَيرِهم، وبخاصَّةٍ أولئك الذين يُتابِعون حالةَ التقَلُّبِ والاضطِرابِ في العَقائِدِ والأفكارِ التي تموجُ بها السَّاحةُ اليَومَ.

وكُنتُ -وما زِلْتُ- أرجو أن يُوَفَّقَ الأستاذُ لوَقفةِ مُراجَعةٍ وتأمُّلٍ، وألَّا يقَعَ في الخطَأِ الشَّائِعِ الذي تورَّطَ فيه كثيرون قَبْلَه ممَّن يُخطِئون ويَغلَطون، ثمَّ لا يَرَونَ في أصواتِ النُّصْحِ والنَّكيرِ عليهم إلَّا دَلالاتٍ على العَصَبيَّة والجَهْلِ ورَفْضِ الإبداعِ والتميُّزِ؛ لتَكونَ الثَّمَرةُ -بعد ذلك- مزيدًا من الإمعانِ والتَّمادي في طَريقِ الخَطَأِ والزَّلَلِ!

لَسْتُ أُنكِرُ أنَّ بَعْضَ الانتِقاداتِ المُوَجَّهةِ لأخينا سَبَبُها سُوءُ الفَهْمِ لكَلامِه، لكِنْ هناك -أيضًا- انتِقاداتٌ عِلْميَّةٌ لأخطاءٍ وَقَع هو فيها، وانتقاداتٌ أُخْرى جاءت بسَبَبِ تلك اللُّغةِ الفَوْقيَّةِ المُستَفِزَّةِ التي يُكثِرُ مِنِ استِعْمالِها. وقد اجتَمَعَت هاتان الخَصْلتانِ في مَقالةٍ نَشَرَها قَبْلَ بِضعةِ أشهُرٍ في دَوْريَّةِ نَماءٍ، عُنوانُها: (القِراءةُ المَذْهَبيَّةُ للتَّاريخِ العَقَديِّ: القِدَمُ النَّوعِيُّ لصِفةِ الكَلامِ في المذْهَبِ الحَنْبليِّ أُنْموذَجًا)، تلك المقالةُ جَمَعت بَيْنَ سَوْأةِ الانتِصارِ لِمَذهَبٍ كَلاميٍّ مُحْدَثٍ، وبَيْنَ خَصلةِ الازدِراءِ والتَّسْفيهِ لِمَن لا يُوافِقُ على النَّتائِجِ التي انتهى إليها الأُسْتاذُ!

وعلى عادتِه المتكَرِّرةِ فقد أكَّد أخونا -غَفَر اللهُ له- أنَّ غَرَضَ مَقالتِه البَحْثُ التَّاريخيُّ فقط، وأنَّه غَيرُ مَعْنيٍّ بالانتصارِ لأيّ مَذهَبٍ، غَيْرَ أنَّ نَوعَ المسألةِ التي تناولها كَشَف صُعوبةَ الفَصْلِ التَّامِّ -الذي يحاوِلُه الأستاذُ- بَيْنَ البَحثِ التَّاريخيِّ في العَقائِدِ، وبَيْنَ البَحثِ في تَصحيحِها أو إبطالِها.

صُعوبةُ الفَصْلِ هنا سببُها أنَّ الأُستاذَ خاض هذه المرَّةَ في تحريرِ مَذهَبِ الإمامِ (أحمَدَ بنِ حَنبَلٍ) ومَذهَبِ (أهلِ الحَديثِ) في إثباتِ صِفةِ الكَلامِ للهِ سُبحانَه. والأُستاذُ يُدرِكُ أنَّ اصطِلاحاتٍ مِثْلَ: (مَذهَبُ الإمامِ أحمَدَ)، و(مَذهَبُ أهلِ الحَديثِ) كانت ولا تزالُ تُستخدَمُ -في البَحثِ العَقَديِّ- مُرادِفةً لمذهَبِ أهلِ السُّنَّةِ في مُقابِلِ المذاهِبِ الكَلاميَّةِ الْمُحْدَثةِ، بل إنَّ الأستاذَ نَفْسَه سَبَق أن أعلَنَ في قَناتِه على (التِّيلِيجْرام) أنَّه حَنْبليٌّ وعلى مُعتَقَدِ أهلِ الحَديثِ. وعلى هذا، فحِينَ يُثبِتُ الأُستاذُ أو ينفي مُعتَقَدًا عن أهلِ الحَديثِ وعن إمامِهم أحمَدَ، فهو في حقيقةِ الحالِ يَخوضُ في تحريرِ المذهَبِ الحَقِّ؛ مَذهَبِ أهلِ السُّنَّةِ، سَواءٌ صرَّح بهذا أو تبرَّأَ منه؛ فالعِبرةُ بالحقائِقِ لا بالدَّعاوى ولا بزَخارِفِ البَحْثِ التَّاريخيِّ!

الإمامُ أحمدُ وأهلُ الحَديثِ كان مِن دِينِهم أنَّ اللهَ سُبحانَه (لم يَزَلْ مُتَكَلِّمًا متى شاء)، والأُستاذُ -باسمِ البَحْثِ التَّاريخيِّ- أنكر في مقالتِه نِسبةَ هذا المعتَقَدِ لأحمَدَ ولأهلِ الحديثِ، وجَعَل إضافتَه لهم مجرَّدَ (سَرْدِيَّة تَيْمِيَّة)، و(قِراءة مَذْهَبِيَّة)، وقد أفاض في البَرْهنةِ على أنَّ هذا المعتَقَدَ لم يكُنْ له حُضورٌ عندَ أهلِ الحَديثِ، وأنَّه يتعارَضُ مع الثَّابِتِ عن الإمامِ أحمَدَ نَفْسِه؛ لينتهيَ -بعد ذلك- إلى أنَّ نِسبةَ هذا المعتَقَدِ لأحمَدَ ولأهلِ الحديثِ تَنْقُضُه أُصولُ البَحْثِ العِلميِّ، وتأباهُ قواعِدُ النَّقْدِ التَّاريخيِّ.

هذا مُلخَّصُ ما شَرَحه الأُستاذُ في مقالتِه، فإذا أرَدْنا الآنَ إماطةَ القِشْرةِ، وإزاحةَ الزَّخارِفِ اللَّفْظيَّةِ، وترْجَمْنا ما قرَّرهُ أخونا إلى لُغةِ العِلْمِ الشَّرْعيِّ، فليس لكَلامِه إلَّا معنًى واحِدٌ خُلاصتُه: أنَّ القَولَ بأنَّ اللهَ سُبحانَه: (لم يَزَلْ يتكلَّمُ متى شاء) قَولٌ مُحدَثٌ ابتدَعَه ابنُ تَيْميَّةَ ونَسَبه لأحمَدَ ولأهلِ الحَديثِ!

فهل يَحسَبُ الأُستاذُ -أقال اللهُ عَثَراتِه-أنَّه سيَخرُجُ من دائِرةِ الانتِصارِ للمَذاهِبِ أو الرَّدِّ عليها بمُجَرَّدِ أن يختارَ لبَحْثِه عُنوانًا عَصْريًّا: (القِراءةُ المَذْهَبيَّةُ للتَّاريخِ العَقَديِّ...)، أو بأن يُعلِنَ أنَّه يَبحَثُ فَقَط في التَّاريخِ العَقَديِّ، أو بأن يُطَعِّمَ عباراتِه بمقولاتِ "بَدَوي" عن النَّقْدِ التَّاريخيِّ، أو بالإحالةِ على كتاباتِ "الجابري" و "عبد الواحد ذنون"؟!

لستُ أريدُ بكلامي هذا اتهامَ الأُستاذِ بالكَذِبِ -معاذَ اللهِ- ما أريدُه فقط أنَّه يحاوِلُ المُحالَ حينَ يَجهَدُ في النَّأيِ بنَفْسِه عن الخِلافاتِ العَقَديَّة، ثمَّ يأتي بعد هذا ليكتُبَ في تحريرِ مَذهَبِ أهلِ الحديثِ وإمامِهم أحمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، ويجعَلَ مُعتَقَدَهم (قِراءَة مَذْهَبيَّة)، و(سَرْدِيَّة تَيْمِيَّة) ثمَّ يزيدَ على هذا تَسْفيهًا وازدراءً لمُخالِفِه!

لو غيَّرْنا عُنوانَ مَقالةِ الأُستاذِ إلى: (براءةُ أحمَدَ وأئِمَّةِ السَّلَفِ ممَّا نَسَبَه لهم ابنُ تَيْميَّة)، فلن نكونَ بحاجةٍ إلى تعديلِ شَيءٍ مِن مَضامينِ مَقالتِه، بل في ظَنِّي أنَّ هذا العُنوانَ سيكونُ أكثَرَ تَعبيرًا عمَّا أطال الأُستاذُ في تقريرِه والانتِصارِ له!

حول أصول النَّقد التَّاريخيِّ:

لا جِدالَ أنَّ للبَحثِ العِلميِّ قَواعدَه، ولا رَيْبَ أنَّ للنَّقْدِ التَّاريخيِّ أصولَه. ولا خِلافَ أنَّ هذه الأصولَ والقَواعِدَ في نفْسِها لم تكنْ يومًا مُجرَّدَ أسْمارٍ أو زَخارِفَ يَتَزيَّنُ بها الباحِثونَ، ويُنَمِّقونَ بها عِباراتِهم، غَيْرَ أنَّها -معَ ذلك- تَبْقى أدواتٍ ووَسائِلَ تَفْتقِرُ للتَّوْظيفِ الصَّحيحِ، والاسْتِعمالِ المَنْهجيِّ النَّزيهِ كي تُعطِيَ نَتائِجَها الصَّادِقةَ. أمَّا معَ الاسْتِعمالِ المُوَجَّهِ لتلك القَواعِدِ ومعَ التَّوْظيفِ المُتَحيِّزِ لها فإنَّها تَتَحوَّلُ إلى شِعاراتٍ وشَقاشِقَ لَفْظيَّةٍ مَنْزوعةِ القيمةِ العِلميَّةِ.

ودَوافِعُ الاسْتِعمالِ المُتَحيِّزِ لقَواعِدِ النَّقْدِ التَّاريخيِّ لا تَنْحصِرُ في رَغْبةِ الباحِثِ في الانْتِصارِ لدينِه أو مَذهَبِه الذي نَشَأَ عليه، فهذا التَّصوُّرُ الغَريبُ المُتَسرِّبُ مِن الأدَبيَّاتِ العَلْمانيَّةِ يَتَّسمُ بتَبْسيطٍ بالِغٍ لتَرْكيبِ النَّفْسِ البَشَريَّةِ، فكما أنَّ مِن مُحَرِّكاتِ الخُروجِ عن العدْلِ والمَوْضوعيَّةِ العِلميَّةِ الرَّغبةَ في الانْتِصارِ للمَذهَبِ، فإنَّ مِن أَضخَمِ أَسْبابِ الخَلَلِ في الأبْحاثِ العِلميَّةِ دافِعَ المُخالَفةِ للدِّينِ أو المَذهَبِ، والعَصبيَّةَ للرَّأيِ الخاصِّ، والخُضوعَ للأهْواءِ، والانْسِياقَ وَراءَ النَّزَعاتِ النَّفْسيَّةِ...، والسَّاحةُ العِلميَّةُ مَمْلوءةٌ مِن هذه الأصْنافِ كلِّها.

ومُحَرِّكاتُ الباحِثِ ودَوافِعُه ليس بالضَّرورةِ أن يُصرِّحَ بها في عِباراتِه، بل قد لا يَشعُرُ هو بها أصلًا، ورُبَّما خَرَجَتِ الكِتابةُ المُتَحيِّزةُ في ثَوْبِ البَحْثِ الوَصْفيِّ، أو تحتَ شِعارِ المُراجَعةِ، أو النَّقْدِ التَّاريخيِّ. والقارِئُ الحَذِقَ يَفهَمُ أنَّ الإنْصافَ في البَحْثِ، والعَدْلَ في النَّقْدِ، والْتِزامَ المَوْضوعيَّةِ العِلميَّة- صِفاتٌ وأخْلاقٌ نَفْسيَّةٌ قَبْلَ أن تكونَ لُغةً تُصاغُ بها الأبْحاثُ.

هذه مُقدِّمةٌ وتَوْطِئةٌ أضَعُها بيْنَ يَدَي هذه المُطارَحةِ العِلميَّةِ، والمُباحَثةِ العَقَديَّةِ معَ أخينا الباحِثِ الأسْتاذِ عَبْدِ اللهِ الغِزِّيِّ، وَفَّقَه اللهُ لمَرْضاتِه.

قصَّةُ مقالةِ الأستاذ:

مَطلعَ هذا العامِ (1443ه) صَدَرَ كِتابُ (الطَّريقة الأثَريَّة، والعَقيدة السُّنيَّة) للشَّيخِ عَبْدِ القادِرِ بنِ يَحْيى الضَّريرِ الحَنْبليِّ، بتَحْقيقِ الأسْتاذِ الباحِثِ أحمَد الغَريب. وكانَ الغَريبُ قدَّمَ للكتابِ بدِراسةٍ جاءَ في أثنائِها مَبحَثٌ مُوجَزٌ في عَشْرِ صَفَحاتٍ، عُنوانُه: (الأثَرُ التَّيميُّ في التَّصْحيحِ العَقَديِّ عنْدَ الحَنابِلةِ: الصِّفاتُ، والأفْعالُ الاخْتِياريَّةُ بالذَّاتِ الإلَهيَّةِ أُنْموذجًا)، وتحت هذا العُنوانِ عَرَضَ المُحَقَّقُ أثَرَ ابنِ تَيْميَّةَ فيمَن جاءَ بَعْدَه مِن الحَنابِلةِ في مَسْألةٍ واحِدةٍ؛ مَسْألةِ إثْباتِ الصِّفاتِ الاخْتِياريَّةِ للهِ سُبْحانَه. والمَقْصودُ بالصِّفاتِ الاخْتِياريَّةِ تلك الصِّفاتُ المُتَعلِّقةُ بالمَشيئةِ والإرادةِ، ومِنها أنَّ اللهَ (يتكَلَّمُ متى شاء وأراد).

هذا المَبحَثُ لامَسَ شَيئًا لدى أخينا الأسْتاذِ عَبْدِ اللهِ الغِزِّيِّ، فاسْتَلَّ قَلَمَه وكتَبَ مقالةَ: (القِراءةُ المَذهَبيَّةُ للتَّاريخِ العَقَديِّ: القِدَمُ النَّوْعيُّ لصِفةِ الكَلامِ في المَذهَبِ الحَنْبليِّ أُنْموذجًا). في مَقالتِه هذه شَنَّ الأسْتاذُ هُجومًا ضارِيًا على المُحَقِّقِ ساقَه في ثَوْبِ الغَضْبةِ لأصولِ البَحثِ التَّاريخيِّ التي يَرى الأسْتاذُ أنَّ المُحَقِّقَ "الغَريب" انْتَهَكَ كَرامتَها!

فباسْمِ البَحثِ التَّاريخيِّ: اتَّهمَ الغِزِّيُّ المُحَقِّقَ بالعَبَثِ والاخْتِزالِ، والخُضوعِ لضَغْطِ الانْتِماءِ المَذهَبيِّ والواقِعِ الاجْتِماعيِّ، وبتَسْطيحِ القَضايا التَّاريخيَّةِ...، إلى آخِرِ كَلامٍ كَثيرٍ مِن هذا النَّوعِ، خَتَمَه بلَمْزِ المُحَقِّقِ بتَعمُّدِ دَغْدغةِ العَواطِفِ، بإعْطاءِ مُمارَستِه البَحثيَّةِ وَصْفًا شَرعيًّا، وبُعْدًا دينيًّا...إلخ.

هذا الهُجومُ كلُّه لم يكنْ بسَبَبِ خَطأِ المُحَقِّقِ في إثْباتِ أثَرِ ابنِ تَيْميَّةَ فيمَن جاءَ بَعْدَه، فالغِزِّيُّ وافَقَ على أنَّ المُحَقِّقَ نَجحَ في إثْباتِ ما أرادَ، لكنَّه يَلومُه على إهْمالِ تَساؤُلاتٍ في رأسِ الأسْتاذِ الغِزِّيِّ كانَ على المُحَقِّقِ أن يَبحَثَها، وحيثُ لم يَفعَلِ المُحَقِّقُ ذلك ولم يَتَطرَّقْ لِما في الرَّأسِ الغِزِّيَّةِ، فقد اسْتَحقَّ تلك الهِجائِيَّاتِ المَسْكوبةَ بسَخاءٍ ودونَ حِسابٍ!

هِجائيَّاتُ الأُستاذِ وانتِقاداتُه جاءت مَسْبوقةً بتنبيهٍ وتأكيدٍ لا بُدَّ مِنَ التوقُّفِ عِنْدَه.

الاسْتِفتاحُ بالبَراءةِ مِن أَسْمى المَقاصِدِ!

أخونا الأُستاذُ عَبدُ اللهِ الغِزِّيُّ يكتُب كثيرًا في الفِرَقِ وفي المقالاتِ العَقَديَّة، غَيْرَ أنَّه -كما أسلَفْتُ- يؤكِّدُ وينبِّهُ إلى أنَّ غَرَضَه مِن تلك الكِتاباتِ البَحْثُ التَّاريخيُّ فقط، وأنَّه لا يَقصِدُ الانتِصارَ لأيِّ مَذهَبٍ.

ومِن المَعْلومِ أنَّ الجِدالاتِ الكَلاميَّةَ والخُصوماتِ العَقَديَّةَ التي نَشَأَتْ قَديمًا حوْلَ أسماءِ الخالِقِ وصِفاتِه، لم تكُنْ سِوى ظاهِرةٍ مَرَضيَّةٍ شغَلَت عن أَهَمِّ مَقاصِدِ التَّوْحيدِ وحَقائِقِ الإيمانِ، وصَرَفَتْ خَلْقًا عن مَعرفةِ اللهِ والتَّعبُّدِ له بمُقْتَضياتِ أسْمائِه وصِفاتِه، ومِن هنا جاءَ تَشْديدُ الأئِمَّةِ على مَن أَحدَثَ تلك الخُصوماتِ وأَشاعَها، ففرَّقَ أهْلَ المِلَّةِ شِيَعًا، وشغَلَهم بالجَدَلِ في خالِقِهم.

والذين خاضوا هذا البابَ مِن أهْلِ الفَضْلِ والعِلمِ والدِّيانةِ -على اخْتِلافِ مَشارِبِهم ومَذاهِبِهم- كانَ غَرَضُهم الأَكبَرُ ومَقصَدُهم الأَسْمى تَنْزيهَ الباري سبحانَه عمَّا لا يَليقُ بجَلالِه وبعَظَمةِ أوْصافِه؛ فلِذلك كانوا يَرَونَ تَطلُّبَ الحَقِّ في هذا البابِ وتَقْريرَ الصَّوابِ والاسْتِدلالَ له مِن أَشرَفِ المَطالِبِ وأَعْلى الغاياتِ.

غَيْرَ أنَّ أخانا الأستاذَ عَبْدَ اللهِ الغِزِّيَّ -غَفَرَ اللهُ له- اخْتَطَّ طَريقًا أوْلَويَّاتُه مَقْلوبةٌ مَعكوسةٌ تُخالِفُ طَريقَ أهْلِ العِلمِ والإيمانِ؛ ذلك أنَّه حوَّلَ مَسائِلَ تَوْحيدِ الأسماءِ والصِّفاتِ إلى مَباحِثَ تاريخيَّةٍ مُجرَّدةٍ، فهو يَكتُبُ ويَخوضُ في أسماءِ الجَليلِ وصِفاتِه معَ التَّأكيدِ المُتَكرِّرِ أنَّه لا يَفعَلُ هذا نُصْرةً لإيمانٍ أو نَفْيًا لبِدْعةٍ، بل لمُجرَّدِ البَحثِ التَّاريخيِّ الصِّرْفِ!

وإنِّي لأدعو اللهَ ألَّا يأتيَ على الأُستاذِ يومٌ يقولُ فيه:

ولم نَسْتَفِدْ مِن بَحْثِنا طُولَ عُمرِنا                سِوى أنْ جَمَعْنا فيه قِيلَ وقالُوا[1].

 

الإشْكالُ أنَّ الأستاذَ يَختارُ هذا المَسْلَكَ، ثُمَّ يُعلِنُ انْتِسابَه لمَذهَبِ الإمامِ أَحمَدَ الذي لا يَقبَلُ مَذهَبُه بحالٍ مِثلَ هذا النَّهْجِ!

وليتَه-أَصلَحَ اللهُ بالَه- تَوقَّفَ عندَ هذا الحَدِّ، بل إنَّه زادَ، فصارَ يَلمِزُ ويَهمِزُ مَن لا يمشي معَه في هذا الطَّريقِ مِن خِلالِ تَضْمينِ كِتاباتِه رَسائِلَ فَحْواها الرَّبطُ بَيْنَ دُخولِ الخَلَلِ والخَطَأِ في الأبحاثِ العِلميَّةِ، وبَيْنَ الكِتاباتِ التي تَسْتهدِفُ نُصْرةَ المُعْتقَدِ!

الأسْتاذُ كَتَبَ مَرَّةً مَقالةً أكَّدَ فيها أنَّه لا يَرفُضُ الكِتاباتِ التي تَسْتهدِفُ نُصْرةَ الدِّينِ والمُعْتقَدِ متى الْتَزَمَ أصْحابُها قَواعِدَ البَحثِ العِلميِّ[2]، لكنَّه بالمُقابِلِ يُكثِرُ مِن الرَّبْطِ بَيْنَ هذا النَّوعِ مِن الكِتاباتِ، وبَيْنَ الضَّعْفِ العِلميِّ، أو التَّحامُلِ والخُروجِ عن العدْلِ؛ ومِن هنا صارَ يَتَمدَّحُ بخُلُوِّ كِتاباتِه مِن أيِّ دَوافِعَ عَقَديَّةٍ، وأنَّه يَكتُبُ فقط بغَرَضِ البَحثِ التَّاريخيِّ لا أَكثَرَ!

ففي مَقالتِه الأخيرةِ عن صِفةِ الكَلامِ للهِ سبحانَه، نَراه يَذكُرُ بأوَّلِها أنَّ النَّاسَ يَتَنازَعونَ في تَحْريرِ مَذهَبِ أَحمَدَ؛ لِما له مِن مَكانةٍ رَمْزيَّةٍ في العالَمِ السُّنِّيِّ، ثُمَّ يقولُ: "لكنَّ الباحِثَ العِلميَّ لا يَنْبَغي له الاكْتِراثُ بمِثلِ تلك الصِّراعاتِ الشَّعْبويَّةِ، التي تَكْتَسبُ في غالِبِ أحْوالِها طابَعًا طائِفِيًّا؛ إذ إنَّ مُهمَّتَه المَطْلوبةَ مِنه هي الوُصولُ إلى الحَقيقةِ التَّاريخيَّةِ"[3].

ثُمَّ بيَّن غَرَضَه مِن المَقالةِ (التي تَتَكلَّمُ عن صِفةٍ مِن أَعظَمِ صِفاتِ اللهِ)، فذَكَرَ أنَّه يُريدُ فقط: "مُحاكَمةَ (المُحَقِّقِ) على إخْلالِه ببَحثِ بعضِ الإشكالاتِ التَّاريخيَّةِ ...".

وكانَ ممَّا قالَه -أَقالَ اللهُ عَثَراتِه-: "إنَّنا هنا نَرغَبُ أن نُؤَكِّدَ -لِما يَكْتنِفُه هذا المَوْضوعُ مِن صِراعٍ مَذهَبيٍّ- بأنَّنا لا نَكْترِثُ بطَبيعةِ النَّتائِجِ التي يَتَوصَّلُ لها الباحِثُ، بقَدْرِ ما تُقلِقُنا نَوْعيَّةُ الإجْراءاتِ العِلميَّةِ التي أَوصَلَتْه لِهذه النَّتيجةَ".

فما يُقلِقُهم وما يَكْتَرِثونَ له ليس الخَطَأَ أو الإصابةَ في صِفاتِ الخالِقِ سبحانَه، ولا في تَحْريرِ مَذهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ وإمامِهم أَحمَدَ، ما يُقلِقُهم هنا فقط: "نَوْعيَّةُ الإجراءاتِ العِلميَّةِ" التي مَشى عليها المُحَقِّقُ!

إجْراءاتُ الأسْتاذِ البَحْثيَّةُ:

بالنِّسْبةِ لي ولخَلْقٍ كَثيرٍ غَيْري، فإجْراءاتُ البَحْثِ العِلميِّ مهما اتَّفَقْنا على مَكانتِها وأهمِّيَّتِها، فإنَّها تَبْقى أدواتٍ لا غاياتٍ، والخَطَأُ فيها أَهوَنُ بكَثيرٍ مِن الخَطَأِ في تَقْريرِ وتَحْريرِ مَذهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ وإمامِهم في صِفةٍ مِن أَجَلِّ صِفاتِ إلهنا الباري سبحانَه.

الأُستاذُ الغِزِّيُّ -غفر اللهُ له- ينسُبُ للإمامِ أحمدَ القَولَ بأنَّ: (كَلامَ اللهِ قَديمٌ أزَليٌّ)، ويَرفُضُ أن يكونَ مَذهَبُ الإمامِ أنَّ اللهَ: (لم يَزَلْ يتكَلَّمُ متى شاء). والقارِئُ غَيْرُ المختَصِّ بعِلمِ العَقائِدِ والمقالاتِ قد لا يُدرِكُ الفَرْقَ الكبيرَ بَيْنَ المقولتَينِ، غَيْرَ أنِّي سأؤجِّلُ بَسْطَ الكَلامِ عن هذا إلى حِينِه، ولن أبحَثَ مع الأُستاذِ أيُّ القَولَينِ أصوَبُ.

فبما أنَّ الأستاذَ لا يَكْترِثُ بتلك الصِّراعاتِ "الشَّعْبويَّةِ" التي كانت تَشغَلُ أئِمَّةَ الإسْلامِ، فسوف أَبدَأُ معَه في مُناقَشةِ "الإجراءاتِ العِلميَّةِ"، التي تُقلِقُهم ويَكْتَرِثونَ لها، وأُؤجِّلُ البَحثَ في تَحْريرِ ما لا يَكْتَرِثونَ له، وما لا يُقلِقُهم.

لن أناقِشَ هنا دَعاوى الأستاذِ ولَمَزاتِه للمُحَقِّقِ، فليس هذا غرَضَ مَقالتي، وبخاصَّةٍ أنَّ المُحَقِّقَ -فيما بَدا لي مِن كِتابتِه- غَنِيٌّ بما أَعْطاه اللهُ عن تَأييدِ مِثْلي.

ما سأَبدَأُ بعَرْضِه ومُناقَشتِه: نَوْعيَّةُ "الإجْراءاتِ البَحثيَّةِ العِلميَّةِ" التي مشى عليها الأستاذُ الغِزِّيُّ نفْسُه؛ ليَكونَ هذا اخْتِبارًا لمِقْدارِ القَلَقِ والاكْتِراثِ الذي سيَتَحرَّكُ، راجِيًا أن يَتَأمَّلَ الأستاذُ -بَعْدَ ذلك- في حَقيقةِ أنَّ إخْلاءَ البَحثِ مِن انْتِماءِ كاتِبِه، وأنَّ تَبَرِّيَ الباحِثِ مِن نُصْرةِ دينِه وإيمانِه لا يَجعَلُه بمَعزِلٍ عن خَرْقِ قَواعِدِ وإهْدارِ أصولِ البَحثِ المَوْضوعيِّ الأمينِ.

اعْتِضادُ الأسْتاذِ بالمَكْذوباتِ!

مِن أَكبَرِ السَّقَطاتِ في "إجراءاتِ البَحثِ العِلميِّ" التَّناقُضُ في مَعاييرِ قَبولِ النُّقولِ واعْتِمادِها، فإن اجْتَمعَ معَ ذلك اعْتِضادُ الباحِثِ بالمَكْذوباتِ الصَّريحةِ لإسْنادِ رأيِه، فإنَّ البَليَّةَ تَغْدو مُضاعَفةً، ويَزدادُ الحالُ سوءًا حينَ تكونُ الكَذْبةُ مِن النَّوعِ الجَلِيِّ البَواحِ، الذي يَعرِفُه أَقَلُّ النَّاسِ تَأهيلًا في أدواتِه البَحثيَّةِ.

وقد رأيْتُ أخانا الغِزِّيَّ -في مَقالتِه الأخيرةِ- تَلبَّسَ بهذا كلِّه!

تَلبَّسَ بهذا بَعْدَما تَبرَّأَ مِن أيِّ دَوافِعَ مَذهَبيَّةٍ، ولَبِسَ ثَوْبَ الباحِثِ المَوْضوعيِّ، والنَّاقِدِ التَّاريخيِّ، وبَعْدَما أعادَ في الكَلامِ وزادَه حولَ نَصائِحِ "بَدَوي" وغَيْرِه عن أصولِ وقَواعِدِ نَقْدِ المَصادِرِ!

ففي (ص171) أرادَ الأستاذُ تَقْريعَ المُحَقِّقِ على نِسْبةِ رِسالةِ (الرَّد على الزَّنادِقةِ والجَهْميَّةِ) للإمامِ أَحمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، فبَدَأَ أوَّلًا بنَقْلٍ زُخرُفيٍّ عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بَدَوي حولَ النَّقْدِ الدَّاخليِّ والخارِجيِّ للمَصادِرِ، وأنَّ إثْباتَ نِسْبةِ الكِتابِ للمُؤَلِّفِ يَعودُ إلى القِسْمِ الثَّاني مِن النَّقْدِ الخارِجيِّ.

وبَعْدَ هذه التَّوْطِئةِ الزُّخرُفيَّةِ شَرَعَ الأستاذُ في التَّشْكيكِ في نِسْبةِ الرِّسالةِ للإمامِ، وكانَ مِن حُجَجِه التي ساقَها: أنَّ في سَنَدِ الرِّسالةِ: (خِضْرَ بنَ المُثَنَّى) الذي قالَ عنه ابنُ رَجَبٍ الحَنْبَليُّ: "مَجْهولٌ يَنْفرِدُ برِوايةِ المَناكيرِ عن عَبْدِ اللهِ".

ابنُ رَجَبٍ حَكَمَ على (خِضْرِ بنِ المُثَنَّى) بالجَهالةِ؛ لأنَّه لم يَجِدْ في تَرْجمتِه سِوى قَوْلِ ابنِ أبي يَعْلى: "نَقَلَ عن عَبْدِ اللهِ بنِ إمامِنا أَحمَدَ أشْياءَ"[4]؛ فلِذلك لم يَرَ ابنُ رَجَبٍ هذه العِبارةَ كافِيةً في التَّعْريفِ به، فحَكَمَ عليه بالجَهالةِ، وتابَعَه الأستاذُ الغِزِّيُّ. فالمُفْترَضُ الآنَ أنَّ الأستاذَ إن وَجَدَ نَقْلًا آخَرَ مِن طَريقِ رَجُلٍ حالُه كحالِ خِضْرِ بنِ المُثَنَّى، فلن يَعْتمِدَ عليه!

نَحفَظُ هذا، ونَتَقدَّمُ أَربَعَ وَرَقاتٍ؛ لنَجِدَ الأستاذَ يقولُ (ص175):

"يَذكُرُ الشَّيخُ (ابنُ تَيْمِيَّةَ) أنَّه لم يُنقَلْ عن السَّلِفِ القَوْلُ بقِدَمِ القُرآنِ".

نقل الأُستاذُ هذا عن ابنِ تَيميَّةَ، ولم يستَطِعِ المنازَعةَ فيه؛ إذ لا يُوجَدُ في كلامِ أحمدَ ولا في كَلامِ أئمَّةِ السَّلَفِ التَّنْصيصُ على قِدَمِ القُرآنِ، غَيْرَ أنَّ الأُستاذَ -غفر اللهُ له- عاد فوضعَ (ص177) عُنوانًا بارِزًا عن:

[أقْوالِ الإمامِ أَحمَدَ ومَواقِفِه المُعارِضةِ لقِراءةِ ابنِ تَيْميَّةَ للقِدَمِ النَّوْعيِّ لصِفةِ الكَلامِ].

وتحتَ هذا العُنوانِ قالَ الأستاذُ: "لم يُنقَلْ عن الإمامِ (أَحمَدَ) أنَّه وَصَفَ القُرآنَ بالحُدوثِ، بَيْنَما رُويَ عنه القَوْلُ بقِـدَمِ القُـرآنِ".

وبَعْدَما وَضَعَ الأستاذُ هذا النَّقْلَ في وَجْهِ ابنِ تَيْمِيَّةَ، قالَ: "لكـن يَجِبُ أن نكونَ حَذِرينَ في قَبولِ هذه الرِّوايةِ؛ فمُصْطلَحُ «القِـدَمِ» غَيْرُ دارِجٍ في نُصوصِ الإمامِ".

الذي أَفهَمُه مِن عِبارةِ: (يَجِبُ أن نكونَ حَذِرينَ) أنَّ على الباحِثِ فَحْصَ هذا الرِّوايةِ والتَّدْقيقَ فيها قَبْلَ الاسْتِنادِ إليها أو الاعْتِضادِ بها. فهلْ فَعَلَ الأستاذُ هذا؟ وهلْ أَفادَ مِن إرشاداتِ بَدَوي حَوْلَ إثْباتِ النِّسْبةِ الذي يَعودُ إلى القِسْمِ الثَّاني مِن النَّقْدِ الخارِجيِّ؟!

من بابِ إحْسانِ الظَّنِّ أَقولُ: إنَّ الأستاذَ لم يَفعَلْ شَيئًا مِن ذلك، فهو وَجَدَ في طَريقِه نَقْلًا يُعَضِّدُ رأيَه، فالْتَقَطَه دونَ أَدنى تَأمُّلٍ ثُمَّ جاءَ يُعَضِّدُ به مَذهَبَه.

أَقولُ هذا مِن بابِ إحْسانِ الظَّنِّ؛ لأنَّ أخانا الأستاذَ إن كانَ نَظَرَ في هذه الرِّوايةِ أَدْنى نَظَرٍ، فسيَكونُ غاشًّا للقارِئِ حينَ أَوهَمَه أنَّ مُشكلتَها تَكمُنُ فقط في مُصْطلَحِ (القِدَمِ) الذي لم يكنْ دارِجًا في نُصوصِ الإمامِ، فهذا الإشْكالُ أَصغَرُ عَيْبٍ في تلك الرِّوايةِ التي لا تَعْدو أن تكونَ كَذْبةً تارِيخيَّةً فَجَّةً، ما كانَ للأستاذِ أن يَذكُرَها، فَضْلًا عن أن يَسْتشهِدَ بها!

إذا ذَهَبْنا إلى (طَبَقاتِ الحَنابِلةِ)؛ المَصدَرِ الذي نَقَلَ مِنه الأستاذُ سنَجِدُ الرِّوايةَ مَذْكورةً في تَرْجمةِ رَجُلٍ يُقالُ له: (سُلَيمانُ بنُ عَبْدِ اللهِ السِّجزيُّ)، قالَ عنه ابنُ أبي يَعْلى:

"نَقَلَ عن إمامِنا أشياءَ، مِنها المِحْنةُ.

حَدَّثَنا أَحمَدُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ، قالَ: أَخبَرَنا أبو الحُسَينِ مُحمَّدُ بنُ أَحمَدَ بنِ حَسْنُونَ النَّرسيُّ، قالَ: أَخبَرَنا أبو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ عُمَرَ الدَّارَقُطْنيُّ، قالَ: حَدَّثَنا علِيُّ بنُ صالِحٍ المِصْريُّ، حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بنُ عَبْدِ اللهِ السِّجزيِّ، قالَ: أَتَيْتُ إلى بابِ المُعْتَصِمِ، وإذا النَّاسُ قد ازْدَحَموا عليه..."[5].

ثُمَّ سَرَدَ هذا الرَّاوي أحْداثَ مِحْنةِ الإمامِ أَحمَدَ معَ الخَليفةِ المُعْتَصِمِ في خَمْسِ صَفَحاتٍ، وفي أثْناءِ الصَّفَحاتِ الخَمْسِ وَرَدَتْ على لِسانِ أَحمَدَ عِبارةُ: (كَلامُ اللهِ قَديمٌ غَيْرُ مَخْلوقٍ)، فالْتقطَ الأستاذُ هذه العِبارةَ، ثُمَّ جاءَ يُخَلْخِلُ بها ما سَمَّاه سَرديَّةً تَيْمِيَّةً!

ولو أنَّ الأستاذَ عَمِلَ هنا بشيءٍ مِن نَصائِحِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بَدَوي، فسيَجِدُ ما يَأتي:

1- سُلَيْمانُ السِّجْزيُّ، صاحِبُ القِصَّةِ ليس في تَرْجمتِه سِوى قَوْلِ ابنِ أبي يَعْلى: "نَقَلَ عن إمامِنا أشْياءَ"، وهي العِبارةُ نفْسُها التي وُصِفَ بها (خِضْرُ بنُ المُثَنَّى)، فصارَ مَجْهولًا! فحالُ الرَّجُلَينِ هنا واحِدٌ. فإن كانَ الأسْتاذُ سيَقبَلُ تَجْهيلَ ابنِ رَجَبٍ لخِضْرِ بنِ المُثَنَّى، فعليه أن يَحكُمَ بمِثلِ هذا على صاحِبِ هذه الرِّوايةِ.

2- هناك فَرْقٌ لصالِحِ (خِضْرِ بنِ المُثَنَّى)، وهو أنَّ أبا بَكْرٍ الخَلَّالَ (مَخزَنَ عُلومِ الإمامِ أَحمَدَ)، لَقِيَ خِضْرًا، وروَى عنه[6]. أمَّا سُلَيْمانُ السِّجْزيُّ، فالشَّواهِدُ -كما سنَرى- تقولُ: إنَّه رَجُلٌ مِن كَوكَبِ الخَيالِ.

3- في سَنَدِ الرِّوايةِ أنَّ الدَّارَقُطْنيَّ يَرويها عن شَيْخٍ اسْمُه: (علِيُّ بنُ صالِحٍ المِصْريُّ)، وهذا مجهولٌ ثانٍ يبدو أنَّه من الكوكَبِ نَفْسِه، فلم أَجِدْ أحَدًا بهذا الاسْمِ في شُيوخِ الإمامِ الدَّارَقُطْنيِّ، ولا في مُحَدِّثي مِصْرَ!

فقد اجْتَمَعَ لنا في سَنَدِ رِوايةِ الأُسْتاذِ -إلى الآنَ فقط- راوِيانِ مَجْهولانِ.

4- أَهَمُّ مِن ذلك كلِّه: أنَّه مِن العَسيرِ جِدًّا إثباتُ أنَّ اللهَ خَلَقَ (سُلَيْمانَ السِّجزيَّ)، أو (علِيَّ بنَ صالِحٍ المِصْريَّ). ذلك أنَّ الرِّوايةَ ساقَها ابنُ أبي يَعْلى مِن طَريقِ شَيْخِه (أَحمَدَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ)، وهو شَيْخٌ كَذوبٌ، يُقالُ له: أبو العِزِّ بنُ كادِشٍ. ولْنَنظُرْ في حالِ هذا الشَّيْخِ الذي يَعْتَضِدُ برِوايتِه أولئك الذين (تُقلِقُهم!) الإجراءاتُ البَحثيَّةُ التي سَلَكَها (المُحَقِّقُ)!

- نَقَلَ الحافِظُ أبو الفَضْلِ بنُ ناصِرٍ، عن شَيْخِه الثِّقةِ إبْراهيمَ بنِ سُلَيْمانَ الضَّريرِ، قالَ: "سَمِعْتُ أبا العِزِّ بنَ كادِشٍ يقولُ: وَضَعْتُ حَديثًا على رَسولِ اللهِ ﷺ. وأَقَرَّ عندي بِذلك"؛ لِذلك قالَ السَّمْعانيُّ: "كانَ ابنُ ناصِرٍ يُسيءُ القَوْلَ فيه"[7].

- وقالَ أبو القاسِمِ بنُ عَساكِرَ: "قالَ لي ابنُ كادِشٍ: وَضَعَ فُلانٌ حَديثًا في حَقِّ علِيِّ، ووَضَعْتُ أنا في حَقِّ أبي بَكْرٍ حَديثًا. باللهِ، أليس فَعَلْتُ جَيِّدًا؟". قالَ الذَّهَبيُّ: "هذا يَدُلُّ على جَهْلِه، يَفْتخِرُ بالكَذِبِ على رَسولِ اللهِ ﷺ!"[8].

- وقالَ عنه عَبْدُ الوَهَّابِ الأنماطيُّ: "كانَ مُخَلِّطًا". وقالَ ابنُ النَّجَّارِ: "كانَ ضَعيفًا في الرِّوايةِ، مُخَلِّطًا، كَذَّابًا، لا يُحتَجُّ به، وللأئِمَّةِ فيه مَقالٌ"[9].

يُضيفُ ابنُ النَّجَّارِ لهذه التَّرْجمةِ السَّوْداءِ: "رَأيْتُ له كِتابًا سَمَّاه: (الانْتِصارَ لرتَمِ[10] القِحابِ)، فيه أشْعارٌ، فيقولُ: أَنْشَدَتْني المُغَنيَّةُ فُلانةٌ، وأَنشَدَتْني المُغنية فُلانةٌ"[11].

فهذا الشَّيْخُ الكَذوبُ، المُنْتَصِرُ لرتَمِ القِحابِ -أجَّلَ اللهُ القُرَّاءَ الكِرامَ- هو مَن رَوى عن الإمامِ أَحمَدَ أنَّ القُرآنَ "قَديمٌ"، فجاءَ الأستاذُ -بَعْدَ تَبَرُّئِه مِن المَذهَبيَّةِ والرِّساليَّةِ- ليَسْتَشهِدَ بِهذا الإسْنادِ المُظلِمِ، ويَعْتضِدَ بتيك الرِّوايةِ المُتَهالِكةِ في نَقْضِ ما سَمَّاه: سَرْديَّةً تَيْمِيَّةً!

والعَجَبُ أنَّ مَصادِرَ تَرْجمةِ هذا الرَّاوي مَشْهورةٌ قَريبةٌ تحتَ يَدِ الأسْتاذِ.

بعضُ المُؤَرِّخينَ ذَكَروا أنَّ ذاك الشَّيْخَ الكَذوبَ تابَ وأَنابَ[12]، فإن كانَ هذا صَحيحًا، فندعو اللهَ أن يتجاوَزَ عنه، غَيْرَ أنَّ رِوايتَه هذه التي اعتَضَد بها الأُستاذُ كانت بلا رَيْبٍ وَقْتَ إدْمانِ الكَذِبَ. وذلك لِما سنَراه فيما يَأتي:

الاعْتِضادُ بالأساطيرِ:

الرِّوايةُ التي اعْتَضَدَ بها الأستاذُ لم تكنْ بحاجةٍ إلى فَحْصِ إسْنادٍ، ولا إلى اسْتِعمالِ أَدْنى دَرَجاتِ النَّقْدِ الدَّاخليِّ حتَّى يُدرِكَ الأستاذُ كَذِبَها؛ إذ إنَّ قِراءةً خاطِفةً عَجْلى تَكْفي للخُروجِ بهذه النَّتيجةِ، حتَّى لو كانَ القارِئُ لا يَمْتلِكُ أدواتِ النَّظَرِ في سَلاسِلِ الرُّواةِ، فسِياقُ الرِّوايةِ وَحْدَه كافٍ جِدًّا لمَعْرفةِ أنَّها مِن صُنْعِ خَيالٍ مَريضٍ بالكَذِبِ والاخْتِلاقِ.

مَن يَقرَأُ رِوايةَ الأستاذِ الغِزِّيِّ، سيَجِدُ فيها ما يَأتي:

1- الرِّاويةُ عِبارةٌ عن سِياقٍ مُطوَّلٍ لأحْداثِ مِحْنةِ الإمامِ أَحمَدَ أيَّامَ المُعْتَصِمِ، اسْتَغرقَ سِياقُها خَمْسَ صَفَحاتٍ مِن (طَبَقاتِ الحَنابِلةِ)، الْتَقطَ مِنها الأستاذُ كَلِمتَينِ تَخدُمانِ فِكْرتَه، وتَرَكَ ما عَداها مِن تَفاصيلَ مُنكَرةٍ تَشهَدُ بكَذِبِها واخْتِلاقِها.

2- جاءَ في سِياقِ القِصَّةِ أنَّ الإمامَ أَحمَدَ وهو يُجلَدُ بالسِّياطِ انْحَلَّ مِئزَرُه وكادَ يَسقُطُ، قالَ الرَّاوي: "فرَفَعَ أَحمَدُ رأسَه إلى السَّماءِ، وحَرَّكَ شَفتَيه، وإذا الأرْضُ انْشَقَّتْ، وخَرَجَ مِنها يَدانِ فوزَرَتْه بقُدْرةِ اللهِ -عَزَّ وجَلَّ-، فلمَّا أن نَظَرَ المُعْتَصِمُ إلى ذلك، قالَ: خَلُّوه".

هذه الكَذْبةُ الخُرافةُ أَورَدَ أمْثالَها أبو نعُيَمٍ في (حِلْيةِ الأَوْلياءِ)، فجاءَ النَّاقِدُ التَّاريخيُّ الصَّادِقُ، الحافِظُ الذَّهَبيُّ، ليُؤَنِّبَه ويُقرِّعَه، ويقولُ: "ساقَ فيها أبو نُعيمٍ الحافِظُ مِن الخُرافاتِ والكَذِبِ ما يُسْتَحى مِن ذِكْرِه". ونَقَلَ الذَّهَبيُّ رِوايةً مُشابِهةً أَورَدَها البَيْهَقيُّ في مَناقِبِ الإمامِ أَحمَدَ، ثُمَّ قالَ: "فيها مِن الرَّكاكةِ والخَرْطِ ما لا يَروجُ إلَّا على الجُهَّالِ"[13]! حتَّى المُسْتَشرِقُ والتر باتون الذي يُحِبُّ الغِزِّيُّ النَّقْلَ عنه وعن أمْثالِه، ذَكَرَ أنَّ هذه القِصَّةَ مَوْضوعةٌ[14]

هذا الخَرْطُ الذي يُسْتَحْيا مِن ذِكْرِه، وهذه الرَّكاكةُ التي لا تَروجُ إلَّا على الجُهَّالِ، وهذا الدَّجَلُ الذي لم يَخْفَ على مُسْتَشرِقٍ أَعجَمَ، اسْتَشهَدَ بمِثلِه الأستاذُ، بَعْدَما تَغزَّلَ وتَزَخْرَفَ بقَواعِدِ الدَّاخليِّ والخارِجيِّ للمَصادِرِ! وبَعْدَما أَكثَرَ واسْتَكثَرَ مِن مَلامةِ الرِّساليِّينَ الخاضِعينَ لمَذْهبيَّتِهم على حِسابِ أصولِ النَّقْدِ وقَواعِدِ البَحثِ التَّاريخيِّ!

3- جاءَ في سِياقِ القِصَّةِ (الخَرْط) أنَّ المُعْتَصِمَ رأى في المَنامِ أَسدَينِ أَقبَلا إليه، وأرادا أن يَفْتَرِساه، وإذا مَلَكانِ قد أَقبَلا، ودَفَعاهما عنه، ودَفَعا له كِتابًا، وقالا له: في هذا المَكْتوبِ رُؤْيا رآها أَحمَدُ في مَحبَسِه، فاسْتَيقَظَ المُعْتَصِمُ مِن نَومِه والكِتابُ في يَدِه! فقَرَأَه، ثُمَّ دَعا أَحمَدَ وأَخبَرَه بما رأى، فقَصَّ عليه أَحمَدُ رُؤْيا (دراميَّةً) رآها في المَنامِ، اسْتَغرَقَ سَرْدُها صَفَحةً ونِصفَ الصَّفَحةِ مِن الكِتابِ المَطْبوعِ، ولن أُثقِلَ وأُطيلَ بنَقْلِها؛ إذ هي ليست سِوى: (خَرْطٍ)!

4- جاءَ في القِصَّةِ أنَّ المُعْتَصِمَ سَألَ أَحمَدَ في اليَومِ الثَّاني مِن المِحْنةِ: "كيف كنْتَ في مَحبَسِك البارحةَ؟"، فأَخبَرَه أَحمَدُ أنَّه رأى أمْرًا عَجَبًا، وذَكَرَ أنَّه قامَ في اللَّيلِ، وتَوَضَّأَ، وصلَّى، فلمَّا أرادَ أن يَقرَأَ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) لم يَقدِرْ، قالَ: فمَدَدْتُ عَيْني في زاوِيةِ السِّجْنِ، فإذا القُرآنُ مُسَجًّى مَيِّتًا، فغَسَّلْته وكفَّنْتُه، وصَلَّيْتُ عليه ودَفَنْتُه"، فقالَ المُعْتَصِمُ: وَيْلَك يا أَحمَدُ، والقُرآنُ يَموتُ؟ فقالَ له أَحمَدُ: فأنت كَذا تقولُ إنَّه مَخْلوقٌ، وكلُّ مَخْلوقٍ يَموتُ، فقال المُعْتَصِمُ: قَهَرَنا أَحمَدُ!

هذا ما وَرَدَ في القِصَّةِ (الخَرْطِ)، فلْيُخبِرْنا الأستاذُ عن رأيِه في مُناسَبةِ هذا الحِجاجِ السَّاخِرِ، لرَصانةِ الإمامِ أَحمَدَ، وبخاصَّةٍ أنَّ الأستاذَ يقولُ: إنَّ أسلوبَ رِسالةِ (الرَّدِّ على الجَهْميَّةِ) لا يُناسِبُ الإمامَ!

5- جاءَ في القِصَّةِ أنَّ بِشْرًا المَرِّيسِيَّ وابنَ أبي دُؤادٍ كانا في مَجلِسِ المُعْتَصِمِ يُحَرِّضانِه على أَحمَدَ، ويَقولانِ: "اقْتُلْه حتَّى نَسْتريحَ مِنه"، لكن بَعْدَما قَصَّ أَحمَدُ رُؤْياه الطَّويلةَ وَثَبَ المُعْتَصِمُ وقالَ لأَحمَدَ: صَدَقْتَ، ثُمَّ تابَ وأمَرَ بضَرْبِ رَقَبةِ المَرِّيسيِّ وابنِ أبي دُؤادٍ، وأَكرَمَ أَحمَدَ وخَلَعَ عليه!

وهذا كَذِبٌ مُركَّبٌ خُتِمَتْ به القِصَّةُ كما اسْتُفتِحَتْ بمِثلِه. فمِن المَعْلومِ تاريِخيًّا أنَّ المُعْتَصِمَ حينَ أَطلَقَ أَحمَدَ لم يَفعَلْ ذلك لأنَّه تابَ ورَجَعَ عن قولِه، بل أَطلَقَه لمَّا أَيِسَ مِنه، وخافَ أن يَتلَفَ في يَدِه، فيَهيجَ النَّاسُ عليه[15].

وأمَّا ابنُ أبي دُؤادٍ فلم يَقتُلْه المُعْتَصِمُ، ولا أمَرَ بقَتْلِه، بل لم يَزَلْ مُقرَّبًا مُكرَّمًا طيلةَ وِلايةِ المُعْتَصِمِ، وانْتَقلَ بَعْدَه إلى صُحْبةِ الخَليفةِ الواثِقِ[16].

كذلك لم يَقتُلِ المُعْتَصِمُ بِشْرًا المَرِّيسيَّ، بل لم يكُنِ المَرِّيسيُّ مِن شُهودِ مِحْنةِ الإمامِ معَ المُعْتَصِمِ أصْلًا، والمَشْهورُ أنَّه تُوفِّيَ سَنةَ (218ه)[17]، ومِحْنةُ الإمامِ معَ المُعْتَصِمِ كانت بَعْدَ ذلك.

هذا حالُ الرِّوايةِ التي اعْتَضَدَ بها الأستاذُ، وحَصَرَ إشْكالَها في لَفْظةِ (القَديمِ)!

فأين ذهبَ النَّقْدُ الدَّاخِليُّ السَّلْبيُّ للمَصادِرِ؟!

وأين اختَفَت تعاليمُ ونَصائِحُ الدُّكتورِ عَبدِ الرَّحمَن بَدَوي؟!

لقد أَعْياني كَثيرًا البَحثُ عن عُذرٍ للأستاذ في هذا التَّصرُّفِ، فهو إمَّا أن يكونَ قَرَأَ الرِّوايةَ ولم يَرَ فيها سِوى ذاك العَيْبِ الصَّغيرِ، أو قَرَأَها وعَرَفَ ما فيها وأَخْفاه، والخِيارانِ أحْلاهما أَمَرُّ مِن العَلْقَمِ. يَبْقى الاحْتِمالُ الثَّالثُ الأَقَلُّ سوءًا، وهو أنَّ الأستاذَ لم يَقرَأِ الرِّوايةَ أصْلًا، وإنَّما الْتَقَطَها مِن مَصدَرٍ ثانويٍّ، فرأى فيها ما يُؤيِّدُ مَذهَبَه، فأخَذَها وأَثبَتَها في مَقالتِه، فإن كانَ هذا ما فَعَلَه، فعليه أن يَعْتذِرَ مِن أصولِ البَحثِ التَّاريخيِّ، التي كانَ يُؤَكِّدُ لنا أنَّها: "تَتَطلَّبُ الصَّرامةَ البَحثيَّةَ، والدِّقَّةَ العِلميَّةَ"[18].

تَصرُّفُ الأستاذِ هنا سَبَقَ أن شَخَّصَه ابنُ خَلْدونَ، فقالَ:

"النَّفْسُ إذا كانَ على حالِ الاعْتِدالِ في قَبولِ الخَبَرِ أَعْطتْه حَقَّه مِن التَّمْحيصِ والنَّظَرِ، حتَّى يَتبيَّنَ صِدْقُه مِن كَذِبِه. وإذا خامَرَها تَشيُّعٌ لرأيٍ أو نِحْلةٍ، قَبِلَتْ ما يُوافِقُها مِن الأخبارِ لأوَّلِ وَهْلةٍ، وكانَ ذلك المَيْلُ والتَّشيُّعُ غِطاءً على بَصيرتِها عن الانْتِقادِ والتَّمْحيصِ، فيَقَعُ في قَبولِ الكَذِبِ ونَقْلِه"[19].

هذه عِبارةُ ابنِ خَلْدونَ، وفي ظَنِّي أنَّه لو تَحدَّثَ بلُغةِ الأستاذِ، واسْتَعمَلَ مُفرداتِه وقاموسَه، فلرُبَّما أُطلِقَ على أخينا الغِزِّيِّ -دونَ تَردُّدٍ- لَقَبَ: "الباحِثِ الرِّساليِّ"!

وبالنِّسْبةِ لي، فلو تَمثَّلتُ شَخْصيَّةَ الأستاذِ لَأَقمْتُ هنا المَناحةَ على واقِعِ البَحثِ العِلميِّ في بيئتِنا، ورَمَيْتُ صَاحبَنا الغِزِّيَّ بالخيانة، وبخَرْقِ أصولِ البَحثِ التَّاريخيِّ خِدْمةً لمَذهبيَّتِه وأَجِنْدتِه!

هذا ما يَفعَلُه الأستاذُ الغِزِّيُّ -غفر اللهُ له- عندَما يَقِفُ على أَقَلَّ مِن هذا في كَلامِ غَيْرِه!

للحَديثِ بَقيَّةٌ...

 

([1])  أقسام اللذات، للرازي (ص262).                                                        

([2])  قرَّر هذا في مَقالةٍ نَشَرَها بعُنوانِ: (رِسالةٌ لِمن أراد الفَهْمَ مِن المتَّصِفينَ بالأخلاقِ الحَسَنةِ).    

([3])  القراءة المذهبيَّة للتاريخ العقدي (ص162)، (ص163).                                   

([4])  طبقات الحنابلة، لابن أبي يعلى (3/86).

([5])  طبقات الحنابلة (1/437).

([6])  طبقات الحنابلة (3/86)، مناقب الإمام أحمد، لابن الجوزي (ص409)، وللخضر بن المثنى روايةٌ في أحكام أهل الملل (ص283)، لكن تصحَّف الاسمُ في الطَّبعةِ إلى (الحَسَن).

([7])  المنتظم في تاريخ الأمم والملوك (10/28).

([8])  سير أعلام النبلاء (19/559).

([9])  المنتظم في تاريخ الأمم والملوك (10/28).

([10])  الرَّتَم: الكلامُ الخفِيُّ. تهذيب اللغة (14/198)، لسان العرب (12/226).

([11])  سير أعلام النبلاء (19/559)، وتاريخ الإسلام (36/143).

([12])  لسان الميزان (1/532).

([13])  تاريخ الإسلام (18/112).

([14])  أحمد بن حنبل (ص105).

([15])  المحنة، برواية حنبل بن إسحاق (ص121).

([16])  تاريخ دمشق (71/112)، وفيات الأعيان (1/84).

([17])  تاريخ بغداد (7/531)، وفيات الأعيان (1/278).

([18])  رسالةٌ لِمن أراد الفَهْمَ مِنَ المتَّصِفينَ بالأخلاقِ الحَسَنةِ (ص5).                            

([19])  مقدمة ابن خلدون (ص56).