الموسوعة العقدية

 النُّزولُ والْهُبُوطُ والتَّدَلِّي (إلى السَّماءِ الدُّنيا)

صِفاتٌ فعليَّةٌ ثابتةٌ لله عزَّ وجلَّ بالسُّنَّةِ الصَّحيحةِ.
الدَّليلُ:
1- حديثُ النُّزولِ المشهورِ: ((يَنْزِلُ ربُّنا تبارك وتعالى كُلَّ ليلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا حِينَ يَبقَى ثُلُثُ اللَّيلِ الآخِرُ... )) [3003] أخرجه البخاري (7494)، ومسلم (758) من حَديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. .
2- حديثُ: ((إذا مضَى ثُلُثُ اللِّيلِ الأوَّلُ هبَطَ اللهُ تعالى إلى السَّماءِ الدُّنيا، فلمْ يزَلْ هناكَ حتى يَطلُعَ الفجرُ... )) [3004] أخرجه أحمدُ (967)، والدارميُّ (1484) واللفظ لهما، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (10319) باختلاف يسير من حَديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. صححه شعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (967)، وصحح إسناده أحمد شاكر في تخريج ((مسند أحمد)) (2/203) وأصل الحديث في صحيح مسلم (758) بلفظ: ((ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر)) .
3- حديثُ عَمرِو بنِ عَبَسةَ السُّلَميِّ مرفوعًا: ((إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يَتدلَّى في جوفِ اللَّيلِ فيَغفِرُ، إلَّا ما كان مِن الشِّركِ والبَغْيِ...)) [3005] [ضعيف] أخرجه أحمد (19433) واللَّفظُ له، وعبد بن حميد في ((المسند)) (297)، وابنُ بطَّةَ في ((الإبانة الكبرى)) (172). .
4- حديثُ الإسراءِ عن أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((... حتى جاءَ سِدرةَ المنتهى ودَنَا الجَبَّارُ ربُّ العِزَّةِ فَتَدَلَّى، حتى كان مِنه قابَ قوسينِ أو أَدْنَى... )) [3006] أخرجه البخاري (7517). هذا الحديثُ ممَّا اختلف أهلُ العِلم فيه؛ فمِنهم مَن جعَله من أوهامِ شَريكِ بن أبي نَمِر، وأنَّ الدنوَّ والتدلِّي إنما هو لجبريلَ، كما في سورة النَّجم، ومنهم مَن جعَل هذا الدنوَّ والتدلي غيرَ الذي في سورة النجم؛ فيكون الذي في السورة لجبريل، وهذا للهِ عزَّ وجلَّ، وانتصر لهذا القولِ ابنُ القيِّم في ((مدارج السالكين)) (3/322). .
قال أبو حنيفةَ عندما سُئِلَ عن حديثِ نُزولِ الرَّبِّ تبارك وتعالى: (يَنزِلُ بلا كيفٍ) [3007])) يُنظر: ((عقيدة السلف وأصحاب الحديث)) للصابوني (ص: 222). .
وقال محمَّدُ بنُ الحسنِ صاحبُ أبي حَنيفةَ في الأحاديثِ التي جاءتْ أنَّ اللهَ يَهبِطُ إلى السَّماءِ الدنيا ونَحوِ هذا مِن الأحاديثِ: (إنَّ هذه الأحاديثَ قد رواها الثِّقاتُ؛ فنحنُ نَرويها ونُؤمِنُ بها ولا نُفسِّرها) [3008] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (4/186)، ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) لابن القيم (1/139). .
وقال الشَّافعي: (القَولُ في السُّنَّةِ التي أنا عليها، ورأيتُ أصحابَنا عليها أهلَ الحديثِ الذين رأيتُهم فأخذتُ عنهم؛ مِثلُ سُفيانَ ومالكٍ وغَيرِهما: الإقرارُ بشَهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ... وأنَّ اللهَ تعالى يَنزِلُ إلى سماءِ الدُّنيا كيف شاء) [3009])) يُنظر: ((إثبات صفة العلو)) لابن قدامة (ص: 180). ويُنظر: ((العلو للعلي الغفار)) للذهبي (ص: 165). .
وقال أيضًا: (للهِ تبارَك وتعالى أسماءٌ وصِفاتٌ جاءَ بها كِتابُه، وأخبَرَ بها نبيُّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُمَّتَه... وأنَّه يَهبِطُ كُلَّ ليلةٍ إلى سماءِ الدُّنيا، بخَبَرِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بذلِك...) [3010] يُنظر: ((طبقات الحنابلة)) لابن أبي يَعلَى (1/282). .
وقال إسحاقُ بنُ منصورٍ الكَوسَج: قلتُ لأحمدَ رَضِيَ اللهُ عنه: ((ينزِلُ رَبُّنا -تبارك وتعالى اسمُه- كُلَّ ليلةٍ حين يبقى ثُلُثُ اللَّيلِ الأخيرُ إلى سماءِ الدُّنيا )) أليس تقولُ بهذه الأحاديثِ؟ قال الإمامُ أحمدُ: (كُلُّ هذا صحيحٌ) [3011])) يُنظر: ((مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه)) (9/ 4675). .
وقال أبو سعيدٍ الدارميُّ بعدَ أنْ ذكَرَ ما يُثبِتُ النُّزولَ من أحاديثِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (فهذه الأحاديثُ قد جاءتْ كلُّها وأكثرُ منها في نزولِ الربِّ تبارَك وتعالى في هذه المواطِن، وعلى تَصديقِها والإيمانِ بها أدْرَكْنا أهلَ الفِقهِ والبصرِ مِن مشايخِنا، لا يُنكرُها منهم أحدٌ، ولا يمتنعُ مِن روايتِها) [3012] يُنظر: ((الرد على الجهمية)) (ص: 79). .
وقال ابنُ جَريرٍ: (فصلٌ: القولُ فيما أُدرِكَ عِلمُه مِن صِفاتِ الصَّانعِ خبرًا لا استدلالًا: وذلك نحوُ إخبارِ اللهِ تعالى ذِكْرُه إيَّانَا أنَّه سميعٌ بصيرٌ، وأنَّ له يَدينِ بقَولِه: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ... وأنه يَهْبِطُ إلى السَّماءِ الدنيا؛ لخبرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) [3013] يُنظر: ((التبصير في معالم الدين)) (132). . وقال ابنُ خزيمةَ: (بابٌ: ذِكرُ أخبارٍ ثابتةِ السَّندِ صحيحةِ القَوامِ، رواها عُلَماء الحجازِ والعراقِ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، في نُزولِ الربِّ جلَّ وعلا إلى السماءِ الدُّنيا كُلَّ ليلةٍ: نَشهَدُ شهادةَ مُقرٍّ بلسانِه، مُصدِّقٍ بقلبِه، مُستيقِنٍ بما في هذه الأخبارِ مِن ذِكر نُزولِ الربِّ، مِن غيرِ أنْ نصِفَ الكيفيَّةَ؛ لأنَّ نبيَّنا المصطفى لم يَصِفْ لنا كيفيَّةَ نزولِ خالقِنا إلى سماءِ الدنيا، وأعْلَمَنا أنَّه يَنْزلُ، واللهُ جلَّ وعلا لم يتركْ ولا نبيُّه عليه السَّلامُ بيانَ ما بالمسلمينَ الحاجةُ إليه مِن أمْرِ دِينِهم؛ فنحنُ قائلونَ مُصدِّقونَ بما في هذه الأخبارِ مِن ذِكرِ النُّزولِ، غيرَ مُتكلِّفينَ القولَ بصِفتِه أو بصِفةِ الكيفيَّةِ؛ إذ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَصِفْ لنا كيفيَّةَ النُّزولِ.
وفي هذِه الأخبارِ ما بانَ وثبَتَ وصحَّ أنَّ الله جلَّ وعلا فوقَ سماءِ الدُّنيا، الذي أَخبَرَنا نبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه يَنْزلُ إليه؛ إذ محالٌ في لُغةِ العرَبِ أن يَقولَ: نزَلَ مِن أسفلَ إلى أعْلَى، ومفهومٌ في الخِطابِ أنَّ النُّزولَ من أعْلَى إلى أسْفَلَ) [3014] يُنظر: ((كتاب التوحيد)) (1/289). .
وقال ابنُ وضاحٍ: (سألتُ يوسُفَ بنَ عَدِيٍّ عن النُّزولِ؟ فقال: نعم، أقِرُّ به ولا أحُدُّ فيه حدًّا، وسألتُ عنه ابنَ مَعِين؟ فقال: نعم، أقِرُّ به، ولا أحُدُّ فيه حَدًّا) [3015])) يُنظر: ((أصول السنة)) لابن أبي زمنين (ص: 113). .
وقال ابنُ أبي زمنين: (ومن قَولِ أهلِ السُّنَّةِ: أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ ينزِلُ إلى سماءِ السَّماءِ الدُّنيا، ويؤمِنون بذلك، من غيرِ أن يَحُدُّوا فيه حَدًّا) [3016])) يُنظر: ((أصول السنة)) (ص: 110). .
وقال أبو القاسمِ اللالكائيُّ: (سياقُ ما رُوِيَ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في نزولِ الربِّ تبارَك وتعالى، رواه عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِشرونَ نفْسًا) [3017] يُنظر: ((أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) (3/434). .
وقال أبو عُمَرَ الطلمنكي: (أجمَعوا يعني: أهلَ السُّنَّةِ والجماعةِ على أنَّ اللهَ يَنزِلُ كُلَّ ليلةٍ إلى سماءِ الدُّنيا على ما أتت به الآثارُ، كيف شاء، لا يحدُّون في ذلك شيئًا) [3018])) يُنظر: ((شرح حديث النزول)) لابن تيمية (ص: 188). .
وقال أبو نصرٍ السجزي: (قد أقَرَّ الأشعريُّ بحديثِ النُّزولِ، ثم قال: النُّزولُ فِعلٌ له يُحدِثُه في السَّماءِ، وقال بعضُ أصحابِه: المرادُ به نُزولُ أمرِه، ونُزولُ الأمرِ عِندَهم لا يصِحُّ، وعند أهلِ الحَقِّ: الذاتُ بلا كيفيَّةٍ) [3019])) يُنظر: ((رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت)) (ص: 190). .
وقال ابنُ تيميَّةَ: (فالربُّ سُبحانَه إذا وصَفَه رسولُه بأنَّه يَنْزِلُ إلى سماءِ الدُّنيا كُلَّ ليلةٍ، وأنَّه يَدْنو عَشيَّةَ عَرَفةَ إلى الحُجَّاجِ، وأنَّه كلَّم موسى بالوادي الأيمنِ في البُقعةِ المباركةِ مِن الشَّجرة، وأنَّه استوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ، فقال لها وللأرضِ: ائتيَا طَوْعًا أو كَرْهًا؛ لم يلزمْ من ذلك أن تكونَ هذه الأفعالُ مِن جِنسِ ما نُشاهِدُه من نزولِ هذه الأعيانِ المشهودةِ، حتى يُقال: ذلك يستلزمُ تَفريغَ مكانٍ وشَغْلَ آخَرَ) [3020] يُنظر: ((دقائق التفسير)) (6/424). .
وقال أيضًا: (قدْ تأوَّل قومٌ من المنتسبينَ إلى السُّنَّة والحديثِ حديثَ النُّزولِ، وما كان نَحوَه من النُّصوصِ التي فيها فِعلُ الربِّ اللازمُ؛ كالإتيانِ والمجيءِ والهبوطِ، ونحوِ ذلك) [3021] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (5/397). ، وردَّ على ذلك مُثبتًا هذه الصِّفات، وقال -بعدَ أنْ ذكَر رِواياتِ ابنِ مَندَه لحديثِ النُّزولِ-: (فهذا تلخيصُ ما ذَكَره عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَندَه مع أنَّه استوعَبَ طُرقَ هذا الحديثِ وذَكَر ألفاظَه؛ مِثلُ قَولِه: ((يَنْزلُ ربُّنا كُلَّ ليلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا إذا مضَى ثُلُثُ اللَّيلِ الأوَّلُ، فيَقولُ: أنَا الملِكُ؛ مَن ذا الذي يَسألُني فأُعطيَه؟ مَن ذا الذي يَدعُوني فأستجيبَ له؟ مَن ذا الذي يَستغفِرُني فأغفرَ له؟ فلا يزالُ كذلك إلى الفَجرِ ))، وفى لفظٍ: ((إذا بقِيَ مِنَ اللَّيلِ ثُلُثاه يَهْبِطُ الربُّ إلى السَّماءِ الدُّنيا))، وفي لفظٍ: ((حتَّى يَنشقَّ الفجرُ ثم يَرتفِعَ))، وفي روايةٍ: ((يَقولُ: لا أسألُ عن عِبادي غيري؛ مَن ذا الذي يسألُني فأعطيَه؟ ))، وفى روايةِ عَمْرِو بنِ عَبَسةَ: ((أنَّ الربَّ يَتَدَّلى في جوفِ اللَّيلِ إلى السَّماءِ الدُّنيا)) [3022] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (5/394). .
ونَقَل ابنُ تيميَّةَ كلامًا لأبي الحَسَنِ الكَرْجيِّ، ساق فيه مجموعةً مِن أحاديثِ الصِّفاتِ، ومنها صِفةُ التدَلِّي الواردةُ في حديثِ الإسراءِ والمِعْراجِ، ثمَّ قال في آخِرِ كَلامِه: (إلى غَيرِها من الأحاديثِ هالَتْنا أو لم تَهُلْنا، بلغَتْنا أو لم تبلُغْنا، اعتِقادُنا فيها وفي الآيِ الواردةِ في الصِّفاتِ: أنَّا نَقْبَلُها ولا نُحَرِّفُها ولا نكَيِّفُها ولا نعَطِّلُها ولا نتأَوَّلُها، وعلى العُقولِ لا نَحمِلُها، وبصِفاتِ الخَلْقِ لا نُشَبِّهُها، ولا نُعمِلُ رأيَنا وفِكْرَنا فيها، ولا نزيدُ عليها ولا نَنقُصُ منها، بل نؤمِنُ بها ونَكِلُ عِلْمَها إلى عالِمِها كما فَعَل ذلك السَّلَفُ الصَّالحُ، وهم القُدوةُ لنا في كُلِّ عِلمٍ) [3023] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (4/185). .
وقال ابنُ حَجر: (أصْلُ التدلِّي: النُّزولُ إلى الشَّيءِ حتى يَقرُبَ منه) [3024] يُنظر: ((فتح الباري)) (13/484). .

انظر أيضا: