الموسوعة العقدية

المَطلَبُ الرَّابِعُ: من قواعِدِ صِفاتِ اللهِ: التَّوقُّفُ في الألفاظِ المُجمَلةِ الَّتي لم يرِدْ إثباتُها ولا نَفْيُها

أمَّا معناها فَيُسْتفصَلُ عنه؛ فإنْ أُريدَ به باطلٌ يُنَزَّهُ اللهُ عنه، رُدَّ، وإنْ أُريدَ به حقٌّ لا يمتنِعُ على اللهِ، قُبِلَ، مع بيانِ ما يدُلُّ على المعنى الصَّوابِ مِن الألفاظِ الشَّرعيَّةِ، والدَّعوةِ إلى استعمالِه مكانَ هذا اللَّفظِ المُجمَلِ الحادِثِ [1291] يُنظر: ((العقيدة التدمريَّة)) (ص: 65)، ((مجموع الفتاوى)) (5/299) و (6/36) كلاهما لابن تيميَّة. .
مثالُه: لفظةُ (الجِهة): نتوقَّفُ في إثباتِها ونَفْيِها، ونسأَلُ قائلَها: ماذا تَعني بالجِهةِ؟ فإنْ قال: أَعني أنَّه في مكانٍ يَحويه، قُلْنا: هذا معنًى باطلٌ يُنَزَّهُ اللهُ عنه، وردَدْناه، وإنْ قال: أَعني جِهةَ العُلوِّ المُطلَقِ، قُلْنا: هذا حقٌّ لا يمتنِعُ على اللهِ، وقبِلْنا منه المعنى، وقُلْنا له: لكِنِ الأَوْلى أن تقولَ: هو في السَّماءِ، أو في العُلوِّ؛ كما ورَدَتْ به الأدِلَّة الصَّحيحةُ، وأمَّا لفظةُ (جِهة)، فهي مُجمَلةٌ حادثةٌ، الأَوْلى تَركُها.
قال المَقْدسيُّ: (من السُّنَّةِ اللَّازمةِ السُّكوتُ عَمَّا لم يَرِدْ فيه نَصٌّ عن اللهِ ورَسولِه، أو يتَّفِقِ المُسلِمون على إطلاقِه، وتَرْكُ التعَرُّضِ له بنفيٍ أو إثباتٍ، فكما لا يُثبَتُ إلَّا بنَصٍّ شَرعيٍّ، كذلك لا يُنفى إلَّا بدَليلٍ سَمعيٍّ) [1292] يُنظر: ((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص: 223). .
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (من الأُصولِ الكُلِّيَّةِ أن يُعلَمَ أنَّ الألفاظَ نوعانِ: نوعٌ جاء به الكِتابُ والسُّنَّةُ، فيَجِبُ على كُلِّ مؤمِنٍ أن يُقِرَّ بموجِبِ ذلك، فيُثبِتُ ما أثبَتَه اللهُ ورَسولُه، ويَنفي ما نفاه اللهُ ورَسولُه، فاللَّفظُ الذي أثبَتَه اللهُ أو نفاه حَقٌّ؛ فإنَّ اللهَ يَقولُ الحَقَّ وهو يهدي السَّبيلَ، والألفاظُ الشَّرعيَّةُ لها حُرمةٌ. ومِن تمامِ العِلْمِ أن يَبحَثَ عن مرادِ رَسولِه بها؛ لِيُثبِتَ ما أثبَتَه، ويَنفيَ ما نفاه من المعاني؛ فإنَّه يجِبُ علينا أن نُصَدِّقَه في كُلِّ ما أخبَرَ، ونطيعَه في كُلِّ ما أوجَبَ وأمَرَ، ثمَّ إذا عرَفْنا تفصيلَ ذلك كان ذلك مِن زيادةِ العِلْمِ والإيمانِ، وقد قال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: 11]، وأمَّا الألفاظُ التي ليست في الكِتابِ والسُّنَّةِ ولا اتَّفَق السَّلَفُ على نَفْيِها أو إثباتِها، فهذه ليس على أحَدٍ أن يُوافِقَ مَن نفاها أو أثبَتَها حتَّى يَستفسِرَ عن مُرادِه؛ فإن أراد بها معنًى يوافِقُ خَبَرَ الرَّسولِ، أَقَرَّ به، وإن أراد بها معنًى يخالِفُ خَبَرَ الرَّسولِ، أنكَرَه. ثمَّ التعبيرُ عن تلك المعاني إن كان في ألفاظِه اشتِباهٌ أو إجمالٌ، عَبَّرَ بغيرها، أو بَيَّن مرادَه بها، بحيث يحصُلُ تعريفُ الحَقِّ بالوَجهِ الشَّرعيِّ؛ فإنَّ كثيرًا مِن نزاعِ النَّاسِ سَبَبُه ألفاظٌ مُجمَلةٌ مُبتَدَعةٌ ومعانٍ مُشتَبِهةٌ، حتى تجِدَ الرَّجُلَينِ يتخاصَمانِ ويتعاديانِ على إطلاقِ ألفاظٍ ونَفْيِها، ولو سُئِلَ كُلٌّ منهما عن معنى ما قاله لم يتصَوَّرْه فَضلًا عن أن يَعرِفَ دليلَه! ولو عَرَف دَليلَه لم يلزَمْ أنَّ مَن خالَفَه يكونُ مُخطِئًا، بل يكونُ في قَولِه نَوعٌ مِنَ الصَّوابِ، وقد يكونُ هذا مُصيبًا مِن وَجهٍ، وهذا مصيبًا مِن وَجهٍ، وقد يكونُ الصَّوابُ في قَولٍ ثالثٍ) [1293] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (12/ 113). .
وقال ابنُ تَيميَّةَ أيضًا: (أئِمَّةُ السُّنَّةِ كأحمَدَ بنِ حَنبَلٍ وغَيرِه كانوا إذا ذَكَرت لهم أهلُ البِدَعِ الألفاظَ المُجمَلةَ؛ كلَفظِ الجِسمِ والجوهَرِ والحَيِّزِ ونَحوِها، لم يوافِقوهم؛ لا على إطلاقِ الإثباتِ، ولا على إطلاقِ النَّفيِ، وأهلُ البِدَعِ بالعَكسِ؛ ابتَدَعوا ألفاظًا ومعانيَ إمَّا في النَّفيِ وإمَّا في الإثباتِ، وجَعَلوها هي الأصلَ المعقولَ المحْكَمَ الذي يجِبُ اعتقادُه والبناءُ عليه، ثمَّ نَظَروا في الكِتابِ والسُّنَّةِ، فما أمكَنَهم أن يتأوَّلوه على قَولِهم تأوَّلوه، وإلَّا قالوا: هذا من الألفاظِ المُتشابِهةِ المُشكِلةِ التي لا ندري ما أُريدَ بها، فجَعَلوا بِدَعَهم أصلًا مُحكَمًا، وما جاء به الرَّسولُ فَرعًا له، ومُشكِلًا إذا لم يُوافِقْه! وهذا أصلُ الجَهْميَّةِ والقَدَريَّةِ وأمثالِهم، وأصلُ الملاحِدةِ مِن الفلاسِفةِ الباطِنيَّةِ، جميعُ كُتُبِهم توجَدُ على هذا الطَّريقِ، ومَعرِفةُ الفَرقِ بين هذا وهذا من أعظَمِ ما يُعلَمُ به الفَرقُ بين الصِّراطِ المستَقيمِ الذي بَعَث اللهُ به رَسولَه وبين السُّبُلِ المخالِفةِ له، وكذلك الحُكمُ في المسائِلِ العِلْميَّةِ الفِقهيَّةِ ومَسائِلِ أعمالِ القُلوبِ وحَقائِقِها وغيرِ ذلك، كُلُّ هذه الأمورِ قد دَخَل فيها ألفاظٌ ومَعانٍ مُحدَثةٌ، وألفاظٌ ومعانٍ مُشتَرَكةٌ؛ فالواجِبُ أن يُجعَلَ ما أنزَلَه اللهُ مِنَ الكِتابِ والحِكمةِ أصلًا في جميعِ هذه الأمورِ، ثمَّ يُرَدَّ ما تكَلَّم فيه النَّاسُ إلى ذلك، ويُبَيَّنَ ما في الألفاظِ المجمَلةِ مِن المعاني الموافِقةِ للكِتابِ والسُّنَّةِ، فتُقَبُلَ، وما فيها من المعاني المخالِفةِ للكِتابِ والسُّنَّةِ فتُرَدَّ) [1294] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (17/ 306). .
وقال أيضًا: (يَجِبُ أن تُفَسَّرَ الألفاظُ المُجمَلةُ بالألفاظِ المفَسَّرةِ المَبَّينةِ، وكُلُّ لَفظٍ يَحتَمِلُ حَقًّا وباطِلًا فلا يُطلَقُ إلَّا مُبَيَّنًا به المرادُ الحَقُّ دونَ الباطِلِ؛ فقد قيل: أكثَرُ اختلافِ العُقلاءِ مِن جِهةِ اشتراكِ الأسماءِ. وكثيرٌ مِن نزاعِ النَّاسِ في هذا البابِ هو مِن جِهةِ الألفاظِ المجمَلةِ التي يَفهَمُ منها هذا معنًى يُثبِتُه، ويَفهَمُ منها الآخَرُ معنًى يَنفِيه، ثمَّ النُّفاةُ يَجمَعونَ بين حَقٍّ وباطلٍ، والمثبِتةُ يَجَمعونَ بينَ حَقٍّ وباطِلٍ) [1295] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (12/ 551). .
وقال محمَّدُ بنُ عبدِ الوهَّابِ: (إنَّ مَذهَبَ الإمامِ أحمدَ وغَيرِه من السَّلَفِ: أنَّهم لا يتكَلَّمون في هذا النوعِ إلَّا بما يتكَلَّمُ اللهُ به ورسولُه؛ فما أثبته اللهُ لنَفْسِه أو أثبَتَه رَسولُه، أثبتوه، مثلُ الفوقيَّةِ والاستواءِ والكلامِ والمجيءِ وغيرِ ذلك، وما نفاه اللهُ عن نَفْسِه ونفاه عنه رسولُه، نَفَوه، مِثلُ المِثْلِ والنِّدِّ والسَّمِيِّ وغَيرِ ذلك، وأمَّا ما لا يُوجَدُ عن اللهِ ورَسولِه إثباتُه ونَفْيُه، مِثلُ الجَوهَرِ والجِسمِ والعَرَضِ والجِهةِ وغيرِ ذلك، لا يُثبِتونَه ولا يَنفُونَه) [1296])) يُنظر: ((الرسائل الشخصية)) (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبدالوهاب، الجزء السادس) (ص: 130). .

انظر أيضا: