الموسوعة العقدية

المَطلَبُ الأَوَّلُ: من قواعِدِ صِفاتِ اللهِ: إثباتُ ما أثبَتَه اللهُ لنَفْسِه في كتابِه، أو أثبَتَه له رسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أو أصحابُه رَضِيَ اللهُ عنهم، مِن غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومِن غيرِ تكييفٍ ولا تمثيلٍ

فاللهُ تعالى أعلَمُ بنَفْسِه مِن غيرِه، ورسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أعلَمُ الخَلْقِ بربِّه، ومِن بعدِه أصحابُه رَضِيَ اللهُ عنهم [1238] يُنظر: ((عقيدة السلف أصحاب الحديث)) للصابوني (ص: 161)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّةَ (3/3، 4/182، 5/26، 6/38، 6/515). .
قال اللهُ تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11].
وقال اللهُ سُبحانَه: فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: 74] .
قال ابنُ جرير: (قَولُه: فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ [النحل: 74] يَقولُ: فلا تُمثِّلوا لله الأمثالَ، ولا تُشَبِّهوا له الأشباهَ؛ فإنَّه لا مِثْلَ له ولا شِبْهَ) [1239] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/ 305) .
وقال البَغَويُّ: (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ يعني: الأشباهَ، فتُشَبِّهونَه بخَلْقِه، وتجعَلونَ له شركاءَ؛ فإنَّه واحِدٌ لا مِثْلَ له) [1240] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (3/ 88). .
قال مالِكُ بنُ أَنَسٍ: إيَّاكم والبِدَعَ، قيل: وما البِدَعُ؟ قال: (أهلُ البِدَعِ هم الذين يتكَلَّمونَ في أسْماءِ اللهِ وصِفاتِه وكَلامِه وعِلْمِه وقُدرتِه، ولا يَسكُتونَ عَمَّا سَكَت عنه الصَّحابةُ والتَّابِعونَ لهم بإحسانٍ) [1241] يُنظر: ((ذم الكلام)) للهروي (4/114). .
وعن جَعفَرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: جاء رجُلٌ إلى مالِكِ بنِ أنَسٍ، فقال: يا أبا عَبدِ اللهِ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5] كيف استوى؟ قال: فما رأيتُ مالِكًا وَجَد مِن شَيءٍ كمَوْجِدَتِه من مقالتِه، وعلاه الرُّحَضاءُ -يعني العَرَقَ- قال: وأطرَقَ القَومُ، وجَعَلوا ينتَظِرونَ ما يأتي منه فيه، قال: فسُرِّيَ عن مالكٍ، فقال: الكَيفُ غيرُ مَعقولٍ، والاستواءُ منه غيرُ مَجهولٍ، والإيمانُ به واجِبٌ، والسُّؤالُ عنه بِدعةٌ؛ فإنِّي أخافُ أن تكونَ ضالًّا، وأَمَر به فأُخرِجَ [1242] يُنظر: ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) للالكائي (3/ 441). .
وقال الوَليدُ بنُ مُسلِمٍ: سألتُ سُفيانَ، والأوزاعيَّ، ومالِكَ بنَ أنَسٍ، واللَّيثَ بنَ سَعدٍ، عن هذه الأحاديثِ؟ فقالوا: (نُمِرُّها كما جاءت) [1243] يُنظر: ((السنة)) لأبي بكر بن الخلال (1/ 259). .
وقال الشَّافِعيُّ: (آمَنْتُ باللهِ، وبما جاء عن اللهِ على مُرادِ اللهِ، وآمَنتُ برَسولِ اللهِ وبما جاء عن رَسولِ اللهِ على مُرادِ رَسولِ اللهِ) [1244] يُنظر: ((لمعة الاعتقاد)) لابن قدامة (ص: 7). .
وقال نعيمُ بنُ حَمَّادٍ الخُزاعيُّ: (مَن شَبَّه اللهَ بخَلْقِه فقد كَفَر، ومن أنكَرَ ما وَصَف اللهُ به نَفْسَه فقد كَفَر، وليس ما وَصَف اللهُ به نَفْسَه تشبيهًا) [1245] يُنظر: ((الاقتصاد في الاعتقاد)) للمقدسي (ص: 217). .
وقال عبدُ الرَّحمنِ بنُ القاسِمِ: (لا ينبغي لأحَدٍ أن يَصِفَ اللهَ إلَّا بما وصف به نَفْسَه في القرآنِ، ولا يُشَبِّهَ يَدَيه بشَيءٍ، ولا وَجْهَه بشَيءٍ، ولكِنْ يقولُ: له يدانِ كما وصف نَفْسَه في القرآنِ، وله وَجهٌ كما وصف نَفْسَه، يقِفُ عند ما وَصَف به نَفْسَه في الكتابِ؛ فإنَّه -تبارك وتعالى- لا مِثْلَ له ولا شبيهَ، ولكِنْ هو اللهُ لا إلهَ إلَّا اللهُ كما وَصَف نَفْسَه، ويداه مبسوطتانِ كما وصَفَها: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: 67] ، كما وصف نَفْسَه) [1246])) يُنظر: ((أصول السنة)) لابن أبي زمنين (ص: 75). .
وقال ابنُ خُزَيمةَ: (إنَّ الأخبارَ في صِفاتِ اللهِ مُوافِقةٌ لكِتابِ اللهِ تعالى، نقَلَها الخَلَفُ عن السَّلَفِ قَرنًا بعد قَرنٍ مِن لَدُنِ الصَّحابةِ والتَّابعينَ إلى عَصْرِنا هذا، على سَبيلِ الصِّفاتِ للهِ تعالى، والمعرفةِ والإيمانِ به، والتَّسليمِ لِما أخبَرَ اللهُ تعالى في تنزيلِه، ونَبيُّه الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كتابِه، مع اجتِنابِ التَّأويلِ والجُحودِ، وتَرْكِ التَّمثيلِ والتَّكييفِ) [1247] يُنظر: ((ذم التأويل)) لابن قدامة (ص: 18). .
وقال الكَلاباذيُّ: (أجمعوا على أنَّ للهِ صِفاتٍ على الحَقيقةِ هو بها موصوفٌ؛ مِن العِلْمِ، والقُدرةِ، والقُوَّةِ، والعِزِّ، والحِلمِ، والحِكمةِ، والكبرياءِ، والجَبَروتِ، والقِدَمِ، والحياةِ، والإرادةِ، والمشيئةِ، والكلامِ... وأنَّ له سمعًا وبَصَرًا ووَجهًا ويَدًا على الحقيقةِ، ليس كالأسماعِ والأبصارِ والأيدي والوُجوهِ) [1248] يُنظر: ((التعرف لمذهب أهل التصوف)) (ص: 35). .
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: (أهلُ السُّنَّةِ مُجمِعونَ على الإقرارِ بالصِّفاتِ الوارِدةِ كُلِّها في القُرآنِ والسُّنَّةِ، والإيمانِ بها، وحَمْلِها على الحقيقةِ لا على المجازِ، إلَّا أنَّهم لا يُكَيِّفونَ شَيئًا مِن ذلك ولا يَحُدُّونَ فيه صِفةً مَحصورةً، وأمَّا أهلُ البِدَعِ والجَهْميَّةُ والمعتَزِلةُ كُلُّها والخوارجُ، فكُلُّهم يُنكِرُها ولا يَحمِلُ شيئًا منها على الحقيقةِ، ويَزعُمونَ أنَّ مَن أقَرَّ بها مُشَبِّهٌ، وهم عند مَن أثبَتَها نافونَ للمَعبودِ، والحَقُّ فيما قاله القائِلونَ بما نَطَق به كِتابُ اللهِ وسُنَّةُ رَسولِه، وهم أئمَّةُ الجَماعةِ، والحَمدُ لله) [1249] يُنظر: ((التمهيد)) (7/ 145). .
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (مَذهَبُ السَّلَفِ أنَّهم يَصِفونَ اللهَ بما وَصَف به نَفْسَه، وما وَصَفه به رَسولُه من غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومِن غيرِ تكييفٍ ولا تمثيلٍ، فلا يَنْفُونَ عنه ما أثبَتَه لنَفْسِه مِن الصِّفاتِ، ولا يُمَثِّلونَ صِفاتِه بصِفاتِ المخلوقينَ؛ فالنَّافي مُعَطِّلٌ، والمعَطِّلُ يَعبُدُ عَدَمًا، والمشَبِّهُ مُمَثِّلٌ، والممَثِّلُ يَعبُدُ صَنَمًا، ومَذهَبُ السَّلَفِ إثباتٌ بلا تمثيلٍ، وتنزيهٌ بلا تعطيلٍ، كما قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وهذا رَدٌّ على الممَثِّلةِ. وقَولُه: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ رَدٌّ على المعَطِّلةِ) [1250] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (8/ 432). .
وقال أيضًا: (جِماعُ القَولِ في إثباتِ الصِّفاتِ هو القَولُ بما كان عليه سَلَفُ الأُمَّةِ وأئِمَّتُها، وهو أن يُوصَفَ اللهُ بما وَصَف به نَفْسَه، وبما وصَفَه به رَسولُه، ويُصانَ ذلك عن التَّحريفِ والتَّمثيلِ، والتَّكييفِ والتَّعطيلِ؛ فإنَّ اللهَ لَيسَ كمِثْلِه شَيءٌ؛ لا في ذاتِه، ولا في صِفاتِه، ولا في أفعالِه. فمن نفى صِفاتِه كان مُعَطِّلًا، ومَن مَثَّل صِفاتِه بصِفاتِ مخلوقاتِه كان مُمَثِّلًا، والواجِبُ إثباتُ الصِّفاتِ، ونَفْيُ مُماثلتِها لصِفاتِ المخلوقاتِ؛ إثباتًا بلا تشبيهٍ، وتنزيهًا بلا تعطيلٍ، كما قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فهذا رَدٌّ على الممَثِّلةِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11] رَدٌّ على المعَطِّلةِ، فالمُمَثِّلُ يَعبُدُ صنمًا، والمعَطِّلُ يَعبُدُ عَدَمًا) [1251] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (6/515). .
وقال: (هو سُبحانَه مع ذلك لَيسَ كمِثْلِه شَيءٌ؛ لا في نَفْسِه المقَدَّسةِ المذكورةِ بأسمائِه وصِفاتِه، ولا في أفعالِه، فكما يتيَقَّنُ أنَّ اللهَ سُبحانَه له ذاتٌ حقيقيةٌ، وله أفعالٌ حقيقيَّةٌ، فكذلك له صِفاتٌ حقيقيَّةٌ، وهو لَيسَ كمِثْلِه شَيءٌ؛ لا في ذاتِه، ولا في صِفاتِه، ولا في أفعالِه، وكُلُّ ما أوجَبَ نَقصًا أو حُدوثًا؛ فإنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عنه حقيقةً؛ فإنَّه سُبحانَه مُستَحِقٌّ للكَمالِ الذي لا غايةَ فَوقَه... ومَذهَبُ السَّلَفِ بين التَّعْطيلِ وبين التَّمْثيلِ، فلا يمَثِّلونَ صِفاتِ اللهِ بصِفاتِ خَلْقِه، كما لا يُمَثِّلونَ ذاتَه بذاتِ خَلْقِه، ولا يَنفُونَ عنه ما وَصَف به نَفْسَه، أو وصَفَه به رَسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيُعَطِّلونَ أسماءَه الحُسْنى وصِفاتِه العُلا، ويُحَرِّفونَ الكَلِمَ عن مَواضِعِه، ويُلحِدونَ في أسْماءِ اللهِ وآياتِه) [1252] يُنظر: ((الفتوى الحموية الكبرى)) (ص: 266). .
وقال ابنُ القَيِّمِ: (قد تنازع الصَّحابةُ في كثيرٍ مِن مسائِلِ الأحكامِ، وهم ساداتُ المؤمِنينَ، وأكمَلُ الأُمَّةِ إيمانًا، ولكِنْ بحَمدِ اللهِ لم يتنازَعوا في مسألةٍ واحدةٍ مِن مسائِلِ الأسماءِ والصِّفاتِ والأفعالِ، بل كُلُّهم على إثباتِ ما نطق به الكِتابُ والسُّنَّةُ كَلِمةً واحِدةً، من أوَّلِهم إلى آخِرِهم، لم يَسُوموها تأويلًا، ولم يُحَرِّفُوها عن مواضِعِها تبديلًا، ولم يُبْدوا لشَيءٍ منها إبطالًا، ولا ضَرَبوا لها أمثالًا، ولم يَدْفَعُوا في صُدورِها وأعجازِها، ولم يَقُلْ أحَدٌ منهم: يجِبُ صَرْفُها عن حقائقِها، وحَمْلُها على مجازِها، بل تَلَقَّوْها بالقَبُولِ والتَّسليمِ، وقابَلوها بالإيمانِ والتَّعظيمِ، وجَعَلوا الأمرَ فيها كُلِّها أمرًا واحِدًا، وأجْرَوْها على سَنَنٍ واحِدٍ، ولم يَفعَلوا كما فَعَل أهلُ الأهواءِ والبِدَعِ؛ حيث جَعَلوها عِضِينَ، وأقَرُّوا ببَعْضِها، وأنكَروا بَعْضَها من غيرِ فُرْقَانٍ مُبِينٍ، مع أنَّ اللَّازِمَ لهم فيما أنكَروه كاللَّازِمِ فيما أقَرُّوا به وأثبَتوه) [1253] يُنظر: ((إعلام الموقعين)) (2/91). .
وقال ابنُ أبي العِزِّ: (اتَّفَق أهلُ السُّنَّةِ على أنَّ اللهَ لَيسَ كمِثْلِه شَيءٌ؛ لا في ذاتِه، ولا في صِفاتِه، ولا في أفعالِه، ولكِنْ لَفظُ التَّشبيهِ قد صار في كلامِ النَّاسِ لَفظًا مُجمَلًا يرادُ به المعنى الصَّحيحُ، وهو ما نفاه القُرآنُ ودَلَّ عليه العَقلُ؛ من أنَّ خصائِصَ الرَّبِّ تعالى لا يُوصَفُ بها شيءٌ من المخلوقاتِ، ولا يماثِلُه شَيءٌ من المخلوقاتِ في شَيءٍ مِن صِفاتِه: لَيْسَ كمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11] ردٌّ على المُمَثِّلةِ المشَبِّهةِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11] ردٌّ على النُّفاةِ المعَطِّلةِ؛ فمَن جَعَل صِفاتِ الخالِقِ مِثلَ صِفاتِ المخلوقِ، فهو المشَبِّهُ المبطِلُ المذمومُ، ومن جَعَل صِفاتِ المخلوقِ مِثلَ صِفاتِ الخالِقِ، فهو نظيرُ النَّصارى في كُفْرِهم) [1254] يُنظر: ((شرح الطحاوية)) (1/ 57). .
وقال السَّفارينيُّ: (الصَّوابُ إثباتُ ما أثبَتَه اللهُ لنَفْسِه، ووصَفَه به نبيُّه حَسَبَما وَرَد، مِن غيرِ إلحادٍ ولا رَدٍّ، فهو إثباتُ وجودٍ بلا تكييفٍ) [1255] يُنظر: ((لوامع الأنوار البهية)) (1/ 232). .
وقال عبدُ الرَّحمنِ بنُ حَسَن آل الشَّيخِ بعد أن ذَكَر إثباتَ عُلُوِّ اللهِ تعالى واستوائِه على العَرْشِ وأدِلَّةَ ذلك: (وهذا مذهَبُ سَلَفِ الأمَّةِ وأئمَّتِها ومن تَبِعَهم من أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ: يُثبِتون لله ما أثبت لنَفْسِه، وما أثبَتَه له رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، من صفاتِ كَمالِه، ونُعوتِ جَلالِه، على ما يليقُ بجلالِ اللهِ وعظَمتِه؛ إثباتًا بلا تمثيلٍ، وتنزيهًا بلا تعطيلٍ، تعالى اللهُ عمَّا يقولُ المحَرِّفون المخَرِّفون عن الحَقِّ عُلُوًّا كبيرًا) [1256])) يُنظر: ((المطلب الحميد في بيان مقاصد التوحيد)) (ص: 241). .
وقال السَّعْديُّ: (لَيْسَ كمِثْلِهِ شَيْءٌ أي: ليس يُشبِهُه تعالى ولا يماثِلُه شَيءٌ من مخلوقاتِه؛ لا في ذاتِه، ولا في أسمائِه، ولا في صِفاتِه، ولا في أفعالِه؛ لأنَّ أسماءَه كُلَّها حُسْنى، وصِفاتِه صفاتُ كمالٍ وعَظَمةٍ، وأفعالَه تعالى أوجَدَ بها المخلوقاتِ العظيمةَ مِن غيرِ مُشارِكٍ، فلَيسَ كمِثْلِه شَيءٌ؛ لانفرادِه وتوحُّدِه بالكَمالِ مِن كُلِّ وَجهٍ. وَهُوَ السَّمِيعُ لجميعِ الأصواتِ، باختلافِ اللُّغاتِ، على تفَنُّنِ الحاجاتِ. الْبَصِيرُ يرى دبيبَ النَّملةِ السَّوداءِ، في اللَّيلةِ الظَّلماءِ، على الصَّخرةِ الصَّمَّاءِ، ويرى سَرَيانَ القُوتِ في أعضاءِ الحيواناتِ الصَّغيرةِ جِدًّا، وسَرَيانَ الماءِ في الأغصانِ الدَّقيقةِ.
وهذه الآيةُ ونحوُها دليلٌ لمذهَبِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ؛ من إثباتِ الصِّفاتِ، ونَفيِ مماثلةِ المخلوقاتِ. وفيها رَدٌّ على المشَبِّهةِ في قَولِه: لَيْسَ كمِثْلِهِ شَيْءٌ، وعلى المعَطِّلةِ في قَولِه: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [1257] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 754). .
وقال الشِّنقيطيُّ: (من نفى عن اللهِ وَصفًا أثبَتَه لنَفْسِه في كتابِه العزيزِ، أو أثبَتَه له رَسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، زاعِمًا أنَّ ذلك الوَصفَ يَلزَمُه ما لا يليقُ باللهِ جَلَّ وعلا؛ فقد جعل نَفْسَه أعلَمَ مِن اللهِ ورَسولِه بما يليقُ باللهِ جَلَّ وعلا! سُبحانَك هذا بهتانٌ عظيمٌ! ومن اعتَقَد أنَّ وَصْفَ اللهِ يُشابِهُ صِفاتِ الخَلقِ، فهو مُشَبِّه مُلحِدٌ ضالٌّ، ومن أثبَتَ للهِ ما أثبَتَه لنَفْسِه، أو أثبَتَه له رَسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، مع تنزيهِه جَلَّ وعلا عن مشابهةِ الخَلْقِ؛ فهو مؤمِنٌ جامِعٌ بين الإيمانِ بصِفاتِ الكمالِ والجَلالِ، والتَّنزيهِ عن مُشابهةِ الخَلْقِ، سالمٌ مِن ورطةِ التَّشبيهِ والتَّعْطيلِ، والآيةُ التي أوضَحَ اللهُ بها هذا هي قَولُه تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11]، فنفى عن نَفْسِه جَلَّ وعلا مماثَلةَ الحوادِثِ بقَولِه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وأثبت لنَفْسِه صِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ بقَولِه: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فصَرَّح في هذه الآيةِ الكريمةِ بنَفْيِ المماثَلةِ مع الاتِّصافِ بصِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ) [1258] يُنظر: ((أضواء البيان)) (2/ 18). .
وتشبيهُ اللهِ بخَلْقِه إشراكٌ باللهِ تعالى يَستلزِمُ تحريفَ النُّصوصِ، أو تكذيبَها، مع تنقُّصِ اللهِ تعالى بتَمثيلِه بالمخلوقِ النَّاقِصِ.
وقال ابنُ باز: (من الإيمانِ باللهِ أيضًا الإيمانُ بأسمائِه الحُسْنى وصِفاتِه العلا الواردةِ في كتابِه العزيزِ، والثَّابتةِ عن رَسولِه الأمينِ، مِن غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ولا تكييفٍ ولا تمثيلٍ، بل يجِبُ أن تُمَرَّ كما جاءت بلا كيفٍ، مع الإيمانِ بما دَلَّت عليه من المعاني العظيمةِ التي هي أوصافٌ للهِ عزَّ وجَلَّ يجِبُ وَصْفُه بها على الوَجهِ اللَّائِقِ به، من غيرِ أن يُشابِهَ به خَلْقَه في شَيءٍ مِن صِفاتِه، كما قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11]، وقال عزَّ وجَلَّ: فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل:74] ) [1259] يُنظر: ((العقيدة الصحيحة وما يضادها)) (ص: 6). .
وقال ابنُ عُثَيمين: (السَّلَفُ الصَّالحُ مِن صَدْرِ هذه الأُمَّةِ، وهم الصَّحابةُ الذين هم خيرُ القُرونِ، والتَّابعون لهم بإحسانٍ، وأئمَّةُ الهُدى مِن بَعْدِهم: كانوا مجمِعينَ على إثباتِ ما أثبَتَه اللهُ لنَفْسِه، أو أثبَتَه له رَسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من الأسماءِ والصِّفاتِ، وإجراءِ النُّصوصِ على ظاهِرِها اللَّائِقِ باللهِ تعالى، من غير تحريفٍ، ولا تعطيلٍ، ولا تكييفٍ، ولا تمثيلٍ، وهم خيرُ القُرونِ بنَصِّ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإجماعُهم حُجَّةٌ مُلزِمةٌ؛ لأنَّه مُقتَضى الكِتابِ والسُّنَّةِ) [1260] يُنظر: ((القواعد المثلى)) (ص: 79). .

انظر أيضا: