الموسوعة العقدية

الفَرْعُ الثَّالِثُ: حُكمُ اشتِقاقِ أسماءٍ وصِفاتٍ للهِ مِن أفعالِه المقيَّدةِ

صِفاتُ الكَمالِ المقَيَّدةُ بقَيدٍ: لا يَصِحُّ إطلاقُها على اللهِ تعالى ونِسْبتُها إليه بدونِ ذلك القَيدِ، مِثلُ: المَكْرِ، والخِداعِ، والاستِهزاءِ، وما أشبَهَ ذلك؛ فلا يَصِحُّ إطلاقُ وَصْفِه، أو تسميتُه بالماكِرِ، أو المستَهزئِ، أو الخادِعِ، وأمَّا إذا أُوردَت تلك الصِّفاتُ في مُقابَلةِ مَن يَفعَلونَ ذلك، فإنَّها تكونُ صِفاتِ كَمالٍ، فنَقولُ: ماكِرٌ بالماكرينَ، مُستَهزِئٌ بالمنافِقينَ، خادِعٌ للمُنافِقينَ، كائِدٌ للكافرينَ، وهكذا نُقَيِّدها؛ لأنَّها لم تأتِ إلَّا مُقَيَّدةً بذلك [1142] يُنظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) لابن عثيمين (1/143). .
قال ابنُ القَيِّمِ: (لا يَلزَمُ مِن الإخبارِ عنه بالفِعلِ مُقَيَّدًا أن يُشتَقَّ له منه اسمٌ مُطلَقٌ، كما غَلِطَ فيه بعضُ المتأخِّرينَ، فجَعَل مِن أسمائِه الحُسْنى المضِلَّ الفاتِنَ الماكِرَ، تعالى اللهُ عن قَولِه؛ فإنَّ هذه الأسماءَ لم يُطلَقْ عليه سُبحانَه منها إلَّا أفعالٌ مخصوصةٌ مُعَيَّنةٌ، فلا يجوزُ أن يُسَمَّى بأسمائِها) [1143] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) (1/285). .
وقال أيضًا: (جميعُ ما أطلَقَه على نَفْسِه من صِفاتِه العُلا أكمَلُ مَعنًى ولَفظًا مِمَّا لم يُطلِقْه. فالعَليمُ الخبيرُ أكمَلُ مِن الفَقيهِ والعارِفِ، والكريمُ الجَوَادُ أكمَلُ مِنَ السَّخِيِّ، والخالِقُ البارِئُ المصَوِّرُ أكمَلُ مِنَ الصَّانِعِ الفاعِلِ؛ ولهذا لم تجِئْ هذه في أسمائِه الحُسْنى، والرَّحيمُ والرَّؤوفُ أكمَلُ من الشَّفيقِ والمُشفِقِ؛ فعليك بمراعاةِ ما أطلقَه سُبحانَه على نَفْسِه من الأسماءِ والصِّفاتِ، والوُقوفِ معها، وعَدَمِ إطلاقِ ما لم يُطلِقْه على نَفْسِه ما لم يكُنْ مُطابِقًا لِمعنى أسمائِه وصِفاتِه، وحينَئذٍ فيُطلَقُ المعنى لمطابقَتِه له دونَ اللَّفظِ، ولا سِيَّما إذا كان مُجمَلًا أو مُنقَسِمًا إلى ما يُمدَحُ به وغَيرِه؛ فإنَّه لا يجوزُ إطلاقُه إلَّا مُقَيَّدًا، وهذا كلَفظِ الفاعِلِ والصَّانِعِ؛ فإنَّه لا يُطلَقُ عليه في أسمائِه الحُسْنى إلَّا إطلاقًا مُقَيَّدًا أطلَقَه على نَفْسِه، كقَولِه تعالى: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: 16]، وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: 27] ، وقَولِه: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل: 88] ، فإنَّ اسمَ الفاعِلِ والصَّانِعِ مُنقَسِمُ المعنى إلى ما يُمدَحُ عليه ويُذَمُّ.
ولهذا المعنى -واللهُ أعلَمُ- لم يَجِئْ في الأسماءِ الحُسْنى المريدُ، كما جاء فيها السَّميعُ البَصيرُ، ولا المتكَلِّمُ ولا الآمِرُ النَّاهي؛ لانقِسامِ مُسَمَّى هذه الأسماءِ، بل وَصَفَ نَفْسَه بكَمالاتِها وأشرَفِ أنواعِها.
ومِن هنا يُعلَمُ غَلَطُ بَعضِ المتأخِّرينِ وزَلَقُه الفاحِشُ في اشتِقاقِه له سُبحانَه مِن كُلِّ فِعلٍ أخبَرَ به عن نَفْسِه اسمًا مُطلَقًا، فأدخَلَه في أسمائِه الحُسْنى، فاشتَقَّ له اسمَ الماكِرِ، والخادِعِ، والفاتِنِ، والمضِلِّ، والكاتِبِ، ونَحوِها؛ مِن قَولِه: وَيَمْكُرُ اللَّهُ [الأنفال: 30] ، ومِن قَولِه: وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء: 142] ، ومِن قَولِه: لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [طه: 131] ، ومِن قَولِه: يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ [الرعد: 27] ، [النحل: 93] [فاطر: 8] ، وقَولِه تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ [المجادلة: 21]، وهذا خطَأٌ مِن وُجوهٍ:
أحَدُها: أنَّه سُبحانَه لم يُطلِقْ على نَفْسِه هذه الأسماءَ؛ فإطلاقُها عليه لا يجوزُ.
الثَّاني: أنَّه سُبحانَه أخبَرَ عن نَفْسِه بأفعالٍ مُختَصَّةٍ مُقَيَّدةٍ؛ فلا يجوزُ أن يُنسَبَ إليه مُسَمَّى الاسمِ عند الإطلاقِ.
الثَّالِثُ: أنَّ مُسَمَّى هذه الأسماءِ مُنقَسِمٌ إلى ما يُمدَحُ عليه المسَمَّى به، وإلى ما يُذَمُّ، فيَحسُنُ في مَوضِعٍ، ويَقبُحُ في مَوضِعٍ؛ فيَمتَنِعُ إطلاقُه عليه سُبحانَه من غيرِ تَفصيلٍ.
الرَّابِعُ: أنَّ هذه ليست من الأسماءِ الحُسْنى التي يُسَمَّى بها سُبحانَه فلا يجوزُ أن يُسَمَّى بها؛ فإنَّ أسماءَ الرَّبِّ تعالى كُلَّها حُسْنى، كما قال تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنى [الأعراف: 180] ، وهي التي يُحِبُّ سُبحانَه أن يُثنَى عليه ويُحمَدَ بها دونَ غَيرِها.
الخامِسُ: أنَّ هذا القائِلَ لو سُمِّيَ بهذه الأسماءِ، وقيل له: هذه مِدْحَتُك وثَناءٌ عليك، فأنت الماكِرُ الفاتِنُ المخادِعُ المضِلُّ اللَّاعِنُ الفاعِلُ الصَّانِعُ، ونَحوُها؛ لَمَا كان يَرضى بإطلاقِ هذه الأسماءِ عليه ويَعُدُّها مِدْحةً، ولله المثَلُ الأعلى سُبحانَه وتعالى عمَّا يَقولُ الجاِهلونَ به عُلُوًّا كَبيرًا.
السَّادِسُ: أنَّ هذا القائِلَ يَلزَمُه أن يَجعَلَ مِن أسمائِه اللَّاعِنَ والجائِيَ والآتِيَ والذَّاهِبَ والتَّارِكَ والمقاتِلَ والصَّادِقَ والمُنَزِّلَ والنَّازِلَ والمُدَمْدِمَ والمدَمِّرَ وأضعافَ أضعافِ ذلك، فيَشتَقُّ له اسمًا مِن كُلِّ فِعلٍ أخبَرَ به عن نَفْسِه، وإلَّا تناقَضَ تناقُضًا بَيِّنًا، ولا أحدَ مِن العُقَلاءِ طَرَدَ ذلك؛ فعُلِمَ بُطلانُ قَولِه، والحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ) [1144] يُنظر: ((طريق الهجرتين)) (ص: 329). .

انظر أيضا: