الموسوعة العقدية

المَطلَبُ الثَّالِثُ: الجَهلُ في بابِ الأسماءِ والصِّفاتِ

يختَلِفُ حُكمُ الإلحادِ مِن شَخصٍ إلى آخَرَ، فحُكمُ مَن ألحَدَ في أسْماءِ اللهِ وصِفاتِه متعَمِّدًا وعِنادًا، ليس كمَن ألحَدَ فيها جَهلًا وتأوُّلًا.
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ القُرآنِ:
قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف: 138] .
قال البَغَويُّ: (لم يكُنْ ذلك شكًّا من بني إسرائيلَ في وَحْدانيَّةِ اللهِ، وإنَّما معناه: اجعَلْ لنا شيئًا نُعَظِّمُه ونتقَرَّبُ بتعظيمِه إلى اللهِ، وظَنُّوا أنَّ ذلك لا يَضُرُّ الدِّيانةَ، وكان ذلك لشِدَّةِ جَهْلِهم. قال موسى: إنَّكم قَومٌ تَجهَلونَ عظَمةَ اللهِ) [1036] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (2/227). .
وقال ابنُ كثير: (أي: تجهَلونَ عَظمةَ اللهِ وجَلالَه، وما يجِبُ أن يُنَزَّهَ عنه من الشَّريكِ والمثيلِ) [1037] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/467). .
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ:
1- عن أبي واقِدٍ اللَّيثيِّ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَمَّا خرجَ إلى خَيبرَ مرَّ بشَجَرةٍ للمُشرِكينَ يقالُ لَها ذاتُ أنواطٍ، يعلِّقونَ عليْها أسلحِتَهم، فقالوا: يا رَسولَ اللهِ اجعَل لنا ذاتَ أنواطٍ كما لَهم ذاتُ أنواطٍ، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((سُبحانَ اللهِ! هذا كما قالَ قومُ موسى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: 138] ، والَّذي نفسي بيدِهِ لترْكبُنَّ سُنَّةَ مَن كانَ قبلَكم)) [1038]أخرجه الترمذي (2180) واللَّفظُ له، وأحمد (21897). صححه الترمذي، وابنُ حِبَّانَ في ((صحيحه)) (6702)، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (2180)، وصَحَّح إسناده على شرطِ الشَّيخَينِ شعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (21897). وفي رواية: ((خرَجْنا مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى حُنَينٍ، ونحنُ حُدَثاءُ عَهدٍ بكُفرٍ)) [1039] أخرجه ابنُ أبي عاصم في ((السنة)) (76)، والطبراني (3/244) (3291) واللَّفظُ له، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (2021). صَحَّح إسنادَه ابن باز في ((مجموع الفتاوى)) (3/337)، وحَسَّنه الألباني في تخريج ((كتاب السنة)) (76). .
قال الملَّا علي القاري: («لَمَّا خرج إلى غَزوةِ حُنَينٍ» أي: بعد فَتحِ مكَّةَ ومعه بَعضُ من دخل في الإسلامِ حديثًا، ولم يتعلَّمْ من أدِلَّة الأحكامِ آيةً ولا حديثًا «مَرَّ بشَجَرةٍ للمُشرِكينَ كانوا يُعَلِّقونَ عليها أسلِحَتَهم» أي: ويَعكُفونَ حولَها، يُقالُ لها ذاتُ أنواطٍ: جَمعُ نَوطٍ، وهو مَصدَرُ ناطَه، أي: عَلَّقَه، «فقالوا» أي: بعضُهم ممَّن لم يَكمُلْ له مرتبةُ التَّوحيدِ، ولم يطَّلِعْ على حقيقةِ التفريدِ: «يا رَسولَ اللهِ، اجعَلْ لنا ذاتَ أنواطٍ كما لهم ذاتُ أنواطٍ» أي: شَجَرةً نحن أيضًا نعَلِّقُ عليها أسلِحَتَنا، وكأنَّهم أرادوا به الضِّدِّيَّةَ والمخالَفةَ العُرفيَّةَ، وغَفَلوا عن القاعِدةِ الشَّرعيَّةِ، «فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: سُبحانَ الله!» تنزيهًا وتعجُّبًا «هذا» أي: هذا القَولُ منكم «كما قال قومُ موسى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: 138] »، لكِنْ لا يخفى ما بيْنهما من التَّفاوُتِ المُستفادِ مِنَ التَّشبيهِ؛ حيث يكونُ المشَبَّهُ به أقوى) [1040] يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) (8/ 3403). .
2- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((كانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ علَى نَفْسه، فَلَمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ قالَ لِبَنِيه: إذا أنا مُتُّ فأحْرِقُونِي، ثُمَّ اطْحَنُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي في الرِّيحِ، فَواللهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذابًا ما عَذَّبَهُ أحَدًا، فَلَمَّا ماتَ فُعِلَ به ذلكَ، فأمَرَ اللهُ الأرْضَ فقالَ: اجْمَعِي ما فِيكِ منه، فَفَعَلَتْ، فإذا هو قائِمٌ، فقالَ: ما حَمَلَكَ علَى ما صَنَعْتَ؟ قال: يا رَبِّ، خَشْيَتُكَ، فَغَفَرَ له)) [1041] أخرجه البخاري (3481) واللَّفظُ له، ومسلم (2756). .
قال الخَطَّابيُّ: (قد يُستشكَلُ هذا، فيُقالُ: كيف يَغفِرُ له وهو مُنكِرٌ للبَعثِ والقُدرةِ على إحياءِ الموتى؟! والجوابُ: أنَّه لم ينكِرِ البَعثَ، وإنَّما جَهِلَ فظَنَّ أنَّه إذا فعل به ذلك لا يُعادُ فلا يُعَذَّبُ، وقد ظَهَر إيمانُه باعترافِه بأنَّه إنَّما فعل ذلك مِن خَشيةِ اللهِ) [1042] يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (6/522). .
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: (وأمَّا جَهلُ هذا الرَّجُلِ المذكورِ في هذا الحديثِ بصِفةٍ مِن صِفاتِ اللهِ في عِلْمِه وقَدَرِه، فليس ذلك بمُخرِجِه مِنَ الإيمانِ) [1043] يُنظر: ((التمهيد)) (18/46). .
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (فهذا رجُلٌ شكَّ في قُدرةِ اللهِ وفي إعادتِه إذا ذُرِيَ، بل اعتَقَد أنَّه لا يعادُ، وهذا كفرٌ باتِّفاقِ المسلِمينَ، لكِنْ كان جاهِلًا لا يَعلَمُ ذلك، وكان مؤمنًا يخافُ اللهَ أن يعاقِبَه، فغَفَر له بذلك، والمتأوِّلُ مِن أهلِ الاجتِهادِ، الحريصُ على متابعةِ الرَّسولِ: أَولى بالمَغفِرةِ مِن مِثلِ هذا) [1044] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (3/231). .
وقال أيضًا: (فهذا الرَّجُلُ اعتَقَد أنَّ اللهَ لا يَقدِرُ على جَمْعِه إذا فَعَل ذلك، أو شَكَّ، وأنَّه لا يبعَثُه، وكُلُّ مِن هذينِ الاعتقادينِ كُفرٌ، يَكفُرُ من قامت عليه الحُجَّةُ، لكِنَّه كان يَجهَلُ ذلك، ولم يَبلُغْه العِلْمُ بما يَرُدُّه عن جَهْلِه، وكان عنده إيمانٌ باللهِ، وبأَمْرِه ونَهْيِه، ووَعْدِه ووَعيدِه، فخاف من عقابِه، فغَفَر اللهُ له بخَشْيتِه، فمن أخطأَ في بعضِ مَسائِلِ الاعتقادِ مِن أهلِ الإيمانِ باللهِ وبرَسولِه وباليَومِ الآخِرِ، والعَمَلِ الصَّالحِ؛ لم يكُنْ أسوَأَ حالًا مِن الرَّجُلِ) [1045] يُنظر: ((الاستقامة)) (1/ 164). .
وقال ابنُ القَيِّمِ: (أمَّا جَحْدُ ذلك جهلًا أو تأويلًا يُعذَرُ فيه صاحِبُه، فلا يَكفُرُ صاحِبُه به، كحديثِ الذي جَحَد قُدرةَ اللهِ عليه، وأمَرَ أهلَه أن يُحَرِّقوه ويَذُرُّوه في الرِّيحِ، ومع هذا فقد غَفَر اللهُ له، ورَحِمَه؛ لجَهْلِه؛ إذ كان ذلك الذي فعَلَه مَبلَغُ عِلْمِه، ولم يجحَدْ قُدرةَ اللهِ على إعادتِه عِنادًا أو تكذيبًا) [1046] يُنظر: ((مدارج السالكين)) (1/348). .
وقال ابنُ الوزير: (إنما أدركَتْه الرَّحمةُ؛ لجَهْلِه، وإيمانِه باللهِ والمعادِ؛ لذلك خاف العِقابَ، وأمَّا جَهْلُه بقُدرةِ اللهِ تعالى على ما ظَنَّه مُحالًا، فلا يكونُ كُفرًا إلَّا لو عَلِمَ أنَّ الأنبياءَ جاؤوا بذلك، وأنَّه مُمكِنٌ مقدورٌ، ثمَّ كَذَّبَهم أو أحدًا منهم؛ لِقَولِه تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15] وهذا أرجى حديثٍ لأهلِ الخَطَأِ في التأويلِ) [1047] يُنظر: ((إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات)) (ص: 394). .
وقال عبدُ اللهِ بنُ محمَّدِ بنِ عبدِ الوهَّابِ: (فهذا الرَّجُلُ اعتقد أنَّه إذا فُعِل به ذلك لا يَقدِرُ اللهُ على بَعْثِه، جَهلًا منه لا كُفرًا ولا عِنادًا، فشَكَّ في قُدرةِ اللهِ على بَعْثِه، ومع هذا غَفَر له ورَحِمَه، وكُلُّ مَن بَلَغه القُرآنُ فقد قامت عليه الحُجَّةُ بالرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولكِنَّ الجاهِلَ يحتاجُ إلى من يُعَرِّفُه بذلك من أهْلِ العِلْمِ. واللهُ أعلَمُ) [1048] يُنظر: ((الدرر السنية في الأجوبة النجدية)) (10/240). .
فالجَهلُ في هذه المسألةِ عُذرٌ مُعتَبَرٌ شَرعًا، وكذلك قيامُ الشُّبهةِ ووقوعُ التَّأويلِ.
قال الشَّافعيُّ: (لله تعالى أسماءٌ وصِفاتٌ لا يَسَعُ أحدًا قامت عليه الحُجَّةُ رَدُّها. زاد في «المختَصَر»: فإن خالَفَ بعد ثُبوتِ الحُجَّةِ عليه، فهو كافِرٌ، فأمَّا قَبْلَ ثُبوتِ الحُجَّةِ عليه فمَعذورٌ بالجَهلِ؛ لأنَّ عِلْمَ ذلك لا يُدرَكُ بالعَقلِ، ولا بالرَّوِيَّةِ والفِكْرِ، ويُثبِت هذه الصِّفاتِ ويَنفي عنها التَّشبيهَ، كما نفى عن نَفْسِه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البصير [الشورى: 11]) [1049] يُنظر: ((مختصر العلو للعلي العظيم)) (ص: 177). .
وقال ابنُ جريرٍ: (للهِ تعالى ذِكْرُه أسماءٌ وصِفاتٌ جاء بها كتابُه، وأخبر بها نبيُّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَّتَه، لا يسَعُ أحدًا من خَلْقِ اللهِ قامت عليه الحُجَّةُ بأنَّ القُرآنَ نزل به، وصَحَّ عنده قَولُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما رُوِيَ عنه به الخَبَرُ منه، خلافُه؛ فإن خالف ذلك بعد ثبوتِ الحُجَّةِ عليه به من جهةِ الخَبَرِ على ما بَيَّنْتُ فيما لا سبيلَ إلى إدراكِ حقيقةِ عِلْمِه إلَّا حسًّا؛ فمعذورٌ بالجَهلِ به الجاهِلُ؛ لأنَّ عِلمَ ذلك لا يدرَكُ بالعقلِ، ولا بالرَّوِيَّةِ والفِكرةِ. وذلك نحوُ إخبارِ الله تعالى ذِكْرُه إيَّانا أنَّه سميعٌ بصيرٌ، وأنَّ له يدينِ... فإنَّ هذه المعانيَ التي وُصِفَت، ونظائِرَها، مِمَّا وصف اللهُ عزَّ وجَلَّ بها نَفْسَه، أو وصفه بها رسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ممَّا لا تُدرَكُ حقيقةُ عِلمِه بالفِكرِ والرَّوِيَّةِ. ولا نُكَفِّرُ بالجَهلِ بها أحدًا إلَّا بعد انتهائِها إليه) [1050])) يُنظر: ((التبصير في معالم الدين)) (ص: 132-139). .
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (الصَّوابُ أنَّ الجَهلَ ببَعضِ أسْماءِ اللهِ وصِفاتِه لا يكونُ صاحِبُه كافِرًا إذا كان مُقِرًّا بما جاء به الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولم يَبلُغْه ما يُوجِبُ العِلْمَ بما جَهِلَه، على وَجهٍ يَقتَضي كُفْرَه إذا لم يَعلَمْه) [1051] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (7/538). .
وقال أيضًا: (تكفيرُ الجَهميَّةِ مَشهورٌ عن السَّلَفِ والأئِمَّةِ، لكِنْ ما كان أي: أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ يُكَفِّرُ أعيانَهم... فالذين كانوا من ولاةِ الأُمورِ يقولونَ بقَولِ الجَهميَّةِ: إنَّ القُرآنَ مخلوقٌ، وإنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ لا يُرى في الآخِرةِ، وغيرَ ذلك، ويَدْعُونَ النَّاسَ إلى ذلك، ويمتَحِنونَهم ويعاقِبونَهم إذا لم يُجيبوهم، ويُكَفِّرونَ من لم يُجِبْهم، حتَّى إنَّهم كانوا إذا افتَكُّوا الأسيرَ لا يُطلِقونَه حتى يُقِرَّ بقَولِ الجَهميَّةِ: إنَّ القُرآنَ مخلوقٌ، وغيرَ ذلك، ولا يُوَلُّونَ مُتوَلِّيًا، ولا يُعطُونَ رِزقًا من بيتِ المالِ، إلَّا لِمن يقول ذلك! ومع هذا فالإمامُ أحمدُ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه، ترَحَّم عليهم، واستغفَرَ لهم؛ لعِلْمِه بأنَّهم لم يتبيَّنْ لهم أنَّهم مُكَذِّبونَ للرَّسولِ، ولا جاحِدونَ لِما جاء به، ولكِنْ تأوَّلوا فأخطَؤوا، وقَلَّدوا من قال ذلك لهم، وكذلك الشَّافِعيُّ لَمَّا قال لحَفصٍ الفردِ -حين قال: القُرآنُ مخلوقٌ-: كفَرْتَ باللهِ العظيمِ، بَيَّنَ له: أنَّ هذا القَولَ كُفرٌ، ولم يحكُمْ برِدَّةِ حَفصٍ بمجَرَّدِ ذلك؛ لأنَّه لم يتبيَّنْ له الحُجَّةُ التي يَكفُرُ بها، ولو اعتَقَد أنَّه مُرتَدٌّ لسعى في قَتْلِه، وقد صرَّح في كُتُبِه بقَبولِ شَهادةِ أهلِ الأهواءِ، والصَّلاةِ خَلْفَهم) [1052] يُنظر: ((المسائل الماردينية)) (ص: 157). .
وقال أيضًا: (كُنتُ أقولُ للجَهْميَّةِ مِنَ الحُلوليَّةِ والنُّفاةِ الذين نَفَوا أن يكونَ اللهُ تعالى فوق العَرشِ، لَمَّا وَقَعَت مِحنَتُهم: أنْ لو وافقْتُكم كنتُ كافرًا؛ لأنِّي أعلَمُ أنَّ قَولَكم كُفرٌ، وأنتم عندي لا تَكفُرونَ؛ لأنَّكم جُهَّالٌ، وكان هذا خِطابًا لعُلَمائِهم وقُضاتِهم وشُيوخِهم وأُمَرائِهم! وأصلُ جَهْلِهم شُبُهاتٌ عَقليَّةٌ حَصَلَت لرُؤوسِهم في قُصورٍ مِن معرفةِ المنقولِ الصَّحيحِ، والمعقولِ الصَّريحِ الموافِقِ له؛ فكان هذا خِطابَنا) [1053] يُنظر: ((الاستغاثة في الرد على البكري)) (ص: 253). .
وقال ابنُ تَيميَّةَ أيضًا: (أكثَرُ الطَّالِبينَ للعِلْمِ والدِّينِ ليس لهم قَصدٌ مِن غيرِ الحَقِّ المُبينِ، لكِنْ كَثُرَت في هذا البابِ الشُّبَهُ والمقالاتُ، واستولَتْ على القُلوبِ أنواعُ الضَّلالاتِ، حتى صار القَولُ الذي لا يَشُكُّ مَن أُوتِيَ العِلْمَ والإيمانَ أنَّه مخالِفٌ للقُرآنِ والبرهانِ، بل لا يَشُكُّ في أنَّه كُفرٌ بما جاء به الرَّسولُ مِن رَبِّ العالَمينَ؛ قد جَهِلَه كثيرٌ من أعيانِ الفُضَلاءِ، فظَنُّوا أنَّه مِن مَحضِ العِلْمِ والإيمانِ، بل لا يَشُكُّـونَ في أنَّه مُقتَضى صريحِ العَقلِ والعِيانِ، ولا يظُنُّونَ أنَّه مخالِفٌ لقواطِعِ البُرهانِ؛ ولهذا كنتُ أقولُ لأكابِرِهم: لو وافَقْتُكم على ما تقولونَه لكنتُ كافِرًا مَرِيدًا؛ لعِلْمي بأنَّ هذا كُفرٌ مُبِينٌ، وأنتم لا تَكفُرونَ؛ لأنَّكم من أهلِ الجَهلِ بحقائِقِ الدِّينِ؛ ولهذا كان السَّلَفُ والأئِمَّةُ يُكفِّرونَ الجَهْميَّةَ في الإطلاقِ والتَّعميمِ، وأمَّا المعَيَّنُ منهم فقد يَدْعُونَ له ويَستَغفِرونَ له؛ لكونِه غيرَ عالمٍ بالصِّراطِ المستقيمِ، وقد يكونُ العِلْمُ والإيمانُ ظاهِرًا لقَومٍ دونَ آخَرِينَ، وفي بعضِ الأمكِنَةِ والأزمِنَةِ دونَ بَعضٍ، بحَسَبِ ظُهورِ دِين ِالمرسَلينَ) [1054] يُنظر: ((بيان تلبيس الجهمية)) (1/ 9، 10). .

انظر أيضا: