الموسوعة العقدية

المَطلَبُ الأَوَّلُ: وُجوبُ الإيمانِ والتَّسليمِ بجَميعِ ما جاء في الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن أسْماءِ اللهِ وصِفاتِه

اتَّفَق السَّلَفُ على أنَّه يَجِبُ الإيمانُ بجَميعِ الأسماءِ الحُسْنى، وما دلَّت عليه من الصِّفاتِ، وما يَنشأُ عنها من الأفعالِ.
فمثلًا يجِبُ الإيمانُ بأنَّه سُبحانَه هو القَديرُ، والإيمانُ بكَمالِ قُدرتِه، والإيمانُ بأنَّ قُدرتَه نشَأَت عنها جميعُ الكائناتِ [987] يُنظر: ((معارج القبول)) لحافظ الحكمي (1/231)، ((شرح العقيدة الواسطية)) لمحمد خليل هراس (ص: 159). .
عن محمَّدِ بنِ الحَسَنِ الشَّيبانيِّ قال: (اتَّفَق الفُقَهاءُ كُلُّهم من المشرِقِ إلى المغرِبِ على الإيمانِ بالقُرآنِ، والأحاديثِ التي جاء بها الثِّقاتُ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في صِفةِ الرَّبِّ عزَّ وجَلَّ، من غيرِ تغييرٍ ولا وَصفٍ ولا تشبيهٍ، فمن فَسَّر اليومَ شيئًا من ذلك فقد خَرَج مِمَّا كان عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وفارَقَ الجَماعةَ؛ فإنَّهم لم يَصِفوا ولم يُفَسِّروا، ولكِنْ أفْتَوا بما في الكِتابِ والسُّنَّةِ، ثمَّ سَكَتوا، فمَن قال بقَولِ جَهمٍ فقد فارقَ الجَماعةَ؛ لأنَّه قد وَصَفه بصِفة لا شَيءٍ!) [988] أخرجه اللالكائي في ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) (740).  .
قال الشَّافعي: (نُثبِتُ هذه الصِّفاتِ التي جاء بها القرآنُ ووردت بها السُّنَّةُ، وننفي التشبيهَ عنه كما نفى عن نَفْسِه، فقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11]) [989])) يُنظر: ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (20/341). .
وعن العَبَّاسِ بنِ محمَّدٍ الدُّوريِّ قال: سَمِعتُ أبا عُبَيدٍ القاسِمَ بنَ سَلامٍ، وذكَرَ البابَ الذي يُروى فيه حديثُ الرُّؤيةِ والكُرسيِّ ومَوضِعِ القدَمينِ، وضَحِكِ رَبِّنا مِن قُنوطِ عِبادِه وقُربِ غِيَرِه، وأين كان رَبُّنا قبل أن يَخلُقَ السَّماءَ، وأنَّ جَهنَّمَ لا تمتلِئُ حتى يضَعَ رَبُّك عزَّ وجَلَّ قَدَمَه فيها، فتقولُ: قَطْ قَطْ، وأشباهُ هذه الأحاديثِ، فقال: (هذه الأحاديثُ صِحَاحٌ، حمَلَها أصحابُ الحَديثِ والفُقَهاءُ بعضُهم عن بعضٍ، وهي عندنا حَقٌّ لا نَشُكُّ فيها، ولكِنْ إذا قيل: كيف وَضَعَ قَدَمَه؟ وكيف ضَحِكَ؟ قُلْنا: لا يُفَسَّرُ هذا، ولا سَمِعْنا أحَدًا يُفَسِّرُه) [990] أخرجه الدارقطني في ((الصفات)) (57). .
وقال أحمدُ بن حنبل: (الإيمانُ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه، والتصديقُ بالأحاديثِ فيه، والإيمانُ بها، لا يقالُ: (لم)، ولا (كيف)، إنما هو التصديقُ والإيمانُ بها، ومن لم يَعرِفْ تفسيرَ الحديثِ، ويَبلُغْه عَقلُه، فقد كُفِيَ ذلك وأُحكِمَ له، فعليه الإيمانُ به والتسليمُ له، مِثلُ حديث الصَّادِقُ والمصدوقُ، ومِثلُ ما كان مِثلُه في القَدَرِ، ومِثلُ أحاديثِ الرُّؤيةِ كُلِّها، وإن نَبَتْ عن الأسماع، واستوحش منها المستَمِعُ، وإنما عليه الإيمانُ بها، وألَّا يَرُدَّ منها حرفًا واحدًا، وغيرها من الأحاديثِ المأثوراتِ عن الثِّقاتِ، وأن لا يخاصِمَ أحدًا، ولا يناظِرَه، ولا يتعَلَّمَ الجدالَ؛ فإنَّ الكلامَ في القَدَرِ والرُّؤيةِ والقرآنِ وغَيرِها من السُّنَنِ مكروهٌ، ومَنهيٌّ عنه) [991])) يُنظر: ((أصول السنة)) (ص: 17-20). .
وروى التِّرمِذيُّ حَديثَ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إِنَّ اللَّهَ يَقبَلُ الصَّدَقةَ ويَأخُذُها بيَمينِه فيُرَبِّيها لأحَدِكم كما يُرَبِّي أَحَدُكم مُهْرَه، حتى إنَّ اللُّقمةَ لتَصيرُ مِثْلَ أُحُدٍ )) [992] أخرج نحوه الترمذي (662)، وأحمد (9245) صححه الترمذي، وابن حبان في ((صحيحه)) (3316)، والحاكم على شرط الشيخين في ((المستدرك)) (3283). وأصل الحديث في صحيح البخاري (1410)، ومسلم (1014). ، ثمَّ قال: (قال غيرُ واحدٍ مِن أهلِ العِلْمِ في هذا الحَديثِ وما يُشبِهُ هذا مِنَ الرِّواياتِ مِن الصِّفاتِ: ونُزولُ الرَّبِّ تبارك وتعالى كُلَّ ليلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا، قالوا: قد تَثبُت الرِّواياتُ في هذا ويُؤمَنُ بها ولا يُتوَهَّمُ، ولا يُقالُ: كيف؟ هكذا رُوِيَ عن مالكٍ، وسُفيانَ بنِ عُيَينةَ، وعبدِ اللهِ بنِ المبارَكِ أنَّهم قالوا في هذه الأحاديثِ: "أَمِرُّوها بلا كَيفٍ"، وهكذا قَولُ أهلِ العِلْمِ مِن أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، وأمَّا الجَهميَّةُ فأنكَرَت هذه الرِّواياتِ، وقالوا: هذا تشبيهٌ. وقد ذكَرَ اللهُ عزَّ وجَلَّ في غيرِ موضِعٍ مِن كِتابِه اليَدَ والسَّمعَ والبَصَرَ، فتأوَّلَتِ الجَهميَّةُ هذه الآياتِ، ففَسَّروها على غيرِ ما فَسَّر أهْلُ العِلْمِ، وقالوا: إنَّ اللهَ لم يَخلُقْ آدَمَ بيَدِه، وقالوا: إنَّ معنى اليَدِ هاهنا القُوَّةُ، وقال إسحاقُ بنُ إبراهيمَ: إنَّما يكونُ التَّشبيهُ إذا قال: يَدٌ كَيَدٍ، أو مِثلُ يَدٍ، أو سَمْعٌ كسَمْعٍ، أو مِثلُ سَمعٍ، فإذا قال: سَمْعٌ كسَمْعٍ، أو مِثلُ سَمعٍ، فهذا التَّشبيهُ، وأمَّا إذا قال كما قال اللهُ تعالى: يدٌ، وسَمعٌ، وبَصرٌ، ولا يقولُ: كيف؟ ولا يَقولُ: مِثلُ سَمعٍ، ولا كسَمْعٍ، فهذا لا يكونُ تشبيهًا، وهو كما قال اللهُ تعالى في كتابه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11]) [993] يُنظر: ((سنن الترمذي)) (3/ 41). .
وقال البَرْبهاريُّ: (كُلَّما سَمِعْتَ مِنَ الآثارِ شَيئًا مِمَّا لم يَبلُغْه عَقْلُك، نحوُ قَولِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((قُلوبُ العِبادِ بيْن إصبَعينِ مِن أصابِعِ الرَّحمنِ )) [994] أخرجه ابن ماجه (199) واللفظ له، وأحمد (17630) صححه ابن حبان (943)، والألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (199)، وصحح إسناده على شرط الشيخين شعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (17630)، وجوَّده بنحوِه العراقيُّ في ((تخريج الإحياء)) (3/56)، وذكر ثبوته ابن منده في ((الرد على الجهمية)) (87). .، وقَولِه: ((إنَّ اللهَ تبارك وتعالى يَنزِلُ إلى سماءِ الدُّنيا)) [995] أخرجه البخاري (1145)، ومسلم (758) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلي السماء الدنيا..)) ، ...، وأشباهِ هذه الأحاديثِ- فعليك بالتَّسليمِ والتَّصديقِ والتَّفويضِ والرِّضا، ولا تُفَسِّرْ شيئًا مِن هذه بهواكَ؛ فإنَّ الإيمانَ بهذا واجِبٌ، فمَن فَسَّر شَيئًا مِن هذا بهواه أو رَدَّه، فهو جَهْميٌّ) [996] يُنظر: ((شرح السنة)) للبربهاري (ص: 65- 68). .
وقال ابنُ بَطَّةَ العُكبَريُّ: (بابٌ جامِعٌ مِن أحاديثِ الصِّفاتِ، رواها الأئِمَّةُ والشُّيوخُ الثِّقاتُ، الإيمانُ بها من تمامِ السُّنَّةِ، وكَمالِ الدِّيانةِ، لا يُنكِرُها إلَّا جَهميٌّ خَبيثٌ.
حدَّثَني أبو بَكرٍ عبدُ العَزيزِ بنُ جَعفَرٍ، ثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمَدَ بنِ غِياثٍ، ثنا حَنْبَلٌ، قال: سَمِعتُ أبا عبدِ اللهِ يعني أحمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يقولُ: نَعبُدُ اللهَ بصِفاتِه كما وَصَف به نَفْسَه، قد أجَملَ الصِّفةَ لنَفْسِه، ولا نتعَدَّى القُرآنَ والحَديثَ، فنقولُ كما قال، ونَصِفُه كما وَصَف نَفْسَه، ولا نتعَدَّى ذلك، نؤمِنُ بالقُرآنِ كُلِّه؛ مُحكَمِه ومُتَشابِهِه، ولا نُزيلُ عنه -تعالى ذِكْرُه- صِفةً مِن صِفاتِه لشَناعةٍ شُنِّعَت، ولا نُزيلُ ما وَصَف به نَفْسَه مِن كلامٍ، ونُزولٍ، وخُلُوِّه بعَبْدِه يومَ القيامةِ، ووَضْعِ كَنَفِه عليه، هذا كُلُّه يدُلُّ على أنَّ اللهَ يُرى في الآخِرةِ، والتَّحديدُ في هذا بِدعةٌ، والتَّسليمُ للهِ بأمْرِه، ولم يَزَلِ اللهُ مُتكَلِّمًا عالِمًا، غَفورًا، عالِمَ الغَيبِ والشَّهادةِ، عالمَ الغُيوبِ، فهذه صِفاتُ اللهِ وَصَف بها نَفْسَه، لا تُدفَعُ ولا تُرَدُّ، وقال: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: 255] آية الكُرْسيِّ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [الحشر: 23]، هذه صِفاتُ اللهِ وأسماؤُه، وهو على العَرشِ بلا حَدٍّ، وقال: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: 54] كيف شاء، المشيئةُ إليه والاستِطاعةُ. و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11]، كما وَصَفَ نَفْسَه سَميٌع بصيرٌ بلا حَدٍّ ولا تقديرٍ، قُلتُ لأبي عبدِ اللهِ: والمُشَبِّهةُ ما يقولونَ؟ قال: بَصَرٌ كبَصَري، ويَدٌ كيَدِي، وقَدَمٌ كقَدَمي، فقد شَبَّه اللهَ بخَلْقِه، وهذا كلامُ سُوءٍ، والكلامُ في هذا لا أُحِبُّه، وأسماؤُه وصِفاتُه غيرُ مخلوقةٍ، نعوذُ باللهِ مِنَ الزَّلَلِ، والارتيابِ والشَّكِّ؛ إنَّه على كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ) [997] يُنظر: ((الإبانة الكبرى)) (7/ 326). .
وقال ابنُ بطة العُكبَريُّ: (... ثمَّ الإيمانُ والقَبولُ والتصديقُ بكُلِّ ما روته العُلَماءُ، ونقَلَتْه الثِّقاتُ أهلُ الآثارِ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وتلقَّاها بالقَبولِ ولا تُرَدُّ بالمعاريضِ، ولا يقالُ: لم، وكيفَ؟ ولا تُحمَلُ على المعقولِ، ولا تُضرَبُ لها المقاييسُ، ولا يُعمَلُ لها التفاسيرُ إلَّا ما فسَّره رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أو رجلٌ من عُلَماءِ الأمَّةِ ممَّن قَولُه شِفاءٌ وحُجَّةٌ، مثلُ أحاديثِ الصِّفاتِ والرُّؤيةِ، ومثلُ ما رُوِيَ أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ يضَعُ السَّمَواتِ على إصبَعٍ، والأرَضينَ على إصبَعٍ، وأنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ يضَعُ قَدَمَه في النَّارِ فتقولُ: قَطْ قَطْ... وعدَّد جملةً من الصِّفاتِ ثمَّ قال: لا يقالُ لهذا كُلِّه: كيف ولا لم؟ بل تسليمًا للقُدرةِ، وإيمانًا بالغَيبِ، كُلَّما عَجَزت العُقولُ عن معرفتِه؛ فالعِلمُ به وعَينُ الهدايةِ فيه الإيمانُ به والتسليمُ له، وتصديقُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قاله هو أصلُ العِلمِ، وعَينُ الهدايةِ، لا تُضرَبُ لهذه الأحاديثِ وما شاكلَها المقاييسُ، ولا تُعارَضُ بالأمثالِ والنَّظائِرِ) [998])) يُنظر: ((الشرح والإبانة)) (ص: 235-240). .
وقال البَيهقيُّ: (بابُ إثباتِ أسْماءِ اللهِ تعالى ذِكْرُه بدَلالةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ وإجماعِ الأُمَّةِ، قال اللهُ جَلَّ ثناؤُه: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: 180] ، وقال تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُو فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء: 110] وقال: وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ [المائدة: 4] ، وقال: لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنى [طه: 8] ) [999] يُنظر: ((الأسماء والصفات)) (1/ 17). .
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: (أهلُ السُّنَّةِ مُجمِعونَ على الإقرارِ بالصِّفاتِ الوارِدةِ كُلِّها في القُرآنِ والسُّنَّةِ، والإيمانِ بها، وحَمْلِها على الحقيقةِ لا على المجازِ، إلَّا أنَّهم لا يُكَيِّفونَ شَيئًا مِن ذلك، ولا يَحُدُّونَ فيه صِفةً مَحصورةً، وأمَّا أهلُ البِدَعِ والجَهْميَّةُ والمعتَزِلةُ كُلُّها والخوارجُ، فكُلُّهم يُنكِرُها، ولا يَحمِلُ شيئًا منها على الحقيقةِ، ويَزعُمونَ أنَّ مَن أقَرَّ بها مُشَبِّهٌ، وهم عند مَن أثبَتَها نافونَ للمَعبودِ، والحَقُّ فيما قاله القائِلونَ بما نَطَق به كِتابُ اللهِ وسُنَّةُ رَسولِه، وهم أئمَّةُ الجَماعةِ، والحَمدُ لله) [1000] يُنظر: ((التمهيد)) (7/ 145). .
وقال البَغَويُّ: (الإصبَعُ المذكورةُ في الحديثِ صِفةٌ مِن صِفاتِ اللهِ عزَّ وجَلَّ، وكذلك كُلُّ ما جاء به الكِتابُ أو السُّنَّةُ مِن هذا القَبيلِ في صِفاتِ اللهِ سُبحانَه وتعالى، كالنَّفْسِ، والوَجهِ، والعَينِ، واليَدِ، والرِّجْلِ، والإتيانِ، والمجيءِ، والنُّزولِ إلى السَّماءِ الدُّنيا، والاستواءِ على العَرشِ، والضَّحِكِ، والفَرَحِ. قال اللهُ سُبحانَه وتعالى لِموسى: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه: 41] ، وقال اللهُ عزَّ وجَلَّ: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: 39] ، وقال اللهُ سُبحانَه وتعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: 88] ، وقال اللهُ عزَّ وجَلَّ: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: 27]، وقال اللهُ عزَّ وجَلَّ: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: 64] ، وقال: يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75] ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: 67] ، هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [البقرة: 210] ، وقال اللهُ سُبحانَه وتعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22]، وقال اللهُ عزَّ وجَلَّ: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5] ، وقال اللهُ تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ [الفرقان: 59] .
وقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يَنزِلُ رَبُّنا كُلَّ ليلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا حينَ يبقى ثُلُثُ اللَّيلِ الآخِرُ )) [1001] أخرجه البخاري (1145)، ومسلم (758) من حديثِ أبي هريرةَ رَضِيَ الله عنه. .
وروى أنَسٌ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا تَزالُ جَهنَّمُ يُلقى فيها، وتقولُ: هل مِن مَزيدٍ؟ حتَّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فيها قَدَمَه )) [1002] أخرجه البخاري (6661)، ومسلم (2848) واللَّفظُ له. .
وفي حديث أبي هُرَيرةَ في آخِرِ مَن يَخرُجُ مِنَ النَّارِ: ((فيَضحَكُ اللهُ منه، ثمَّ يأذَنُ له في دُخولِ الجَنَّةِ)) [1003] أخرجه مُطَوَّلًا البخاري (806) واللَّفظُ له، ومسلم (182). .
وفي حديثِ جابرٍ: ((فيتجَلَّى لهم يَضحَكُ)) [1004] أخرجه مسلم (191) مُطَوَّلًا. .
وفي حديثِ أَنَسٍ وغَيرِه: ((اللهُ أفرَحُ بتَوبةِ عَبدٍ مِن أحَدِكم يَسقُطُ على بَعيرِه وقد أضَلَّه في أرضٍ فَلاةٍ )) [1005] أخرجه البخاري (6309)، ومسلم (2747) باختلافٍ يسيرٍ. .
فهذه ونَظائِرُها صِفاتٌ للهِ عزَّ وجَلَّ، وَرَد بها السَّمعُ، يَجِبُ الإيمانُ بها، وإمرارُها على ظاهِرِها مُعرِضًا فيها عن التأويلِ، مُجتَنِبًا عن التشبيهِ، مُعتَقِدًا أنَّ الباريَ سُبحانَه وتعالى لا يُشبِهُ شَيءٌ مِن صِفاتِه صِفاتِ الخَلْقِ، كما لا تُشبِهُ ذاتُه ذواتِ الخَلْقِ؛ قال اللهُ سُبحانَه وتعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11].
وعلى هذا مَضى سَلَفُ الأُمَّةِ، وعُلَماءُ السُّنَّةِ، تلَقَّوها جميعًا بالإيمانِ والقَبولِ، وتجَنَّبوا فيها عن التَّمثيلِ والتَّأويلِ، ووكَلوا العِلْمَ فيها إلى اللهِ عزَّ وجَلَّ، كما أخبَرَ اللهُ سُبحانَه وتعالى عن الرَّاسِخينَ في العِلْمِ، فقال عزَّ وجَلَّ: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: 7] .
قال سُفيانُ بنُ عُيَينةَ: كُلُّ ما وصف اللهُ تعالى به نَفْسَه في كتابِه، فتفسيرُه قِراءتُه، والسُّكوتُ عليه، ليس لأحدٍ أن يُفَسِّرَه إلَّا اللهُ عزَّ وجَلَّ ورُسُلُه.... وقال الزُّهْريُّ: على اللهِ البَيانُ، وعلى الرَّسولِ البَلاغُ، وعلينا التَّسليم.
وقال بَعضُ السَّلَفِ: قَدَمُ الإسلامِ لا تَثبُتُ إلَّا على قَنطَرةِ التَّسليمِ.
قال أبو العاليةِ: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [البقرة: 29] ارتفع فسَوَّى خَلْقَهنَّ.
وقال مجاهِدٌ: اسْتَوَى [البقرة: 29] : علا على العَرشِ) [1006] يُنظر: ((شرح السنة)) (1/ 168 - 171). .
وقال البَغَويُّ أيضًا في آخرِ كتابِه شَرحِ السُّنَّةِ: (القَدَمُ والرِّجلانِ المذكورانِ في هذا الحديثِ مِن صِفاتِ اللهِ سُبحانَه وتعالى، المنَزَّهِ عن التَّكييفِ والتَّشبيهِ، وكذلك كُلُّ ما جاء من هذا القَبيلِ في الكِتابِ أو السُّنَّةِ؛ كاليَدِ، والإصبَعِ، والعَينِ، والمجيءِ، والإتيانِ، فالإيمانُ بها فَرضٌ، والامتِناعُ عن الخَوضِ فيها واجِبٌ، فالمُهتَدي من سلَكَ فيها طريقَ التَّسليمِ، والخائِضُ فيها زائِغٌ، والمُنكِرُ مُعَطِّلٌ، والمكَيِّفُ مُشَبِّهٌ، تعالى اللهُ عمَّا يقولُ الظَّالِمونَ عُلُوًّا كبيرًا، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11]) [1007] يُنظر: ((شرح السنة)) (15/ 257). .
وقال ابنُ رجب: (اتَّفَق السَّلَفُ الصَّالحُ على إمرارِ هذه النُّصوصِ أي: نصوصِ الصِّفاتِ كما جاءت من غيرِ زيادةٍ ولا نقصٍ، وما أشكَلَ فَهْمُه منها، وقَصُرَ العَقلُ عن إدراكِه؛ وُكِلَ إلى عالِمِه) [1008])) يُنظر: ((فتح الباري)) (2/334). .
وقال مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ الوَهَّابِ: (إنْ نظَرْتَ في كتابِ التَّوحيدِ في آخِرِ الصَّحيحِ، فتأمَّلْ تلك التَّراجِمَ، وقَرَأْتَ في كُتُبِ أهْلِ العِلْمِ من السَّلَفِ ومن أتباعِهم مِنَ الخَلَفِ، ونَقْلَهم الإجماعَ على وُجوبِ الإيمانِ بصِفاتِ اللهِ تعالى وتلَقِّيها بالقَبولِ، وأنَّ مَن جَحَد شيئًا منها أو تأوَّلَ شيئًا مِنَ النُّصوصِ فقد افترى على اللهِ، وخالفَ إجماعَ أهْلِ العِلْمِ، ونَقْلَهم الإجماعَ أنَّ عِلمَ الكَلامِ بِدعةٌ وضَلالةٌ) [1009] يُنظر: ((الرسائل الشخصية (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء السادس) (ص: 263). .
وقال الشِّنقيطيُّ: (تحصَّل من جميعِ هذا البَحثِ أنَّ الصِّفاتِ مِن بابٍ واحدٍ، وأنَّ الحَقَّ فيها متركِّبٌ من أمرينِ:
الأوَّلُ: تنزيهُ اللهِ جَلَّ وعلا عن مشابهةِ الخَلْقِ.
والثَّاني: الإيمانُ بكُلِّ ما وصف به نَفْسَه، أو وصفه به رسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إثباتًا أو نفيًا، وهذا هو معنى قَولِه تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، والسَّلَفُ الصَّالحُ رَضِيَ الله عنهم ما كانوا يشكُّون في شيءٍ من ذلك، ولا كان يُشكِلُ عليهم، ألا ترى إلى قَولِ الفرزدق وهو شاعِرٌ فقط، وأمَّا من جهةِ العِلمِ، فهو عاميٌّ:
وكيف أخاف النَّاسَ واللهُ قابِضٌ ... على النَّاسِ والسَّبعَينِ في راحةِ اليَدِ
ومرادُه بالسَّبعَينِ: سَبعُ سماواتٍ، وسَبعُ أرَضَينَ. فمن عَلِمَ مِثلَ هذا من كونِ السَّمَواتِ والأرَضينَ في يدِه جلَّ وعلا أصغَرَ من حبَّةِ خَردَلٍ، فإنَّه عالمٌ بعَظَمةِ اللهِ وجلالِه، لا يَسبِقُ إلى ذِهْنِه مشابَهةُ صِفاتِه لصِفاتِ الخَلْقِ، ومن كان كذلك زال عنه كثيرٌ من الإشكالاتِ التي أشكَلَت على كثيرٍ من المتأخِّرين، وهذا الذي ذكَرْنا من تنزيهِ اللهِ جَلَّ وعلا عمَّا لا يليقُ به، والإيمانِ بما وصف به نَفْسَه، أو وصَفَه به رسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، هو معنى قَولِ الإمامِ مالكٍ رحمه الله: الاستواءُ غيرُ مجهولٍ، والكَيفُ غيرُ معقولٍ، والسؤالُ عنه بِدعةٌ. ويُروى نحوُ قَولِ مالكٍ هذا عن شَيخِه ربيعةَ بنِ أبي عبدِ الرَّحمنِ، وأمِّ سَلَمةَ رَضِيَ الله عنها. والعِلمُ عند اللهِ تعالى) [1010])) يُنظر: ((أضواء البيان)) (2/ 31). .
وجاء في فتاوى اللَّجنةِ الدَّائِمةِ: (أسْماءُ اللهِ تعالى وصِفاتُه يجِبُ بَيانُها للنَّاسِ، وتعليمُهم إيَّاها؛ لأنَّها مُبَيَّنةٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، مع وُجوبِ الإيمانِ بها وإثباتِ معانيها للهِ على الوَجهِ اللَّائِقِ بجَلالِه سُبحانَه، من غيرِ تحريفٍ ولا تكييفٍ ولا تمثيلٍ ولا تعطيلٍ؛ لقَولِ اللهِ سُبحانَه: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: 14]، وقَولِه عزَّ وجَلَّ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [1011] يُنظر: ((فتاوى اللجنة الدائمة - المجموع الثانية)) (2/ 338). .
وقال ابنُ عُثَيمين في بيانِ الفوائِدِ المُستفادةِ مِن قَولِه تعالى:فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: 209] : (ومنها: وجوبُ الإيمانِ بأسماءِ اللهِ، وما تضمَّنَتْه من صِفاتٍ؛ لِقَولِه تعالى: فَاعْلَمُوا عِلمَ اعترافٍ وإقرارٍ، وقَبولٍ وإذعانٍ؛ فمُجَرَّدُ العِلْمِ لا يكفي؛ ولهذا فإنَّ أبا طالِبٍ كان يَعلَمُ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على حَقٍّ، وأنَّه رَسولُ اللهِ، لكِنَّه لم يَقبَلْ ولم يُذعِنْ؛ فلهذا لم يَنفَعْه إقرارُه؛ فالإيمانُ ليس مُجَرَّدَ اعترافٍ بدونِ قَبولٍ وإذعانٍ) [1012] يُنظر: ((تفسير الفاتحة والبقرة)) (3/ 11). .

انظر أيضا: