الموسوعة العقدية

المَبحَثُ الخامِسُ: العَلاقةُ بيْن التَّشَبُّهِ والوَلاءِ

إنْ كان الأمرُ المتشَبَّهُ به مِن مُوجِباتِ كُفرِ أصحابِه، فإنَّ مُوافَقتَهم فيه مُوافَقةٌ في شُعبةٍ مِن شُعَبِ الكُفرِ، والمُشابَهةُ في الظَّاهِرِ تُورِثُ نَوعَ مودَّةٍ ومَحَبَّةٍ، ومُوالاةٍ في الباطِنِ، كما أنَّ المَحَبَّةَ في الباطِنِ تُورِثُ المُشابَهةَ في الظَّاهِرِ، وهذا أمرٌ يَشهَدُ به الحِسُّ والتَّجْرِبةُ، وإذا كانت المشابَهةُ في أُمورٍ دُنيويَّةٍ مِثلُ اللِّباسِ وغَيرِه تُورِثُ المَحَبَّةَ والموالاةَ لهم، فكيف بالمُشابَهةِ في أُمورٍ دِينيَّةٍ؟! فإنَّ إفضاءَها إلى نَوعٍ مِنَ الموالاةِ أكثَرُ وأشَدُّ، والمَحَبَّةُ والموالاةُ لهم تُنافي الإيمانَ.
قال اللهُ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ [المائدة: 51 - 53] .
وقال اللهُ سُبحانَه: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [المائدة: 78 - 81] .
فبَيَّن سُبحانَه وتعالى أنَّ الإيمانَ باللهِ والنَّبيِّ وما أُنزِلَ إليه: مُستلزِمٌ لعَدَمِ وَلايتِهم.
وقال اللهُ عزَّ وجَلَّ: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: 22].
فأخبَرَ سُبحانَه أنَّه لا يُوجَدُ مُؤمِنٌ يُوادُّ كافِرًا، فمَن وادَّ الكُفَّارَ فليس بمؤمِنٍ، والمشابَهةُ الظَّاهِرةُ مَظِنَّةُ الموادَّةِ، فتكونُ مُحَرَّمةً [931] يُنظر: ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تيمية (1/549). .
قال ابنُ جريرٍ: (يعني جَلَّ ثناؤهُ بقَولِه: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: 22] لا تجِدُ -يا محمَّدُ- قَومًا يُصَدِّقونَ اللهَ، ويُقِرُّونَ باليَومِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللهَ ورَسولَه وشاقَّهما وخالَفَ أمرَ اللهِ ونَهْيَه، وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ يقولُ: ولو كان الذين حادُّوا اللهَ ورَسولَه آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ، وإنَّما أخبَرَ اللهُ جَلَّ ثناؤه نبيَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بهذه الآيةِ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [المجادلة: 14] ليسوا من أهلِ الإيمانِ باللهِ ولا باليَومِ الآخِرِ؛ فلذلك تَوَلَّوا الذين توَلَّوهم مِنَ اليَهودِ) [932] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/ 493). .
وقال السَّعديُّ: (يقولُ تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: 22] أي: لا يجتَمِعُ هذا وهذا؛ فلا يكونُ العَبدُ مُؤمِنًا باللهِ واليَومِ الآخِرِ حقيقةً إلَّا كان عامِلًا على مقتضى الإيمانِ ولوازِمِه؛ من مَحَبَّةِ مَن قام بالإيمانِ وُموالاتِه، وبُغْضِ مَن لم يَقُمْ به ومُعاداتِه، ولو كان أقرَبَ النَّاسِ إليه. وهذا هو الإيمانُ على الحقيقةِ، الذي وُجِدَت ثمَرَتُه والمقصودُ منه، وأهلُ هذا الوَصفِ هم الذين كَتَب اللهُ في قُلوبِهم الإيمانَ، أي: رسَمَه، وثَبَّتَه وغَرَسَه غَرسًا لا يتزلزَلُ، ولا تؤَثِّرُ فيه الشُّبَهُ والشُّكوكُ) [933] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 848). .

انظر أيضا: