الموسوعة العقدية

المَبحَثُ الثَّالِثُ: عَقيدةُ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ في الوَلاءِ والبَراءِ

الوَلاءُ والبَراءُ مَبنيَّانِ على قاعِدةِ الحُبِّ والبُغضِ، وبناءً على ذلك يمكِنُ تقسيمُ النَّاسِ في هذا الجانِبِ إلى ثلاثةِ أصنافٍ:
الأوَّلُ: مَن يُحَبُّ جُملةً، وهو مَن آمَنَ باللهِ ورَسولِه، وقام بشَرائعِ الإسلامِ عِلمًا وعَمَلًا واعتِقادًا، فأخلَصَ أعمالَه وأفعالَه وأقوالَه للهِ، وانقاد لأوامِرِه، واجتَنَب نواهِيَه.
الثَّاني: مَن يُحَبُّ مِن وَجهٍ، ويُبغَضُ مِن وَجهٍ، وهو المسلِمُ الذي خَلَط عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا، فيُحَبُّ بقَدرِ ما معه مِن خَيرٍ، ويُبغَضُ بقَدرِ ما معه من شَرٍّ.
قال اللهُ تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات: 9-10].
فجعَلَهم إِخوةً رَغْمَ وُجودِ الاقتِتالِ وحُصولِ البَغْيِ مِن بَعْضِهم.
قال ابنُ تَيميَّةَ: (كان السَّلَفُ مع الاقتِتالِ يُوالي بَعضُهم بَعْضًا مُوالاةَ الدِّينِ، لا يُعادُونَ كمُعاداةِ الكُفَّارِ؛ فيَقبَلُ بَعضُهم بشهادةِ بَعضٍ، ويأخُذُ بَعضُهم العِلمَ عن بَعضٍ، ويتوارَثونَ ويَتناكَحونَ، ويَتعامَلونَ بمُعاملةِ المُسلِمينَ بَعضِهم مع بَعضٍ مع ما كان بيْنهم مِنَ القِتالِ والتَّلاعُنِ وغَيرِ ذلك) [868] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (3/285). .
وعن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَجُلًا علَى عَهْدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وكانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وكانَ يُضْحِكُ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قدْ جَلَدَه في الشَّرَابِ، فَأُتِيَ به يَوْمًا فأمَرَ به فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: اللَّهُمَّ العَنْه، ما أكْثَرَ ما يُؤْتَى بهِ؟! فَقَالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (( لا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ -ما عَلِمْتُ- إنَّه يُحِبُّ اللَّهَ ورَسولَهُ )) [869] أخرجه البخاري (6780). .
قال ابن تيمية: (إذا اجتمَعَ في الرَّجُلِ الواحِدِ خَيرٌ وشَرٌّ وفُجورٌ، وطاعةٌ ومَعصيةٌ، وسُنَّةٌ وبِدعةٌ- استحَقَّ مِن الموالاةِ والثَّوابِ بقَدْرِ ما فيه مِنَ الخَيرِ، واستحَقَّ مِن المعاداةِ والعِقابِ بحَسَبِ ما فيه مِنَ الشَّرِّ، فيَجتَمِعُ في الشَّخصِ الواحِدِ مُوجِباتُ الإكرامِ والإهانةِ، فيَجتَمِعُ له من هذا وهذا، كاللِّصِّ الفقيرِ تُقطَعُ يَدُه لسَرِقَتِه، ويُعْطى مِن بَيتِ المالِ ما يَكْفيه لحاجتِه، هذا هو الأصلُ الذي اتَّفَق عليه أهلُ السُّنَّةِ والجَماعةِ، وخالَفَهم الخوارِجُ والمُعتَزِلةُ، ومن وافَقَهم عليه) [870] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (28/209). .
وقال ابنُ باز: (الحُبُّ في اللهِ: أن تُحِبَّ مِن أجْلِ اللهِ جَلَّ وعلا؛ لأنَّك رأيتَه ذا تقوى وإيمانٍ، فتُحِبُّه في اللهِ، وتُبغِضُه في اللهِ؛ لأنَّك رأيتَه كافِرًا عاصِيًا للهِ، فتُبغِضُه في اللهِ، أو عاصِيًا وإن كان مُسلِمًا فتُبغِضُه بقَدْرِ ما عِندَه مِن المعاصي، هكذا المؤمِنُ يتَّسِعُ قَلْبُه لهذا أو هذا؛ يحِبُّ في اللهِ أهلَ الإيمانِ والتَّقوى، ويُبغِضُ في اللهِ أهلَ الكُفرِ والشُّرورِ والمعاصي، ويكونُ قَلْبُه مُتَّسِعًا لهذا وهذا، وإذا كان الرَّجُلُ فيه خيرٌ وشَرٌّ، كالمسلِمِ العاصي، أحَبَّه مِن أجْلِ إسلامِه، وأبغَضَه مِن أجْلِ ما عِندَه مِن المعاصي، ويكونُ فيه الأمرانِ، الشُّعْبتانِ: شُعبةُ الحُبِّ، والبُغضِ. أهلُ الإيمانِ والاستقِامةِ يُحِبُّهم حُبًّا كامِلًا، وأهلُ الكُفرِ يُبغِضُهم بُغضًا كامِلًا، وصاحِبُ الشَّائِبَتينِ؛ صاحِبُ المعاصي، يُحِبُّه على قَدْرِ ما عِندَه مِنَ الإيمانِ والإسلامِ، ويُبغِضُه على قَدْرِ ما عِندَه مِن المعاصي والمخالَفاتِ) [871] يُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) (1/ 209). .
الثَّالِثُ: مَن يُبغَضُ جُملةً، وهو مَن كَفَر باللهِ ومَلائِكتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليَومِ الآخِرِ، ولم يُؤمِنْ بالقَدَرِ؛ خَيرِه وشَرِّه، أو أشرَكَ باللهِ في عِبادتِه أحَدًا مِن الأنبياءِ والأولِياءِ والصَّالحينَ، وصَرَفَ لهم نوعًا من أنواعِ العِبادةِ، كالحُبِّ والدُّعاءِ، والخَوفِ والرَّجاءِ، والتَّعظيمِ والتوَكُّلِ، والاستِعانةِ والاستِعاذةِ والاستِغاثةِ، والذَّبحِ والنَّذرِ، والذُّلِّ والخُضوعِ، والخَشْيةِ والرَّغبةِ والرَّهبةِ، أو ألحَدَ في أسمائِه وصفاتِه، واتَّبَع غَيرَ سَبيلِ المؤمِنينَ، وانتَحَل ما كان عليه أهلُ البِدَعِ والأهواءِ المضِلَّةِ، وكذلك كُلُّ من قامت به نواقِضُ الإسلامِ، فأهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ يتبَرَّؤونَ مِمَّن حادَّ اللهَ ورَسولَه، ولو كان أقرَبَ قَريبٍ.
قال اللهُ تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: 22].
ويمتَثِلونَ لنَهيِ اللهِ في قَولِه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة: 23-24] .
ومُوالاةُ هذا الصِّنفِ الثَّاِلِث تتَّخِذُ صُوَرًا ومَراتِبَ مُختَلِفةً، فالحُكمُ فيها ليس حُكمًا واحِدًا؛ فإنَّ مِن صُوَرِ الموالاةِ ما يُوجِبُ نَقْضَ الإيمانِ بالكُلِّيَّةِ، ومنها ما هو دونَ ذلك، فيَكونُ مِن الكَبائِرِ والمحَرَّماتِ.
وهذه الموالاةُ التي تُناقِضُ الإيمانَ قد تكونُ اعتِقادًا فحَسْبُ، وقد تَظهَرُ في أقوالٍ وأعمالٍ [872] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (28/209)، ((إرشاد الطالب)) لابن سحمان (ص: 13)، ((الدرر السنية)) (8/342). .
قال الشِّنقيطيُّ: (يَقولُ اللهُ جَلَّ وعلا: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [الأنفال: 73] ، هذه الآيةُ الكريمةُ مِن الآياتِ العِظامِ التي يُعتبَرُ بها؛ لأنَّ ما ذكَرَه اللهُ جَلَّ وعلا فيها وما حَذَّرَ منه مِنَ الفِتنةِ والفَسادِ الكَبيرِ إنْ لم يُوالِ المُسلِمونَ بَعضُهم بعضًا، ويَقْطعوا مُوالاةُ الكُفَّارِ، ويَترُكوا الكُفَّارَ بَعضُهم يُوالي بَعضًا؛ ما حَذَّرَ به مِن أنَّهم إن لم يُحاِفظوا على صِدقِ المُوالاةِ بيْنهم، ومُقاطعةِ أعدائِهم، تَقَعْ في الأرضِ الفِتنةُ والفَسادُ الكبيرُ، فهو واقِعٌ مُنتَشِرٌ الآنَ: يَدُلُّ على عِظَمِ هذا القُرآنِ العَظيمِ، وأنَّه كلامُ رَبِّ العالَمينَ، وأنَّ تحذيرَه حَقٌّ، وتَرغيبَه حَقٌّ) [873] يُنظر: ((العذب النمير)) (5/ 210). .
قال اللهُ تعالى: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً [آل عمران: 28] .
قال ابنُ جريرٍ: (معنى ذلك: لا تتَّخِذوا -أيُّها المؤمِنونَ- الكُفَّارَ ظَهرًا وأنصارًا، توالونَهم على دِينِهم، وتُظاهِرونَهم على المسلِمينَ مِن دونِ المؤمِنينَ، وتَدُلُّونَهم على عَوْراتِهم؛ فإنَّه مَن يَفعَلْ ذلك فليس مِنَ اللهِ في شَيءٍ، يعني بذلك: فقد بَرِئَ مِنَ اللهِ، وبَرِئَ اللهُ منه بارتدادِه عن دينِه، ودُخولِه في الكُفرِ، إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً إلَّا أن تكونوا في سُلطانِهم، فتَخافوهم على أنفُسِكم، فتُظهِروا لهم الوَلايةَ بألسِنَتِكم، وتُضمِروا لهم العَداوةَ، ولا تُشايعوهم على ما هم عليه مِنَ الكُفرِ، ولا تُعينوهم على مُسلِمٍ بفِعلٍ) [874] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/315). .
وقال اللهُ سُبحانَه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ [آل عمران:149] .
قال سُلَيمانُ بنُ عَبدِ اللهِ آل الشَّيخِ: (أخبَرَ تعالى أنَّ المؤمِنينَ إن أطاعوا الكُفَّارَ فلا بُدَّ أن يَرُدُّوهم على أعقابِهم عن الإسلامِ؛ فإنَّهم لا يَقنَعونَ منهم بدونِ الكُفرِ، وأخبَرَ أنَّهم إن فعلوا ذلك صاروا من الخاسِرينَ في الدُّنيا والآخِرةِ، ولم يُرَخِّصْ في موافقتِهم وطاعتِهم خَوفًا منهم، وهذا هو الواقِعُ؛ فإنَّهم لا يَقتَنِعونَ مِمَّن وافَقَهم إلَّا بشَهادةِ أنَّهم على حَقٍّ، وإظهارِ العَداوةِ والبَغضاءِ للمُسلِمينَ) [875] يُنظر: ((الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك)) (ص: 33). .
وقال اللهُ عزَّ وجَلَّ: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام: 121] .
قال الشِّنقيطيُّ: (حذْفُ الفاءِ مِن قَولِه: إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ يَدُلُّ على قَسَمٍ محذوفٍ... فهو قَسَمٌ مِنَ اللهِ جَلَّ وعلا أقسَمَ به على أنَّ مَن اتَّبَع الشَّيطانَ في تحليلِ المَيتةِ أنَّه مُشرِكٌ، وهذا الشِّرْكُ مُخرِجٌ عن المِلَّةِ بإجماعِ المسلِمينَ) [876] يُنظر: ((أضواء البيان)) (3/41). .
وقال اللهُ تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ [محمد:25، 26].
قال ابنُ حزم: (جعَلَهم تعالى مُرتَدِّينَ كُفرًا بعد عِلْمِهم الْحَقَّ، وَبعد أن تبَيَّنَ لهم الهُدى، بقَولِهم للكُفَّارِ ما قَالوا فقط) [877] يُنظر: ((الفصل)) (3/122). ويُنظر: ((نواقض الإيمان القولية والعملية)) لعبد العزيز آل عبد اللطيف (ص: 361). .
ويَدخُلُ في مُعتَقَدِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ: البَراءةُ مِن أربابِ البِدَعِ والأهواءِ.
وصاحِبُ البِدعةِ المكَفِّرةِ المُخرِجةِ عن مِلَّةِ الإسلامِ: له مِنَ العَداءِ والبُغضِ بمِثلِ ما للكافِرِ الأصليِّ.
قال اللهُ تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتاب أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا [النساء: 140].
وقال اللهُ سُبحانَه: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف: 180] .
وقال اللهُ عزَّ وجَلَّ: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام: 68] .
وقال اللهُ تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام: 159] .
وعن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: تلا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران: 7] قالت: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إذا رأيتُم الذين يتَّبِعونَ ما تَشابَهَ منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ؛ فاحْذَروهم)) [878] أخرجه البخاري (4547) ومسلم (2665)، واللَّفظُ له. .
وعن عبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: (لا تجالِسْ أهلَ الأهواءِ؛ فإنَّ مجالَستهَم مُمرِضةٌ للقُلوبِ) [879] أخرجه الآجُرِّيُّ في ((الشريعة)) (133) واللفظ له، وابن بطة في ((الإبانة الكبرى)) (619). .
وعن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما لَمَّا أخبَرَه يَحيى بنُ يَعمَرَ عن القَدَريَّةِ قال: (فإذا لَقِيتَ أولئك فأخبِرْهم أنِّي بَريءٌ منهم، وأنَّهم بُرَآءُ مِنِّي) [880] أخرجه مسلم (8). .
وعن الحَسَنِ وابنِ سِيرينَ قالا: (لا تُجالِسوا أهلَ الأهواءِ، ولا تُجادِلوهم، ولا تَسمَعوا منهم) [881] أخرجه الدَّارمي (401)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (9467). .
وقال الشَّافعيُّ: (حُكْمي في أهلِ الكَلامِ أن يُضْرَبوا بالجَريدِ، ويُحمَلوا على الإبِلِ، ويُطافَ بهم في العَشائِرِ والقبائِلِ، ويُنادى عليهم: هذا جزاءُ مَن تَرَك الكِتابَ والسُّنَّةَ، وأقبَلَ على عِلمِ الكَلامِ) [882] أخرجه البيهقيُّ في ((مناقب الشافعي)) (1/ 462). .
وقال أبو عُثمانَ الصَّابونيُّ حاكيًا مَذهَبَ السَّلَفِ: (اتَّفَقوا مع ذلك على القَولِ بقَهرِ أهلِ البِدَعِ، وإذلالِهم وإخزاِئهم، وإبعادِهم وإقصائِهم، والتَّباعُدِ منهم، ومِن مُصاحبِتهم ومُعاشَرتِهم، والتقَرُّبِ إلى اللهِ عزَّ وجَلَّ بمُجانبتِهم ومُهاجَرتِهم) [883] يُنظر: ((عقيدة السلف وأصحاب الحديث)) (ص: 123). ويُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (24/ 174) (28/ 231). .
وقال البَغَويُّ: (قد مَضَت الصَّحابةُ والتَّابِعونَ وأتباعُهم وعُلَماءُ السُّنَّةِ على هذا، مجمِعينَ مُتَّفِقينَ على مُعاداةِ أهلِ البِدعةِ، ومُهاجَرتِهم) [884] يُنظر: ((شرح السنة)) (1/227). ويُنظر: ((حسن التنبه لما ورد في التشبه)) للغزي (9/ 319 - 464)، ((هجر المبتدع)) لبكر أبو زيد (ص: 13 - 28). .
وقال ابنُ قُدامةَ: (من السُّنَّةِ: هِجرانُ أهلِ البِدَعِ ومُباينَتُهم، وتَرْكُ الجِدالِ والخُصوماتِ في الدِّينِ، وتَرْكُ النَّظَرِ في كُتُبِ المبتَدِعةِ والإصغاءِ إلى كلامِهم، وكُلُّ مُحدَثةٍ في الدِّينِ بِدعةٌ، وكُلُّ مُتَسَمٍّ بغيرِ الإسلام ِوالسُّنَّةِ مبتَدِعٌ، كالرَّافِضةِ والجَهْميَّةِ، والخوارِجِ والقَدَريَّةِ، والمُرْجِئةِ والمعتَزِلةِ، والكَرَّامِيَّةِ والكُلَّابِيَّةِ، ونَظائِرِهم، فهذه فِرَقُ الضَّلالِ، وطوائِفُ البِدَعِ. أعاذنا اللهُ منها) [885] يُنظر: ((لمعة الاعتقاد)) (ص: 40). .
وفي حَديثِ كَعبِ بنِ مالِكٍ رَضِي اللهُ عنه في قِصَّةِ الثَّلاثةِ الذين خُلِّفوا في غزوةِ تَبوكَ، فهَجَرهم المسلِمونَ بأمرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال النَّوويُّ في ذِكرِ ما فيه مِن فَوائِدَ: (استِحبابُ هِجرانِ أهلِ البِدَعِ والمعاصي الظَّاهِرةِ، وتَرْكِ السَّلامِ عليهم، ومُقاطَعتِهم؛ تَحقيرًا لهم وزَجْرًا) [886] يُنظر: ((شرح مسلم)) (17/ 100). ويُنظر: ((شرح السنة)) للبغوي (1/ 226). .

انظر أيضا: