الموسوعة العقدية

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: وُجوبُ مَحَبَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم

إنَّ حبَّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أعظَمِ واجِباتِ الدِّينِ؛ قال اللهُ تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة: 24] .
أي: قل -يا محمَّدُ- للمُتخَلِّفينَ عن الهِجرةِ إلى دارِ الإسلامِ: إن كان آباؤُكم وأبناؤُكم، وإخوانُكم في النَّسَبِ وزوجاتُكم، وعمومُ أقارِبِكم، وأموالٌ اكتسَبْتُموها، وتَعِبتُم في تَحصيلِها، وتجارةٌ تَخافونَ -إن هاجَرْتُم- عدَمَ بَيعِها ورَواجِها، أو رُخْصَ سِعرِها ونَقصَ أرباحِها، وبيوتٌ تُحِبُّونَ سُكْناها، فلا تُريدونَ تَرْكَها، إن كانت تلك الأشياءُ أحبَّ إليكم مِن اللهِ ورَسولِه، وجهادٍ لإعلاءِ كَلِمتِه تعالى؛ فانتَظِرُوا -أيُّها المُتخَلِّفونَ عن الهِجرةِ والجِهادِ- حتَّى يأتيَكم اللهُ بعُقوبةٍ عاجلةٍ أو آجِلةٍ، واللهُ لا يوفِّقُ للخَيرِ الخارِجينَ عن طاعَتِه إلى مَعصِيَتِه، المُؤْثِرينَ على محبَّةِ الله تعالى شيئًا مِن تلك المذكوراتِ.
وفي قوله تعالى: فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ وعيدٌ على مَن قدَّمَ محبَّةَ شيءٍ على مَحبَّةِ اللهِ ومَحبَّةِ رَسولِه، والوعيدُ لا يقَعُ إلَّا على فَرْضٍ لازمٍ، وحَتمٍ واجِبٍ. ووجهُ الاقترانِ بين محبَّةِ اللهِ ومَحبَّةِ رَسولِه، في قَولِه تعالى: أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أنَّه لا تتِمُّ محبَّةُ اللهِ إلَّا بمحَبَّةِ ما يُحِبُّه، وكراهةِ ما يكرَهُه، ولا طريقَ إلى مَعرفةِ ما يُحبُّه وما يَكرَهُه تعالى إلَّا مِن جهةِ نبيِّه المُبَلِّغِ عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما يُحبُّه وما يَكرَهُه؛ فصارت مَحبَّةُ اللهِ مُستلزِمةً لِمَحبَّةِ رَسولِه وتَصديقِه ومُتابَعتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [768] يُنظر: ((التفسير المحرر - سورة التوبة)) (ص: 115). .
قال عِياضٌ: (قال اللهُ تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا [التوبة: 24] الآية، فكفى بهذا حَضًّا وتنبيهًا ودَلالةً وحُجَّةً على إلزامِ محَبَّتِه، ووجوبِ فَرْضِها، وعِظَمِ خَطَرِها واستِحقاقِه لها صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ إذ قَرَع تعالى من كان مالُه وأهلُه وولَدُه أحَبَّ إليه مِنَ اللهِ ورَسولِه، وأوعَدَهم بقَولِه تعالى: فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، ثمَّ فسَّقهم بتمامِ الآيةِ، وأعلَمَهم أنَّهم ممَّن ضَلَّ، ولم يَهْدِه اللهُ) [769] يُنظر: ((الشفا)) (2/ 18). .
وقال ابنُ القَيِّمِ: (كُلُّ مَحَبَّةٍ وتعظيمٍ للبشَرِ، فإنَّما تجوزُ تَبَعًا لمَحَبَّةِ اللهِ وتَعظيمِه، كمَحَبَّةِ رَسولِه وتعظيمِه؛ فإنَّها من تمامِ مَحَبَّةِ مُرسِلِه وتعظيمِه، فإنَّ أمَّتَه يُحِبُّونَه لحُبِّ الله له، ويُعَظِّمونَه ويُجِلُّونَه لإجلالِ اللهِ له، فهي مَحَبَّةٌ للهِ، من مُوجِباتِ مَحَبَّةِ اللهِ) [770] يُنظر: ((جلاء الأفهام)) (4/44). ويُنظر: ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى)) لعياض (2/18، 33). .
وعن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ))ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فيه وجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ: أنْ يَكونَ اللَّهُ ورَسولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ ممَّا سِوَاهما...)) الحديث [771] أخرجه البخاري (16) واللَّفظُ له، ومسلم (43). .
وقد انقَسَم النَّاسُ في مَحَبَّةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى ثلاثةِ أقسامٍ؛ هي:
1- أهلُ الإفراطِ.
2- أهلُ التَّفريطِ.
3- المتوسِّطون بين الإفراطِ والتَّفريطِ.
وأصحابُ القِسمِ الأوَّلِ: هم الذين بالغوا في مَحَبَّتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بابتِداعِهم أُمورًا لم يَشرَعْها اللهُ ورَسولُه
ومِن تلك الأُمورِ مُبالغتُهم في مَدْحِه، وإيصالُه إلى أمورٍ لا تنبغي إلَّا للهِ تعالى، وصَرْفُ بعضِ أنواعِ العِبادةِ له، كالدُّعاءِ، والتوَسُّلِ، والحَلِفِ به، والتمَسُّحِ بالحُجرةِ التي فيها قَبْرُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وغَيرُ ذلك مِنَ الشِّرْكيَّاتِ أو البِدْعيَّاتِ التي تُفعَلُ بدعوى المَحَبَّةِ للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهي أمورٌ لم يَشْرَعْها اللهُ ورَسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولم يَفعَلْها الصَّحابةُ رِضوانُ اللهِ عليهم الذين عُرِفوا بإجلالِهم ومحبَّتِهم لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهي أمورٌ قد حَذَّر الشَّارعُ مِن فِعْلِها، وهذا القِسمُ مِنَ النَّاسِ مِن أعصى الخَلْقِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما حَذَّرَ مِنَ الشِّرْكِ والبِدَعِ.
ويَجِبُ التَّفريقُ بيْن الُحقوقِ التي يختَصُّ بها اللهُ وَحْدَه، وبينْ الحُقوقِ التي له ولرُسُلِه، والحُقوقِ التي يختَصُّ بها الرَّسُولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فقد مَيَّز سُبحانَه بيْن ذلك، في مِثْلِ قوَلهِ: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفتح: 9]؛ فالتَّعزيرُ والتَّوقيرُ للرَّسولِ، والتَّسبيحُ بُكرةً وأصيلًا لله.
وقال اللهُ سُبحانَه: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ.
فالطَّاعةُ للهِ ولرَسولِه، والخَشيةُ والتَّقوى للهِ وَحْدَه [772] يُنظر: ((محبة الرسول بين الاتباع والابتداع)) لعبد الرءوف عثمان (ص: 137 - 210). .
قال ابنُ باز: (مَحَبَّةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليست بالبِدَعِ، ولكِنْ باتِّباعِ طريقِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وامتِثالِ أوامِرِه، وتَرْكِ نواهيه، والصَّلاةِ والسَّلامِ عليه عِنْد ذِكْرِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في كُلِّ وَقتٍ، أمَّا إحداثُ البِدَعِ فذلك ممَّا يُغضِبُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وممَّا نهى عنه وأنكَرَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو مِمَّا يُغضِبُ اللهَ عزَّ وجَلَّ. اللهُ سُبحانَه أنكَرَ على أهلِ البِدَعِ؛ قال سُبحانَه: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: 21]. فالواجِبُ على كُلِّ مُسلِمٍ أن يتَّبِعَ ولا يبتَدِعَ، عليه أن يتَّبِعَ الشَّريعةَ، ويكفي، والحَمدُ لله، أمَّا الابتداعُ فهو شَرٌّ وبلاءٌ؛ فالدِّينُ كامِلٌ بحَمدِ اللهِ، فليس لأحَدٍ أن يُحدِثَ شَيئًا ما شرَعَه اللهُ، لا الاحتِفالُ بالموالِدِ ولا غَيرِها، ومن ذلك البِناءُ على القُبورِ، واتِّخاذُ المساجِدِ عليها، هذه بِدعةٌ ومن وسائِلِ الشِّرْكِ، ومن ذلك تجصيصُها واتِّخاذُ القِبابِ عليها والسُّتورِ، هذا بِدعةٌ أيضًا، ومِن أسبابِ الشِّرْكِ ووَسائِلِه، فالواجِبُ على أهلِ الإسلامِ أن يَحذَروا البِدَعَ، وأن يبتَعِدوا عنها، حتَّى لا يخالِفوا نبيَّهم عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحتَّى يَتَّبِعوه فيما أمَرَ به وفيما نهى عنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ) [773] يُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) (3/ 42). .
وقال ابنُ عثيمين: (يَجِبُ أن نَعلَمَ أنَّ مَحَبَّةَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وتعظيمَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا تكونُ بالغُلُوِّ فيه، بل مَن غالى بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فإنَّه لم يُعَظِّمِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نهى عن الغُلُوِّ فيه، فإذا غالَيَت فيه فقد عَصَيتَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومن عصى أحدًا، فهل يُقالُ: إنَّه عَظَّمَه؟ إذن يَجِبُ علينا ألَّا نَغْلُوَ في النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كما غلا أهلُ الكِتابِ بأنبيائِهم، بل نقولُ: إنَّ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَبدٌ لا يُعبَدُ، ورَسولٌ لا يُكَذَّبُ) [774] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن عثيمين)) (23/ 427). .
وأمَّا أصحابُ القِسمِ الثَّاني: فهم أهلُ التَّفريطِ الذين قَصَّروا في تحقيقِ هذا المَقامِ
وهم الذين لم يُراعُوا حَقَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في وجوبِ تقديمِ محَبَّتِه على مَحَبَّةِ النَّفسِ والأهلِ والمالِ، كما لم يُراعوا ما له من حقوقٍ أُخرى، كتَعزيرِه وتَوقيرِه، وإجلالِه وطاعتِه، واتِّباعِ سُنَّتِه، والصَّلاةِ والسَّلامِ عليه، إلى غيرِ ذلك من الحُقوقِ العَظيمةِ الواجِبةِ له، والسَّبَبُ في ذلك يعودُ إلى أحَدِ الأُمورِ التَّاليةِ أو إليها جميعًا، وهي:
1- الإعراضُ عن سُنَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعن اتِّباعِ شَرْعِه بسَبَبِ المعاصي، وتقديمِ الهوى على اتِّباعِ الهُدى.
2- الاعتِقادُ بأنَّ مجَرَّدَ التَّصديقِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يكفي في تحقيقِ الإيمانِ، دونَ تحقيقِ المتابَعةِ له.
3- الجَهلُ بالحُقوقِ الواجِبةِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والتي منها محَبَّتُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.
قال الشِّنقيطيُّ: (قَولُه تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: 31] الآية. صَرَّح تعالى في هذه الآيةِ الكريمةِ: أنَّ اتِّباعَ نَبيِّه موجِبٌ لمحبَّتِه جَلَّ وعلا ذلك المتَّبِعَ، وذلك يدُلُّ على أنَّ طاعةَ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هي عَينُ طاعتِه تعالى، وصَرَّح بهذا المدلولِ في قَولِه تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء: 80] ، وقال تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7]... يؤخَذُ من هذه الآيةِ الكريمةِ أنَّ عَلامةَ المَحَبَّةِ الصَّادِقةِ للهِ ورَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هي اتِّباعُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فالذي يخالِفُه ويدَّعي أنَّه يحِبُّه فهو كاذِبٌ مُفتَرٍ؛ إذ لو كان محِبًّا له لأطاعه، ومن المعلومِ عِنْدَ العامَّةِ أنَّ المَحَبَّةَ تَستجلِبُ الطَّاعةَ، ومنه قَولُ الشَّاعِرِ:
لو كان حُبُّك صادِقًا لأطَعْتَه             إنَّ المحِبَّ لِمن يحِبُّ مُطِيعُ) [775] يُنظر: ((أضواء البيان)) (1/ 199). .
أمَّا أصحابُ القِسمِ الثَّالِثِ: فهم الذين توسَّطوا بيْن الطَّرَفَينِ السَّابِقَينِ؛ أهلِ الإفراطِ وأهلِ التَّفريطِ.
وهم السَّلَفُ مِنَ الصَّحابةِ والتَّابِعينَ، ومن سار على نَهْجِهم، فآمَنوا بوُجوبِ هذه المَحَبَّةِ حُكمًا، وقاموا بمُقتَضاها اعتِقادًا وقَولًا وعَمَلًا، من غيرِ إفراطٍ ولا تفريطٍ، فآمَنوا وصدَّقوا بنُبُوَّتِه ورِسالتِه وما جاء به مِن رَبِّه عزَّ وجَلَّ، وقاموا بحَسَبِ استِطاعتِهم بما يَلزَمُ مِن طاعتِه، والانقيادِ لأمْرِه، والاقتِداءِ بسُنَّتِه، وامتَثَلوا لِما أمَرَ به سُبحانَه وتعالى مِن حُقوقٍ زائِدةٍ على مجَرَّدِ التَّصديقِ بنبوَّتِه، وما يَدخُلُ في لوازِمِ رِسالتِه.
فمن ذلك: امتِثالُهم لأمْرِه سُبحانَه بالصَّلاةِ عليه والتَّسليمِ.
قال اللهُ تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] .
ويَدخُلُ في ذلك مخاطَبتُه بما يَليقُ.
قال اللهُ سُبحانَه: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: 63] .
ومن ذلك حُرمةُ التقَدُّمِ بيْن يَدَيه بالكَلامِ حتَّى يَأذَنَ، وحُرمةُ رَفعِ الصَّوتِ فوقَ صَوتِه، وأن يُجهَرَ له بالكلامِ كما يَجهَرُ الرَّجُلُ للرَّجُلِ.
قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [الحجرات: 1-3].
ومن محبَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: تعَلُّمُ سُنَّتِه، ومَعرِفةُ معاني أقوالِه، والاشتِغالُ بمعرفةِ سِيرتِه وشمائِلِه، ودلائِلِ نُبُوَّتِه، بقَصْدِ التأسِّي بما كان عليه مِن كريمِ الخِصالِ، ومحاسِنِ الأفعالِ والأقوالِ، وتعميقِ الإيمانِ بصِدقِ نُبُوَّتِه، وزيادةِ محبَّتِه وتَعظيمِه، وقد اهتَمَّ السَّلَفُ بذلك، فدَوَّنوا المصَنَّفاتِ التي أوضَحَت تلك الجوانِبَ، ككُتُبِ الشَّمائِلِ التي اعتَنَت بذِكرِ صِفاتِه وأحوالِه في عباداتِه، وخُلُقِه، وهَدْيِه، ومُعامَلاتِه؛ مِثلُ: كِتابِ ((الشَّمائل)) للتِّرمذيِّ، وكِتابِ ((الشَّمائل)) لابنِ كثيرٍ، وكُتُبِ الدَّلائِلِ التي اعتَنَت بدلائِلِ نُبُوَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ مِثلُ: كِتابِ ((دلائلِ النبُوَّةِ)) لأبي نُعَيم الأصبهانيِّ، وكِتابِ ((دلائِلِ النبُوَّة)) للبيهقيِّ، والكُتُبِ التي تحَدَّثَت عن نشأتِه، وبَعْثتِه، وما حدَثَ له من الأُمورِ قَبلَ الهِجرةِ وبَعْدَها، وشُؤونِ دَعوتِه، وغَزَواتِه، وسَرَاياه، وغيرِ ذلك؛ مِثلُ ((السِّيرة النَّبَوِيَّة)) لابن هشام، ((والسِّيرة النَّبَويَّة)) لابنِ كثيرٍ [776] يُنظر: ((الشفا)) لعياض (2/34، 56)، ((الإخنائية)) (ص: 62، 284)، ((الصارم المسلول)) (2/77) (3/802، 807) كلاهما لابن تيمية، ((تيسير العزيز الحميد)) لسليمان آل الشيخ (ص: 181)، ((عقيدة التوحيد وبيان ما يضادها)) لصالح الفوزان (ص: 148)، ((حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته)) لمحمد التميمي (1/289). .

انظر أيضا: