الموسوعة العقدية

المَطْلَبُ الثَّاني: وجوبُ الإيمانِ بنُبُوَّتِه ورِسالتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم

ورَدَت أدِلَّةٌ عديدةٌ مِن القُرْآنِ والسُّنَّةِ تدُلُّ على وجوبِ الإيمانِ به صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
أوَّلًا: مِنَ القُرْآنِ:
لقد أكَّد اللهُ وجوبَ الإيمانِ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فجعَلَه مُقتَرِنًا بالإيمانِ به سُبحانَه وتعالى في مواضِعَ كَثيرةٍ مِن القُرْآنِ الكريمِ؛ منها:
1- قَولُه تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: 158] .
2- قَولُه سُبحانَه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ *الحجرات: 15*.
3- قَولُه عزَّ وجَلَّ: وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا [الفتح: 13].
والإيمانُ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو أحَدُ ثلاثةِ حُقوقٍ اقتَرَن بها حَقُّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مع حَقِّ اللهِ تعالى في القُرْآنِ الكريمِ.
والحَقُّ الثَّاني هو: طاعتُه.
قال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُول لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [آل عمران: 132] .
والحَقُّ الثَّالِثُ هو: محبَّتُه.
قال تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة: 24] .
قال ابنُ باز: (من أراد الدُّخولَ في الإسلامِ والاستِقامةَ عليه والفَوزَ بالجَنَّةِ والنَّجاةَ مِنَ النَّارِ، وأن يكونَ من أتباعِ محمَّدٍ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ الموعودين بالجَنَّةِ والكرامةِ؛ فإنَّه لا يَتِمُّ له ذلك إلَّا بتحقيقِ شَهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ؛ فتحقيقُ الأُولى، وهي "لا إلهَ إلَّا اللهُ" بإفرادِ اللهِ بالعِبادةِ، وتخصيصِه بها، والإيمانِ بكُلِّ ما أخبَرَ اللهُ به ورَسولُه مِن أمرِ الجَنَّةِ والنَّارِ والكُتُبِ والرُّسُلِ واليَومِ الآخِرِ، والقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه. وأمَّا تحقيقُ الثَّانيةِ، وهي "شَهادةُ أنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ"، فبالإيمانِ به صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنَّه عَبدُ اللهِ ورَسولُه، أرسَلَه اللهُ إلى النَّاسِ كافَّةً؛ إلى الجِنِّ والإنسِ، يدعوهم إلى توحيدِ اللهِ والإيمانِ به، واتِّباعِ ما جاء به رَسولُ اللهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، مع الإيمانِ بجميعِ الماضِينَ مِن الرُّسُلِ والأنبياءِ، ثمَّ بَعْدَ ذلك الإيمانِ بشَرائعِ اللهِ التي شَرَعَها لعِبادِه، على يَدِ رَسولِه محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والأخذِ بها والاستِمساكِ بها؛ من صلاةٍ وزكاةٍ، وصَومٍ وحَجٍّ، وجِهادٍ وغَيرِ ذلك) [763] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن باز)) (4/ 14). .
ثانيا: مِنَ السُّنَّةِ:
وردت في السُّنَّةِ أحاديثُ كثيرةٌ تَدُلُّ على وجوبِ الإيمانِ به صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ منها:
1- عن أبي هُرَيرةَ رَضِي اللهُ عنه عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلُ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ويُؤْمِنُوا بي، وبِما جِئْتُ به، فإذا فَعَلُوا ذلكَ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأَمْوالَهم إلَّا بحَقِّها، وحِسابُهم علَى اللَّهِ )) [764] أخرجه مسلم (21). .
2- وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لا يَسْمَعُ بي أحَدٌ مِن هذِه الأُمَّةِ؛ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ ولَمْ يُؤْمِنْ بالَّذِي أُرْسِلْتُ به، إلَّا كانَ مِن أصْحابِ النَّارِ )) [765] أخرجه مسلم (153). .
3- وعن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((بَعَثَنِي رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالَ: إنَّكَ تَأتي قَوْمًا مِن أهْلِ الكِتابِ، فادْعُهم إلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنِّي رَسولُ اللهِ، فإنْ هم أطاعُوا لذلكَ فأعْلِمْهم أنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عليهم خَمْسَ صَلَواتٍ في كُلِّ يَومٍ ولَيْلَةٍ، فإنْ هم أطاعُوا لذلكَ فأعْلِمْهم أنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عليهم صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِن أغْنِيائِهم فَتُرَدُّ في فُقَرائِهم، فإنْ هم أطاعُوا لذلكَ، فإيَّاكَ وكَرائِمَ أمْوالِهم، واتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فإنَّه ليسَ بيْنَها وبيْنَ اللهِ حِجابٌ )) [766] أخرجه البخاري (1496)، ومسلم (19) واللَّفظُ له. .
ثالثًا: مِنَ الإجماعِ:
قال ابنُ تَيميَّةَ: (يَجِبُ على الإنسانِ أن يعلَمَ أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ أرسَلَ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى جميعِ الثَّقَلينِ؛ الإنسِ والجِنِّ، وأوجَبَ عليهم الإيمانَ به وبما جاء به، وطاعتَه، وأن يحَلِّلوا ما حَلَّل اللهُ ورَسولُه، ويُحَرِّموا ما حَرَّم اللهُ ورَسولُه، وأن يُوجِبوا ما أوجَبَه اللهُ ورَسولُه، ويحِبُّوا ما أحَبَّه اللهُ ورَسولُه، ويَكرَهوا ما كَرِهَه اللهُ ورَسولُه، وأنَّ كُلَّ من قامت عليه الحُجَّةِ برِسالةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الإنسِ والجِنِّ، فلم يؤمِنْ به، استَحَقَّ عِقابَ اللهِ تعالى كما يَستَحِقُّه أمثالُه مِنَ الكافِرينَ الذين بُعِث إليهم الرَّسولُ، وهذا أصلٌ مُتَّفَقٌ عليه بيْن الصَّحابةِ والتَّابِعينَ لهم بإحسانٍ، وأئمَّةِ المُسلِمينَ وسائِرِ طوائِفِ المُسلِمينَ؛ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ وغَيرِهم) [767] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (19/9). ويُنظر: ((الشفا)) لعياض (2/2 - 18، 211)، ((عقيدة التوحيد وبيان ما يضادها)) لصالح الفوزان (ص: 148-155)، ((حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته)) لمحمد التميمي (1/68). .

انظر أيضا: