الموسوعة العقدية

الفرعُ الثَّاني: خِلافةُ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه

قال السَّفَّارينيُّ: (اعلَمْ أنَّ خِلافةَ سَيِّدِنا عُمَرَ بنِ الخطَّابِ أميرِ المؤمنينَ رَضِيَ اللهُ عنه مُرَتَّبةٌ ولازمةٌ لحَقِّيَّةِ خِلافةِ الصِّدِّيقِ الأعظَمِ أبي بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه، وقد قام الإجماعُ وإشاراتُ الكِتابِ والسُّنَّة على حَقِّيَّةِ خِلافتِه، فما ثبت للأصلِ الذي هو الصِّدِّيقُ من حقِّيَّةِ الخِلافةِ يثبُتُ لفَرعِه الذي هو عُمَرُ بنُ الخطَّابِ فيها، فلا مَطمَعَ لأحدٍ مِن فِرَقِ الضَّلالِ في الطَّعنِ والنِّزاعِ في حَقِّيَّةِ الخِلافةِ، وقد عَلِمَ أهلُ العِلمِ عِلمًا باتًّا ضروريًّا أنَّ الصَّحابةَ الكِرامَ أجمعوا على تولِيةِ الصِّدِّيق الخِلافةَ، ومن شَذَّ لا يقدَحُ في ذلك من غيرِ مِرْيةٍ) [2084] يُنظر: ((لوامع الأنوار البهية)) (2/326). .
وقد وردت الإشارةُ إلى أحقِّيَّتِه رَضِيَ اللهُ عنه بالخِلافةِ في بعضِ الآياتِ والأحاديثِ؛ منها:
1- قَولُ اللهِ تعالى: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الفتح: 16].
 قال ابنُ عَطِيَّةَ: (قال مُنذِرُ بنُ سَعيدٍ: يتركَّبُ على هذا القولِ أنَّ الآيةَ مُؤذِنةٌ بخِلافةِ أبي بكرٍ الصِّدِّيق وعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنهما، يريدُ لَمَّا كشف الغيبُ أنهما دَعَوَا إلى قتالِ أهلِ الرِّدَّةِ. وحكى الثعلبيُّ عن رافِعِ بنِ خَديجٍ أنَّه قال: واللهِ لقد كنَّا نقرأُ هذه الآيةَ فيما مضى ولا نعلَمُ من هم، حتى دعا أبو بكرٍ إلى قِتالِ بني حنيفةَ، فعَلِمْنَا أنَّهم أُريدوا.
وقال ابنُ عَبَّاسٍ وابنُ أبي ليلى: هم الفُرْسُ. وقال الحَسَنُ: هم فارِسُ والرُّومُ. وقال أبو هُرَيرةَ: هم قومٌ لم يأتوا بَعْدُ.
والقَولانِ الأوَّلانِ حَسَنانِ؛ لأنَّهما الذي كَشَف الغيبُ، وباقيهما ضعيفٌ) [2085] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (5/ 132). .
2- عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((أُرِيتُ في المنامِ أني أنزِعُ بدَلوِ بَكْرَةٍ على قَليبٍ، فجاء أبو بكرٍ فنَزَع ذَنوبًا أو ذَنوبينِ نَزعًا ضَعيفًا، واللهُ يَغفِرُ له، ثم جاء عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ فاستحالت غَرْبًا، فلم أرَ عَبْقَريًّا يَفْري فَرْيَه، حتى رَوِيَ النَّاسُ، وضَرَبوا بعَطَنٍ )) [2086] رواه البخاري (3682) واللَّفظُ له، ومسلم (2393). .
 قال ابنُ بطَّالٍ: (المعنى -واللهُ أعلَمُ- أنَّه إنما أراد بهذا إثباتَ خِلافَتِهما، والإخبارَ عن مُدَّةِ وِلايَتِهما، والإبانةَ عمَّا جرى عليه أحوالُ أمَّتِه في أيامِهما، فشَبَّه أمرَ المُسلِمينَ بالقَليبِ، وهو البِئرُ العاديةُ، وذلك لِما يكونُ فيها من الماءِ الذي به حياةُ العِبادِ، وصلاحُ البِلادِ، وشَبَّه الواليَ عليهم والقائِمَ بأمورِهم بالنَّازعِ الذي يستقي الماءَ، ويُقَرِّبُه من الوارِدِ، ونزعُ أبي بكرٍ ذَنوبًا أو ذَنُوبَينِ على ضَعفٍ فيه، إنما هو قِصَرُ مُدَّةِ خِلافتِه، والذَّنُوبانِ مِثلُ ما في السَّنَتينِ اللَّتَينِ وَلِيَهما وأشْهُرٍ بَعْدَهما، وانقَضَت أيَّامُه في قتالِ أهلِ الرِّدَّةِ، واستصلاحِ أهلِ الدَّعوةِ، ولم يتفرَّغْ لافتتاحِ الأمصارِ، وجبايةِ الأموالِ، فذلك ضَعْفُ نَزْعِه، وأمَّا عُمَرُ فطالت أيَّامُه، واتَّسَعَت وِلايَتُه، وفتح اللهُ على يَدَيه العِراقَ والسَّوادَ، وأرْضَ مِصرَ، وكثيرًا مِن بلادِ الشَّامِ، وقد غَنِمَ أموالَها، وقسَّمها في المسلِمينَ؛ فأخصَبَت رحالُهم، وحَسُنَت بها أحوالُهم، فكان جودةُ نَزْعِه مَثَلًا لِما نالوا من الخيرِ في زمانِه) [2087] يُنظر: ((شرح صحيح البخاري) (9/ 541). ويُنظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (3/ 1626). .
3- عن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((بينا أنا نائِمٌ إذ رأيتُ قدَحًا أُتِيتُ به فيه لَبَنٌ، فشَرِبْتُ منه حتى إنِّي لأرى الرِّيَّ يجري في أظفاري، ثم أعطَيْتُ فَضْلي عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، قالوا: فما أوَّلْتَ ذلك يا رَسولَ اللهِ؟ قال: العِلْمَ)) [2088] رواه البخاري (82)، ومسلم (2391) واللَّفظُ له. .
قال ابنُ حَجَرٍ: (المرادُ بالعِلمِ هنا العِلمُ بسياسةِ النَّاسِ بكِتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، واختَصَّ عُمَرُ بذلك لطولِ مُدَّتِه بالنِّسبةِ إلى أبي بكرٍ، وباتِّفاقِ النَّاسِ على طاعَتِه بالنِّسبةِ إلى عُثمانَ، فإنَّ مُدَّةَ أبي بكرٍ كانت قصيرةً، فلم يكثُرْ فيها الفتوحُ التي هي أعظَمُ الأسبابِ في الاختلافِ، ومع ذلك فساس عُمَرُ فيها -مع طولِ مُدَّتِه- النَّاسَ بحيثُ لم يخالِفْه أحَدٌ، ثم ازدادت اتِّساعًا في خِلافةِ عُثمانَ، فانتَشَرت الأقوالُ، واختلَفَت الآراءُ، ولم يتَّفِقْ له ما اتَّفَق لعُمَرَ مِن طواعِيَةِ الخَلقِ له، فنَشَأَت مِن ثَمَّ الفِتَنُ إلى أن أفضى الأمرُ إلى قَتْلِه، واستُخلِفَ عَلِيٌّ، فما ازداد الأمرُ إلا اختلافًا، والفِتَنُ إلا انتشارًا) [2089] يُنظر: ((فتح الباري)) (7/46). .
4- عن أبي بَكْرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال ذاتَ يومٍ: ((من رأى منكم رُؤيا؟ فقال رجُلٌ: أنا رأيتُ كأنَّ مِيزانًا نزل من السَّماءِ فوُزِنْتَ أنت وأبو بكرٍ فرجَحْتَ أنت بأبي بكرٍ، ووُزِنَ عُمَرُ وأبو بكرٍ فرَجَح أبو بكرٍ، ووُزِنَ عُمَرُ وعُثمانُ فرَجَح عُمَرُ، ثم رُفِعَ الميزانُ، فرأينا الكراهِيَةَ في وَجْهِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّ م)) [2090] رواه أبو داود (4634) واللَّفظُ له، والترمذي (2287)، وأحمد (20445). صَحَّحه الترمذي، والحاكم على شرط الشيخين في ((المستدرك)) (4437)، والألباني في ((صحيح أبي داود)) (4634)، والوادعي في ((الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين)) (1191). .
 قال المظهريُّ: (قَولُه: «فرأيتُ الكراهيةَ في وَجهِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم» عِلَّةُ ظُهورِ الكراهيةِ في وَجهِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أنَّه عَلِمَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ استقرارَ الإسلامِ في حياتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبعد وفاتِه إلى زمانِ عُثمانَ، ثمَّ تظهَرُ الفِتَنُ والاختلافُ بين أصحابِه، ومعنى ترجيحِ كُلِّ واحدٍ مِنَ الذين وُزِنوا: أنَّ من رَجَح في الميزانِ هو أفضَلُ من المرجوحِ، يعني: النَّبيُّ أفضَلُ مِن أبي بكرٍ، بل من أهلِ السَّماءِ والأرضِ، ثمَّ بَعْدَه أبو بكرٍ أفضَلُ مِن عُمَرَ، ثمَّ عُمَرُ أفضَلُ مِن عُثمانَ، وإنما رُفِعَ الميزانُ ولم يُوزَنْ عُثمانُ وعليٌّ رَضِيَ اللهُ عنهم؛ لأنَّ خِلافةَ عليٍّ تكونُ مع افتراقِ الصَّحابةِ فِرقَتَينِ: فِرقةٌ معه وفرقةٌ مع معاويةَ، فلا تكونُ خِلافتُه مُستقِرَّةً مُتَّفَقًا عليها) [2091] يُنظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) (5/ 114). ويُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (9/ 3915). .
5- عن عَبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ رجلًا أتى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: إني رأيتُ اللَّيلةَ في المنامِ ظُلَّةً تَنطُفُ السَّمنَ والعَسَلَ، فأرى النَّاسَ يتكفَّفون منها: فالمُستكثِرُ والمُستَقِلُّ، وإذا سبَبٌ واصِلٌ من الأرضِ إلى السَّماءِ، فأراك أخَذْتَ به فعَلَوتَ، ثم أخذ به رجلٌ آخَرُ فعلَا به، ثمَّ أخَذَ به رجُلٌ آخَرُ فَعَلَا به، ثم أخذ به رجلٌ آخَرُ فانقَطَع ثمَّ وُصِلَ. فقال أبو بكرٍ: يا رسولَ اللهِ -بأبي أنت- واللهِ لَتَدَعَنِّي فأَعْبُرَها، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((اعْبُرْها))، قال: أمَّا الظُّلَّةُ فالإسلامُ، وأمَّا الذي ينطُفُ من العَسَلِ والسَّمنِ فالقرآنُ، حلاوتُه تَنطُفُ، فالمُستكثِرُ من القرآنِ والمُستَقِلُّ، وأمَّا السَّبَبُ الواصِلُ من السَّماءِ إلى الأرضِ فالحَقُّ الذي أنت عليه تأخُذُ به فيُعْلِيك اللهُ، ثم يأخُذُ به رجلٌ فيعلو به، ثم يأخذُ به رجلٌ آخَرُ فيعلو به، ثم يأخُذُ به رجلٌ آخَرُ فينقَطِعُ به، ثم يُوصَلُ له فيعلو به، فأخبِرْني يا رسولَ اللهِ -بأبي أنت- أصَبْتُ أم أخطَأْتُ؟ قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أصَبْتَ بعضًا وأخطَأْتَ بعضًا )) قال: فواللهِ يا رَسولَ اللهِ لَتُحَدِّثَنِّي بالذي أخطَأْتُ. قال: ((لا تُقْسِمْ)) [2092] رواه البخاري (7046)، ومسلم (2269) واللَّفظُ له. .
 قال ابنُ بطَّالٍ: (الرَّجُلُ الذي يأخُذُ الحَبْلَ بعد النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ يقومُ بالحَقِّ في أمَّتِه بَعْدَه، ثم يقومُ بالحَقِّ بَعْدَه عُمَرُ، ثمَّ يقومُ بالحَقِّ بعده عُثمانُ، وهو الذي انقطَعَ به.
قال المُهلَّبُ: موضِعُ الخَطَأِ الذي قال له النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((وأخطَأْتَ بَعْضًا)) في قوله: ((ثمَّ وُصِل له)) إنما الخطأُ في قولِه: له؛ لأنَّ في الحديثِ: ((ثم وُصِلَ)) ولم يذكُرْ له، فالوَصلُ إنما يكونُ لغيرِه، وكان ينبغي لأبي بكرٍ أن يَقِفَ حيث وقَفَت الرُّؤيا، ويقول: ثم يُوصَلُ، على نص الرُّؤيا، ولا يذكُر الموصولَ له، ومعنى كتمانِ النَّبِيِّ مَوضِعَ الخطأ؛ لئلا يحزَنَ النَّاسُ بالعارِضِ لعُثمانَ، فهو الرَّابعُ الذي انقطع له ثمَّ وُصِل، أي: وَصَلت الخِلافةُ لغَيرِه) [2093] يُنظر: ((شرح صحيح البخاري)) (9/ 560). .
6- عن ابنِ أبي مُلَيكةَ قال: سمعتُ عائشةَ وسُئِلَت: (من كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُستخلِفًا لو استخلَفَه؟ قالت: أبو بكرٍ، فقيلَ لها: ثمَّ من بَعْدَ أبي بكرٍ؟ قالت: عُمَرُ، ثمَّ قيل لها: مَن بَعْدَ عُمَرَ؟ قالت: أبو عُبَيدةَ بنُ الجرَّاحِ، ثم انتَهَت إلى هذا) [2094] رواه مسلم (2385). .
قال النَّوويُّ: (يعني: وقَفَت على أبي عُبَيدةَ. هذا دليلٌ لأهلِ السُّنَّةِ في تقديمِ أبي بكرٍ ثمَّ عُمَرَ للخِلافةِ مع إجماعِ الصَّحابةِ) [2095] يُنظر: ((شرح مسلم)) (15/154). .
7- عن ابنِ أبي مُلَيكةَ قال: سَمِعتُ ابنَ عبَّاسٍ يقولُ: وُضِعَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ على سريرِه فتكنَّفَه النَّاسُ يَدْعُون ويُثْنُون ويُصَلُّون عليه قبل أن يُرفَعَ، وأنا فيهم، قال: فلم يَرُعْني إلَّا برَجُلٍ قد أخذ بمَنكِبِي مِن وَرائي فالتَفَتُّ إليه فإذا هو عليٌّ، فترحَّمَ على عُمَرَ، وقال: ما خلَّفْتَ أحدًا أحَبَّ إليَّ أن ألقى اللهَ بمِثْلِ عَمَلِه منك، وأَيْمُ اللهِ إن كنتُ لأظُنُّ أن يجعَلَك اللهُ مع صاحِبَيك، وذاك أنِّي كُنتُ أُكَثِّرُ أسمَعُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: جِئْتُ أنا وأبو بكرٍ وعُمَرُ، ودخَلْتُ أنا وأبو بكرٍ وعُمَرُ، وخرَجْتُ أنا وأبو بَكرٍ وعُمَرُ، فإنْ كُنتُ لأرجو أو لأظُنُّ أن يجعَلَك اللهُ معهما [2096] رواه البخاري (3685)، ومسلم (2389). .
 قال أبو العبَّاسِ القُرطُبيُّ: (هذا الحديثُ رَدٌّ مِن عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه على الشِّيعةِ فيما يتقوَّلونَه عليه من بُغضِه للشَّيخَينِ، ونِسْبَتِه إيَّاهما إلى الجَورِ في الإمامةِ، وأنَّهما غَصَباه. وهذا كُلُّه كَذِبٌ وافتراءٌ عليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه منه بَراءٌ. بل المعلومُ من حالِه معهما تعظيمُه ومحبَّتُه لهما، واعترافُه بالفَضْلِ لهما عليه وعلى غَيرِه. وحديثُه هذا ينُصُّ على هذا المعنى، وقد تقدَّم ثَناءُ عليٍّ على أبي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، واعتِذارُه عن تخَلُّفِه عن بيعَتِه، وصِحَّةُ مُبايَعَتِه له، وانقيادُه له مختارًا طائِعًا سِرًّا وجَهرًا، وكذلك فَعَل مع عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهم أجمعينَ، وكُلُّ ذلك يُكَذِّبُ الشِّيعةَ والرَّوافِضَ في دَعْواهم، لكِنَّ الأهواءَ والتعَصُّبَ أعماهم) [2097] يُنظر: ((المفهم)) (6/ 252). .
8- عن علِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: خيرُ هذه الأمَّةِ بَعْدَ نَبيِّها: أبو بَكرٍ وعُمَرُ [2098] أخرجه ابن ماجه (106)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (44/216) ولفظُه: (خيرُ النَّاسِ بعد رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أبو بكرٍ، وخيرُ النَّاسِ بعد أبي بكرٍ عُمَرُ). صَحَّحه الألباني في ((صحيح ابن ماجه)) (106). وأخرجه من طريقٍ آخَرَ: أحمد (879)، وأبو يعلى (540)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (992) باختلافٍ يسيرٍ، ولفظُ أحمد: (خيرُ هذه الأمَّةِ بعد نبيِّها أبو بكرٍ، وخَيرُها بعد أبي بكرٍ عُمَرُ، ولو شِئْتُ سَمَّيتُ الثَّالِثَ). صَحَّح إسنادَه أحمد شاكر في تخريج ((مسند أحمد)) (2/164)، وشعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (879)، وحَسَّنه الألباني في تخريج ((كتاب السنة)) (1203). .
هذا وقد انعقد الإجماعُ على خِلافَتِه رَضِيَ اللهُ عنه. ومن أقوالِ أهلِ العِلمِ في ذلك:
1- قال الصَّابونيُّ بعد ذِكْرِه خِلافةَ الصِّدِّيقِ باختيارِ الصَّحابةِ وإجماعِهم عليه: (ثمَّ خِلافةُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه وأرضاه باستخلافِ أبي بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه إيَّاه، واتِّفاقِ الصَّحابةِ عليه بَعْدَه) [2099] يُنظر: ((عقيدة السلف وأصحاب الحديث)) (ص: 291). .
2- قال النَّوويُّ: (إنَّ الصَّحابةَ رَضِيَ اللهُ عنهم أجمعوا على اختيارِ أبي بكرٍ وعلى تنفيذِ عَهْدِه إلى عُمَرَ) [2100] يُنظر: ((شرح مسلم)) (12/206). .
3- قال ابنُ تَيميَّةَ: (أمَّا عُمَرُ فإنَّ أبا بكرٍ عَهِدَ إليه وبايعه المُسلِمون بعد موتِ أبي بكرٍ، فصار إمامًا لَمَّا حصلت له القُدرةُ والسُّلطانُ بمبايعَتِهم له) [2101] يُنظر: ((منهاج السنة النبوية)) (1/ 532). .
4- قال ابنُ أبي العِزِّ: (نُثبِتُ الخِلافةَ بعد أبي بكرٍ لعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، وذلك بتفويضِ أبي بكرٍ الخِلافةَ إليه، واتِّفاقِ الأمَّةِ بَعْدَه عليه) [2102] يُنظر: ((شرح الطحاوية)) (2/ 710). .
5- قال علي القاري في شأنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه: (قد أجمعوا على فضيلتِه وحقِّيَّةِ خلافَتِه) [2103] يُنظر: ((شرح الفقه الأكبر)) (ص: 111). .

انظر أيضا: