الموسوعة العقدية

المبحثُ الخامِسُ: مِن عَقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ في الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهمُ الدُّعاءُ والِاستِغفارُ لهم

قال اللهُ تعالى: وَالَّذِينَ جَاؤُوا من بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر: 10].
قال الشَّوكانيُّ: (أمَرَهم اللهُ سُبحانَه بَعدَ الِاستِغفارِ لِلمُهاجِرينَ والأنصارِ أن يَطلُبوا مِنَ الله سُبحانَه أن يَنزِعَ مِن قُلوبِهِمُ الغِلَّ لِلَّذينَ آمَنوا عَلى الإطلاقِ، فيَدخُلُ في ذلك الصَّحابةُ دُخولًا أوَّليًّا لِكَونِهِم أشرَفَ المُؤمِنينَ، ولِكَونِ السِّياقِ فيهِم، فمَن لم يَستَغفِرْ لِلصَّحابةِ عَلى العُمومِ ويَطلُبْ رِضوانَ اللهِ لهم فقد خالَفَ ما أمرَهُ اللهُ به في هَذِه الآيةِ، فإنْ وَجَدَ في قَلبِه غِلًّا لهم فقَد أصابَهُ نَزْغٌ مِنَ الشَّيطانِ، وحَلَّ به نَصيبٌ وافِرٌ مِن عِصيانِ اللهِ بعَداوةِ أوليائِه، وخَيرِ أمَّةِ نَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وانفَتَحَ لهُ بابٌ مِنَ الخِذلانِ يَفِدُ به عَلى نارِ جَهَنَّمَ إنْ لم يَتَدارَكْ نَفسَهُ باللُّجوءِ إلى اللهِ سُبحانَه والِاستِغاثةِ به بأن يَنزِعَ عن قَلبِه ما طَرَقَهُ مِنَ الغِلِّ لِخَيرِ القُرونِ وأشرَفِ هَذِه الأمَّةِ، فإنْ جاوَز ما يَجِدُهُ مِنَ الغِلِّ إلى شَتْمِ أحَدٍ مِنهم، فقَدِ انقادَ لِلشَّيطانِ بزِمامٍ ووَقَعَ في غَضَبِ اللهِ وسَخَطِه، وهَذا الدَّاءُ العُضالُ إنَّما يُصابُ به مَنِ ابتُلِيَ بمُعَلِّمٍ مِنَ الرَّافِضةِ أو صاحِبٍ مِن أعداءِ خَيرِ الأمَّةِ الَّذينَ تَلاعَبَ بهِمُ الشَّيطانُ، وزَيَّنَ لهمُ الأكاذيبَ المُختَلَقةَ، والأقاصيصَ المُفتَراةَ، والخُرافاتِ المَوضوعةَ، وصَرفَهم عن كِتابِ اللهِ الَّذي لا يَأتيه الباطِلُ مِن بين يَدَيه ولا مِن خَلفِه، وعن سُنَّةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المَنقولةِ إلَينا برِواياتِ الأئِمَّةِ الأكابِرِ في كُلِّ عَصرٍ مِنَ العُصورِ، فاشتَرَوا الضَّلالةَ بالهُدى، واستَبدَلوا الخُسْرانَ العَظيمَ بالرِّبحِ الوافِرِ، وما زالَ الشَّيطانُ الرَّجيمُ يَنقُلُهم مِن مَنزِلةٍ إلى مَنزِلةٍ، ومِن رُتبةٍ إلى رُتبةٍ حَتَّى صاروا أعداءَ كِتابِ الله وسُنَّةِ رَسولِه وخَيرِ أمَّتِه وصالِحي عِبادِه وسائِرِ المُؤمِنينَ، وأهمَلوا فرائِضَ اللهِ، وهَجَروا شَعائِرَ الدِّينِ، وسَعَوا في كيدِ الإسلامِ وأهلِهِ كُلَّ السَّعيِ، ورَمَوا الدِّينَ وأهلَهُ بكُلِّ حَجَرٍ ومَدَرٍ، واللهُ مِن ورائِهِم مُحيطٌ) [1980] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (5/240). !
وقَد فَهِمَ أهلُ السُّنَّةِ والجَماعةِ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيةِ السَّابِقةِ الأمرُ بالدُّعاءِ والِاستِغفارِ لِأصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كما في هَذِه الآثارِ:
1- عن عُروةَ قال: قالت لي عائِشةُ: (يا ابنَ أختي أُمِروا أن يَستَغفِروا لِأصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسَبُّوهم!) [1981] رواه مسلم (3022). .
قال عياضٌ: (قالَتْهُ -واللهُ أعلَمُ- عِندَما سَمِعَتْ أهلَ مِصرَ يَقولونَ في عُثمانَ ما قالوا، وأهْلَ الشَّامِ وبني أُمَيَّةَ يَقولونَ في عَليٍّ ما قالوا، وقالتِ الحَرُوريَّةُ في الجَميعِ ما قالوا، واللهُ أعلَمُ. والأمرُ بالِاستِغفارِ الَّذى أشارَت إلَيه قَولُهُ تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا [الحشر: 10] الآية. وبِهَذا احتَجَّ مالِكٌ أنْ لا حَقَّ في الفَىءِ لِمَن سَبَّ أصحابَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لِأنَّ اللهَ إنَّما جَعلهُ لِمَن جاءَ بَعدَهم مِمَّن يَستَغفِرُ لهم لا لِمَن سَبَّهُم) [1982] يُنظر: ((إكمال المعلم)) (8/ 583). .
2- عن سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: (النَّاسُ عَلى ثَلاثِ مَنازِلَ، فمَضَت مَنزِلَتانِ، وبَقيَت واحِدةٌ، فأحسَنُ ما أنتَم كائِنونَ عليه أن تَكونوا عَلى الَّتي بَقيَت.قال: ثُمَّ قَرَأ: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [الحشر: 8] هَؤُلاءِ المُهاجِرونَ، وهَذِه مَنزِلةٌ، ثُمَّ قَرَأ: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر: 9]، قال: وهَؤُلاءِ الأنصارُ، وهَذِه مَنزِلةٌ قَد مَضَت، ثُمَّ قَرَأ: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر: 10]، قَد مَضَت هاتانِ، وبَقيَت هَذِه المَنزِلةُ، فأحسَنُ ما أنتم كائِنون عليه أن تَكونوا بهَذِه المَنزِلةِ الَّتي قَد بَقِيَت، يَقولُ: أن تَستَغفِروا لهم) [1983] أخرجه الحاكم (3800)، واللالكائي في ((شرح أصول الاعتقاد)) (2354) واللَّفظُ له. صحَّح إسنادَه الحاكم. .
3- عن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: (لا تَسُبُّوا أصحابَ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فإنَّ اللهَ قَد أمَرنا بالِاستِغفارِ لهم، وهوَ يَعلَمُ أنَّهم سَيَقتَتِلونَ) [1984] أخرجه أحمد في ((فضائل الصحابة)) (1741)، والآجري في ((الشريعة)) (1979)، واللالكائي في ((شرح أصول الاعتقاد)) (2353) واللَّفظُ له. .
4- قال عامِرُ بْنُ شَراحيلَ الشَّعبيُّ: (تَفاضَلَتِ اليَهودُ والنَّصارى عَلى الرَّافِضةِ بخَصلةٍ، سُئِلَتِ اليَهودُ مَن خَيرُ أهلِ مِلَّتِكم؟ فقالت: أصحابُ موسى عليه السَّلامُ، وسُئِلَتِ النَّصارى: مَن خَيرُ أهْلِ مِلَّتِكم؟ فقالوا: حَواريُّ عيسى عليه السَّلامُ، وسُئِلَتِ الرَّافِضةُ: مَن شَرُّ أهلِ مِلَّتِكم، فقالوا: أصحابُ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! أُمِروا بالِاستِغفارِ لهم فسَبُّوهم، فالسَّيفُ عليهِم مَسلولٌ إلى يَومِ القيامةِ، لا يَثبُتُ لهم قَدَمٌ، ولا تَقومُ لهم رايةٌ، ولا تَجتَمِعُ لهم كلِمةٌ، دَعوتُهم مَدحوضةٌ، وجَمعُهم مُتَفَرِّقٌ، كُلَّما أوقَدوا نارًا لِلحَربِ أطفَأها اللهُ عَزَّ وجَلَّ) [1985] يُنظر: ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) للالكائي (8/ 1550-1552). .
5- عن قَتادةَ بْنِ دِعامةَ السَّدوسيِّ في قَولِه تعالى: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ الآية، قال: (إنَّما أُمِروا أن يَستَغفِروا لِأصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولَم يُؤمَروا بسَبِّهِم) [1986] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/ 533). .
6- قال الزَّجَّاجُ: (مَن يَتَرَحَّمُ عَلى أصحابِ رَسولِ اللهِ ولَم يَكُن في قَلبِه غِلٌّ لهم أجمَعينَ، فلَهُ حَظٌّ في فيءِ المُسْلِمينَ، ومَن شَتَمَهم ولَم يَتَرَحَّمْ عليهِم أو كانَ في قَلبِه غِلٌّ لهم، فما جَعلَ اللهُ لهُ حَقًّا في شَيءٍ مِن فَيءِ المُسْلِمينَ. فهَذا نَصُّ الكِتابِ بَيِّنٌ) [1987] يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) (5/ 146). .
7- قال البَغَويُّ: (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِم [الحَشر: 10] يَعني التَّابِعين، وهمُ الَّذينَ يَجيئونَ بَعدَ المُهاجِرينَ والأنصارِ إلى يَومِ القيامةِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم يَدْعُونَ لِأنفُسِهِم ولِمَن سَبَقَهم بالإيمانِ والمَغفِرةِ... فكُلُّ مَن كانَ في قَلبِه غِلٌّ عَلى أحَدٍ مِنَ الصَّحابةِ ولَم يَتَرَحَّمْ عَلى جَميعِهِم فإنَّهُ ليسَ مِمَّن عناهُ اللهُ بهَذِه الآيةِ) [1988] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (5/61). .
8- قال ابنُ تَيميَّةَ: (هَذِه الآياتُ تَتَضَمَّنُ الثَّناءَ عَلى المُهاجِرينَ والأنصارِ، وعَلى الَّذينَ جاؤوا مِن بَعدِهِم يَستَغفِرونَ لهم، ويَسألونَ اللهَ ألَّا يَجَعَل في قُلوبِهِم غِلًّا لهم، وتَتَضَمَّنُ أنَّ هَؤُلاءِ الأصنافَ همُ المُستَحِقُّونَ لِلفَيءِ، ولا ريبَ أنَّ هَؤُلاءِ الرَّافِضةَ خارِجونَ مِنَ الأصنافِ الثَّلاثةِ؛ فإنَّهم لم يَستَغفِروا لِلسَّابِقين الأوَّلين، وفي قُلوبِهِم غِلٌّ عليهِم، ففي الآياتِ الثَّناءُ عَلى الصَّحابةِ وعَلى أهلِ السُّنَّةِ الَّذينَ يَتَولونَهم، وإخراجُ الرَّافِضةِ مِن ذلك، وهَذا نَقيضُ مَذهَبِ الرَّافِضةِ) [1989] يُنظر: ((منهاج السنة النبوية)) (2/ 18). .
9- قال ابنُ كثيرٍ: (قَولُه: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر: 10] هَؤُلاءِ همُ القِسمُ الثَّالِثُ مِمَّن يَستَحِقُّ فُقَراؤُهم مِن مالِ الفَيءِ، وهمُ المُهاجِرونَ، ثُمَّ الأنصارُ، ثُمَّ التَّابِعونَ بإحسانٍ، كما قال في آيةِ براءة: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة: 100] ، فالتَّابِعونَ لهم بإحسانٍ همُ المُتَّبِعونَ لِآثارِهِمُ الحَسَنةِ، وأوصافِهِمُ الجَميلةِ، الدَّاعونَ لهم في السِّرِّ والعَلانيَةِ؛ ولِهَذا قال تعالى في هَذِه الآيةِ الكَريمةِ: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ أي: قائلينَ: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلًّا أي: بُغضًا وحَسَدًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر: 10]، وما أحسَنَ ما استَنبَطَ الإمامُ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ مِن هَذِه الآيةِ الكَريمةِ أنَّ الرَّافِضيَّ الَّذي يَسُبُّ الصَّحابةَ ليسَ لهُ في مالِ الفَيءِ نَصيبٌ؛ لِعَدَمِ اتِّصافِه بما مَدَحَ اللهُ به هَؤُلاءِ في قَولِهِم: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر: 10]) [1990] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (8/ 72). .
10- قال السَّعديُّ: (والَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ أي: مِن بَعدِ المُهاجِرينَ والأنصارِ يَقولونَ عَلى وَجهِ النُّصحِ لِأنفُسِهِم ولِسائِرِ المُؤمِنين: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وهَذا دُعاءٌ شامِلٌ لِجَميعِ المُؤمِنين، السَّابِقين مِنَ الصَّحابةِ، ومَن قَبلَهُم ومَن بَعدَهُم، وهَذا مِن فضائِلِ الإيمانِ أنَّ المُؤمِنين يَنتَفِعُ بَعضُهم ببَعضٍ، ويَدعو بَعضُهم لِبَعضٍ؛ بسَبَبِ المُشارَكةِ في الإيمانِ المُقتَضي لِعَقْدِ الأُخُوةِ بينَ المُؤمِنين الَّتي مِن فُروعِها أن يَدعوَ بَعضُهم لِبَعضٍ، وأن يُحِبَّ بَعضُهم بَعضًا.
ولِهَذا ذَكَرَ اللهُ في الدُّعاءِ نَفيَ الغِلِّ عنِ القَلبِ، الشَّامِلِ لِقَليلِ الغِلِّ وكَثيرِه، الَّذي إذا انتَفى ثَبَتَ ضِدُّه، وهوَ المَحَبَّةُ بينَ المُؤمِنين والمُوالاةُ والنُّصحُ، ونَحوُ ذلك مِمَّا هو مِن حُقوقِ المُؤمِنينَ.
فوَصَفَ اللهُ مَن بَعدَ الصَّحابةِ بالإيمانِ؛ لِأنَّ قَولَهم: سَبَقُونَا بالإِيمَانِ دَليلٌ عَلى المُشارَكةِ في الإيمانِ، وأنَّهم تابِعونَ لِلصَّحابةِ في عَقائِدِ الإيمانِ وأُصولِه، وهم أهلُ السُّنَّةِ والجَماعةِ، الَّذينَ لا يَصْدُقُ هَذا الوَصفُ التَّامُّ إلَّا عليهِم، ووَصفَهم بالإقرارِ بالذُّنوبِ والِاستِغفارِ مِنها، واستِغفارِ بَعضِهِم لِبَعضٍ، واجتِهادِهِم في إزالةِ الغِلِّ والحِقدِ عن قُلوبِهِم لِإخوانِهِمُ المُؤْمِنين؛ لِأنَّ دُعاءَهم بذلك مُستَلزِمٌ لِما ذَكَرْنا، ومُتَضَمِّنٌ لِمَحَبَّةِ بَعضِهِم بَعضًا، وأن يُحِبَّ أحَدُهم لِأخيه ما يُحِبُّ لِنَفسِه، وأن يَنصَحَ لهُ حاضِرًا وغائِبًا، حَيًّا ومَيِّتًا، ودَلَّتِ الآيةُ الكَريمةُ عَلى أنَّ هَذا مِن جُملةِ حُقوقِ المُؤْمِنين بَعضِهم لِبَعضٍ، ثُمَّ خَتَموا دُعاءَهم باسمينَ كَريمينَ، دالِّينَ عَلى كَمالِ رَحمةِ اللهِ وشِدَّةِ رَأفَتِه وإحسانِه بهِم، الَّذي مِن جُملَتِه، بَل مِن أجَلِّه، تَوفيقُهم لِلقيامِ بحُقوقِ اللهِ وحُقوقِ عِبادِه) [1991] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 851). .
11- قال ابنُ عُثيمين في الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم: (حُقوقُهم عَلى الأمَّةِ مِن أعظَمِ الحُقوقِ، فلَهم عَلى الأمَّةِ:
1- مَحَبَّتُهم بالقَلبِ والثَّناءُ عليهِم باللِّسانِ بما أسْدَوهُ مِنَ المَعروفِ والإحسانِ.
2- التَّرحُّمُ عليهِم والِاستِغفارُ لهم تَحقيقًا لِقَولِه تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر: 10].
3- الكَفُّ عن مَساوِئِهِم الَّتي إن صَدَرتْ عن أحَدٍ مِنهم فهيَ قَليلةٌ بالنِّسبةِ لِما لهم مِنَ المَحاسِنِ والفَضائِلِ، ورُبَّما تَكونُ صادِرةً عنِ اجتِهادٍ مَغفورٍ وعَمَلٍ مَعذورٍ؛ لِقَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا تَسُبُّوا أصحابي )) الحَديث [1992] لفظه: عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه قال: قال النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا تسُبوا أصحابي؛ فلو أنَّ أحَدَكم أنفق مِثْلَ أحُدٍ ذَهَبًا ما بلغ مُدَّ أحَدِهم ولا نصيفَه)). رواه البخاري (3673) واللَّفظُ له، ومسلم (2541). [1993] يُنظر: ((شرح لمعة الاعتقاد)) (ص: 151). .

انظر أيضا: