الموسوعة العقدية

المطلبُ الثَّالِثُ: من واجِباتِ الرَّعيةِ تِجاهَ الإمامِ: عَدَمُ الخُروجِ عليه ما لم يَرَوا كُفرًا بواحًا

قال أبو مُطيعٍ البَلخيُّ سائِلًا أبا حَنيفةَ: (ما تَقولُ فيمَن يَأمُرُ بالمَعروفِ ويَنهى عنِ المُنكَرِ، فيَتبَعُه على ذلك ناسٌ، فيَخرُجُ على الجَماعةِ، هل تَرَى ذلك؟ قال: لا، قُلتُ: ولمَ؟ وقد أمرَ اللَّهُ تعالى ورَسولُه بالأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عنِ المُنكَرِ، وهذا فريضةٌ واجِبةٌ، فقال: وهو كذلك، لَكِن ما يُفْسِدونَ من ذلك يَكونُ أكثَرَ مِمَّا يُصلِحونَ؛ من سَفكِ الدِّماءِ، واستِحلالِ المَحارِمِ، وانتِهابِ الأموالِ) [1437] يُنظر: ((الفقه الأبسط)) (ص 108). .
وقال أبو حَنيفةَ أيضًا: (إن كان النَّاسُ مُجتَمِعينَ على إمامٍ من المُسلِمينَ، والنَّاسُ آمنون، والسُّبُلُ آمنةٌ، فخَرجَ ناسٌ مِمَّن يَنتَحِلُ الإسلامَ على إمامِ أهلِ الجَماعةِ، فيَنبَغي للمُسلِمين أن يُعينوا إمامَ أهلِ الجَماعةِ، وإن لم يَقدِروا على ذلك لزِموا بُيوتَهم ولم يَخرُجوا مَعَ الَّذينَ خَرجوا على إمامِ أهلِ الجَماعةِ ولم يُعينوهم) [1438] يُنظر: ((حاشية الشلبي على تبيين الحقائق)) (3/294). .
وقال أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ: (من خَرجَ على إمامٍ من أئِمَّةِ المُسلِمينَ، وقد كانوا اجتَمَعوا عليه، وأقَرُّوا لَهُ بالخِلافةِ بأيِّ وجهٍ كان، بالرِّضا أو بالغَلَبةِ، فقد شَقَّ هذا الخارِجُ عَصا المُسلِمين، وخالَفَ الآثارَ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإنْ ماتَ الخارِجُ عليه مات مِيتةً جاهِليَّةً، ولا يَحِلُّ قِتالُ السُّلطانِ، ولا الخُروجُ عليه لأحَدٍ من النَّاسِ، فمن فعلَ ذلك فهو مُبتَدِعٌ على غَيرِ السُّنَّة والطَّريقِ) [1439] يُنظر: ((أصول السنة)) (ص 45). .
وقال الطَّحاويُّ: (لا نَرَى الخُروجَ على أئِمَّتِنا وولاةِ أمورِنا، وإن جارُوا) [1440] يُنظر: ((متن الطحاوية)) (ص: 68). .
وقال أبو بَكرٍ الإسماعيليُّ في بَيانِ مُعتَقَدِ أهلِ السُّنَّة والجَماعةِ: (يرونَ الصَّلاةَ -الجُمُعةَ وغَيرَها- خَلفَ كُلِّ إمامٍ مُسلِمٍ، برًّا كان أو فاجِرًا، فإنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ فرضَ الجُمُعةَ، وأمرَ بإتيانِها فرضًا مُطلَقًا، مَعَ عِلمِه تعالى بأنَّ القائِمِين يَكونُ منهمُ الفاجِرُ والفاسِقُ، ولم يَستَثْنِ وقتًا دونَ وقتٍ، ولا أمرًا بالنِّداءِ للجُمُعةِ دونَ أمرٍ، ويَرَونَ جِهادَ الكُفَّارِ مَعَهم، وإنْ كانوا جَوَرةً، ويَرَونَ الدُّعاءَ لَهم بالصَّلاحِ والعَطْفِ إلى العَدْلِ، ولا يَرَونَ الخُروجَ بالسَّيفِ عليهم، ولا قِتالَ الفِتنةِ، ويَرَونَ قِتالَ الفِئةِ الباغيةِ مَعَ الإمامِ العادِلِ، إذا كان ووُجِدَ على شَرطِهم في ذلك) [1441] يُنظر: ((اعتقاد أئمة الحديث)) (ص 75). .
وقال الخطَّابيُّ: (إنَّه قد أمرَ بالصَّلاةِ مَعَ أئِمةِ الجَورِ؛ حَذَرًا من وُقوعِ الفُرقةِ، وشَقِّ عَصا الأئِمَّةِ) [1442] يُنظر: ((معالم السنن)) (1/136). .
وقال ابنُ بطالٍ: (الفُقَهاءُ مُجْمِعونَ على أنَّ طاعةَ المُتَغَلِّبِ واجِبةٌ ما أقامَ على الجُمُعاتِ والأعيادِ والجِهادِ، وأنصَفَ المَظلومَ في الأغلَبِ، فإنَّ طاعَتَهُ خَيرٌ من الخُروجِ عليه؛ لِما في ذلك من تَسكين الدَّهماءِ وحَقنِ الدِّماءِ) [1443] يُنظر: ((شرح صحيح البخاري)) (2/328). .
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ: (أمَّا أهلُ الحَقِّ، وهم أهلُ السُّنَّة، فقالوا: هذا هو الاختيارُ؛ أن يَكونَ الإمامُ فاضِلًا عَدلًا مُحسِنًا، فإنْ لم يَكُنْ، فالصَّبرُ على طاعةِ الجائِرينَ من الأئِمةِ أَولَى من الخُروجِ عليه؛ لأنَّ في مُنازَعَتِه والخُروجِ عليه استِبدالَ الأمنِ بالخَوفِ، ولِأنَّ ذلك يَحمِلُ على هِراقِ الدِّماءِ، وشَنِّ الغاراتِ، والفَسادِ في الأرضِ، وذلك أعظَمُ من الصَّبرِ على جَورِه وفِسقِه، والأصولُ تَشهدُ والعَقلُ والدِّينُ أنَّ أعظَمَ المَكروهينِ أَولاهما بالتَّركِ.
وكُلُّ إمامٍ يُقيمُ الجُمُعةَ والعيدَ، ويُجاهِدُ العَدُوَّ، ويُقيمُ الحُدودَ على أهلِ العَداءِ، ويُنصِفُ النَّاسَ من مَظالِمِهم بَعضِهم لبَعضٍ، وتَسكُنُ لَهُ الدَّهماءُ، وتَأمَنُ به السُّبلُ، فواجِبٌ طاعَتُه في كُلِّ ما يَأمُرُ به من الصَّلاحِ أو من المُباحِ) [1444] يُنظر: ((التمهيد)) (23/279). .
وقال المازِريُّ: (الإمامُ العادِلُ لا يَحِلُّ الخُروجُ عليه باتِّفاقٍ، والإمامُ إذا فسَقَ وجار، فإن كان فِسقُه كُفرًا وجَبَ خَلعُهُ، وإن كان ما سِواهُ من المَعاصي فمَذهبُ أهلِ السُّنَّة أنَّه لا يُخلَعُ، واحتَجُّوا بظاهِرِ الأحاديثِ، وهيَ كَثيرةٌ، ولِأنَّه قد يُؤَدِّي خَلعُه إلى إراقةِ الدِّماءِ، وكَشفِ الحَريمِ، فيَكونُ الضَّرَرُ بذلك أشَدَّ من الضَّرَرِ به) [1445] يُنظر: ((المعلم بفوائد مسلم)) (3/52). .
وقال ابنُ تَيمِيَّةَ: (المَشهورُ من مَذهَبِ أهلِ السُّنَّة أنَّهم لا يَرَونَ الخُروجَ على الأئِمَّةِ وقِتالَهم بالسَّيفِ، وإن كان فيهم ظُلمٌ، كما دَلَّتْ على ذلك الأحاديثُ الصَّحيحةُ المُستَفيضةُ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنَّ الفَسادَ في القِتالِ والفِتنةِ أعظَمُ من الفَسادِ الحاصِلِ بظُلمِهم بدونِ قِتالٍ ولا فِتنةٍ، فيُدفَعُ أعظَمُ الفَسادَينِ بالتزامِ أدناهما، ولَعَلَّه لا يَكادُ يُعرَفُ طائِفةٌ خَرَجَت على ذي سُلْطانٍ إلَّا وكان في خُروجِها من الفَسادِ ما هو أعظَمُ من الفَسادِ الَّذي أزالَتْهُ) [1446] يُنظر: ((منهاج السنة النبوية)) (3/391). .
فلا يَجوزُ الخُروجُ على أئِمَّةِ المُسلِمينَ ما لم يَظهَرْ منهم كُفرٌ بواحٌ عليه مِنَ اللهِ بُرهانٌ
فعن جُنادةَ بنِ أبي أمَيَّةَ قال: دَخَلْنا على عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ وهو مَريضٌ، فقُلنا: حَدِّثْنا أصلَحَكَ اللَّهُ بحَديثٍ يَنفَعُ اللَّهُ به سَمِعْتَه من رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: ((دَعانا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فبايَعْناهُ، فكان فيما أخذَ عَلَينا أنْ بايَعَنا على السَّمعِ والطَّاعةِ، في مَنْشَطِنا ومَكْرَهِنا، وعُسْرِنا ويُسْرِنا، وأثَرةٍ عَلَينا، وألَّا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه. قال: إلَّا أن تَرَوا كُفرًا بَواحًا عِندَكُم مِنَ اللهِ فيه بُرها نٌ)) [1447] أخرجه البخاري (7055، 7056)، ومسلم (1709) واللَّفظُ له. .
قال الخطَّابيُّ: (قَولُه: بَوَاحًا، يُريدُ ظاهِرًا باديًا، ومنه قَولُهم: باحَ بالشَّيءِ يَبوحُ به بَوحًا وبَواحًا: إذا أذاعَهُ وأظهَرَه) [1448] يُنظر: ((غريب الحديث)) (1/690). .
وقال ابنُ حَجَرٍ: (قَولُه: ((عِندَكُم مِنَ اللهِ فيه بُرهانٌ )) أي: نَصُّ آيةٍ أو خَبَرٌ صَحيحٌ لا يَحتَمِلُ التأويلَ، ومُقتَضاهُ أنَّه لا يَجوزُ الخُروجُ عليهم ما دامَ فِعلُهم يَحتَمِلُ التأويلَ) [1449] يُنظر: ((فتح الباري)) (13/8).
وقال أبو يَعلَى: (إنْ حَدَثَ منه ما يَقدَحُ في دينِه نَظَرْتَ فإنْ كفَرَ بَعدَ إيمانِه فقد خَرَجَ عنِ الإمامةِ، وهذا لا إشكالَ فيه؛ لأنَّه قد خَرَجَ عنِ المَلَّةِ، ووَجبَ قَتلُه) [1450] يُنظر: ((المعتمد في أصول الدين)) (ص: 243).
وقال عياضٌ: (لا خِلافَ بَينَ المُسلِمينَ أنَّه لا تَنعَقِدُ الإمامةُ للكافِرِ، ولا تَستَديمُ لَهُ إذا طَرَأ عليه، وكَذلك إذا ترَكَ إقامةَ الصَّلَواتِ والدُّعاءَ إليها) [1451] يُنظر: ((إكمال المعلم)) (6/246). .
وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبيُّ: (قَولُه ((عِندَكُم مِنَ اللهِ فيه بُرهانٌ ))؛ أي: حُجَّةٌ بَيِّنةٌ، وأمرٌ لا شَكَّ فيه يَحصُلُ به اليَقينُ أنَّه كَفرَ، فحينَئِذٍ يَجِبُ أن يُخلَعَ مَن عُقِدَتْ لَهُ البَيعةُ) [1452] يُنظر: ((المفهم)) (4/46). .
وقال ابنُ حَجَرٍ: (إنَّه أيِ الإمامَ يَنعَزِلُ بالكُفْرِ إجْماعًا) [1453] يُنظر: ((فتح الباري)) (13/123). .
وقال عَبدُ العَزيزِ بن باز: (إذا رَأى المُسْلمونَ كُفرًا بَواحًا عِندَهم مِنَ اللهِ فيه بُرهانٌ، فلا بَأسَ أن يَخرُجوا على هذا السُّلطانِ لإزالَتِه إذا كان عِندَهم قُدرةٌ، أمَّا إذا لم يَكُن عِندَهم قُدرةٌ فلا يَخرُجوا، أو كان الخُروجُ يُسَبِّبُ شَرًّا أكثَرَ فلَيسَ لَهمُ الخُروجُ؛ رِعايةً للمَصالِحِ العامَّةِ. والقاعِدةُ الشَّرعيَّةُ المُجْمَعُ عليها: «أنَّه لا يَجوزُ إزالةُ الشَّرِّ بما هو أشَرُ منه، بَل يَجِبُ دَرءُ الشَّرِّ بما يُزيلُه أو يُخَفِّفُه».أمَّا دَرءُ الشَّرِّ بَشَرٍّ أكثَرَ فلا يَجوزُ بإجْماعِ المُسلِمينَ، فإذا كانت هذه الطَّائِفةُ الَّتي تُريدُ إزالةَ هذا السُّلطانِ الَّذي فعَلَ كُفرًا بواحًا عِندَها قُدرةٌ تُزيلُه بها، وتَضَعُ إمامًا صالِحًا طَيِّبًا من دونِ أن يَتَرَتَّبَ على هذا فسادٌ كبيرٌ على المُسلِمينَ، وشَرٌّ أعظَمُ من شَرِّ هذا السُّلطانِ، فلا بَأسَ، أمَّا إذا كان الخُروجُ يَتَرَتَّبُ عليه فسادٌ كبيرٌ، واختِلالُ الأمنِ، وظُلمُ النَّاسِ، واغتيالُ مَن لا يَستَحِقُّ الاغتيالَ، إلى غَيرِ هذا من الفَسادِ العَظيمِ؛ فهذا لا يَجوزُ، بَل يَجِبُ الصَّبرُ، والسَّمعُ والطَّاعةُ في المَعروفِ، ومُناصَحةُ وُلاةِ الأمورِ، والدَّعوةُ لَهم بالخَيرِ، والاجتِهادُ في تَخفيفِ الشَّرِّ وتَقليلِه وتَكَثيرِ الخَيرِ، هذا هو الطَّريقُ السَّويُّ الَّذي يَجِبُ أن يُسلَكَ؛ لأنَّ في ذلك مَصالِحَ للمُسلِمينَ عامَّةً، ولِأنَّ في ذلك تَقليلَ الشَّرِّ، وتَكَثيرَ الخَيرِ، ولِأنَّ في ذلك حِفظَ الأمنِ وسَلامةَ المُسلِمينَ من شَرٍّ أكثَرَ) [1454] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن باز)) (8/203). .
وقال ابنُ عُثَيمين: (الأئِمةُ لا يَجوزُ الخُروجُ عليهم إلَّا بشُروطٍ مُغَلَّظةٍ؛ لأنَّ أضرارَ الخُروجِ عليهم أضعافُ أضعافِ ما يُريدُ هؤلاء من الإصلاحِ، وهذه الشُّروطُ هيَ:
الأوَّلُ: أن نَعلمَ عِلمَ اليَقين أنَّهم أتَوا كُفرًا.
الثَّاني: أن نَعلمَ أنَّ هذا الكُفْرَ صَريحٌ لَيسَ فيه تَأويلٌ، ولا يَحتَمِلُ التأويلَ، صَريحٌ ظاهِرٌ واضِحٌ؛ لأنَّ الصَّريحَ كما جاءَ في الحَديثِ هو الشَّيءُ الظَّاهِرُ البَيِّنُ العالي، كما قال اللَّهُ تعالى عن فرعونَ إنَّه قال لهامانَ: ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ [غافر: 36-37]، فلا بُدَّ أن يَكونَ صَريحًا، أمَّا ما يَحتَمِلُ التأويلَ فإنَّه لا يُسَوِّغُ الخُروجَ عنِ الإيمانِ.
الثَّالِثُ: أن يَكونَ عِندَنا فيه مِنَ اللهِ بُرهانٌ ودَليلٌ قاطِعٌ مِثلُ الشَّمسِ أنَّ هذا كُفرٌ، فلا بُدَّ إذَنْ أن نَعلمَ أنَّه كُفرٌ، وأن نَعلمَ أنَّ مُرتَكِبَهُ كافِرٌ لعَدَمِ التأويلِ، كما قال النَّبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((إلَّا أن تَرَوا كُفرًا بَواحًا عِندَكُم فيه مِنَ اللهِ بُرهانٌ ))، وقالوا: أفَلا نُنابِذُهم عِندَ ذلك؟ قال: لا ما أقاموا فيكُمُ الصَّلاةَ، أي: ما داموا يُصَلُّونَ.
الرَّابِعُ: القُدرةُ على إزالَتِه، أمَّا إذا عَلِمنا أنَّنا لا نُزيلُه إلَّا بقِتالٍ تُراقُ فيه الدِّماءُ، وتُستَباحُ فيه الحُرُماتُ، فلا يَجوزُ أن نَتَكَلَّمَ أبَدًا، ولَكِن نَسألُ اللَّهَ أن يَهْديَه أو يُزيلَه؛ لأنَّنا لَو فعَلْنا ولَيسَ عِندَنا قُدرةٌ، فهل يُمكِنُ أن يَتَزَحزَحَ هذا الوالي الكافِرُ عَمَّا هو عليه؟ لا، بَل لا يَزدادُ إلَّا تَمسُّكًا بما هو عليه، وما أكثَرَ الَّذينَ يُناصِرونَهُ، إذَنْ يَكونُ سَعْيُنا بالخُروجِ عليه مَفسَدةً عَظيمةً، لا يَزولُ بها الباطِلُ، بَل يَقوَى بها الباطِلُ، ويَكونُ الإثمُ عَلَينا، فنَحنُ الَّذينَ وضَعْنا رِقابَنا تَحتَ سُيوفِه، ولا أحَدَ أحكَمُ من اللَّهِ، ولم يَفرِضِ القِتالَ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابِه رَضيَ اللهُ عنهم إلَّا حينَ كان لَهم دَولةٌ مُستَقِلَّةٌ، وإلَّا فإنَّهم كانوا يُهانونَ في مَكةَ، الَّذي يُحبَسُ، والَّذي يُقتَلُ، والَّذي توضَعُ عليه الحِجارةُ المُحْمَاةُ على بَطنِه، ومُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَرجِعُ من الطَّائِفِ، يَرمونَهُ بالحِجارةِ حَتَّى أدَمَوا عَقِبَهُ، ولم يُؤمَر بالقِتالِ؛ لأنَّ اللهَ حَكيمٌ؛ ولِذلك مَعَ الأسَفِ الشَّديدِ لا تَجِدُ أحَدًا عَصَى الرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وخَرج على الإمامِ بما للإمامِ فيه شُبهةٌ، إلَّا نَدِمَ وكان ضَرَرًا على شَعبِه، ولم يَزُلِ الإمامُ، ولا أريدُ بالإمامِ الإمامَ الأعظَمَ؛ لأنَّ الإمامَ الأعظَمَ ذَهبَ من زَمانٍ، لَكِنْ إمامُ كُلِّ قَومٍ من لَهُ سُلْطةٌ عليهم) [1455] يُنظر: ((الشرح الممتع على زاد المستنقع)) (11/323). .
ومن مُسَوِّغاتِ الخُروجِ عليهم عَدَمُ إقامَتِهمُ الصَّلاةَ والدَّعوةِ إليها
عن عَوفِ بن مالِكٍ رَضيَ اللَّهُ تعالى عنه قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: ((خيارُ أئِمَّتِكُمُ الَّذينَ تُحِبُّونَهم ويُحِبُّونَكُم، وتُصَلُّونَ عليهم ويُصَلُّونَ عليكم، وشِرارُ أئِمَّتِكُمُ الَّذينَ تُبغِضونَهم ويُبغِضونَكُم، وتَلعَنونَهم ويَلعَنونَكُم )) قال: قُلنا: يا رَسولَ اللَّه، أفلا نُنابِذُهم عِندَ ذلك؟ قال: ((لا، ما أقاموا فيكُمُ الصَّلاةَ، لا، ما أقاموا فيكُمُ الصَّلاةَ )) [1456] رواه مسلم (1855). .
 قال الطِّيبيُّ: (فيه إشعارٌ بتَعظيمِ أمرِ الصَّلاةِ، وأنَّ تَركَها موجِبٌ لنَزعِ اليَدِ من الطَّاعةِ) [1457] يُنظر: ((شرح المشكاة)) (8/2562). .
وقال الدَّهلَويُّ: (فيه أنَّ تَركَ الصَّلاةِ موجِبٌ لمُنابَذَتِهم، ونَزعِ اليَدِ من طاعَتِهم؛ لأنَّ الصَّلاةَ عِمادُ الدِّين، والفارِقُ بَينَ الكُفْرِ والإيمانِ بخِلافِ سائِرِ المَعاصي، وفيه تَشديدٌ وتَهديدٌ عَظيمٌ على تَركِ الصَّلاةِ) [1458] يُنظر: ((لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح)) (6/454). .
وعن أمِّ سَلَمةٍ رَضيَ اللهُ عنها قالت: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّه يُستَعمَلُ عليكم أُمَراءُ فتَعرِفونَ وتُنكِرونَ، فمن كَرِهَ فقدَ بَرِئَ، ومن أنكَرَ فقدَ سَلِمَ، ولَكِنْ مَن رَضِيَ وتابَعَ))، قالوا: أفَلا نُقاتِلُهم؟ قال: ((لا، ما صَلَّوا)) [1459] رواه مسلم (1854). .
قال عياضٌ: (قَولُه: أفَلا نُقاتِلُهم؟ قال: ((لا، ما صَلَّوا)) على ما تَقدَّمَ من مَنعِ الخُروجِ على الأئِمَّةِ، والقيامِ عليهم ما داموا على كَلِمةِ الإسلامِ، ولم يُظهِروا كُفرًا بَيِّنًا، وهو الإشارةُ هاهُنا: ((ما صَلَّوا))، أي: ما كان لَهم حُكمُ أهلِ القِبلةِ والصَّلاةِ، ولم يَرتَدُّوا ويُبدِّلوا الدِّينَ ويَدْعوا إلى غَيرِه. والإشارةُ أيضًا بقَولِه: ((عَبدًا حَبشِيًّا يَقودُكُم بكِتابِ اللهِ )) [1460] أخرجه مسلم (1838) من حديث أم الحصين الأسلمية رضي الله عنها.  أي: بالإسلامِ وحُكمِ كِتابِ اللهِ وإن جار) [1461] يُنظر: ((إكمال المعلم)) (6/264). .
 وقال ابنُ رسلانَ: ( ((قال: لا، ما صَلَّوا)) الصَّلَواتِ الخَمسَ. أي: ما أقاموا فيكُمُ الصَّلاةَ المَعهودةَ بحُدودِها وأحكامِها، وأظهروا فِعْلَها) [1462] يُنظر: ((شرح سنن أبي داود)) (18/377). .
 وقال الشَّوكانيُّ: (فيه دَليلٌ على أنَّه لا تَجوزُ مُنابَذةُ الأئِمَّةِ بالسَّيفِ ما كانوا مُقِيمينَ للصَّلاةِ، ويَدُلُّ ذلك بمَفهومِه على جَوازِ المُنابَذةِ عِندَ تَركِهم للصَّلاةِ) [1463] يُنظر: ((نيل الأوطار)) (7/206). .

انظر أيضا: