الموسوعة العقدية

الفصلُ الأوَّلُ: الأدِلَّةُ من القُرآنِ الكَريمِ على وُجوبِ الاعتِصامِ بالكِتابِ والسُّنَّةِ

1- قال الله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا [آل عمران: 103] .
قال ابنُ القيِّمِ عن الاعتِصامِ بوحيِ اللهِ تعالى: (هو تَحكيمُه دونَ آراءِ الرَّجالِ ومَقاييسِهم ومَعقولاتِهم وأذواقِهم وكُشوفاتِهم، ومَواجيدِهم؛ فمن لم يَكُن كذلك فهو مُنسَلٌّ من هذا الاعتِصامِ، فالدِّينُ كُلُّه في الاعتِصامِ به وبِحَبلِه، عِلمًا وعَمَلًا، وإخلاصًا واستِعانةً، ومُتابَعةً، واستِمرارًا على ذلك إلى يَومِ القيامةِ) [1011] يُنظر: ((مدارج السالكين)) (3/323). .
2- قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران: 32] .
 قال السَّعديُّ: (هذا أمرٌ مِنَ اللهِ تعالى لعِبادِه بأعَمِّ الأوامِرِ، وهو طاعَتُه وطاعةُ رَسولِه الَّتي يَدخُلُ بها الإيمانُ والتوحيدُ، وما هو من فُروعِ ذلك من الأعمالِ والأقوالِ الظَّاهِرةِ والباطِنةِ، بَل يَدخُلُ في طاعَتِه وطاعةِ رَسولِه اجتِنابُ ما نَهى عنه؛ لأنَّ اجتِنابَهُ امتِثالًا لأمرِ اللهِ هو من طاعَتِه، فمن أطاعَ اللهَ ورَسولَه، فأولِئِكَ همُ المُفلِحونَ فَإِنْ تَوَلَّوْا أي: أعرَضوا عن طاعةِ اللهِ ورَسولِه فليسَ ثَمَّ أمرٌ يَرجِعونَ إليه إلَّا الكُفْرُ وطاعةُ كُلِّ شيطانٍ مَرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فإنَّه يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ فلِهذا قال: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ بَل يُبغِضُهم ويَمقُتُهم ويُعاقِبُهم أشَدَّ العُقوبةِ) [1012] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 128). .
3- قال اللهُ سُبحانَه: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور: 51] .
قال السَّعديُّ: (أي: إنَّما كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ حَقيقةً، الَّذينَ صَدَّقوا إيمانَهم بأعمالِهم حينَ يُدْعَونَ إلى اللهِ ورَسولِه ليَحكُمَ بينَهم، سَواءٌ وافَقَ أهواءَهم أو خالَفَها، أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا أي: سَمِعنا حُكْمَ اللهِ ورَسولِه، وأجَبْنا مَن دَعانا إليه، وأطَعنا طاعةً تامَّةً سالِمةً من الحَرجِ. وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ حَصَرَ الفَلاحَ فيهم؛ لأنَّ الفَلاحَ: الفَوزُ بالمَطلوبِ، والنَّجاةُ من المَكروه، ولا يُفلِحُ إلَّا من حَكَّمَ اللهَ ورَسولَه، وأطاعَ اللهَ ورَسولَه) [1013] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 243). .
4- قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلك خيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: 59] .
قال القُرطُبيُّ: (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ أي: رُدُّوا ذلك الحُكمَ إلى كِتابِ اللهِ أو إلى رَسولِه بالسُّؤالِ في حياتِه، أو بالنَّظَرِ في سُنَّتِه بَعدَ وفاتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، هذا قَولُ مُجاهِدٍ والأعمَشِ وقَتادةَ، وهو الصَّحيحُ. ومن لم يَرَ هذا اختَلَّ إيمانُه؛ لقَولِه تعالى إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [1014] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (5/261). .
وقال ابنُ القيِّمِ: (إنَّ النَّاسَ أجمَعوا أنَّ الرَّدَّ إلى اللهِ سُبحانَهُ هو الرَّدُّ إلى كِتابِه، والرَّدَّ إلى الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو الرَّدُّ إلى نَفسِه في حياتِه، وإلى سُنَّتِه بَعدَ وفاتِه) [1015] يُنظر: ((إعلام الموقعين)) (2/92). .
وقال ابنُ كَثيرٍ: (هذا أمرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بأنَّ كُلَّ شيءٍ تَنازَعَ النَّاسُ فيه من أصولِ الدِّينِ وفُروعِه أن يُرَدَّ التنازُعُ في ذلك إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، كما قال تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشُّورى:10] فما حَكَم به كِتابُ اللَّهِ وسُنَّةُ رَسولِه وشَهِدَا لَهُ بالصِّحَّةِ فهو الحَقُّ، وماذا بَعدَ الحَقِّ إلَّا الضَّلالُ) [1016] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/345). .
وقال السَّعديُّ: (أمرَ بردِّ كُلِّ ما تَنازَعَ النَّاسُ فيه من أصولِ الدِّينِ وفُروعِه إلى اللهِ ورَسولِه، أي: إلى كِتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسولِه؛ فإنَّ فيهما الفَصلَ في جَميعِ المَسائِلِ الخِلافيَّةِ إمَّا بصَريحِهما أو عُمومِهما، أو إيماءٍ، أو تَنبيهٍ، أو مَفهومٍ، أو عُمومِ مَعنًى يُقاسُ عليه ما أشبَهه؛ لأنَّ كِتابَ اللهِ وسُنَّةَ رَسولِه عليهما بِناءُ الدِّينِ، ولا يَستَقيمُ الإيمانُ إلَّا بهما، فالرَّدُّ إليهما شَرطٌ في الإيمانِ؛ فلِهذا قال: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فدَلَّ ذلك على أنَّ من لم يَرُدَّ إليهما مَسائِلَ النِّزاعِ فليسَ بمُؤمنٍ حَقيقةً، بَل مُؤمِنٌ بالطَّاغوتِ، كما ذُكِرَ في الآيةِ بَعدَها ذَلِكَ أيِ: الرَّدُّ إلى اللهِ ورَسولِه خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا فإنَّ حُكمَ اللهِ ورَسولِه أحسَنُ الأحكامِ وأعدَلُها وأصلَحُها للنَّاسِ في أمرِ دينِهم ودُنياهم وعاقِبَتِهم) [1017] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 184). .
5- قال اللهُ تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا [الأحزاب: 36] .
قال ابنُ كَثيرٍ: (هذه الآيةُ عامَّةٌ في جَميعِ الأمورِ، وذلك أنَّه إذا حَكَمَ اللَّهُ ورَسولُه بشيءٍ، فليسَ لأحَدٍ مُخالَفَتُه، ولا اختيارَ لأحَدٍ هاهُنا، ولا رَأيَ ولا قَولَ) [1018] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/423). .
وقال السَّعديُّ: (أي: لا يَنبَغي ولا يَليقُ مِمَّنِ اتَّصَفَ بالإيمانِ إلَّا الإسراعُ في مَرضاةِ اللهِ ورَسولِه، والهربُ من سَخطِ اللهِ ورَسولِه، وامتِثالُ أمرِهما، واجتِنابُ نَهْيِهما) [1019] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 665). .
6- قال اللهُ سُبحانَه: يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات: 1].
عن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما قال: (لا تَقولوا خِلافَ الكِتابِ والسُّنَّةِ) [1020] رواه ابن جرير (22/272)، وابن أبي حاتم (19102)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (10/398). .
وعنِ الضَّحَّاكِ قال: (لا تَقْضوا أمرًا دونَ اللهِ ورَسولِه من شَرائِعِ دينِكم) [1021] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/364). .
وقال السَّعديُّ: (هذا مُتَضَمِّنٌ للأدَبِ مَعَ اللهِ تعالى، ومَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والتعظيمِ لَهُ واحتِرامِه، وإكرامِه، فأمرَ اللَّهُ عِبادَه المُؤمنينَ بما يَقتَضيه الإيمانُ باللهِ ورَسولِه، من امتِثالِ أوامِرِ اللَّهِ، واجتِنابِ نَواهيه، وأن يَكونوا ماشينَ خَلفَ أوامِرِ اللَّهِ، مُتَّبِعينَ لسُنَّةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في جَميعِ أمورِهم، وألَّا يَتَقدَّموا بينَ يَدَيِ اللهِ ورَسولِه، ولا يَقولوا حَتَّى يَقولَ، ولا يَأمُروا حَتَّى يَأمُرَ؛ فإنَّ هذا حَقيقةُ الأدَبِ الواجِبِ مَعَ اللهِ ورَسولِه، وهو: عُنوانُ سَعادةِ العَبدِ وفَلاحِه، وبِفَواتِه تَفَوتُه السَّعادةُ الأبَديَّةُ، والنَّعيمُ السَّرمَديُّ) [1022] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 799). .

انظر أيضا: