الموسوعة العقدية

المَبحَثُ الأوَّلُ: تعريفُ التوسُّلِ

التوسُّلُ يعني: التقَرُّبَ إلى المطلوبِ، والتوصُّلَ إليه برغبةٍ [490] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/110)، ((لسان العرب)) لابن منظور (11/724). .
قال اللهُ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: 35] .
قال ابنُ كثيرٍ: (قال سُفيانُ الثَّوريُّ: حَدَّثَنا أبي، عن طَلحةَ، عن عَطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: أي: القُرْبةَ. وكذا قال مجاهِدٌ وعَطاءٌ وأبو وائِلٍ، والحسَنُ، وقَتادةُ، وعبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ، والسُّدِّيُّ، وابنُ زيدٍ.
وقال قَتادةُ: أي: تقَرَّبوا إليه بطاعتِه والعَمَلِ بما يُرْضيه... وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمَّةُ لا خِلافَ بين المفَسِّرين فيه... والوسيلةُ: هي التي يُتوصَّلُ بها إلى تحصيلِ المقصودِ) [491] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/103). .
قال الشِّنقيطي: (اعلَمْ أنَّ جمهورَ العُلَماءِ على أنَّ المرادَ بالوسيلةِ هنا هو القُربةُ إلى اللهِ تعالى، بامتِثالِ أوامِرِه واجتنابِ نواهيه على وَفْقِ ما جاء به محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بإخلاصٍ في ذلك للهِ تعالى؛ لأنَّ هذا وَحْدَه هو الطَّريقُ الموصِلةُ إلى رضا اللهِ تعالى، ونَيْلِ ما عندَه من خيرِ الدُّنيا والآخرةِ، وأصلُ الوَسيلةِ: الطَّريقُ التي تُقَرِّبُ إلى الشَّيءِ، وتوصِلُ إليه، وهي العَمَلُ الصَّالحُ، بإجماعِ العُلَماءِ؛ لأنَّه لا وسيلةَ إلى اللهِ تعالى إلَّا باتِّباعِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعلى هذا فالآياتُ المُبَيِّنةُ للمرادِ مِن الوسيلةِ كثيرةٌ جِدًّا، كقَولِه: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7]... وبهذا تعلَمُ أنَّ ما يَزعُمُه كثيرٌ مِن ملاحِدةِ أتباعِ الجُهَّالِ المُدَّعينَ للتصَوُّفِ من أنَّ المرادَ بالوسيلةِ في الآيةِ الشَّيخُ الذي يكونُ له واسِطةٌ بينه وبين رَبِّه؛ أنَّه تخَبُّطٌ في الجَهلِ والعَمى وضَلالٌ مُبِينٌ، وتلاعُبٌ بكتابِ اللهِ تعالى، واتخاذُ الوَسائِطِ مِن دونِ اللهِ: مِن أُصولِ كُفرِ الكُفَّارِ، كما صَرَّح به تعالى في قَولِه عنهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: 3] ، فيَجِبُ على كُلِّ مُكَلَّفٍ أن يَعلَمَ أنَّ الطَّريقَ الموصِلةَ إلى رِضا اللهِ وجَنَّتِه ورَحمتِه هي اتِّباعُ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) [492] يُنظر: ((أضواء البيان)) (1/ 402). .
وقال اللهُ سُبحانَه: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء: 57] .
أي: أولئك الذين يَزعُمُ المُشرِكونَ أنَّهم آلِهةٌ مِن دُونِ اللهِ، مِن المَلائِكةِ والأنبياءِ، والصَّالحينَ مِن الإنسِ والجِنِّ: هم أنفُسُهم يَطلُبُونَ التقَرُّبَ إلى اللهِ بطاعَتِه مِن الواجِباتِ والمُستَحَبَّاتِ، ويَدْعونَه ويَستَعيذونَ به وَحْدَه؛ فلماذا يَعبُدُهم المُشرِكونَ مِن دُونِ اللهِ [493] يُنظر: ((التفسير المحرر - سورة الإسراء)) (ص: 270). ؟!
قال الألباني: (هي صريحةٌ في أنَّ المرادَ بالوَسيلةِ ما يتقَرَّبُ به إلى اللهِ تعالى؛ ولذلك قال: يَبْتَغُونَ أي: يَطلُبونَ ما يتقَرَّبون به إلى اللهِ تعالى من الأعمالِ الصَّالحةِ، وهي كذلك تشيرُ إلى هذه الظَّاهِرةِ الغَريبةِ المخالفةِ لكُلِ تفكيرٍ سليمٍ؛ ظاهِرةِ أن يتوجَّهَ بعضُ النَّاسِ بعبادتِهم ودعائِهم إلى بعضِ عِبادِ اللهِ، يخافونَهم ويَرجُونَهم، مع أنَّ هؤلاءِ العِبادَ المعبودين قد أعلَنوا إسلامَهم، وأقَرُّوا لله بعبوديَّتِهم، وأخذوا يتسابقونَ في التقَرُّبِ إليه سُبحانَه بالأعمالِ الصَّالحةِ التي يحِبُّها ويرضاها، ويطمعونَ في رحمتِه، ويخافونَ مِن عِقابِه! فهو سُبحانَه يُسَفِّهُ في هذه الآيةِ أحلامَ أولئك الجاهِلينَ الذين عَبَدوا الجِنَّ، واستمَرُّوا على عبادتِهم مع أنَّهم مخلوقون عابدون له سُبحانَه، وضُعَفاءُ مِثْلَهم، لا يملِكونَ لأنفُسِهم نَفعًا ولا ضَرًّا، ويُنكِرُ اللهُ عليهم عَدَمَ توجيهِهم بالعبادةِ إليه وَحْدَه، تبارك وتعالى، وهو الذي يملِكُ وَحْدَه الضَّرَّ والنَّفعَ، وبيَدِه وَحْدَه مقاديرُ كلِّ شَيءٍ، وهو المهيمِنُ على كُلِّ شَيءٍ) [494] يُنظر: ((التوسل أنواعه وأحكامه)) (ص: 14). .

انظر أيضا: