الموسوعة العقدية

الفَصلُ الخامِسُ: قُبحُ الشِّرْكِ وخَطَرُه

يظهَرُ قُبحُ الشِّرْكِ في أنَّه تنقُّصٌ للهِ رَبِّ العالَمينَ بمساواةِ غيرِه له، وذلك في غايةِ الضَّلالِ.
قال اللهُ تعالى عن المشرِكينَ يومَ القيامةِ عند خُصومتِهم مع مَعبوديهم: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: 97-98] .
قال ابنُ جريرٍ: (يقول الغاوون للَّذين يَعبُدونَهم مِن دونِ اللهِ: تاللهِ إنْ كُنَّا لفي ذَهابٍ عن الحَقِّ حين نَعدِلُكم برَبِّ العالَمينَ، فنَعبُدُكم من دونِه) [83] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/599). .
وقال القرطبيُّ: (معنى قَولِه: إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ أي: في العبادةِ) [84] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (13/116). .
وقال اللهُ سُبحانَه: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف: 5].
قال ابنُ كثيرٍ: (أي: لا أضَلَّ ممَّن يدعو أصنامًا، ويطلُبُ منها ما لا تستطيعُه إلى يومِ القيامةِ، وهي غافِلةٌ عمَّا يقولُ، لا تَسمَعُ ولا تُبصِرُ ولا تبطِشُ؛ لأنَّها جماٌد حِجارةٌ صُمٌّ) [85] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/275). .
وهذا التنقُّصُ لله سُبحانَه أعظَمُ الظُّلمِ؛ قال اللهُ تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] .
قال السَّمعاني: (قَولُه: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ الظُّلمُ هو وَضْعُ الشَّيءِ في غيرِ موضِعِه، من أشرَكَ مع اللهِ غَيرَه فقد وضَعَ الشَّيءَ في غيرِ مَوضِعِه) [86] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (4/ 230). .
وقال ابنُ كثيرٍ: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ أي: هو أعظَمُ الظُّلمِ) [87] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/ 336). .
وقال ابنُ أبي العِزِّ: (أظلَمُ الظُّلمِ على الإطلاقِ الشِّركُ، وأعدَلُ العَدلِ التَّوحيدُ) [88] يُنظر: ((شرح الطحاوية)) (1/ 41). .
وقال السعديُّ: (وَجهُ كَونِه عظيمًا: أنَّه لا أفظَعَ وأبشَعَ مِمَّن سَوَّى المخلوقَ مِن ترابٍ بمالِكِ الرِّقابِ! وسَوَّى الذي لا يملِكُ من الأمرِ شيئًا بمن له الأمرُ كُلُّه، وسَوَّى النَّاقِصَ الفقيرَ مِن جميعِ الوُجوهِ بالرَّبِّ الكامِلِ الغَنيِّ مِن جميعِ الوُجوهِ، وسَوَّى من لم يُنعِمْ بمِثقالِ ذَرَّةٍ مِنَ النِّعَمِ بالذي ما بالخَلْقِ مِن نِعمةٍ في دِينِهم ودُنْياهم وأُخْراهم وقُلوبِهم وأبدانِهم، إلا منه، ولا يَصرِفُ السُّوءَ إلَّا هو، فهل أعظَمُ مِن هذا الظُّلمِ شيءٌ؟!
وهل أعظَمُ ظُلمًا ممَّن خَلَقه اللهُ لعبادتِه وتوحيدِه، فذَهَب بنَفْسِه الشَّريفةِ، فجَعَلَها في أخَسِّ المراتِبِ؛ جَعَلها عابدةً لِمن لا يَسوى شيئًا، فظَلَم نَفْسَه ظُلمًا كبيرًا) [89] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 648). .
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بظُلْمٍ، قُلْنَا: يا رَسولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قالَ: ((ليسَ كما تَقُولونَ؛ لَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بظُلْمٍ: بشِرْكٍ، أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إلى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ باللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)) [90] أخرجه البخاري (3360) واللفظ له، ومسلم (124). .
وقال اللهُ سُبحانَه: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس: 106] .
قال ابنُ جريرٍ: (فإن فعَلْتَ ذلك فدعَوتَها من دونِ اللهِ فإنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ يقولُ: مِن المشرِكينَ باللهِ، الظَّالِمي أنفُسِهم) [91] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/304). .
وقال ابنُ عاشور: (المقصودُ من هذا الفَرْضِ تنبيهُ النَّاسِ على فَظاعةِ عِظَمِ هذا الفِعلِ، حتى لو فعَلَه أشرَفُ المخلوقينَ لكان من الظَّالمينَ، على حَدِّ قَولِه تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [92] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/305). .
فإنَّ الذي يَستحِقُّ أن يُعبَدُ هو الذي بيَدِه الخَلقُ والأمرُ، والمتفَضِّلُ بالنِّعَمِ، فصَرْفُ شيءٍ مِن حَقِّ اللهِ تعالى من العبوديَّةِ إلى غَيرِه ظُلمٌ عظيمٌ.
 قال ابنُ القَيِّمِ: (أخبَرَ سُبحانَه أنَّ القَصدَ بالخَلْقِ والأمرِ أن يُعرَفَ بأسمائِه وصِفاتِه، ويُعبَدَ وَحْدَه لا يُشرَكُ به، وأن يقومَ النَّاسُ بالقِسطِ، وهو العَدْلُ الذي قامت به السَّمَواتُ والأرضُ، كما قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: 25]، فأخبَرَ أنَّه أرسَلَ رُسُلَه، وأنزَلَ كُتُبَه؛ ليقومَ النَّاسُ بالقِسطِ، وهو العَدلُ. ومن أعظَمِ القِسطِ: التَّوحيدُ، بل هو رأسُ العَدلِ وقِوامُه، وإنَّ الشِّرْكَ لظُلمٌ عظيمٌ؛ فالشِّرْكُ أظلَمُ الظُّلمِ، والتَّوحيدُ أعدَلُ العَدلِ) [93] يُنظر: ((الجواب الكافي)) (ص: 128). .
كما أنَّ في الشِّرْكِ إساءةَ الظَّنِّ برَبِّ العالَمينَ، فمن يتَّخِذُ وسيطًا يقَرِّبُه إلى اللهِ بزَعْمِه، فيَستغيثُ به ويتوسَّلُ إليه لقَضاءِ حاجاتِه وكَشْفِ كُرُباتِه، يكونُ قد أساء الظَّنَّ بإفضالِ رَبِّه وإنعامِه وإحسانِه إليه. وهذا المعنى راجِعٌ إلى الأوَّلِ؛ حيثُ إنَّ من يعتَقِدُ أنَّ اللهَ لا يستجيبُ له إلا بواسِطةٍ يكونُ قد وصف اللهُ بالنَّقصِ.
قال اللهُ تعالى عن إبراهيمَ عليه السَّلامُ: إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات: 85-87] .
فقَولُه: فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ حُكِي فيه معنيانِ [94] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/566)، ((تفسير القرطبي)) (15/92)، ((تفسير ابن كثير)) (7/24). :
الأوَّلُ: ما ظَنُّكم برَبِّكم إذا لقيتُموه وقد عبدْتُم غيرَه؟ وهذا تحذيرٌ وترهيبٌ.
والثَّاني: أيُّ شيءٍ تظُنُّون برَبِّ العالَمينَ مِنَ النَّقصِ حتَّى عبَدْتُم معه غيرَه؟
فعلى المعنى الثَّاني يتبيَّنُ أنَّ من أسبابِ الشِّرْكِ إساءةَ الظَّنِّ برَبِّ العالمينَ.
قال ابنُ القَيِّمِ: (من ظَنَّ أنَّ له ولدًا أو شَريكًا، أو أنَّ أحدًا يشفَعُ عنده بدونِ إذنِه، أو أنَّ بَيْنَه وبين خَلْقِه وسائِطَ يَرفَعونَ حوائِجَهم إليه، أو أنَّه نَصَب لعبادِه أولياءَ مِن دونِه يتقَرَّبون بهم إليه، ويتوسَّلون بهم إليه، ويجعَلونَهم وساِئَط بيْنهم وبيْنه، فيَدْعُونَهم ويحِبُّونَهم كحُبِّه، ويخافونَهم ويَرجونَهم- فقَد ظَنَّ به أقبَحَ الظَّنِّ وأسوَأَه!) [95] يُنظر: ((زاد المعاد)) (3/209). .
وقال ابنُ القَيِّمِ أيضًا: (فالشِّرْكُ والتعطيلُ مبنيَّانِ على سوءِ الظَّنِّ باللهِ؛ ولهذا قال إمامُ الحُنَفاءِ عليه السَّلامُ لخُصَمائِه من المُشرِكين: أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات: 86، 87] وإن كان المعنى: ما ظَنُّكم به أن يعامِلَكم ويجازيَكم به، وقد عبَدْتُم معه غيَره، وجعَلْتُم له نِدًّا؟ فأنت تجِدُ تحتَ هذا التهديدِ: ما ظَنَنْتُم برَبِّكم من السُّوءِ حتى عَبَدْتُم معه غيرَه؟!
فإنَّ المشرِكَ إمَّا أن يَظُنَّ أنَّ اللهَ سُبحانَه يحتاجُ إلى من يُدبِّرُ أمرَ العالَمِ معه من وزيرٍ أو ظَهيرٍ أو عونٍ، وهذا أعظَمُ التنقيصِ لِمن هو غنيٌّ عن كُلِّ ما سِواه بذاتِه، وكلُّ ما سِواه فقيرٌ إليه بذاتِه، وإمَّا أن يظُنَّ أنَّه سُبحانَه إنَّما تَتِمُّ قُدرتُه بقُدرةِ الشَّريكِ، وإمَّا أن يَظُنَّ بأنَّه لا يعلَمُ حتى يُعْلِمَه الواسِطةُ، أو لا يَرحَمُ حتى تجعَلَه الواسِطةُ يرحَمُ، أو لا يكفي وَحْدَه، أو لا يفعَلُ ما يُريدُ بالعَبدِ حتى يشفَعَ عنده الواسِطةُ، كما يَشفَعُ المخلوقُ عند المخلوقِ، فيحتاجُ أن يَقبَلَ شَفاعتَه لحاجتِه إلى الشَّافِعِ وانتفاعِه به، وتكثُّرِه به من القِلَّة، وتعزُّزِه به من الذِّلَّةِ، أو لا يجيبُ دُعاءَ عِبادِه حتى يسألوا الواسِطةَ أن تَرفَعَ تلك الحاجاتِ إليه، كما هو حالُ مُلوكِ الدُّنيا، وهذا أصلُ شِركِ الخَلْقِ، أو يَظُنَّ أنَّه لا يَسمَعُ دُعاءَهم لبُعْدِه عنهم حتى ترفَعَ الوسائِطُ إليه ذلك، أو يَظُنَّ أنَّ للمخلوقِ عليه حقًّا؛ فهو يُقْسِمُ عليه بحَقِّ ذلك المخلوقِ عليه، ويتوسَّلُ إليه بذلك المخلوقِ، كما يتوسَّلُ النَّاسُ إلى الأكابِرِ والملوكِ بمن يَعِزُّ عليهم ولا يمكِنُهم مخالفتُه.
وكُلُّ هذا تنقُّصٌ للرُبوبيَّةِ، وهَضْمٌ لحَقِّها، ولو لم يكُنْ فيه إلَّا نَقْصُ محبَّةِ اللهِ وخَوفِه ورَجائِه والتوكُّلِ عليه والإنابةِ إليه مِن قَلبِ المشرِكِ؛ بسبَبِ قِسمةِ ذلك بينه سُبحانَه وبين من أشرَكَ به، فيَنقُصُ ويَضعُفُ أو يَضمَحِلُّ ذلك التَّعظيمُ والمحبَّةُ والخوفُ والرَّجاءُ؛ بسَبَبِ صَرفِ أكثَرِه أو بَعْضِه إلى من عَبَده من دونِه.
فالشِّرْكُ ملزومٌ لتنقُّصِ الرَّبِّ سُبحانَه، والتنقُّصُ لازمٌ له ضرورةً، شاء المشرِكُ أم أبى، ولهذا اقتَضى حمدُه سُبحانَه وكمالُ رُبوبيَّتِه ألَّا يَغفِرَه، وأن يُخلِّدَ صاحبَه في العذابِ الأليمِ، ويجعَلَه أشقى البَرِيَّةِ، فلا تجِدُ مُشرِكًا قَطُّ إلَّا وهو متنَقِّصٌ لله سُبحانَه، وإنْ زَعَم أنَّه يُعظِّمُه بذلك) [96] يُنظر: ((إغاثة اللهفان)) (1/103). .
ومن قُبحِ الشِّرْكِ أنَّ اللهَ تعالى وَصَفَ أهْلَه بالنَّجَسِ.
قال اللهُ سُبحانَه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة: 28].
قال ابنُ الجوزي: (في المرادِ بكَونِهم نَجَسًا ثلاثةُ أقوالٍ: أحَدُها: أنَّهم أنجاسُ الأبدانِ، كالكَلْبِ والخِنْزيرِ... والثَّاني: أنَّهم كالأنجاِس لتَرْكِهم ما يجِبُ عليهم من غُسلِ الجَنابةِ، وإن لم تكُنْ أبدانُهم أنجاسًا... والثَّالِثُ: أنَّه لَمَّا كان علينا اجتنابُهم كما تُجتَنَبُ الأنجاسُ، صاروا بحُكمِ الاجتنابِ كالأنجاسِ، وهذا قَولُ الأكثَرِينَ) [97] يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/248). .
 ومِن قُبحِ الشِّرْكِ أنَّ المشرِكَ لا تَحِلُّ مُناكَحَتُه.
قال اللهُ عَزَّ وجلَّ: وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [البقرة: 221] .
قال البَغَوي: (قَولُه تعالى: وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا هذا إجماعٌ: لا يجوزُ للمُسلِمةِ أن تَنكِحَ المُشرِكَ) [98] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (1/284). .
وقال البركوي الحنفي: (إنَّ الشِّركَ لَمَّا كان أظلَمَ الظُّلمِ وأقبَحَ القبائحِ وأنكَرَ المُنكَرِ، كان أبغَضَ الأشياءِ إلى اللهِ تعالى وأكرَهَها له؛ ولذلك رَتَّب عليه من عُقوباتِ الدُّنيا والآخِرةِ ما لم يرَتِّبْه على ذنبٍ آخَرَ سِواه، وأخبر أنَّه لا يَغفِرُه، وأنَّ أهلَه نَجَسٌ، ومنعهم قِربانَ حَرَمِه، وحَرَّم ذبائِحَهم ومناكَحتَهم، وقَطَع الموالاةَ بينهم وبين المؤمِنين، وجعَلَهم أعداءً له ولملائِكَتِه ورُسُلِه وللمؤمِنين، وأباح لأهلِ التوحيدِ أموالَهم ونِساءَهم وأن يتَّخِذوهم عَبيدًا، وهذا لأنَّ الشِّركَ هَضمٌ لحَقِّ الرُّبوبيَّةِ، وتنقيصٌ لعَظَمةِ الإلهيَّةِ، وسوءُ ظَنٍّ برَبِّ العالَمين) [99] يُنظر: ((زيارة القبور الشرعية والشركية)) (ص: 26). .
وأمَّا خَطَرُ الشِّرْكِ فيتمَثَّلُ فيما يلي:
1- إحباطُه للأعمالِ.
قال اللهُ تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر: 65] .
قال أبو السُّعودِ: (كلامٌ واردٌ على طريقةِ الفَرْضِ؛ لتهييجِ الرُّسُلِ، وإقناطِ الكَفَرةِ، والإيذانِ بغايةِ شَناعةِ الإشراكِ وقُبْحِه، وكونِه بحيثُ يُنهى عنه من لا يَكادُ يمكِنُ أن يباشِرَه، فكيف بمن عَداه؟!) [100] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/262). .
وقال السعديُّ: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ هذا مُفرَدٌ مُضافٌ يَعُمُّ كُلَّ عَمَلٍ؛ ففي نبُوَّةِ جميعِ الأنبياءِ أنَّ الشِّرْكَ مُحبِطٌ لجميعِ الأعمالِ، كما قال تعالى في سورةِ الأنعامِ لَمَّا عدَّد كثيرًا مِن أنبيائِه ورُسُلِه؛ قال عنهم: ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: 88] . وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ دِينَك وآخِرَتَك؛ فبالشِّرْكِ تَحبَطُ الأعمالُ، ويَستَحِقُّ العِقابُ والنَّكالُ) [101] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 729). .
2- أنَّ صاحِبَه إن مات عليه لا يُغفَرُ له.
قال اللهُ سُبحانَه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ [النساء: 4] .
قال ابنُ أبي الخيرِ: (معنى الآيةِ: أنَّ اللهَ لا يَغفِرُ لِمن يُشرِكُ به فيموتُ على الشِّرْكِ، ويغفِرُ ما دون الشِّرْكِ لِمن يشاءُ مِن أهلِ التَّوحيدِ) [102] يُنظر: ((الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار)) (3/ 669). .
وقال ابنُ كثيرٍ: (أخبَرَ تعالى: أنَّه لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرِكَ بِهِ أي: لا يَغفِرُ لعَبدٍ لقِيَه وهو مُشرِكٌ به) [103] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/325). .
وقال سليمانُ بنُ عبدِ اللهِ آل الشَّيخِ: (الشِّرْكُ أعظَمُ الذُّنوبِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أخبَرَ أنَّه لا يَغفِرُه، أي: إلَّا بالتوبةِ منه، وما عداه فهو داخِلٌ تحت مشيئةِ اللهِ؛ إن شاء غَفَرَه بلا توبةٍ، وإن شاء عَذَّب به. وهذا يوجِبُ للعَبدِ شِدَّةَ الخَوفِ مِن هذا الذَّنبِ الذي هذا شأنُه عند اللهِ) [104] يُنظر: ((تيسير العزيز الحميد)) (ص: 88). .
وقال السعديُّ: (هذه الآيةُ الكريمةُ في حَقِّ غيرِ التائِبِ، وأمَّا التَّائِبُ فإنَّه يُغفَرُ له الشِّرْكُ فما دونَه) [105] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 182). .
3- أنَّ من مات على الشِّرْكِ مُخلَّدٌ في نارِ جَهنَّمَ.
قال اللهُ عَزَّ وجلَّ: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة: 72] .
قال السعديُّ: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ أحدًا من المخلوقينَ، لا عيسى ولا غيرَه، فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ؛ وذلك لأنَّه سَوَّى الخَلْقَ بالخالقِ، وصَرَف ما خلقَهَ اللهُ له -وهو العبادةُ الخالِصةُ- لغيرِ مَن هي له؛ فاستحَقَّ أن يُخَلَّدَ في النَّارِ) [106] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 240). .
 وقال اللهُ تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة: 6].
وعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عنه قَالَ: أَتَى النَّبِىَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْمُوجِبَتَانِ؟ فَقَالَ: ((مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ )) [107] أخرجه مسلم (93). .
وممَّا يدُلُّ على خُطورةِ الشِّرْكِ:
1- خَفاءُ بَعضِ صُوَرِه ووُقوعُ بَعضِ أهلِ الفَضلِ والعِلمِ فيه.
عن أبي واقِدٍ اللَّيثيِّ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَمَّا خرج إلى حُنَينٍ مَرَّ بشَجَرةٍ للمشركينَ يقال لها: ذاتُ أنواطٍ، يُعَلِّقونَ عليها أسلِحَتَهم، فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، اجعَلْ لنا ذاتَ أنواطٍ كما لهم ذاتُ أنواطٍ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((سُبحانَ اللهِ! هذا كما قال قومُ موسى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: 138] ، والذي نفسي بيَدِه لتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَن كان قَبْلَكم) [108] أخرجه الترمذي (2180) واللَّفظُ له، وأحمد (21897) صححه الترمذي، وابنُ حِبَّانَ في ((صحيحه)) (6702)، وصَحَّح إسناده ابن باز في ((مجموع الفتاوى)) (3/337)، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (2180)، وشعيب الأرناؤوط على شرطِ الشَّيخَينِ في تخريج ((مسند أحمد)) (21897)، وذَكَر ثُبوتَه ابنُ القيم في ((إغاثة اللهفان)) (2/418). والحديثُ رُوِيَ بلفظ: ((لتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن كان قَبْلَكم..)) أخرجه البخاري (7320) واللَّفظُ له، ومسلم (2669) من حديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ رَضِيَ الله عنه .
قال محمَّدُ بنُ عبدِ الوهَّابِ: (هذه القِصَّةُ تفيدُ أنَّ المسلِمَ بل العالِمَ قد يَقَعُ في أنواعٍ من الشِّرْكِ لا يدري عنها، فتُفيدُ التعَلُّمَ والتحَرُّزَ، ومَعرفةَ أنَّ قَولَ الجاهِلِ: التَّوحيدُ فَهِمْناه؛ أنَّ هذا من أكبَرِ الجَهلِ، ومكائِدِ الشَّيطانِ) [109] يُنظر: ((كشف الشبهات)) (ص: 45). .
2- مِمَّا يدُلُّ على خُطورةِ الشِّرْكِ استِعاذةُ إبراهيمَ ومُحمَّدٍ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ منه
 فقد كان من دُعاءِ إبراهيمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [إبراهيم: 35] .
قال إبراهيمُ التَّيميُّ: (مَن يأمَنُ البَلاءَ بعدَ قَولِ إبراهيمَ: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ؟!) [110] يُنظر: ((تفسير القرآن العظيم)) لابن أبي حاتم (7/2249). .
وقال السعديُّ: (قال: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ أي: اجعَلْني وإيَّاهم جانبًا بعيدًا عن عبادتِها والإلمامِ بها، ثمَّ ذكَرَ الموجِبَ لخَوفِه عليه وعلى بنيه بكثرةِ مَن افتُتِنَ وابتُلِيَ بعبادتِها فقال: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ أي: ضَلُّوا بسَبَبِها) [111] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 426). .
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال أبو بكرٍ: يا رَسولَ اللهِ، مُرْني بشَيءٍ أقولُه إذا أصبَحْتُ وإذا أمسيتُ، قال: ((قُلِ: اللَّهُمَّ عالِمَ الغَيبِ والشَّهادةِ، فاطِرَ السَّمَواتِ والأرضِ، رَبَّ كُلِّ شَيءٍ ومَلِيكَه، أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا أنت، أعوذُ بك مِن شَرِّ نَفْسي، ومِن شَرِّ الشَّيطانِ وشِرْكِه ))، قال: ((قُلْه إذا أصبَحْتَ، وإذا أمسَيتَ، وإذا أخَذْتَ مَضجَعَك )) [112] أخرجه أبو داود (5067)، والترمذي (3392) واللفظ له، وأحمد (7961) صححه الترمذي، وابنُ حِبَّان في ((صحيحه)) (962)، وابن دقيق العيد في ((الاقتراح)) (128). .
قال الصَّنعانيُّ: ( ((ومِن شَرِّ الشَّيطانِ)) الذي انتَصَب لإغواءِ كُلِّ إنسانٍ إلَّا عِبادَ اللهِ الذين ليس له عليهم سُلطانٌ. ((وشِرْكِه)) ما يدعو إليه ويُوسوِسُ به من الإشراكِ باللهِ تعالى، وهذا على روايةِ كَسرِ الشِّينِ وسُكونِ الرَّاءِ، ويُروى بفَتْحِهما أي: حَبائِلِه ومَصائِدِه، واحِدُها شَرَكةٌ) [113] يُنظر: ((التنوير شرح الجامع الصغير)) (8/ 79).
وعن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدعو يقولُ: ((اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بك من العَجْزِ والكَسَلِ، والبُخلِ والهَرَمِ، والقَسوةِ والغَفلةِ، والذِّلَّةِ والمَسكَنةِ، وأعوذُ بك من الفَقرِ والكُفرِ، والشِّرْكِ والنِّفاقِ، والسُّمعةِ والرِّياءِ )) [114] أخرجه مطولاً ابن حبان (1023) واللفظ له، والطبراني في ((المعجم الصغير)) (316)، والحاكم (1944). صَحَّحَه ابنُ حبان، والحاكم على شرط الشيخينِ، والألباني في ((صحيح الجامع)) (1285)، والوادعي في ((الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين)) (35). .

انظر أيضا: