الموسوعة العقدية

الفَصلُ الرَّابعُ: وُقوعُ الشِّرْكِ في أمَّةِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم

تمهيدٌ:
قد أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بوقوعِ أمَّتِه في الشِّركِ.
 فعن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لَتَتبِعُنَّ سَنَنَ مَن كانَ قَبْلَكم، شِبْرًا شِبْرًا وذِراعًا بذِراعٍ، حتَّى لو دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ ))، قُلْنا: يا رَسولَ اللَّهِ، اليَهُودُ والنَّصارَى؟ قالَ: ((فَمَنْ؟)) [56] أخرجه البخاري (7320) واللفظ له، ومسلم (2669). .
وقال اللهُ تعالى عن اليَهودِ والنَّصارى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا [النساء: 51] .
قال ابنُ عُثَيمين مُعَلِّقًا: (فإذا كان الذين أُوتوا نصيبًا مِن الكِتابِ يُؤمِنونَ بالجِبتِ والطَّاغوتِ، وأنَّ مِن هذه الأمَّةِ من يرتكِبُ سَنَنَ مَن كان قَبْلَه؛ يلزَمُ مِن هذا أنَّ في هذه الأمَّةِ مَن يؤمِنُ بالجِبتِ والطَّاغوتِ) [57] يُنظر: ((القول المفيد)) (1/456). .
 وعَنْ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللهُ عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِى بِالْمُشْرِكِينَ، وحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِى الْأَوْثَانَ )) [58] أخرجه مُطَوَّلًا أبو داود (4252) واللَّفظُ له، والترمذي (2219)، وابن ماجه (3952). صححه الترمذي، وابنُ حِبَّان في ((صحيحه)) (7238)، والحاكِمُ على شرط الشيخين في ((المستدرك)) (8390). .
قال شهابُ الدِّين الرمليُّ: (كما كانت تعبُدُها في الجاهليَّةِ، وقد ارتَدَّ قَبائِلُ في خلافةِ أبي بكرٍ، حتى لم يكُنْ يُسجَدُ لله تعالى في بَسيطِ الأرضِ إلَّا في ثلاثةِ مَساجِدَ: مَسجِدِ مكَّةَ، ومَسجِدِ المدينةِ، ومَسجِدِ عبدِ القَيسِ في البَحرينِ) [59] يُنظر: ((شرح سنن أبي داود)) (16/673). .
قال ابنُ باديس: (كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم يُعَرِّفُ أصحابَه بما يكونُ في أمَّتِه مِن بَعْدِه، وهو تعريفٌ للأمَّةِ بما يكونُ فيها، يعَرِّفُهم بذلك ليَحذَروه ويجتَنِبوا أسبابَه، ويُبادِروا إلى معالجتِه عند وقوعِه.
لا يَستبعِدُ مُسلِمٌ صدورَ الشِّرْكِ والوَثَنيَّةِ ودعوى النبُوَّةِ مِن غيرِ المسلمين، وإنَّما يستبعِدُ ويستنكِرُ أن يكونَ شيءٌ من هذا ممَّن يقولون إنَّهم مسلمونَ؛ ولهذا قَدَّم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم هذا التعريفَ والإنذارَ، حتى إذا وقع شيءٌ من هذا من هذه الأمَّةِ بودِرَ إلى إنكارِه وعلاجِه، ولم يتساهَلْ معهم في شَيءٍ من ذلك؛ لأنَّهم يقولون إنَّهم مسلمونَ.
اللُّحوقُ بالمشِركينَ: من اعتَقَد مِثلَ عقيدتِهم، أو فَعَل مِثلَ أفعالِهم، أو قال مِثلَ أقوالِهم؛ فقد لحِقَ بهم، وقد يكونُ اللُّحوقُ تامًّا مخرِجًا عن أصلِ الإسلامِ، وقد يكونُ دونَ ذلك. فأصلُ عقيدةِ الشِّرْكِ عند عَرَبِ الجاهليَّةِ أنَّهم يعلَمونَ أنَّ اللهَ هو خَلقَهم وهو يَرزُقُهم، وهو المالِكُ لجميعِ مخلوقاتِه، ولكِنَّهم كانوا يجعَلونَ توجُّهَهم وتقَرُّبَهم وتضَرُّعَهم لآلهتِهم، على اعتقادِ أنَّها هي تُقَرِّبُهم إلى اللهِ.
وفي النَّاسِ اليومَ طوائِفُ كثيرةٌ تتوَجَّهُ لبعضِ الأمواتِ وتتضَرَّعُ لهم، وتقِفُ أمامَ قُبورِهم بخُضوعٍ وخُشوعٍ تامَّينِ، وتُناديهم، على اعتقادِ أنَّهم يُقَرِّبونَها إلى اللهِ ويتوسَّطون لها إليه، ويزيدونَ أنَّهم يتصَرَّفون لها بقَضاءِ الحوائِجِ، وجَلْبِ الرَّغائِبِ، ودَفْعِ المصائِبِ.
ومن أعمالِ المُشرِكينَ في الجاهليَّةِ أنَّهم يسوقون الأنعامَ لطواغِيَتِهم، فيَنحَرونَها عندها طالِبينَ رِضاها ومَعُونَتَها.
وفي النَّاسِ اليومَ طوائِفُ كثيرةٌ تسوقُ الأنعامَ إلى الأضرحةِ والمقاماتِ تَنحَرُها عندها؛ إرضاءً لها، وطَلَبًا لمعونَتِها، أو جزاءً على تصَرُّفِها وما جَلَبَت لهم من نَفْعٍ أو دفَعَت من ضُرٍّ.
ومن أقوالِ المُشرِكينَ في الجاهِليَّةِ حَلِفُهم بطواغيتِهم تعظيمًا لها.
وفي النَّاسِ اليَومَ طوائِفُ كثيرةٌ يَحلِفونَ باللهِ فيَكذِبونَ ويَحلِفونَ بمن يُعَظِّمونَه من الأحياءِ أو الأمواتِ، فلا يُكَذِّبونَ.
فهذه الطَّوائِفُ الكثيرةُ كما قد لحِقَت بالمشركينَ، وصَدَقَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم في قَولِه: ((لا تقومُ السَّاعةُ حتى تَلحَقَ قبائِلُ مِن أُمَّتي بالمُشرِكينَ، وحتى يَعبُدوا الأوثانَ )) [60] أخرجه مُطَوَّلًا أبو داود (4252)، والترمذي (2219) واللفظُ له، وابن ماجه (3952) من حديث ثوبان رضي الله عنه. صححه الترمذي، وابنُ حِبَّان في ((صحيحه)) (7238)، والحاكِمُ على شرط الشيخين في ((المستدرك)) (8390). .
عبادةُ الأوثانِ: كانت عِبادةُ الأوثانِ في الجاهِليَّةِ بالخُضوعِ والتذَلُّلِ لها، ورجاءَ النَّفعِ وخَوفَ الضُّرِّ منها، فيَنذِرون لها النُّذورَ ويَنحَرونَ لها النَّحائِرَ يُلَطِّخونَها بالدِّماءِ ويتمَسَّحونَ لها.
وفي النَّاسِ اليَومَ طوائِفُ كثيرةٌ لها أشجارٌ ولها أحجارٌ تُسَمِّيها بأسماءٍ وتَذكُرُها بالتعظيمِ، وتذبَحُ عندها الذَّبائِحَ، وتوقِدُ عليها الشُّموعَ، وتُحرِقُ عندها البُخورَ، وتتمَسَّحُ بها وتتمَرَّغُ عليها، مِثلَ فِعلِ الجاهليَّةِ أو تزيدُ.
فصَدَقَ عليهم قَولُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم: «وحتى يَعبُدوا الأوثانَ».
هذا كُلُّه واقِعٌ في الأمَّةِ لا شَكَّ فيه، وكما كان مِن نُصْحِ نَبيِّها صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم أن أنذَرَها بوُقوعِه فيها قَبلَ وُقوعِه؛ فإنَّ مِن نُصْحِ عُلَمائِها لها أن يُعَرِّفوها به اليومَ بعد وُقوعِه، ويُصَوِّروه لها على صورتِه الشِّرْكيَّةِ الوَثَنيَّةِ التي يَنفِرُ منها المسلِمُ بطَبْعِه، ولو أنَّ الأُمَّةَ سَمِعَت صَيحاتِ الإنكارِ منِ كُلِّ ذي عِلمٍ لأقلَعَت عن ضَلالِها، ورجَعَت إلى رُشْدِها، فما أسعَدَ مَن نصَحَها من أهلِ العِلمِ وجاهَدَ لإنقاذِها! وما أشقى مَن غَشَّها وزادها رُسوخًا في ضَلالِها، وتمادِيًا في هَلاكِها!) [61] يُنظر: ((مجالس التذكير)) (ص: 93 - 95). .
وقال حُمُودٌ التُّويجريُّ: (قد ظَهَر مِصداقُ هذه الأحاديثِ؛ فخَرَج النَّاسُ مِن دينِ اللهِ أفواجًا، وعَظُمَت الفِتنةُ بالقُبورِ في مشارِقِ الأرضِ ومَغارِبِها، واتُّخِذَ كثيرٌ منها أوثانًا تُعبَدُ مِن دونِ اللهِ، وعَظُمَت الفتنةُ أيضًا بالاشتراكيَّةِ الشُّيوعيَّةِ، والحُكمِ بالقوانينِ الوَضعيَّةِ؛ فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعونَ) [62] يُنظر: ((إتحاف الجماعة)) (2/ 225). .

  • المَبحَثُ الأوَّلُ: بدايةُ وُقوعِ الشِّرْكِ في الرُّبوبيَّةِ في هذه الأمَّةِ.
  • المَبحَثُ الثَّاني: بدايةُ ظُهورِ شِرْكِ الرُّبوبيَّةِ بالأندادِ في هذه الأمَّةِ.
  • المَبحَثُ الثَّالِثُ: بدايةُ ظُهورِ الشِّرْكِ في الأُلوهيَّةِ في هذه الأُمَّةِ.
  • انظر أيضا: