الموسوعة العقدية

الفَرعُ الثَّاني: الأدِلَّةُ من السُّنَّةِ على قَتْلِ سابِّ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم

1- عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: أنَّ أعمى كانت له أمُّ ولدٍ تَشتِمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويَزجُرُها فلا تنزَجِرُ، قال: فلمَّا كانت ذاتَ ليلةٍ جعَلَت تقعُ في النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وتشتِمُه، فأخذ المِغْوَلَ فوضَعَه في بطنِها واتكأ عليها فقَتَلها، فوقع بين رِجْليها طفلٌ، فلطَّخت ما هناك بالدَّمِ، فلمَّا أصبح ذُكِرَ ذلك للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فجمع النَّاسَ فقال: أنشُدُ اللهَ رَجُلًا فعل ما فعل، لي عليه حقٌّ، إلَّا قام. قال: فقام الأعمى يتخطَّى النَّاسَ وهو يتزلزَلُ حتى قعد بين يَدَيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رَسولَ اللهِ أنا صاحِبُها، كانت تَشتِمُك وتَقَعُ فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجُرُها فلا تنزَجِرُ، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتينِ، وكانت بي رفيقةً، فلمَّا كان البارحةُ جعَلَت تَشتِمُك وتقَعُ فيك، فأخذتُ المِغْولَ فوضَعْتُه في بطنِها، واتَّكأتُ عليها حتى قتَلْتُها، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ألا اشهَدوا أنَّ دَمَها هَدرٌ)) [2325] أخرجه أبو داود (4361) واللَّفظُ له، والنسائي (4070). صَحَّحه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (4361)، وحسنه الوادعي في ((الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين)) (601)، وصَحَّح إسنادَه الحاكم في ((المستدرك)) (8044)، وقوَّاه شعيب الأرناؤوط في تخريج ((سنن أبي داود)) (4361)، وجَوَّده محمد بن عبد الهادي في ((تنقيح التحقيق)) (4/620). .
قال ابنُ تَيميَّةَ: (هذه المرأةُ إمَّا أن تكونَ كانت زوجَةً لهذا الرَّجُلِ أو مملوكةً له، وعلى التقديرين فلو لم يكُنْ قَتْلُهَا جائزًا لبيَّن النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم له أنَّ قَتْلَها كان مُحَرَّمًا، وأنَّ دَمَها كان معصومًا، ولأوْجَبَ عليه الكفَّارَةَ بقَتلِ المعصومِ، والدِّيَةَ إنْ لم تكُنْ مملوكةً له، فلمَّا قال: ((اشْهَدُوا أنَّ دَمَهَا هَدَرٌ)) -والهَدَرُ: الذي لا يُضمنُ بقَوَدٍ ولا ديَةٍ ولا كفَّارَةٍ-، عُلِمَ أنَّه كان مُباحًا، مع كونِها كانت ذِمِّيَّةً؛ فعُلِم أنَّ السبَّ أباح دَمَهَا، لا سيَّما والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إنَّما أهْدَرَ دَمَهَا عَقِبَ إخبارِه بأنَّها قُتِلَت لأجْلِ السبِّ، فعُلِمَ أنَّه الموجِبُ لذلك، والقِصَّةُ ظاهِرةُ الدَّلالةِ في ذلك) [2326] يُنظر: ((الصارم المسلول)) (2/144). .
وقال الصنعانيُّ: (الحديثُ دليلٌ على أنَّه يُقتَلُ مَن سَبَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ويُهدَرُ دَمُه؛ فإن كان مُسلِمًا كان سَبُّه له صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رِدَّةً، فيُقتَلُ. قال ابنُ بطَّال: من غيرِ استتابةٍ، ونَقَل ابنُ المنذِرِ عن الأوزاعيِّ واللَّيثِ أنَّه يُستتابُ. وإن كان من أهلِ العَهدِ فإنَّه يُقتَلُ إلَّا أن يُسلِمَ، ونقل ابنُ المنذِرِ عن اللَّيثِ والأوزاعيِّ والشَّافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ؛ أنَّه يُقتَلُ أيضًا من غيرِ استتابةٍ، وعن الحَنَفيَّةِ أنَّه يُعَزَّرُ المعاهَدُ) [2327] يُنظر: ((سبل السلام)) (3/266). .
وقال ابنُ عثيمين: (في هذا الحديثِ عِدَّةُ فوائِدَ: أولًا: أنَّ من سَبَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فدَمُه هَدَرٌ، وظاهِرُ هذا الحديثِ أنَّه لا يُستَتابُ؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يُبَيِّنْ أنَّه كان يجِبُ أن يَستتيبَها إلَّا أن يقال: إنَّ نَهْيَه إيَّاها وامتناعَها عن الانتهاءِ بمنزلةِ الاستتيابِ. وعلى كُلِّ حالٍ: فمن سَبَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أو رسولَه، فهو كافِرٌ مرتدٌّ لا إشكالَ فيه، ولكِنْ يبقى النَّظَرُ إذا تاب هل تُقبَلُ توبتُه أو لا؟ فالمشهورُ مِن المذهَبِ أنَّه لا تُقبَلُ توبةُ من سَبَّ اللهَ أو رسولَه؛ لأنَّ هذا كُفرٌ ليس بعده كُفرٌ، هذا أعظَمُ الكُفْرِ) [2328] يُنظر: ((فتح ذي الجلال والإكرام)) (5/323). .
2- عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن لِكَعبِ بنِ الأشرَفِ؟ فإنَّه قد آذى اللهَ ورَسولَه )). فقام مُحَمَّدُ بنُ مَسلَمةَ فقال: يا رَسولَ اللهِ؟ أتحِبُّ أن أقتُلَه؟ قال: ((نعم)). قال: فَأْذَنْ لي أن أقولَ شيئًا. قال: ((قل)). فأتاه مُحَمَّدُ بنُ مَسلَمةَ فقال: إنَّ هذا الرَّجُلَ قد سأَلَنا صَدَقةً، وإنَّه قد عَنَّانا، وإنِّي قد أتيتُك أستَسْلِفُك. قال: وأيضًا واللهِ لَتَمَلُّنَّه. قال: إنَّا قد اتَّبَعْناه فلا نحِبُّ أن نَدَعَه حتى ننظُرَ إلى أيِّ شَيءٍ يصيرُ شأنُه، وقد أرَدْنا أن تُسلِفَنا وَسْقًا أو وَسْقينِ -وحَدَّثَنا عَمرٌو غيرَ مرَّةٍ، فلم يذكُرْ: وَسْقًا أو وسقينِ، فقُلتُ له: فيه وسقًا أو وسقينِ؟ فقال: أرى فيه وَسْقًا أو وَسْقينِ- فقال: نعَمْ ارْهَنُوني. قالوا: أيَّ شَيءٍ تريدُ؟ قال: ارْهَنوني نساءَكم. قالوا: كيف نَرْهَنُك نساءَنا وأنت أجملُ العرَبِ؟ قال: فارْهَنُوني أبناءَكم. قالوا: كيف نَرْهَنُك أبناءنا فيُسَبُّ أحَدُهم، فيُقالُ: رُهِنَ بوَسقٍ أو وَسْقينِ هذا عارٌ علينا، ولكِنَّا نَرْهَنُك اللَّأْمَة - قال سفيانُ: يعني السِّلاحَ- فواعده أن يأتيَه، فجاءه ليلًا ومعه أبو نائِلةَ، وهو أخو كَعبٍ من الرَّضاعةِ، فدعاهم إلى الحِصْنِ، فنزل إليهم، فقالت له امرأتُه: أين تخرجُ هذه السَّاعةَ؟ فقال: إنَّما هو مُحَمَّدُ بنُ مَسلَمةَ، وأخي أبو نائلةَ -وقال غيرُ عمرٍو: قالت: أسمعُ صوتًا كأنَّه يقطُرُ منه الدَّمُ. قال: إنَّما هو أخي مُحَمَّدُ بن مَسلَمةَ ورَضيعي أبو نائلةَ- إنَّ الكريمَ لو دُعِيَ إلى طعنةٍ بليلٍ لأجابَ! قال: ويدخل مُحَمَّدُ بن مَسلَمةَ معه رجلان -قيل لسفيان: سمَّاهم عمرٌو؟ قال: سمَّى بَعْضَهم. قال عمرٌو: جاء معه برجلين. وقال غيرُ عمرٍو: أبو عبسِ بنُ جَبرٍ، والحارِثُ بنُ أَوْسِ، وعَبَّادُ بنُ بِشرٍ. قال عمرٌو: جاء معه برجلين- فقال: إذا ما جاء فإنِّي قائلٌ بشَعْرِه فأشَمُّه، فإذا رأيتُموني استَمْكَنْتُ من رأسِه فدُونَكم فاضْرِبوه. وقال مَرَّةً: ثمَّ أشَمكم. فَنَزل إليهم مُتَوَشِّحًا وهو ينفَحُ منه ريحُ الطِّيبِ، فقال: ما رأيتُ كاليومِ ريحًا -أي: أطيبَ- وقال غيرُ عمرٍو: قال: عندي أعطَرُ نساءِ العَرَبِ وأكمَلُ العَرَبِ. قال عمرٌو: فقال: أتأذَنْ لي أن أَشَمَّ رأسَك؟ قال: نعم، فشمَهَّ، ثم أشَمَّ أصحابَه، ثم قال: أتأذَنُ لي؟ قال: نعم. فلمَّا استمكن منه قال: دونَكم، فقتلوه، ثمَّ أتوا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأخبَرُوه)) [2329] أخرجه البخاري (4037) واللَّفظُ له، ومسلم (1801). .
قال أبو العبَّاسِ القُرطبي: (كَعْبٌ هذا رجُلٌ من بني نبهانَ مِن طَيِّئٍ، وأمُّه من بني النضيرِ، وكان شاعِرًا، وكان قد عاهده النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ألَّا يُعِينَ عليه، ولا يتعَرَّضَ لأذاه، ولا لأذى المُسلِمين، فنَقَض العَهْدَ، وانطلق إلى مكَّةَ إثْرَ وَقعِة بَدرٍ، فجعل يبكي من قُتِل من الكُفَّار، ويحَرِّض على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو الذي أغرى قريشًا وغيرَهم حتى اجتمعوا لغزوةِ أحُدٍ، ثم إنَّه رجع إلى بلَدِه، فجعل يهجو رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ويؤذيه والمُسلِمين، فحينئذ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن لكَعْبِ بنِ الأشرَفِ؛ فإنَّه قد آذى اللهَ ورَسولَه))، فأغرى بقَتْلِه، ونَبَّه على عِلَّةِ ذلك، وأنَّه مُستحِقٌّ للقَتْلِ) [2330] يُنظر: ((المفهم)) (3/659). .
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (الاستِدلالُ بقَتْلِ كَعبِ بن الأشرفِ مِن وجهينِ: أحدهما: أنَّه كان مُعاهَدًا مُهادَنًا، وهذا لا خِلافَ فيه بين أهلِ العِلْم بالمغازي والسِّيَرِ، وهو عندهم من العِلْمِ العامِّ الذي يُستغنى فيه عن نقل الخاصَّةِ، ومما لا ريبَ فيه عندَ أهلِ العِلْمِ ما قَدَّمْناه من أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عاهد لَمَّا قدم المدينةَ جميعَ أصنافِ اليهودِ؛ بني قَينُقاع، والنَّضير، وقُرَيظة، ثم نَقَضَت بنو قَينُقاع عَهْدَه فحاربهم، ثمَّ نقَضَ عَهْدَه كَعبُ بنُ الأشرف، ثم نقض عَهْدَه بنو النَّضيرِ، ثمَّ بنو قُرَيظة، وكان ابنُ الأشرفِ من بني النضيرِ، وأمرُهم ظاهِرٌ في أنَّهم كانوا مصالحينَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإنَّما نقضوا العهدَ لَمَّا خرج إليهم يستعينُهم في ديَةِ الرَّجُلَينِ اللَّذَينِ قتَلَهما عُمَرُ بنُ أُمَيَّة الضمريُّ، وكان ذلك بعد مقتل كَعبِ بنِ الأشرَفِ، وقد ذكَرْنا الرِّوايةَ الخاصَّةَ أنَّ كَعبَ بنَ الأشرفِ كان معاهِدًا للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثمَّ إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جعله ناقِضًا للعهدِ بهِجائِه وأذاه بلِسانِه خاصَّةً، والدَّليلُ على أنَّه إنَّما نقض العهدَ بذلك أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: من لكَعْبِ بنِ الأشرَفِ؛ فإنَّه قد آذى اللهَ ورسولَه؟ فعَلَّل نَدْبَ النَّاسِ له بأذاه... وأيضًا فإنَّه جعل مُطلَقَ أذى اللهِ ورَسولِه مُوجِبًا لقَتلِ رجُلٍ مُعاهَدٍ، ومعلومٌ أنَّ سَبَّ اللهِ وسَبَّ رسولِه أذًى للهِ ولرَسولِه، وإذا رُتِّب الوَصفُ على الحُكْمِ بحَرفِ الفاءِ دَلَّ على أنَّ ذلك الوَصفَ عِلَّةٌ لذلك الحُكْمِ، لا سيَّما إذا كان مناسِبًا، وذلك يدُلُّ على أنَّ أذى اللهِ ورَسولِه عِلَّةٌ لِنَدبِ المُسلِمين إلى قَتلِ من يَفعَلُ ذلك من المعاهَدينَ، وهذا دليلٌ ظاهِرٌ على انتقاضِ عَهْدِه بأذى اللهِ ورَسولِه والسَّبُّ مِن أذى اللهِ ورَسولِه باتِّفاقِ المُسلِمينَ، بل هو أخصُّ أنواعِ الأذى، وأيضًا فقد قَدَّمْنا في حديثِ جابرٍ أنَّ أوَّلَ ما نَقَض به العَهْدَ قصيدتُه التي أنشأها بعد رُجوعِه إلى المدينةِ يهجو بها رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عندما هجاه بهذه القصيدةِ نَدَب إلى قَتْلِه، وهذا وَحْدَه دليلٌ على أنَّه إنَّما نَقَض العهدَ بالهِجاءِ لا بذَهابِه إلى مكَّةَ) [2331] يُنظر: ((الصارم المسلول)) (2/ 152). .
3- عن أبي بَرْزَةَ قال: أغلَظَ رجُلٌ لأبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، فقُلتُ: أقتُلُه؟ فانتَهَرني وقال: ليس هذا لأحدٍ بعد رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [2332] أخرجه النسائي (4071) واللَّفظُ له، وأحمد (54). صَحَّحه الألباني في ((صحيح سنن النسائي)) (4071)، وصَحَّح إسنادَه أحمد شاكر في تخريج ((مسند أحمد)) (1/44)، وشعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (54) .
وعن أبي بَرْزةَ قال: كنتُ عند أبي بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه فتغيَّظَ على رجُلٍ فاشتَدَّ عليه، فقُلتُ: تأذَنُ لي يا خليفةَ رَسولِ اللهِ أضرِبُ عُنُقَه، قال: فأذهَبَتْ كَلِمتي غَضَبَه، فقام فدخل، فأرسل إليَّ فقال: ما الذي قُلْتَ آنفًا؟ قُلتُ: ائْذَنْ لي أضْرِبْ عُنُقَه، قال: أكنتَ فاعِلًا لو أمَرْتُك؟ قُلتُ: نعم، قال: لا، واللهِ ما كانت لبشَرٍ بعد رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [2333] أخرجه من طريق آخر أبو داود (4363) واللفظ له، والنسائي (4077)، وأحمد (61) صححه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (4363)، وصحح إسناده ابن تيمية في ((الصارم المسلول)) (2/192)، وأحمد شاكر في تخريج ((مسند أحمد)) (1/47)، وقواه شعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (61)، وقال النسائي: هذا الحديث أحسن الأحاديث وأجودها، وقال البزار في ((البحر الزخار)) (1/115): روي من وجوه، وهذا أحسن إسناد يروى. .
 قال السُّبْكيُّ: (هذا الكلامُ من أبي بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه يدُلُّ على أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم له أن يَقتُلَ من تَغَيَّظَ عليه، بخلافِ غَيرِه مِنَ البَشَرِ، ولا شَكَّ أنَّ سَبَّه يَغيظُه) [2334] يُنظر: ((السيف المسلول على من سب الرسول)) (ص: 123). .
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (قد استَدَلَّ به على جوازِ قَتْلِ سابِّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جماعاتٌ من العُلَماءِ؛ منهم: أبو داودَ، وإسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، وأبو بكر عبدُ العزيزِ، والقاضي أبو يعلى، وغيرُهم من العُلَماءِ، وذلك لأنَّ أبا برزةَ لَمَّا رأى الرَّجُلَ قد شتم أبا بكرٍ وأغلظ له حتى تغَيَّظَ أبو بكرٍ، استأذنه في أن يقتُلَه بذلك، وأخبره أنَّه لو أمره لقَتَلَه، فقال أبو بكرٍ: ليس هذا لأحدٍ بعد النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فعُلِمَ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان له أن يَقتُلَ من سَبَّه ومن أغلظ له، وأنَّ له أن يأمُرَ بقتلِ من لا يَعلَمُ النَّاسُ منه سببًا يُبيحُ دَمَه، وعلى النَّاسِ أن يطيعوه في ذلك؛ لأنَّه لا يأمُرُ إلَّا بما أمر اللهُ به، ولا يأمُرُ بمعصيةِ اللهِ قَطُّ، بل من أطاعه فقد أطاع اللهَ. فقد تضَمَّنَ الحديثُ خَصيصَتَينِ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:
 إحداهما: أنَّه يُطاعُ في كُلِّ مَن أمَرَ بقَتْلِه.
 والثَّانيةُ: أنَّ له أن يَقتُلَ من شَتَمَه وأغلظ له.
 وهذا المعنى الثَّاني الذي كان له، باقٍ في حَقِّه بعد موتِه، فكُلُّ من شتَمَه أو أغلَظَ في حَقِّه كان قَتْلُه جائزًا، بل ذلك بعد موتِه أوكَدُ وأوكَدُ؛ لأنَّ حُرمَتَه بعد موتِه أكمَلُ، والتَّساهُلَ في عِرْضِه بعد موتِه غيرُ ممكِنٍ. وهذا الحديثُ يفيدُ أنَّ سَبَّه في الجملةِ يُبيحُ القَتْلَ، ويُستدَلُّ بعُمومِه على قَتْلِ الكافِرِ والمسلِمِ) [2335] يُنظر: ((الصارم المسلول)) (2/193). .
4- عن سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: لَمَّا كان يومُ فتحِ مكَّةَ اختبأ عبدُ اللهِ بنُ سعدِ بنِ أبي سَرحٍ عند عُثمانَ بنِ عَفَّانَ، فجاء به حتى أوقفه على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رسولَ اللهِ، بَايِعْ عبدَ اللهِ، فرفع رأْسَه، فنظر إليه، ثلاثًا، كلُّ ذلك يأبى، فبايَعَه بعد ثلاثٍ، ثمَّ أقبل على أصحابِه فقال: ((أمَا كان فيكم رَجُلٌ رَشِيدٌ يقومُ إلى هذا حيثُ رآني كَفَفَتُ يَدِي عن بَيْعَتِه، فيَقْتُلُه؟ !)) فقالوا: ما ندري يا رسولَ اللهِ ما في نَفْسِك، ألا أوْمَأْتَ إلينا بعَيْنِك؟ قال: ((إنَّه لا يَنْبَغِي لنبيٍّ أن تكونَ له خائنةُ الأَعْيُنِ )) [2336] أخرجه أبو داود (4359) واللَّفظُ له، والنسائي (4067) مطولًا. صَحَّحه الحاكم في ((المستدرك)) (4360) وقال: على شرط مسلم، وابن الملقن في ((البدر المنير)) (7/450)، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (4359)، وصَحَّح إسنادَه ابن تيمية في ((الصارم المسلول)) (2/219)، وحَسَّنه شعيب الأرناؤوط في تخريج ((سنن أبي داود)) (4359). .
قال ابنُ تَيميَّةَ عن قِصَّةِ ابنِ أبي سَرحٍ: (هي مِمَّا اتَّفَق عليها أهلُ العِلمِ، واستفاضت عندهم استفاضةً يُستغنى عن روايةِ الآحادِ، وذلك أثبتُ وأقوى مِمَّا أخرجه الواحِدُ العَدْلُ) [2337] يُنظر: ((الصارم المسلول)) (2/219). .
وقال أيضًا: (فوَجهُ الدَّلالةِ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ سعدِ بنِ أبي سرحٍ افترى على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه كان يُتَمِّمُ له الوَحْيَ ويَكتُبُ له ما يريدُ، فيوافِقُه عليه، وأنَّه يُصَرِّفُه حيث شاء ويُغَيِّرُ ما أمره به من الوَحيِ، فيُقِرُّه على ذلك! وزعم أنَّه سيُنزِلُ مِثلَ ما أنزل اللهُ؛ إذ كان قد أُوحيَ إليه في زَعْمِه، كما أُوحِيَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهذا الطَّعنُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعلى كِتابه، والافتراءُ عليه بما يوجِبُ الرَّيبَ في نُبُوَّتهِ: قَدْرٌ زائِدٌ على مجرَّدِ الكُفْرِ به والرِّدَّةِ في الدِّينِ، وهو من أنواعِ السَّبِّ، وكذلك لَمَّا افترى عليه كاتِبٌ آخَرُ مِثلَ هذه الفِريةِ، قَصَمَه اللهُ وعاقبه عقوبةً خارجةً عن العادةِ؛ ليتبيَّنَ لكُلِّ أحدٍ افتراؤُه؛ إذ كان مِثلُ هذا يوجِبُ في القلوبِ المريضةِ رَيبًا بأن يقولَ القائِلُ: كاتِبُه أعلَمُ النَّاسِ بباطِنِه وبحقيقةِ أمرِه، وقد أخبر عنه بما أخبَرَ، فمِن نَصْرِ اللهِ لِرَسولِه أن أظهَرَ فيه آيةً يُبَيِّنُ بها أنَّه مُفتَرٍ؛ فروى البخاريُّ في صحيحِه عن عبدِ العزيزِ بن ِصُهَيبٍ عن أنسٍ قال: كان رجلٌ نصرانيًّا فأسلم وقرأ البَقَرةَ وآلَ عِمرانَ، وكان يكتُبُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فعاد نصرانيًّا، فكان يقولُ: لا يدري مُحَمَّدٌ إلَّا ما كَتَبْتُ له، فأماته اللهُ، فدَفَنوه، فأصبح وقد لَفَظَته الأرضُ، فقالوا: هذا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وأصحابِه نَبَشوا عن صاحِبِنا فألقَوْه، فحَفَروا له وأعمَقوا في الأرضِ ما استطاعوا، فأصبح وقد لفَظَتْه الأرضُ، فعَلِموا أنَّه ليس من النَّاسِ، فأَلْقَوه) [2338] أخرجه البخاري (3617) واللَّفظُ له، ومسلم (2781). .
فهذا الملعونُ الذي افترى على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه ما كان يدري إلَّا ما كَتَبَ له، قَصَمَه اللهُ وفَضَحَه بأن أخرجه من القَبرِ بعد أن دُفِنَ مرارًا، وهذا أمرٌ خارجٌ عن العادةِ يدُلُّ كُلَّ أحدٍ على أنَّ هذا كان عقوبةً لِما قالَه، وأنَّه كان كاذِبًا؛ إذ كان عامَّةُ الموتى لا يصيبُهم مِثلُ هذا، وأنَّ هذا الجُرمَ أعظَمُ مِن مجَرَّدِ الارتدادِ؛ إذ كان عامَّةُ المرتَدِّين يموتون ولا يصيبُهم مِثلُ هذا، وأنَّ اللهَ مُنتَقِمٌ لِرَسولِه ممَّن طعن عليه وسَبَّه، ومُظهِرٌ لدينِه، ولِكَذِبِ الكاذِبِ؛ إذ لم يمكِنِ النَّاسَ أن يقيموا عليه الحَدَّ) [2339] يُنظر: ((الصارم المسلول)) (2/230). .
 وقال السُّبكيُّ: (انظُرْ عنايةَ اللهِ بإظهارِ كَذِبِ من افترى على نَبيِّه، وعَدَمِ قَبولِ الأرضِ له، حتى يظهَرَ للنَّاسِ أمْرُه، وإلَّا فكثيرٌ مِن المرتَدِّين ماتوا ولم تلفِظْهم الأرضُ، ولكِنَّ اللهَ أراد أن يفضَحَ هذا الملعونَ ويُبَيِّنَ كَذِبَه للنَّاسِ) [2340] يُنظر: ((السيف المسلول على من سب الرسول)) (ص: 144). .
5- عن أنسٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دخل مكَّةَ عام الفَتحِ، وعلى رأسِه المِغْفَرُ، فلَمَّا نزعه جاءه رجلٌ فقال: ابنُ خَطلٍ متعَلِّقٌ بأستارِ الكَعبةِ، فقال: ((اقتُلُوه)) [2341] أخرجه البخاري (4286)، ومسلم (1357) واللَّفظُ له. .
قال ابنُ تَيميَّةَ: (هذا مِمَّا استفاض نَقْلُه بين أهلِ العِلْمِ واتَّفَقوا عليه: أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أهدَرَ دَمَ ابنِ خَطلٍ يومَ الفَتحِ فيمن أهدَرَه، وأنَّه قُتِل... فمَن احتَجَّ بقِصَّتِه يقولُ: لم يُقتَلْ لقَتلِ النَّفسِ؛ لأنَّ أكثَرَ ما يجِبُ على من قُتِل ثم ارتَدَّ أن يُقتَلَ قَوَدًا، والمقتولُ مِن خُزاعةَ له أولياءُ، فكان حُكْمُه لو قُتِلَ قَوَدًا أن يُسَلَّمَ إلى أولياءِ المقتولِ؛ فإمَّا أن يَقتُلوا أو يَعْفُوا أو يأخُذوا الدِّيَةَ، ولم يُقتَلْ لمجَرَّدِ الرِّدَّةِ؛ لأنَّ المرتَدَّ يُستَتابُ، وإذا اسْتَنْظَرَ أُنْظِرَ، وهذا ابنُ خَطلٍ قد فرَّ إلى البيتِ عائذًا به، طالبًا للأمانِ، تاركًا للقِتالِ، ملقيًا للسِّلاحِ، حتى يُنْظَر في أمْرِه، وقد أمر النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعد عِلْمِه بذلك كُلِّه أن يُقتَلَ، وليس هذا سُنَّةَ مَن يُقتَلُ لمجَرَّدِ الرِّدَّةِ؛ فثبت أنَّ هذا التغليظَ في قَتْلِه إنَّما كان لأجْلِ السَّبِّ والهِجاءِ، وأنَّ السَّابَّ وإن ارتَدَّ، فليس بمنزلةِ المرتَدِّ المحْضِ يُقتَلُ قبل الاستتابةِ، ولا يؤخَّرُ قَتْلُه، وذلك دليلٌ على جوازِ قَتْلِه بعد التَّوبةِ) [2342] يُنظر: ((الصارم المسلول)) (2/264). ويُنظر: ((السيف المسلول على من سب الرسول)) للسبكي (ص: 353). .

انظر أيضا: