الموسوعة العقدية

الفَرعُ الثَّالثُ: الطَّوافُ

المرادُ بالطَّوافِ الذي يكونُ شِرْكًا: الطَّوافُ بغيرِ الكَعبةِ مع قَصْدِ التقَرُّبِ لغيرِ اللهِ تعالى، كالطَّوافِ بالقُبورِ والمشاهِدِ ونَحوِها، فالطَّوافُ عِبادةٌ؛ لقَولِه تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: 29] ، وصَرْفُ العبادةِ أو شَيءٍ منها لغيرِ اللهِ شِركٌ، وأمَّا لو طاف بتلك القبورِ بقَصْدِ التقَرُّبِ إلى الله تعالى فهذا مُحَرَّم، وبِدْعةٌ مُنكَرةٌ، ووسيلةٌ لعبادةِ تلك القُبورِ.
قال ابنُ تَيميَّةَ: (أمَّا الرَّجُلُ الذي طلب من والدِه الحَجَّ، فأمَرَه أن يطوفَ بنَفْسِ الأبِ، فقال: طُفْ ببَيتٍ ما فارقَه اللهُ طَرْفةَ عَينٍ قَطُّ، فهذا كفرٌ بإجماعِ المُسلِمين، فإنَّ الطوافَ بالبَيتِ العتيقِ ممَّا أمر اللهُ به ورسولُه، وأمَّا الطوافُ بالأنبياءِ والصَّالحين فحرامٌ بإجماعِ المُسلِمين، ومن اعتقد ذلك دينًا فهو كافِرٌ، سواءٌ طاف ببَدَنِه أو بقَبْرِه) [1896] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (2/308). .
وقال أيضًا: (ليس في الأرضِ مكانٌ يُطافُ به كما يُطافُ بالكَعبةِ، ومن اعتقد أنَّ الطَّوافَ بغيرِها مشروعٌ فهو شَرٌّ ممَّن يعتَقِدُ جوازَ الصَّلاةِ إلى غيرِ الكعبةِ،… فمن اتخذ الصَّخرةَ اليومَ قِبلةً يصَلِّي إليها، فهو كافِرٌ مُرتَدٌّ يُستتابُ، فإن تاب وإلَّا قُتِلَ، مع أنَّها كانت قبلةً لكِنْ نُسِخَ ذلك، فكيف بمن يتَّخِذُها مكانًا يُطافُ به كما يُطافُ بالكعبةِ؟ والطَّوافُ بغيرِ الكعبةِ لم يَشْرَعْه اللهُ بحالٍ) [1897] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (27/10). .
وقال ابنُ باز: (أخبَرَنا سُبحانَه في موضِعٍ مِن كتابه أنَّه خَلَق الثَّقَلينِ لعبادتِه، فقال عَزَّ وجَلَّ: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، وهذه العبادةُ التي خَلَق اللهُ الثَّقَلين من أجْلِها هي توحيدُه بأنواعِ العبادةِ؛ مِن الصَّلاةِ والصَّومِ، والزكاةِ والحَجِّ، والسُّجودِ والطَّوافِ، والذَّبحِ والنَّذرِ، والخَوفِ والرَّجاءِ، والاستغاثةِ والاستعانةِ والاستعاذةِ، وسائِرِ أنواعِ الدُّعاءِ) [1898] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن باز)) (1/67). .
وقال ابنُ باز أيضًا: (لا يجوزُ الطَّوافُ بقُبورِ الأولياءِ ولا غَيرِهم؛ لأنَّ الطَّوافَ يختَصُّ بالكعبةِ المشَرَّفةِ، ولا يجوزُ الطَّوافُ بغيرِها، ومن طاف بالقُبورِ يتقَرُّبُ إلى أهلِها بذلك فقد أشرك، كما لو صلَّى لهم أو استغاث بهم أو ذبح لهم؛ لقَولِ الله عَزَّ وجَلَّ: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: 162، 163]) [1899] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن باز)) (6/326). .
وقال ابنُ عثيمين: (الطَّوافُ بالبَيتِ عِبادةٌ من أجلِّ العباداتِ، وهو ركنٌ في الحَجِّ، والحَجُّ أحَدُ أركانِ الإسلامِ؛ ولهذا يجِدُ الطَّائِفُ بالبيتِ -إذا كان المطافُ هادِئًا- من لذةِ الطَّوافِ وشُعورِ قَلْبِه بالقُربِ مِن رَبِّه ما يتبيَّنُ به عُلُوَّ شأنِه وفَضْلَه، واللهُ المستعانُ) [1900] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن عثيمين)) (2/319). .
وإذا تقَرَّر حُكمُ هذه الأعمالِ، فيُمكِنُ إيجازُ أوجُهِ كَونِ هذه الأعمالِ كُفرًا بما يلي:
1- أنَّ هذه الأعمالَ شِركٌ يناقِضُ توحيدَ العبادةِ، فإذا كان الذَّبحُ والنَّذرُ، وكذا السُّجودُ والركوعُ والطَّوافُ، عِباداتٍ لا يجوزُ صَرْفُها إلَّا للهِ تعالى وَحْدَه، فمن أثبت لغيرِ الله تعالى ما لا يكونُ إلَّا للهِ، فهو كافِرٌ [1901] يُنظر: ((الرد على البكري)) لابن تيمية (1/ 420). ؛ لأنَّ الشِّركَ الأكبَرَ هو صَرْفُ نَوعٍ أو فَردٍ مِن العبادةِ لغيرِ اللهِ تعالى، والعبادةُ الشَّرعيَّةُ تتضَمَّنُ غايةَ الذُّلِّ لله تعالى، مع غايةِ المَحبَّةِ له [1902] يُنظر: ((الإمام في بيان أدلة الأحكام)) لابن عبد السلام (ص: 168)، ((العبودية)) لابن تيمية (ص: 48)، ((معارج القبول)) لحافظ الحكمي (2/437). .
قال ابنُ تَيميَّةَ: (فالإلهُ هو الذي يألَهُه القَلْبُ بكَمالِ الحُبِّ والتعظيمِ، والإجلالِ والإكرامِ، والخَوْفِ والرَّجاءِ ونحوِ ذلك) [1903] يُنظر: ((العبودية)) (ص: 53). .
ومن المعلومِ أنَّ الذَّبحَ والنَّذرَ والسُّجودَ والرُّكوعَ والطَّوافَ ونحوَها عباداتٌ تجمَعُ بين الخُضوعِ والخَوفِ والإجلالِ، والرَّجاءِ والمَحبَّةِ والقُرْبِ، فإذا صُرِفَت هذه العباداتُ لله وَحْدَه، فهذا إيمانٌ وتوحيدٌ، وإذا صُرِفَت لغيرِه، فهذا كُفرٌ وتنديدٌ، وقد غَلِط مُرجِئةُ المتكَلِّمين ومن تَبِعَهم عندما زَعَموا أنَّ شِرْكَ التقَرُّب والنُّسُكِ ليس شِركًا بإطلاقٍ، ما لم يتضَمَّنْ عِندَهم الشِّركَ في التَّوحيدِ العِلميِّ الخَبَريِّ؛ لأنَّهم حَصَروا التَّوحيدَ في الرُّبوبيَّةِ والأسماءِ والصِّفاتِ، ومِن ثَمَّ فالشِّركُ عندهم هو الشِّركُ في هذا التَّوحيدِ [1904] يُنظر: ((ضوابط التكفير)) للقرني (ص: 129 -136). .
2- أنَّ من قصد بتلك العباداتِ غيرَ الله تعالى، وصَرَفَها لغيرِه سُبحانَه؛ فقد شَبَّه المخلوقَ الضَّعيفَ العاجِزَ بالخالِقِ القَويِّ القادِرِ.
قال ابنُ القَيِّمِ: (ومن خصائِصِ الإلهيَّةِ: العبوديَّةُ التي قامت على ساقَينِ لا قِوامَ لها بدُونِهما: غايةُ الحُبِّ، مع غايةِ الذُّلِّ، هذا تمامُ العُبوديَّة، وتفاوُتُ منازِلِ الخَلْقِ فيها بحَسَبِ تفاوُتِهم في هذينِ الأصلَينِ، فمن أعطى حُبَّه وذُلَّه وخُضوعَه لغيرِ اللهِ، فقد شَبَّهه به في خالِصِ حَقِّه، وهذا من المُحالِ أن تجيءَ به شريعةٌ من الشَّرائِعِ،… فمن خصائِصِ الإلهيَّةِ السُّجودُ، فمن سجد لغيرِه فقد شَبَّه المخلوقَ به، ومنها التَّوكُلُ فمن توكَّل على غيرِه فقد شَبَّهه به، ومنها التَّوبةُ، فمن تاب لغيرِه فقد شَبَّهه به) [1905] يُنظر: ((الجواب الكافي)) (ص: 136). .
وقال أيضًا: (ومن أسبابِ عِبادةِ الأصنامِ: الغُلُوُّ في المخلوقِ، وإعطاؤُه فوقَ مَنزِلتِه، حتى جُعِلَ فيه حَظٌّ من الإلهيَّةِ، وشَبَّهوه بالله سُبحانَه وتعالى، وهذا هو التشبيهُ الواقِعُ في الأُمَمِ، والذي أبطله اللهُ سُبحانَه، وبَعَث رُسُلَه وأنزل كُتُبَه بإنكارِه والرَّدِّ على أهلِه... أهلُ الشِّركِ غَلَوا فيمن يعَظِّمونه ويُحِبُّونه، حتى شَبَّهوه بالخالِقِ، وأعطَوه خصائِصَ الإلهيَّةِ، بل صَرَّحوا أنَّه إلهٌ، وأنكروا جَعْلَ الآلهةِ إلهًا واحدًا، وقالوا: اصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [ص: 6]، وصَرَّحوا بأنَّه إلهٌ معبودٌ يُرجى ويُخافُ، ويُعَظَّمُ ويُسجَدُ له، ويُحلَفُ باسمِه وتُقَرَّبُ له القرابينُ، إلى غيرِ ذلك من خصائِصِ العبادةِ التي لا تنبغي إلَّا للهِ تعالى، فكُلُّ مُشْرِكٍ فهو مُشَبِّهٌ إلهَه ومعبودَه باللهِ سُبحانَه، وإنْ لم يُشَبِّهْه به من كُلِّ وَجهٍ) [1906] يُنظر: ((إغاثة اللهفان)) (2/ 978). .
وقال ابنُ القَيِّمِ أيضًا: (قَولُه سُبحانَه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [فصلت: 11] إنَّما قَصَد به نَفْيَ أن يكونَ معه شريكٌ، أو معبودٌ يَستحِقُّ العبادةَ والتعظيمَ، كما يفعَلُه المشَبِّهون والمُشْرِكون ... وهذا التشبيهُ الذي أبطله اللهُ سُبحانَه نفيًا ونهيًا هو أصلُ شِركِ العالَمِ، وعبادةِ الأصنامِ ... فإنَّ المشَبِّهةَ هم الذين يُشَبِّهون المخلوقَ بالخالِقِ في العبادةِ والتعظيمِ والخُضوعِ، والحَلِفِ به والنَّذرِ له، والسُّجودِ له والعُكوفِ عند بيتِه، وحَلْقِ الرَّأسِ له، والاستغاثةِ به) [1907] يُنظر: ((إغاثة اللهفان)) (2/ 986). .
وممَّا قاله المقريزيُّ في شأنِ هذا التشبيهِ: (إنَّ المُشْرِكَ شَبَّه المخلوقَ بالخالِقِ في خصائِصِ الإلهيَّةِ، وهي التفَرُّدُ بمِلْكِ الضُّرِّ والنَّفعِ، والعَطاءِ والمنعِ، فمن عَلَّق ذلك بمخلوقٍ فقد شَبَّهه بالخالِقِ تعالى. وسوَّى بين الترابِ وربِ الأربابِ، فأيُّ فُجورٍ وذَنبٍ أعظَمُ من هذا؟! واعلَمْ أنَّ من خصائِصِ الإلِهيَّةِ الكَمالَ المُطلَقَ من جميعِ الوُجوهِ الذي لا نَقْصَ فيه بوَجهٍ مِن الوُجوهِ، وذلك يُوجِبُ أن تكونَ العبادةُ له وَحْدَه عَقلًا وشَرْعًا وفِطرةً، فمن جَعَل ذلك لغَيرِه فقد شَبَّه الغيرَ بمن لا شَبيهَ له، ولشِدَّةِ قُبحِه وتضَمُّنِه غايةَ الظُّلمِ أخبَرَ مَن كَتَب على نَفْسِه الرَّحمةَ أنَّه لا يَغفِرُه أبدًا، … ومن خصائِصِ الإلِهيَّةِ السُّجودُ، فمن سَجَد لغيرِه فقد شَبَّهه به، ... ومنها الذَّبحُ له، فمن ذبح لغيرِه قد شَبَّهه به، ومنها حَلْقُ الرَّأسِ، إلى غيرِ ذلك) [1908] يُنظر: ((تجريد التوحيد)) (ص 27)، وكلام المقريزي هاهنا يكادُ يطابِقُ كلامَ ابنِ القيِّمِ في ((الجواب الكافي)) (ص: 136). .
وقال وليُّ اللهِ الدهلوي عن هذا التَّشبيهِ: (حقيقةُ الشِّركِ أن يعتَقِدَ إنسانٌ في بعضِ المعَظَّمين من النَّاسِ أنَّ الآثارَ العجيبةَ الصَّادرةَ منه إنَّما صدرت لكونِه مُتَّصِفًا بصفةٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ مِمَّا لم يُعهَدْ في جنسِ الإنسانِ، بل يختصُّ بالرَّبِّ جَلَّ مَجْدُه، لا يوجَدُ في غَيرِه إلَّا أن يخلَعَ هو خِلعةَ الأُلوهيَّةِ على غيرِه، ... فيتذَلَّلُ عنده أقصى التذَلُّلِ، ويتعامَلُ معه معامَلةَ العبادِ مع اللهِ تعالى) [1909] يُنظر: ((حجة الله البالغة)) (1/ 119). .
إضافةً إلى ذلك فإنَّ هذا التشبيهَ مِن أظلَمِ الظُّلمِ وأشنَعِه.
قال إسماعيل الدهلوي: (قال اللهُ تعالى: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] وقد هَدَت لُقمانَ الحِكمةُ العميقةُ التي أكرَمَه اللهُ وخَصَّه بها إلى أنَّ أفحَشَ الظُّلمِ أن يجودَ الإنسانُ على أحَدٍ بحَقِّ غَيرِه؛ فمن أعطى حَقَّ اللهِ لأحَدِ خَلْقِه، فقد عمَد إلى حقِّ أكبرِ كبيرٍ، فأعطاه أذَلَّ ذليلٍ، وكان كرَجُلٍ وَضَع تاجَ المَلِكِ على مَفرِقِ إسكافٍ، وأيُّ جَورٍ أكبَرُ من هذا الجَورِ؟! وأيُّ ظُلمٍ أفحَشُ مِن هذا الظُّلمِ؟!) [1910] يُنظر: ((رسالة التوحيد)) (ص: 89). .
3- أجمع العُلَماءُ على أنَّ من صَرَف عبادةً لغيرِ اللهِ تعالى، فهو كافِرٌ.
قال ابنُ تَيميَّةَ: (فمَن جَعَل الملائكةَ والأنبياءَ وسائِطَ يدعوهم، ويتوكَّلُ عليهم، ويسألُهم جَلْبَ المنافِعِ، ودَفْعَ المضارِّ، مِثلُ أن يسألَهم غُفرانَ الذُّنوبِ، وهدايةَ القُلوبِ، وتفريجَ الكُروبِ، وسَدَّ الفاقاتِ؛ فهو كافِرٌ بإجماعِ المُسلِمين) [1911] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (1/124). .
قال سُلَيمانُ بنُ عبدِ اللهِ: (وهو إجماعٌ صَحيحٌ، معلومٌ بالضَّرورةِ مِن الدِّينِ، وقد نَصَّ العُلَماءُ من أهلِ المذاهِبِ الأربعةِ وغَيرِهم في بابِ حُكمِ المرتدِّ على أنَّ من أشرك بالله فهو كافِرٌ، أي: عَبَد مع الله غيرَه بنوعٍ مِن أنواعِ العباداتِ) [1912] يُنظر: ((تيسير العزيز الحميد)) (ص: 188). .
كما أنَّ حُرمةَ مِثلِ هذا الشِّركِ من الأُمورِ المعلومةِ مِنَ الدِّينِ بالضَّرورةِ.
قال ابنُ تَيميَّةَ: (فإنَّا بعد معرفـةِ ما جاء به الرَّسولُ نَعلَمُ بالضَّرورةِ أنَّه لم يَشرَعْ لأمَّتِه أن تدعوَ أحدًا من الأمواتِ؛ لا الأنبياءَ ولا الصَّالحينَ، … كما أنَّه لم يَشرَعْ لأمَّتِه السُّجودَ لِمَيِّتٍ، ولا لغيرِ مَيِّتٍ، ونحو ذلك، بل نعلَمُ أنَّه نهى عن كُلِّ هذه الأمورِ، وأنَّ ذلك من الشِّركِ الذي حَرَّمه اللهُ تعالى ورسولُه) [1913] يُنظر: ((الرد على البكري)) (2/ 731). .
وقال أيضًا: (كان من أتباعِ هؤلاء المُشْرِكين من يسجُدُ للشَّمسِ والقَمَرِ والكواكِبِ، ويدعوها كما يدعو اللهَ تعالى، ويصومُ لها ويَنسُكُ لها، ويتقَرَّبُ إليها، ثمَّ يقولُ: إنَّ هذا ليس بشِركٍ، وإنَّما الشِّركُ إذا اعتقَدْتُ أنَّها هي المدَبِّرةُ لي، فإذا جعَلْتُها سبـبًا وواسطةً لم أكُنْ مُشْرِكًا! ومن المعلومِ بالاضطـرارِ مِن دينِ الإسلامِ أنَّ هذا شِركٌ) [1914] يُنظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/ 227). .
4- مجموعةٌ من أقوالِ العُلَماءِ في هذه المسألةِ:
قال البربهاريُّ: (لا يخرُجُ أحدٌ من أهلِ القِبلةِ مِن الإسلامِ حتى يردَّ آيةً من كتابِ اللهِ، أو يردَّ شيئًا من آثارِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أو يذبَحُ لغيرِ اللهِ، أو يصَلِّي لغيرِ الله، فإذا فعل شيئًا من ذلك فقد وجب عليك أن تخرِجَه من الإسلامِ) [1915] يُنظر: ((شرح السنة)) (ص: 64). .
وقال ابنُ عبد البَرِّ: (كان رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يحَذِّرُ أصحابَه وسائِرَ أمَّتِه من سوءِ صَنيعِ الأُمَمِ قَبْلَه، الذين صَلَّوا إلى قبورِ أنبيائِهم، واتَّخَذوها قبلةً ومَسجِدًا، كما صنَعَتِ الوَثَنيَّةُ بالأوثانِ التي كانوا يَسجُدون إليها ويُعَظِّمونها، وذلك الشِّركُ الأكبَرُ، فكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يخبِرُهم بما في ذلك من سَخَطِ اللهِ وغَضَبِه، وأنَّه ممَّا لا يرضاه؛ خشيةً عليهم امتثالَ طُرُقِهم) [1916] يُنظر: ((التمهيد)) (5/45) .
قال عبدُ الوهَّابِ ابنُ الحنبليِّ: (لا يَخرُجُ عن الإسلامِ إلَّا من ردَّ على شيءٍ من الأوامِرِ والنَّواهي، وصَلَّى لغيرِ اللهِ، أو ذَبَح لغيرِ اللهِ) [1917] يُنظر: ((الرسالة الواضحة في الرد على الأشاعرة)) (2/1050). .
وقال عِياضٌ: (كذلك نُكَفِّرُ بكُلِّ فِعلٍ أجمع المُسلِمون أنَّه لا يَصدُرُ إلَّا من كافرٍ، وإن كان صاحِبُه مُصَرِّحًا بالإسلامِ مع فِعْلِه ذلك الفِعْلَ؛ كالسُّجودِ للصَّنَمِ، وللشَّمسِ والقَمَرِ، والصَّليبِ والنَّارِ) [1918] يُنظر: ((الشفا)) (2/ 287). .
وقال الرافعيُّ: (اعلَمْ أنَّ الذَّبحَ للمَعبودِ وباسمِه نازِلٌ منزلةَ السُّجودِ له، وكُلُّ واحدٍ منهما نوعٌ من أنواع التعظيمِ والعبادةِ المخصوصةِ باللهِ تعالى الذي هو المستَحِقُّ للعبادةِ، فمن ذبح لغيرِه من حيوانٍ أو جمادٍ كالصَّنَمِ، على وَجهِ التعظيمِ والعبادةِ؛ لم تَحِلَّ ذبيحتُه، وكان ما يأتي به كُفرًا، كمن سجد لغيره سَجدةَ عبادةٍ، وكذا لو ذبح له ولغَيرِه على هذا الوَجْهِ) [1919] يُنظر: ((العزيز شرح الوجيز)) (12/84). .
وقال النَّوويُّ: (الأفعالُ الموجِبةُ للكُفرِ: هي التي تَصدُرُ عن تعَمُّدٍ واستهزاءٍ بالدِّينِ صَريحٍ، كالسُّجودِ للصَّنَمِ، أو الشَّمسِ ...) [1920] يُنظر: ((روضة الطالبين)) (10/64). ويُنظر: ((مغني المحتاج)) للشربيني (5/ 431). .
وقال ابنُ تَيميَّةَ في مسألةِ السُّجودِ لغيرِ اللهِ ووسائِلِها: (نهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن الصَّلاةِ عند طلوعِ الشَّمسِ وعند غروبِها، وقال: ((إنَّها تَطلُعُ بين قَرْنَيِ شَيطانٍ، وحينئذٍ يَسجُدُ لها الكُفَّارُ)) [1921] أخرجه مسلم (832) مطولًا باختلاف يسير من حديث عمرو بن عبسة السلمي. ، فنهى عن تحَرِّي الصَّلاةِ في هذا الوَقتِ؛ لِما فيه من مشابهةِ الكُفَّارِ في الصُّورةِ، وإن كان المصَلِّي يقصِدُ السُّجودَ لله لا للشَّمسِ، لكِنْ نهى عن المشابهةِ في الصُّورةِ؛ لئلَّا يُفضِيَ إلى المشاركةِ في القَصْدِ، فإذا قَصَد الإنسانُ السُّجودَ للشَّمسِ وَقتَ طُلوعِ الشَّمسِ ووَقتَ غُروبِها، كان أحَقَّ بالنَّهيِ والذَّمِّ والعقابِ؛ ولهذا يكونُ كافِرًا. كذلك من دعا غيرَ اللهِ، وحَجَّ إلى غيرِ بَيتِ اللهِ، هو أيضًا مُشْرِكٌ، والذي فَعَله كُفرٌ) [1922] يُنظر: ((الرد على الإخنائي)) (ص: 137)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (27/11) (11/502). .
وقال أيضًا: (أمَّا السُّجودُ لغيرِ اللهِ وعبادتِه فهو مُحَرَّمٌ في الدِّينِ الذي اتَّفَقت عليه رُسُلُ اللهِ، كما قال سُبحانَه وتعالى: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف: 45]) [1923] يُنظر: ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (1/ 221). .
وقال: (لا يجوزُ أن يَنذِرَ أحدٌ إلَّا طاعةً، ولا يجوزُ أن يَنذِرَها إلَّا للهِ، فمن نَذَر لغيرِ اللهِ فهو مُشْرِكٌ، كمن صام لغيرِ اللهِ، وسجد لغيرِ الله، ومن حَجَّ إلى قبرٍ مِن القُبورِ فهو مُشْرِكٌ) [1924] يُنظر: ((منهاج السنة)) (2/440). .
وقال أيضًا: (وأمَّا النَّذرُ للمَوتى من الأنبياءِ والمشائِخِ وغيرِهم، أو لقُبورِهم أو المقيمينَ عند قُبورِهم، فهو نَذْرُ شِرْكٍ ومعصيةٍ لله تعالى، سواءٌ كان النَّذرُ نَفقةً أو ذهبًا أو غيرَ ذلك، وهو شَبيهٌ بمن يَنذِرُ للكنائِسِ والرُّهبانِ وبُيوتِ الأصنامِ) [1925] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (11/504). .
وأكَّدَ ابنُ تيميَّةَ على إزالةِ مِثلِ تلك النُّذورِ، فقال: (كُلُّ ما يُنذَرُ له، أو يُعَظَّمُ من الأحجارِ أو القُبورِ أو الأشجارِ، ونحوِها: يجِبُ أن يزالَ؛ لأنَّه يحصُلُ للنَّاسِ به ضَرَرٌ عظيمٌ في دينِهم، كما كَسَّر الخليلُ عليه السَّلامُ الأصنامَ، وكما حَرَّق موسى عليه السَّلامُ العِجْلَ، وكما كَسَّر رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الأصنامَ وحَرَّقها لَمَّا فَتَح مكَّةَ [1926] الحديث أخرجه البخاري (2478)، ومسلم (1781) واللَّفظُ له من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ((دخل النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مكَّةَ وحولَ الكعبةِ ثلاثُمائة وستون نُصبًا، فجَعَل يَطعنُها بعودٍ كان بيَدِه...)). ... ومن قال إنَّه يُشفى بمِثْلِ نَذْرِه لهذه الأشياءِ فهو كاذِبٌ، بل يستتابُ، فإن تاب وإلَّا قُتِلَ؛ فإنَّه مكَذِّبٌ للهِ ورَسولِه...) [1927] يُنظر: ((مختصر الفتاوى المصرية)) (ص: 551). ويُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (33/123)، ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (2/231). .
وقال الأذرعي الشافعي: (أمَّا النُّذورُ للمَشاهدِ التي بُنِيَت على قَبرِ وَلِيٍّ أو شيخٍ، أو على اسمِ مَن حَلَّها مِن الأولياءِ، أو رُئِيَ في تلك البقعةِ مِن الأنبياءِ والصَّالحين... إنْ قَصَد بنَذْرِه -وهو الغالِبُ أو الواقِعُ من قصودِ العاقِدِ- تعظيمَ البقعةِ والمشهَدِ والزَّاويةِ، أو تعظيمَ مَن دُفِنَ بها ممَّن ذكَرْنا أو نُسِبَت إليه أو بُنِيَت على اسمِه؛ فهذا النَّذرُ باطِلٌ غيرُ مُنعَقِدٍ، فإنَّ مُعتَقَدَهم أنَّ لهذه الأماكِنِ خصوصيَّاتٍ لأنفُسِها، ويَرَون أنَّها ممَّا يُدفَعُ به البلاءُ ويُستجلَبُ به النَّعماءُ ويُستشفى بالنَّذرِ لها من الأدواءِ، حتى إنَّهم يَنذِرون لبعض الأحجارِ لَمَّا قيل إنَّه جلس إليها أو استند إليها عبدٌ صالحٌ، ويَنذِرون لبعضِ القُبورِ السُّرُجَ أو الشموعَ والزَّيتَ، ويقولون: القبرُ الفُلانيُّ أو المكانُ الفلانيُّ يَقبَلُ النَّذرَ، يَعْنون بذلك أنَّه يحصُلُ بالنَّذرِ الغَرَضُ المأمولُ؛ من شفاءِ مريضٍ، وقُدومِ غائبٍ، وسلامةِ مالٍ، وغيرِ ذلك من أنواعِ نَذرِ المجازاةِ، فهذا النَّذرُ على هذا الوَجهِ باطِلٌ لا شَكَّ فيه، بل نَذرُ الزَّيتِ والشَّمعِ ونحوِهما للقُبورِ باطِلٌ مُطلقًا، ومن ذلك نَذْرُ الشُّموعِ الكبيرةِ العظيمةِ وغَيرِها لقبرِ الخليلِ عليه السَّلامُ، ولقَبرِ غيرِه من الأنبياءِ والأولياءِ عليهم السَّلامُ؛ فإنَّ النَّاذِرَ لا يقصِدُ بذلك إلا الإيقادَ على القبرِ تبركًا وتعظيمًا، ظانًّا أنَّ ذلك قُربةٌ... فهذا ممَّا لا ريبَ في بطلانِه، والإيقادُ المذكورُ محَرَّمٌ، سواءٌ انتفع به منتَفِعٌ هناك أم لا) [1928] يُنظر: ((قوت المحتاج)) (10/535). .
وقال الشَّاطبيُّ: (كُلُّ من ابتغى في تكاليفِ الشَّريعةِ غيرَ ما شُرِعَت له، فقد ناقض الشَّريعةَ، وكُلُّ من ناقَضَها فعَمَلُه في المناقَضةِ باطِلٌ، فمن ابتغى في التكاليفِ ما لم تُشرَعْ له فعَمَلُه باطِلٌ...؛ لأنَّ الأخذَ في خلافِ مقاصِدِ الشَّريعةِ مُشاقَّةٌ ظاهرةٌ، والله تعالى يقولُ: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء: 115] ، كما أنَّ القاصِدَ لخلافِ الشَّرعِ مُستهزئٌ بآياتِ اللهِ وأحكامِه، واللهُ تعالى يقولُ: وَلَا تَتَّخِذُوَا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا [البقرة: 231] ) [1929] يُنظر: ((الموافقات)) (3/ 27 - 31). .
وقال ابنُ النَّحَّاس الشافعي وهو يَسردُ جملةً من المنكَراتِ والبِدَعِ والمحْدَثاتِ: (ومنها: إيقادُهم السُّرُجَ عند الأشجارِ والأحجارِ والعُيونِ والآبارِ، ويقولونَ: إنَّها تقبَلُ النَّذرَ. وهذه كُلُّها بِدَعٌ شَنيعةٌ، ومُنكَراتٌ قبيحةٌ، يجِبُ إزالتُها ومحوُ أثَرِها؛ فإنَّ أكثَرَ الجُهَّالِ يعتقدون أنَّها تَضُرُّ وتنفَعُ، وتجلِبُ وتدفَعُ، وتشفي المريضَ، وتَرُدُّ الغائِبَ إذا نَذَر لها، وهذا شِركٌ ومحادَّةٌ للهِ ورَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم... فالواجِبُ على من رأى شيئًا من ذلك أن يُذهِبَ أثَرَه ما قَدَر عليه، ويطفئَ ما وجد عليه من سُرُجٍ وشمعٍ ونحوِ ذلك، ويُبَيِّنَ للنَّاسِ أن هذا مُنكَرٌ وبِدعةٌ واعتقادٌ فاسِدٌ لا يحِلُّ، وأنَّه لا ضارَّ ولا نافعَ إلَّا اللهُ تعالى وَحْدَه. ويجِبُ على العُلَماءِ إذا اشتَهَر شيءٌ من ذلك أن يُبَيِّنوا للنَّاسِ حُكمَ اللهِ فيه ويُنكِروه بما تصِلُ إليه قُدرتُهم، واللهُ يهدي من يشاءُ إلى صِراطٍ مُستقيمٍ) [1930] يُنظر: ((تنبيه الغافلين)) (ص: 522-524). .
وقال قاسِمُ بنُ قطلوبغا الحنفي في (شرح الدُّرر): (أمَّا النَّذرُ الذي يَنذِرُه أكثَرُ العوامِّ على ما هو مُشاهَدٌ، كأن يكونَ لإنسانٍ غائبٌ أو مريضٌ، أو له حاجةٌ ضَروريَّةٌ، فيأتي بعضُ الصُّلَحاءِ، فيَجعَلُ سُترةً على رأسِه، فيقولُ: يا سيِّدي فُلان، إنَّ رُدَّ غائبي، أو عُوفِيَ مَريضي، أو قُضِيَت حاجتي؛ فلك من الذَّهَبِ كذا، أو مِنَ الفِضَّةِ كذا، أو من الطَّعامِ كذا، أو من الماءِ كذا، أو من الشَّمعِ كذا، أو من الزَّيتِ كذا؛ فهذا النَّذرُ باطِلٌ بالإجماعِ؛ لوُجوهٍ: منها: أنَّه نَذَرَ لمخلوقٍ، والنَّذرُ للمخلوقِ لا يجوزُ؛ لأنَّه عبادةٌ، والعبادةُ لا تكونُ للمَخلوقِ، ومنها أنَّ المنذورَ له مَيِّتٌ، والميِّتُ لا يملِكُ، ومنها إن ظَنَّ أنَّ المَيِّتَ يتصَرَّفُ في الأمورِ دونَ اللهِ تعالى، واعتقادُه ذلك كُفرٌ) [1931] يُنظر: ((البحر الرائق)) لابن نجيم (2/320). .
وقال البركوي الحنفي: (قال العُلَماءُ: لا يجوزُ أن يُنذَرَ للقُبورِ لا شَمعٌ ولا زيتٌ ولا غيرُ ذلك؛ فإنَّه نَذرُ معصيةٍ لا يجوزُ الوَفاءُ به بالاتِّفاقِ) [1932] يُنظر: ((زيارة القبور الشرعية والشركية)) (ص: 11). .
وقال أيضًا واصفًا حالَ القُبوريِّين: (ثمَّ يُقَرِّبون لذلك الوَثَنِ القَرابينَ، وتكونُ صَلاتُهم ونُسُكُهم وقُربانُهم لغيِر رَبِّ العالَمين... والحاصِلُ أنَّهم مناقِضون لِما أمر به الرَّسولُ عليه السَّلامُ ونهى عنه، ومحادُّون لما جاء به) [1933] يُنظر: ((زيارة القبور الشرعية والشركية)) (ص: 23). .
وقال أحمدُ الفاروقي السرهندي في مكتوباتِه: (التبَرِّي من الكُفْرِ شَرطُ الإسلامِ، والاجتنابُ عن شائبةِ الشِّركِ توحيدٌ، والاستمدادُ من الأصنامِ والطَّاغوتِ في دَفعِ الأمراضِ والأسقامِ، كما هو شائعٌ فيما بين جَهَلةِ أهلِ الإسلامِ، عَينُ الشِّركِ والضَّلالةِ، وطَلَبُ الحوائِجِ من الأحجارِ المنحوتةِ نَفسُ الكُفْرِ -إلى أن قال:- وما يفعلونَه من ذَبحِ الحيواناتِ المنذورةِ للمَشائِخِ عند قُبورِ المشائِخِ المنذورةِ لهم، جَعَله الفُقَهاءُ داخِلًا في الشِّركِ، وألحَقوه بجِنْسِ ذبائِحِ الجِنِّ الممنوعِ عنها شَرْعًا) [1934] يُنظر: ((منتخبات من المكتوبات) للسرهندي (ص220). .
وقال ولي الله الدهلوي: (من أقسامِ الشِّركِ: أنَّهم كانوا يتقَرَّبون إلى الأصنامِ والنُّجومِ بالذَّبحِ لأجْلِهم، إمَّا بالإهلالِ عند الذَّبائحِ بأسمائِهم، وإمَّا بالذَّبحِ على الأنصابِ المخصوصةِ لهم؛ فنُهُوا عن ذلك) [1935] يُنظر: ((حجة الله البالغة)) (1/ 121). .
وقال الصَّنعاني: (أمَّا النُّذورُ المعروفةُ في هذه الأزمنةِ على القُبورِ والمشاهِدِ والأمواتِ، فلا كلامَ في تحريمِها؛ لأنَّ النَّاذِرَ يعتَقِدُ في صاحِبِ القبرِ أنَّه ينفَعُ ويضُرُّ، ويجلِبُ الخيرَ ويدفَعُ الشَّرَّ، ويعافي الأليمَ ويَشفي السَّقيمَ، وهذا هو الذي كان يفعَلُه عُبَّادُ الأوثانِ بعَينِه؛ فيَحرُمُ كما يَحرُمُ النَّذرُ على الوَثَنِ، ويحرُمُ قَبْضُه؛ لأنَّه تقريرٌ على الشِّركِ، ويجِبُ النَّهيُ عنه وإبانةُ أنَّه من أعظَمِ المحَرَّماتِ، وأنَّه الذي كان يفعَلُه عُبَّادُ الأصنامِ، لكِنْ طال الأَمَدُ حتى صار المعروفُ مُنكَرًا والمنكَرُ معروفًا، وصارت تُعقَدُ اللِّواءاتُ لقُبَّاضِ النُّذورِ على الأمواتِ، ويُجعَلُ للقادمين إلى محلِّ الميِّتِ الضِّيافاتُ، ويُنحَرُ في بابِه النَّحائِرُ من الأنعامِ، وهذا هو بعينِه الذي كان عليه عُبَّادُ الأصنامِ؛ فإنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعون) [1936] يُنظر: ((سبل السلام)) (4/ 111). .
وقال مُحَمَّدُ بنُ عبدِ الوَهَّابِ: (لا يجوزُ لعبدٍ أن يَضَعَ وَجْهَه على الأرضِ ساجدًا إلَّا للهِ وَحْدَه لا شَريكَ له، لا لِمَلَكٍ مُقَرَّبٍ، ولا لنبيٍّ مُرسَلٍ، ولا لوليٍّ. ومن ذلك الذَّبحُ، فلا يجوزُ لأحدٍ أن يذبَحَ إلَّا لله وَحْدَه، كما قَرَن اللهُ بينهما في القرآنِ في قَولِه تعالى: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: 162] ، والنُّسُكُ هو الذَّبحُ، وقال: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر: 2]، فتفطَّنْ لهذا، واعلَمْ أنَّ مَن ذَبَح لغيرِ اللهِ مِن جِنيٍّ أو قبرٍ، فكما لو سجد له، وقد لعنه رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الحديثِ الصَّحيحِ بقَولِه: ((لعن اللهُ من ذبَحَ لغيرِ اللهِ)) [1937] أخرجه مسلم (1978) مطولًا من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. [1938] يُنظر: ((الدرر السنية)) (2/ 103). .
وقال حُسَين وعبد الله ابنا محمَّدِ بنِ عبد الوهَّاب: (النَّذرُ الذي يكون شِركًا: النَّذرُ لغيرِ اللهِ، كالنَّذرِ لوَليٍّ يُعبَدُ من دونِ اللهِ، أو لقُبَّةٍ، أو لخَدَمَتِها وسَدَنَتِها، فهذا هو الذي يكونُ شِركًا، وهو نذرُ معصيةٍ، لا يجوزُ نذرُه، ولا الوفاءُ به) [1939] يُنظر: ((الدرر السنية)) (7/516). .
وقال السويدي الشافعي بعد نَقْلِه كلامَ مجموعةٍ من العُلَماءِ في الذَّبح ِلغيرِ الله: (تبَيَّنَ لك من هذه النُّقولِ كُلِّها أنَّ ما يُقَرَّبُ لغيرِ اللهِ تقَرُّبًا إلى ذلك الغيرِ ليَدفَعَ عنه ضيرًا أو يجلِبَ له خيرًا؛ تعظيمًا له: من الكُفرِ الاعتقاديِّ والشِّركِ الذي كان عليه الأوَّلون) [1940] يُنظر: ((العقد الثمين)) (ص: 539). .
وقال أبو السعود السويدي الشافعي: (قال بعضُهم: لو نذر للأنبياءِ أو للأولياءِ، أو للملائكةِ، فلا خلافَ بين من يَعلَمُ ذلك ويتبيَّنُه أنَّه من شِرْكِ الاعتقادِ؛ لأنَّ النَّاذِرَ لم يَنذِرْ هذا النَّذرَ إلَّا لاعتقادِه في المنذورِ له أنَّه يَضُرُّ وينفَعُ، ويُعطي ويمنَعُ، إمَّا بطَبْعِه، وإمَّا بقوَّةِ السَّبَبيَّة فيه، والدَّليلُ على اعتقادِهم هذا الاعتقادَ قَولُهم: وقَعْنا في شِدَّةٍ فنَذَرْنا لفلانٍ؛ فانكَشَفَت شِدَّتُنا! ويقولُ بعضُهم: هاجت علينا الأمواجُ فندَبْتُ الشَّيخَ فلانًا؛ فسَلِمَت سفينتُنا! وبعضُهم يقولُ: خرَجَت علينا الأعداءُ وكِدْنا نُستأسَرُ، فنَدَبتُ فلانًا ونذَرْتُ له الشَّيءَ الفُلانيَّ؛ فسَلِمْنا، وتراهم إذا لم يَفُوا وحصلت لهم بعضُ الآلامِ، قيل للناذِرِ: أوْفِ بنَذْرِك، وإلَّا يُفعَلْ بك كذا وكذا، فيسارِعُ بالوَفاءِ، ولو أنَّه يستدينُ على ذِمَّتِه، ولو كان مديونًا أو مضطرًّا، وربَّما لا يعبَأُ بوفائِه، وربما يموتُ وهو مديونٌ، كُلُّ ذلك خوفًا من المنذورِ له وطلبًا لرضاه، وهل هذا إلَّا من سوءِ اعتقادِه، وقِلَّةِ دينِه وكَسادهِ؟!) [1941] يُنظر: ((العقد الثمين)) (ص: 529). .
وقال الشَّوكانيُّ: (من المفاسِدِ البالغةِ إلى حَدٍّ يَرمي بصاحِبِه إلى وراءِ حائطِ الإسلامِ ويُلقيه على أمِّ رأسِه من أعلى مكانِ الدِّينِ: أنَّ كثيرًا منهم يأتي بأحسَنِ ما يملِكُه من الأنعامِ، وأجوَدِ ما يحوزُه من المواشي، فيَنحَرُه عند ذلك القبرِ، متقَرِّبًا به إليه، راجيًا ما يُضمِرُ حُصولَه له منه، فيُهِلُّ به لغير الله، ويتعبَّدُ به لوَثَنٍ من الأوثانِ؛ إذ إنَّه لا فَرْقَ بين نحرِ النَّحائِرِ لأحجارٍ مَنصوبةٍ يُسَمُّونها وَثَنًا، وبين قبرٍ لِمَيِّت يسمُّونه قبرًا، ... ولا شَكَّ أنَّ النَّحَر نوعٌ من أنواعِ العبادة التي تعَبَّدَ اللهُ العبادَ بها، كالهدايا والفِدْيَة والضَّحَايا، فالمتقَرِّبُ بها إلى القبرِ والناحِرُ لها عنده لم يكُنْ له غَرَضٌ بذلك إلَّا تعظيمَه وكرامتَه، واستجلابَ الخيرِ منه، واستدفاعَ الشَّرِّ به، وهذه عبادةٌ لا شَكَّ فيها، وكفاك من شرٍّ سماعُه!) [1942] يُنظر: ((شرح الصدور)) (ص:20). .
وقال عبدُ اللهِ أبا بطين: (فالدِّينُ كُلُّه داخِلٌ في العبادةِ، فإذا عَلِمَ الإنسانُ وتحَقَّق معنى الإلهِ، وأنَّه المعبودُ، وعرف حقيقةَ العبادةِ، تَبَيَّن له أنَّ من جعل شيئًا من العبادةِ لغيرِ اللهِ فقد عبدَه واتخذه إلهًا، وإن فَرَّ من تسميتِه معبودًا أو إلهًا، ... فتغَيُّرُ الاسمِ لا يُغَيِّرُ حقيقة المسمَّى، ولا يزيلُ حُكمَه، ... وكذلك ما يفعَلُه عُبَّادُ القبورِ من دعاءِ أصحابِها، والتقَرُّبِ إليهم بالذَّبائحِ والنُّذورِ، عبادةً منهم للمَقبورين، وإن كانوا لا يُسَمُّونه ولا يعتَقِدونه عبادةً) [1943] يُنظر: ((الانتصار لحزب الله الموحدين)) (ص: 33). .
وقال عبدُ الرَّحمنِ بنُ حسَن آل الشَّيخِ: (النَّاذِرُ لله وَحْدَه عَلَّق رَغْبَتَه به وَحْدَه، لعِلْمِه بأنَّه تعالى ما شاء كان وما لم يشَأْ لم يكُنْ، وأنَّه لا مانِعَ لِما أعطى، ولا مُعطِيَ لِما مَنَع، فتوحيدُ القَصدِ هو توحيدُ العبادةِ؛ ولهذا ترتَّب عليه وجوبُ الوفاءِ فيما نَذَره طاعةً لله، والعبادةُ إذا صُرِفَت لغيرِ اللهِ صار ذلك شِركًا باللهِ؛ لالتفاتِه إلى غيرِه تعالى فيما يرغَبُ فيه أو يرهَبُ، فقد جعله شريكًا لله في العبادةِ) [1944] يُنظر: ((قرة عيون الموحدين)) (ص: 77) ويُنظر: ((مجموع فتاوى ابن باز)) (3/322)، ((مجموع فتاوى ابن عثيمين)) (2/148)، ((فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى)) (1/193). .
وقال المعصومي الخجندي: (لا بدَّ مِن نَفْيِ الشِّركِ في العبادةِ رأسًا، والبراءةِ منه وممَّن فَعَله؛ قال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [الزخرف: 26، 27]، و قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة: 4]،  فأصلُ دينِ الإسلامِ إنَّما هو عبادةُ اللهِ وَحْدَه لا شريكَ له، والتَّحريضُ على ذلك، فمن قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وهو مع ذلك يفعَلُ الشِّركَ الأكبَرَ، كدُعاءِ الموتى والغائبين، وسؤالِهم قضاءَ الحاجاتِ، وتفريجَ الكُرُباتِ، والتقَرُّبِ إليهم بالنَّذرِ والذَّبائحِ؛ فهذا مُشرِكٌ شاء أم أبى) [1945] يُنظر: ((مفتاح الجنة لا إله إلا الله)) (ص: 68). .
وقال محمَّدُ بنُ إبراهيم آل الشَّيخ: (أمَّا الذَّبحُ لغَيرِ اللهِ فهو شِركٌ أكبَرُ، والعِياذُ باللهِ؛ لأنَّ الذَّبحَ لله عبادةٌ، قال تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر: 2]، وقال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي ِلِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ له [الأنعام: 162-163] ، فمن صرف شيئًا من هذه العبادةِ لغيرِ اللهِ فهو مُشرِكٌ كافِرٌ) [1946] يُنظر: ((فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ)) (1/105). .
وقال أيضًا: (النَّذرُ والذَّبحُ من أنواعِ العبادةِ التي هي محْضُ حَقِّ اللهِ، لا يَصلُحُ منها شيءٌ لغيرِ اللهِ، لا لمَلَكٍ مُقَرَّبٍ، ولا لنبيٍّ مُرسَلٍ، فَضْلًا عن غَيرِهما، فمن نَذَر أو ذبح لغيرِ اللهِ فقد أشرك باللهِ شِرْكًا يخرُجُ به عن مِلَّةِ الإسلامِ) [1947] يُنظر: ((فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ)) (1/106). .

انظر أيضا: