الموسوعة العقدية

 الفَرعُ الثَّاني: الإعراضُ المُكَفِّرُ

ذكر ابنُ القَيِّمِ من أنواعِ الكُفرِ الأكبَرِ: كُفرُ الإعراضِ، وعَرَّفه بقَولِه: (أمَّا كُفرُ الإعراضِ: فأن يُعرِضَ بسَمْعِه وقَلْبِه عن الرَّسولِ، لا يُصَدِّقُه ولا يُكَذِّبُه، ولا يواليه ولا يعاديه، ولا يُصغي إلى ما جاء به البتَّةَ) [1769] يُنظر: ((مدارج السالكين)) (1/ 347)، ((مفتاح دار السعادة)) (1/261). .
وقال أيضًا: (إنَّ العَذابَ يُستحَقَّ بسَبَبينِ؛ أحَدُهما: الإعراضُ عن الحُجَّةِ، وعَدَمُ إرادتِها والعَمَلِ بها وبموجِبِها. الثَّاني: العِنادُ لها بعد قيامِها، وتَرْكُ إرادةِ مُوجِبِها، فالأوَّلُ كُفرُ إعراضٍ، والثَّاني كُفرُ عنادٍ، وأمَّا كُفرُ الجَهلِ مع عَدَمِ قيامِ الحُجَّةِ وعَدَمِ التمَكُّنِ مِن مَعرفتِها فهذا الذي نفى اللهُ التعذيبَ عنه حتى تقومَ حُجَّةُ الرُّسُل) [1770] يُنظر: ((طريق الهجرتين)) (ص: 414). .
وقال ابنُ القَيِّمِ: (كُلُّ من أعرض عن الاهتداءِ بالوَحيِ الذي هو ذِكرُ اللهِ، فلا بُدَّ أن يقولَ هذا يومَ القيامةِ أي: يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [الزخرف: 38].
فإن قيل: فهل لهذا عُذرٌ في ضلالِه إذا كان يحسَبُ أنَّه على هُدًى، كما قال تعالى: وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ؟
قيل: لا عُذرَ لهذا وأمثالِه مِنَ الضُّلَّالِ الذين منشَأُ ضَلالِهم الإعراضُ عن الوَحْيِ الذي جاء به الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولو ظَنَّ أنَّه مُهتَدٍ؛ فإنَّه مُفَرِّطٌ بإعراضِه عن اتِّباعِ داعي الهُدى، فإذا ضَلَّ فإنَّما أُتِيَ من تفريطِه وإعراضِه. وهذا بخِلافِ مَن كان ضلالُه لعَدَمِ بُلوغِ الرِّسالةِ وعَجْزِه عن الوُصولِ إليها، فذاك له حُكمٌ آخَرُ، والوعيدُ في القُرآنِ إنما يتناوَلُ الأوَّلَ، وأمَّا الثَّاني فإنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ أحَدًا إلَّا بعد إقامةِ الحُجَّةِ عليه، كما قال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15] ) [1771] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) (1/119). .
فالكُفرُ قد يكونُ بالإعراضِ، وقد يكونُ بالتكذيبِ وغَيْرِه.
قال ابنُ تَيميَّةَ: (الكُفْرُ أعَمُّ مِن التكذيبِ؛ فكُلُّ من كَذَّب الرَّسولَ كافِرٌ، وليس كُلُّ كافرٍ مُكَذِّبًا، بل من يَعلَمُ صِدْقَه ويُقِرُّ به، وهو مع ذلك يُبغِضُه أو يعاديه: كافِرٌ، ومن أعرض فليس يعتَقِدُ لا صِدْقَه ولا كَذِبَه: كافِرٌ، وليس بمكَذِّبٍ) [1772] يُنظر: ((التسعينية)) (2/ 674). .
وقال ابنُ كثيرٍ في قَولِه تعالى: كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا [طه: 99 - 101] : (هذا عامٌّ في كُلِّ من بلغَه القُرآنُ مِنَ العَرَبِ والعَجَمِ، أهلِ الكِتابِ وغَيْرِهم، كما قال تعالى: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام: 19] ؛ فكُلُّ من بلَغَه القُرآنُ فهو نذيرٌ له وداعٍ، فمن اتَّبَعَه هُدِي، ومن خالفه وأعرَضَ عنه، ضَلَّ وشَقِيَ في الدُّنيا، والنَّارُ مَوعِدُه يومَ القيامةِ) [1773] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/315). .
قال مُحَمَّدُ بنُ عبدِ الوهَّابِ في ذِكِر نواقِضِ الإسلامِ: (العاشِرُ: الإعراضُ عن دينِ اللهِ، لا يتعَلَّمُه، ولا يعمَلُ به، والدَّليلُ قَولُه تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ [السجدة: 22] ) [1774] يُنظر: ((الرسائل الشخصية)) (ص: 214). .
وقال عبدُ اللَّطيفِ بنُ عبدِ الرَّحمنِ آل الشَّيخ: (إنَّ أحوالَ النَّاسِ تتفاوَتُ تفاوتًا عظيمًا، وتفاوُتُهم بحَسَبِ دَرَجاتِهم في الإيمانِ إذا كان أصلُ الإيمان موجودًا، والتفريطُ والتَّركُ إنَّما هو فيما دون ذلك من الواجباتِ والمستحَبَّاتِ، وأمَّا إذا عُدمَ الأصلُ الذي يدخُلُ به في الإسلامِ، وأعرضَ عن هذا بالكليَّةِ، فهذا كُفرُ إعراضٍ، فيه قَولُه تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف: 179] ، وقَولُه: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه: 124] ، ولكِنْ عليك أن تعلَمَ أنَّ المدارَ على معرفةِ حَقيقةِ الأصلِ وحَقيقةِ القاعدةِ، وإن اختَلَف التَّعبيرُ واللَّفظُ) [1775] يُنظر: ((الدرر السنية)) (8/360).
قال سُلَيمانُ بنُ سَحمانَ مُعَلِّقًا على هذا الكلامِ: (فتَبَيَّن من كلامِ الشَّيخِ أنَّ الإنسانَ لا يَكفُرُ إلَّا بالإعراضِ عن تعَلُّمِ الأصلِ الذي يدخُلُ به الإنسانُ في الإسلامِ، لا تَرْكِ الواجباتِ والمستحَبَّاتِ) [1776] يُنظر: ((منهاج أهل الحق والاتباع)) (ص: 81). ويُنظر: ((منهاج التأسيس والتقديس)) لعبد اللطيف آل الشيخ (ص: 227). .
ومن صُوَرِ الإعراضِ المُكَفِّرِ:
الإعراضُ عن حُكمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ورَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
قال اللهُ تعالى: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور: 47-51] .
قال ابنُ تَيميَّةَ: (فبَيَّن سُبحانَه أنَّ من توَلَّى عن طاعةِ الرَّسولِ، وأعرض عن حُكْمِه؛ فهو من المنافِقين وليس بمؤمِنٍ، وأنَّ المؤمِنَ هو الذي يقولُ: سَمِعْنا وأطَعْنا، فإذا كان النِّفاقُ يَثْبُتُ، ويزولُ الإيمانُ بمجَرَّدِ الإعراضِ عن حُكمِ الرَّسولِ وإرادةِ التحاكُمِ إلى غيرِه، مع أنَّ هذا تَرْكٌ مَحْضٌ، وقد يكونُ سَبَبُه قُوَّةَ الشَّهوةِ؛ فكيف بالتنَقُّصِ والسَّبِّ ونَحْوِه؟) [1777] يُنظر: ((الصارم المسلول)) (2/ 81). .
فابنُ تيميَّةَ يُبَيِّن أنَّ الإيمانَ يَزولُ بمجَرَّدِ الإعراضِ والتَّرْكِ المحْضِ لحُكمِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حتى لو لم يقتَرِنْ بهذا التَّرْكِ استحلالٌ أو جحودٌ. واللهُ أعلَمُ.
وقال اللهُ سُبحانَه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا [النساء: 61] .
قال ابنُ القَيِّمِ في معنى هذه الآيةِ: (فجعل الإعراضَ عمَّا جاء به الرَّسولُ والالتفاتَ إلى غيرِه هو حقيقةَ النِّفاقِ، كما أنَّ حقيقةَ الإيمانِ هو تحكيمُه، وارتفاعُ الحَرَجِ عن الصُّدورِ بحُكْمِه، والتسليمُ لِما حكَمَ به رِضًا واختيارًا ومحبَّةً، فهذا حقيقةُ الإيمانِ، وذلك الإعراضُ حقيقةُ النِّفاقِ) [1778] يُنظر: ((مختصر الصواعق المرسلة)) لابن الموصلي (ص: 705). .
وقال سُلَيمانُ بنُ عبدِ اللهِ آل الشَّيخِ: (قَولُه تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا [النساء: 61] ، أي: إذا دُعُوا إلى التحاكُمِ إلى ما أنزل اللهُ وإلى الرَّسولِ، أعرَضوا إعراضًا مُستكبِرين، كما قال تعالى: وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ [النور: 48] . قال ابنُ القَيِّمِ: هذا دليلٌ على أنَّ من دُعِيَ إلى تحكيمِ الكِتابِ والسُّنَّة، فلم يَقبَلْ وأبى ذلك؛ أنَّه من المنافقين. ويَصُدُّون هنا لازمٌ لا متعَدٍّ، وهو بمعنى يُعرِضون، لا بمعنى يَمنَعون غيرَهم؛ ولهذا أتى مَصدَرُه على صُدودًا، ومصدرُ المتعَدِّي صَدًّا. فإذا كان المعرِضُ عن ذلك قد حكم اللهُ سُبحانَه بنفاقِهم، فكيف بمن ازداد إلى إعراضِه مَنْعُ النَّاسِ من تحكيمِ الكتابِ والسُّنَّةِ، والتحاكُمِ إليهما بقَولِه وعَمَلِه وتصانيفِه؟! ثمَّ يَزعُمُ مع ذلك أنَّه إنما أراد الإحسانَ والتَّوفيقَ؛ الإحسانَ في فِعْلِه ذلك، والتَّوفيقَ بين الطَّاغوتِ الذي حكَّمَه وبين الكِتابِ والسُّنَّةِ!) [1779] يُنظر: ((تيسير العزيز الحميد)) (ص: 482). .

انظر أيضا: