الموسوعة العقدية

المَبحَثُ الثَّاني: مَنزِلةُ توحيدِ الأُلوهيَّةِ

1- توحيدُ الأُلوهيَّةِ هو تحقيقٌ لشَهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وشَهادةِ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. وأوَّلُ واجبٍ هو الشَّهادتانِ.
قال أبو الحارِثِ الصَّائغُ: (سألتُ أبا عبدِ اللهِ أحمدَ بنَ محمَّدِ بنِ حَنبلٍ، قلتُ: إذا قال الرَّجُلُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، فهو مؤمِنٌ؟ قال: كذا كان بدءُ الإيمانِ، ثمَّ نزلت الفرائِضُ؛ الصَّلاةُ، والزَّكاةُ، وصَومُ رَمَضانَ، وحَجُّ البيتِ) [461])) يُنظر: ((السنة)) للخلال (3/564). .
وقال العَيني: (قال شيخُنا زينُ الدين رحمه الله:... لَمَّا كان إرسالُ مُعاذٍ إلى من يُقِرُّ بالإلهِ والنبُوَّاتِ، وهم أهلُ الكتابِ، أمَرَه بأوَّلِ ما يدعوهم إلى توحيدِ الإلهِ والإقرارِ بنبُوَّةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإنَّهم وإن كانوا يعترفون بإلهيَّةِ اللهِ تعالى، ولكِنْ يجعلون له شَريكًا؛ لدعوةِ النَّصارى أنَّ المسيحَ ابنُ اللهِ تعالى، ودعوةِ اليهودِ أنَّ عُزَيرًا ابنُ اللهِ -سبحانَه عمَّا يَصِفون- وأنَّ محمَّدًا ليس برَسولِ اللهِ أصلًا، أو أنَّه ليس برسولٍ إليهم، على اختلافِ آرائِهم في الضَّلالةِ؛ فكان هذا أوَّلَ واجِبٍ يُدْعَونَ إليه) [462] يُنظر: ((عمدة القاري)) (8/ 235). .
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (السَّلَفُ والأئمَّةُ متَّفِقونَ على أنَّ أوَّلَ ما يُؤمَرُ به العبادُ الشَّهادتانِ) [463] يُنظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) (8/11). .
وقال أيضًا: (أصلُ الإسلامِ: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ، فمن طلَبَ بعباداتِه الرِّياءَ والسُّمعةَ فلم يحقِّقْ شَهادةَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، ومَن خرَجَ عمَّا أمَرَه به الرَّسولُ مِن الشَّريعةِ، وتعَبَّد بالبِدْعةِ فلم يحَقِّقْ شَهادةَ أنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ، وإنَّما يُحَقِّقُ هذينِ الأصلَينِ مَن لم يَعبُدْ إلَّا اللهَ، ولم يخرُجْ عن شريعةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم التي بلَّغَها عن اللهِ) [464] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (11/ 617). .
وقال ابنُ باز: (المقصودُ أنَّ رَسولَنا ونبيَّنا محمَّدًا عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ دعا إلى ما دَعَت إليه الرُّسُلُ قَبْلَه مِن نوحٍ ومَن بَعْدَه، إلى توحيدِ اللهِ والإخلاصِ له، وتَرْكِ عِبادةِ ما سِواه، هذه أوَّلُ دَعوتِه، وهذه زُبدَتُها، وهي أهَمُّ واجِبٍ وأوَّلُ واجِبٍ، وأعظَمُ واجِبٍ) [465] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن باز)) (2/ 64). .
وقال ابنُ عثيمين: (أوَّلُ واجبٍ على الخَلقِ هو أوَّلُ ما يُدعى الخَلْقُ إليه، وقد بَيَّنَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمُعاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنه حين بعَثَه لليَمَنِ، فقال له: ((إنَّك تأتي قومًا أهلَ كِتابٍ، فلْيَكُنْ أوَّلَ ما تَدعُوهُم إليه شَهادةُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ )) [466] أخرجه البخاري (1458)، ومسلم (19) باختلاف يسير من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنْهما. . فهذا أوَّلُ واجِبٍ على العبادِ أن يوحِّدوا اللهَ عزَّ وجَلَّ، وأن يَشهَدوا لرَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالرِّسالةِ. وبتوحيدِ اللهِ عزَّ وجَلَّ والشَّهادةِ لِرَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يتحَقَّقُ الإخلاصُ والمتابعةُ اللَّذانِ هما شَرْطٌ لِقَبولِ كُلِّ عِبادةٍ) [467] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن عثيمين)) (1/ 84). .
2- توحيدُ الأُلوهيَّةِ يُحَقِّقُ الغايةَ مِن خَلْقِ الإنسانِ، وهي عِبادةُ اللهِ وَحْدَه.
قال اللهُ تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56].
وعنِ عبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: (إلَّا ليُقِرُّوا بالعُبوديَّةِ طَوعًا وكَرْهًا) [468] أخرجه ابن جرير في تفسيره (21/ 554). .
وعن أبي العَاليةِ قال: (أُسِّسَ الدِّينُ على الإخلاصِ لله وَحْدَه لا شَريكَ له) [469] أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (7/2146). .
وقال ابنُ عطيةَ: (معنى قَولِه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] أي: لآمُرَهم بالعِبادةِ، وأُوجِبَها عليهم، فعَبَّرَ عن ذلك بثَمَرةِ الأمرِ ومُقتَضاه) [470] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/ 216). .
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (التَّوحيدُ الذي هو أصلُ الإسلامِ، وهو دينُ اللهِ الذي بعَث به جميعَ رُسُلِه، وله خَلَقَ الخَلْقَ، وهو حَقُّه على عِبادِه: أن يَعبُدوه، ولا يُشرِكوا به شَيئًا) [471] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (4/ 133). .
وقال مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ الوَهَّابِ: (اعلَمْ -أرشَدَك اللهُ لطاعتِه- أنَّ الحنيفيَّةَ مِلَّةَ إبراهيمَ: أن تَعبُدَ اللهَ وَحْدَه مخلِصًا له الدِّينَ، وبذلك أمَرَ اللهُ جميعَ النَّاسِ، وخلَقَهم لها، كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] ومعنى يَعْبُدون: يُوَحِّدون. وأعظَمُ ما أمَرَ اللهُ به التَّوحيدُ، وهو إفرادُ اللهِ بالعِبادةِ، وأعظَمُ ما نهى عنه الشِّرْكُ، وهو دَعوةُ غَيرِه معه، والدَّليلُ قَولُه تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء: 36] ) [472] يُنظر: ((ثلاثة الأصول وأدلتها)) (ص: 8). .
وقال ابنُ باز: (إنَّ اللهَ جَلَّ وعلا خلَقَ الخَلْقَ لِيَعبُدوه، وأرْسلَ الرُّسُلَ وأنزَلَ الكُتُبَ لهذه الحِكمةِ العَظيمةِ؛ لدَعوةِ النَّاسِ إلى عِبادةِ اللهِ، وبَيانِها لهم، وإيضاحِها لهم؛ قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 56 - 58]، وقال سُبحانَه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 21] ، وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: 36] ) [473] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن باز)) (23/ 246). .
وقال ابنُ عثيمين: (الله سُبحانَه وتعالى خَلَق الجِنَّ والإنسَ لحِكمةٍ عَظيمةٍ وغايةٍ حَميدةٍ، وهي عبادتُه تبارك وتعالى كما قال سُبحانَه وتعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]، وقال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: 115] ، وقال تعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [القيامة: 36]، إلى غيرِ ذلك من الآياتِ الدَّالَّةِ على أنَّ لله تعالى حِكمةً بالِغةً مِن خَلقِ الجِنِّ والإنسِ، وهي عبادتُه، والعِبادةُ هي: "التذَلُّلُ لله عزَّ وجَلَّ مَحَبَّةً وتعظيمًا بفِعلِ أوامِرِه واجتِنابِ نواهيه على الوَجْهِ الذي جاءت به شَرائِعُه"، قال اللهُ تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة: 5]) [474] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن عثيمين)) (1/ 87). .
3- جميعُ الرُّسُلِ دَعَوا إلى توحيدِ اللهِ جلَّ وعلا وإخلاصِ العِبادةِ له.
قال اللهُ تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: 36] .
وقال اللهُ سُبحانَه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 25] .
عن قتادة قال: (أُرسِلَت الرُّسُلُ بالإخلاصِ والتَّوحيدِ، لا يُقبَلُ منهم عَمَلٌ حتَّى يقولوه، ويُقِرُّوا به) [475] أخرجه ابن جرير في تفسيره (16/ 250). .
وعن قتادةَ في قَولِ اللهِ تعالى: أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ [النحل: 2] قال: (إنَّما بَعَث اللهُ المرسَلينَ أن يُوَحِّدوا اللهَ وَحْدَه، ويُطاعَ أمْرُه، ويُجتَنَبَ سَخَطُه) [476] أخرجه ابن جرير في تفسيره (14/ 164). .
وقال ابنُ أبي العِزِّ: (اعلَمْ أنَّ التَّوحيدَ أوَّلُ دَعوةِ الرُّسُلِ، وأوَّلُ مَنازِلِ الطَّريقِ، وأوَّلُ مَقامٍ يقومُ فيه السَّالِكُ إلى اللهِ عزَّ وجَلَّ، قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: 59] ، وقال هودٌ عليه السَّلامُ لقَومِه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: 65] ، وقال صالحٌ عليه السَّلامُ لقَومِه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: 73] ، وقال شُعَيبٌ عليه السَّلامُ لقَومِه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: 85] ، وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: 36] ، وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 25] ، وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أُمرِتُ أن أقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدوا أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ ))؛ ولهذا كان الصَّحيحُ أنَّ أوَّلَ واجِبٍ يجِبُ على المكَلَّفِ شَهادةُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، لا النَّظَرُ، ولا القَصْدُ إلى النَّظَرِ، ولا الشَّكُّ، كما هي أقوالٌ لأربابِ الكلامِ المذمومِ، بل أئمَّةُ السَّلَفِ كُلُّهم مُتَّفِقونَ على أنَّ أوَّلَ ما يُؤمَرُ به العَبدُ الشَّهادتانِ... فالتَّوحيدُ أوَّلُ ما يَدخُلُ به في الإسلامِ، وآخِرُ ما يخرُجُ به من الدُّنيا، كما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن كان آخِرَ كَلامِه: لا إلهَ إلَّا اللهُ، دَخَل الجنَّةَ ))، وهو أوَّلُ واجبٍ وآخِرُ واجِبٍ؛ فالتَّوحيدُ أوَّلُ الأمرِ وآخِرُه، أعني: توحيدُ الإلَهيَّةِ) [477] يُنظر: ((شرح الطحاوية)) (1/ 21 - 24). .
وقال علي القاري: (إنَّما جاء الأنبياءُ عليهم السَّلامُ لبيانِ التوحيدِ وتبيانِ التفريدِ؛ ولذا أطبقت كَلِمتُهم، وأجمعت حُجَّتُهم على كَلِمةِ «لا إلهَ إلَّا اللهُ»، ولم يؤمَروا بأن يأمروا أهلَ مِلَّتِهم بأن يقولوا: «اللهُ موجودٌ»، بل قَصَدوا إظهارَ أنَّ غَيرَه ليس بمعبودٍ، ردًّا لِما توهَّموا وتخَيَّلوا؛ حيث قالوا -كما حكى اللهُ عنهم-: هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ، ومَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) [478])) يُنظر: ((شرح الفقه الأكبر)) (ص: 24). .
وقال الشَّوكاني: (لم يَبعَثِ اللهُ سُبحانَه رُسُلَه، ولا أنزَلَ عليهم كُتُبَه إلَّا لإخلاصِ تَوحيدِه، وإفرادِه بالعِبادةِ) [479] يُنظر: ((الفتح الرَّباني من فتاوى الإمام الشوكاني)) (1/ 173). .
وقال مبارك الميلي الجزائري: (إنَّ القُرآنَ العظيمَ يَقُصُّ علينا في جَلاءٍ ووُضوحٍ أنَّ أوَّلَ ما يدعو إليه الأنبياءُ والمرسَلون -صَلَواتُ اللهِ عليهم أجمعين- هو توحيدُ اللهِ، وأوَّلُ ما يُنكِرونَه على قَوْمِهم الشِّركُ ومَظاهِرُه، وعلى حُكمِ هذه السُّنَّةِ الرَّشيدةِ جاءت بَعثةُ خاتمِ النبيِّينَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فعُنِيَت بالدَّعوةِ إلى التوحيدِ، والتحَرُّزِ مِنَ الشِّركِ، والتحذيرِ منه، وما ذلك إلا لشِدَّةِ الحاجةِ إلى معرفتِه، وإنَّك لتَجِدُ تلك العنايةَ ظاهِرةً في الكتابِ وأطوارِ البَعثةِ وأركانِ الدِّينِ) [480] يُنظر: ((رسالة الشرك ومظاهره)) (ص: 44). .
وقال الشِّنقيطيُّ: (هذه الكَلِمةُ التي هي «لا إلهَ إلَّا اللهُ» هي التي قامت عليها السَّمَواتُ والأرضُ، وخُلِقَت لأجْلِ الحِسابِ عليها الجنَّةُ والنَّارُ، وأرسِلَ بها الرُّسُلُ، وهي محَلُّ المعارِكِ بيْن الرُّسُلِ وأُمَمِهم، وجميعُ الرُّسُلِ ما أُرسِلَ منهم نبيٌّ إلَّا بهذه الكَلِمةِ، وما تتضَمَّنُه مِنَ الشَّرائِعِ والأحكامِ، إذا نظَرْتَ في رسائِلِ الرُّسُلِ إجماعًا وتفصيلًا وجَدْتَ ذلك كما قُلْنا، وممَّا يدُلُّ عليه تفصيلًا أنَّ كُلَّ رَسولٍ إذا أُرسِلَ إلى قَومِه يبَيِّنُ القُرآنُ أنَّ أوَّلَ ما يقولُ لهم هو مضمونُ «لا إلهَ إلَّا اللهُ»، كقَولِه في قَصَصِهم في هذه السُّورةِ الكريمةِ: لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ [الأعراف: 59] ماذا قال لهم؟ قال: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأعراف: 59] ، ثم قال: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا [الأعراف: 65] ، ماذا قال لهم؟ قال: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: 65] ، ثمَّ قال: وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: 73] ، وكذلك قال في شُعَيبٍ: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: 85] ، وهكذا. وكذلك بالإجمال قَولُه تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 25] ، وفي القراءة الأخرى: إِلَّا يُوحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [النحل: 36] ) [481] يُنظر: ((العذب النمير)) (3/ 574). .
وقال ابنُ باز: (كُلُّ رَسولٍ يدعو أمَّتَه إلى توحيدِ اللهِ، وطاعتِه، وتَرْكِ الشِّرْكِ به ومَعصيتِه. قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: 36] ، اعبُدوا الله، يعني: أطيعُوه ووَحِّدوه، واستقيموا على دينِه، واجتَنِبوا الطَّاغوتَ) [482] يُنظر: ((شرح ثلاثة الأصول)) (ص: 79). .
وقال ابنُ عثيمين: (أعظَمُ ما دعا إليه الرُّسُلُ مِن أوَّلِهم نُوحٍ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى آخرِهم مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم التَّوحيدُ، كما قال اللهُ تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: 36] ، وقال عزَّ وجَلَّ: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 25] ) [483] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن عثيمين)) (6/ 150). .
4- توحيدُ الأُلوهيَّةِ مُتضَمِّنٌ لتَوحيدِ الرُّبوبيَّةِ ولتَوحيدِ الأسماءِ والصِّفاتِ
مَن عَبدَ اللهَ تعالى وَحْدَه، وآمَنَ بأنَّه المستَحِقُّ وَحْدَه للعِبادةِ، دَلَّ ذلك على أنَّه مُؤمِنٌ برُبوبِيَّتِه وبأسمائِه وصِفاتِه؛ لأنَّه لم يَفعَلْ ذلك إلَّا لأنَّه يَعتَقِدُ بأنَّ اللهَ تعالى وَحْدَه هو المتفَضِّلُ عليه وعلى جميعِ عِبادِه بالخَلْقِ والرِّزقِ، والتَّدبيرِ، وغَيرِ ذلك من خَصائِصِ الرُّبوبيَّةِ، وأنَّه تعالى له الأسماءُ الحُسنى والصِّفاتُ العُلا، التي تدُلُّ على أنَّه المستَحِقُّ للعِبادةِ وَحْدَه لا شَريكَ له.
ومع أهميَّةِ هذا التَّوحيدِ فقد جَحَده أكثَرُ الخَلْقِ، فأنكَروا أن يكونَ اللهُ تعالى هو المستَحِقَّ للعِبادةِ وَحْدَه لا شَريكَ له، وعَبَدوا غَيرَه معه [484] يُنظر: ((شرح الطحاوية)) لابن أبي العز (1/21، 23، 29، 41)، ((تطهير الاعتقاد)) للصنعاني (ص: 32)، ((تيسير العزيز الحميد)) لسليمان آل الشيخ (ص: 20)، ((معارج القبول)) لحافظ الحكمي (2/402)، ((تسهيل العقيدة)) للجبرين (ص: 54). !
قال محمَّدُ بنُ إبراهيمَ آل الشَّيخ: (توحيدُ الرُّبوبيَّةِ هو الأصلُ، وهو الدَّليلُ على توحيدِ الأُلوهيَّةِ، فإذا كان اللهُ تعالى هو المتفَرِّدَ بخَلْقِ السَّمَواتِ والأرضِ لم يُشرَكْ فيه مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبيٌّ مُرسَلٌ، فكونُه هو الخالِقَ وَحْدَه يقتضي أن يكونَ هو المعبودَ وَحْدَه؛ فإنَّه مِن أبعَدِ شَيءٍ أن يكونَ المخلوقُ مُساوِيًا للخالِقِ أو مُستَحِقًّا لِما يَستَحِقُّه الخالِقُ) [485] يُنظر: ((شرح كشف الشبهات)) (ص: 31). .
وقال ابنُ باز: (أوضَحَ أهْلُ العِلْمِ رحمهم اللهُ أنَّ توحيدَ الرُّبوبيَّةِ يستلزِمُ توحيدَ الأُلوهيَّةِ -وهو: إفرادُ اللهِ بالعِبادةِ- ويوجِبُ ذلك ويقتضيه؛ ولهذا احتَجَّ اللهُ عليهم بذلك.
وهكذا توحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ يَستَلزِمُ تَخصيصَ اللهِ بالعِبادةِ وإفرادَه بها؛ لأنَّه سُبحانَه هو الكامِلُ في ذاتِه وفي أسمائِه وصِفاتِه، وهو المنعِمُ على عبادِه، فهو المستَحِقُّ لأن يَعبُدوه ويُطيعوا أوامِرَه، ويَنتَهوا عن نواهيه) [486] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن باز)) (7/ 62). .
وقال ابنُ عثيمين: (لا رَيبَ أنَّ كُلَّ إنسانٍ عاقِلٍ يُقِرُّ بتوحيدِ الرُّبوبيَّةِ؛ فإنَّ إقرارَه ذلك حُجَّةٌ عليه أن يُقِرَّ بتوحيدِ الأُلوهيَّةِ؛ لأنَّه إذا كان يُقِرُّ بأنَّ الخالِقَ هو اللهُ، المدَبِّرُ هو اللهُ، والمالِكُ هو اللهُ، فكيف يكونُ هناك معبودٌ مع اللهِ؟ ومِن ثَمَّ تَجِدونَ اللهَ عزَّ وجَلَّ يقَرِّرُ توحيدَ الأُلوهيَّةِ بتوحيدِ الرُّبوبيَّةِ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 21] ؛ فجعل توحيدَ الرُّبوبيَّةِ دليلًا مُلزِمًا بتوحيدِ الأُلوهيَّةِ.
اعْبُدُوا رَبَّكُمْ هذا هو توحيدُ الأُلوهيَّةِ؛ أُلوهيَّةٌ بالنِّسبةِ للهِ، وعُبوديَّةٌ بالنِّسبةِ للخَلْقِ، الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، هذا هو توحيدُ الرُّبوبيَّةِ، فإذا كنتُم تُؤمِنونَ بذلك، فلماذا لا توَحِّدونَه بالعِبادةِ، لِماذا تَعبُدونَ الأصنامَ والأشجارَ معه؟! هذا دليلٌ عَقليٌّ لا يمكِنُ لأيِّ إنسانٍ عاقِلٍ أن يحيدَ عنه؛ ولهذا يَذكُرُ اللهُ ذلك مُلزِمًا لهؤلاء المشركين أن يقولوا بأنَّ اللهَ إلهٌ واحِدٌ، وصَدَق اللهُ عزَّ وجَلَّ) [487] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن عثيمين)) (7/ 349). .
وقال أيضًا: (توحيدُ الرُّبوبيَّةِ يَستلزِمُ توحيدَ الأُلوهيَّةِ؛ والتَّوحيدانِ يَستلزِمانِ كمالَ الأسماءِ والصِّفاتِ؛ ولهذا قال إبراهيمُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأبيه: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [مريم: 42] ) [488] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/ 430). .
5- أنَّ تحقيقَه سَبَبٌ لدُخولِ الجَنَّةِ والنَّجاةِ مِنَ النَّارِ
عن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال له: ((هل تَدْري ما حَقُّ اللهِ على عِبادِه؟)) قلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، قال: ((حَقُّ اللهِ على عِبادِه أن يَعبُدوه ولا يُشرِكوا به شيئًا ))، ثم قال: ((هل تدري ما حقُّ العبادِ على اللهِ إذا فَعَلوه؟)) قلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، قال: ((حَقُّ العِبادِ على اللهِ ألَّا يُعَذِّبَهم )) [489] أخرجه البخاري (5967) واللفظ له، ومسلم (30). .
وعن جابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((من مات لا يُشرِكُ باللهِ شَيئًا دَخَل الجنَّةَ، ومن مات يُشرِكُ باللهِ شَيئًا دَخَل النَّارَ )) [490] أخرجه مسلم (93). .
قال المَنَاوِيُّ في شرحِ حديثِ ((سبعون ألفًا يدخُلون الجنَّةَ بغيرِ حِسابٍ ولا عذابٍ )) [491] أخرجه البخاري (5752)، ومسلم (220) بنحوه. : (إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جعل الوَصْفَ الذي استحَقَّ به هؤلاء دُخولَها بغيِر حِسابٍ تحقيقَ التوحيدِ وتجريدَه، فلا يَسألون غيرَهم أن يَرْقِيَهم، «ولا يتطَيَّرون»؛ لأنَّ الطِّيَرةَ نوعٌ من الشِّركِ، «وعلى رَبِّهم يتوّكَّلون» قَدَّم الظَّرفَ ليفيدَ الاختصاصَ، أي: عليه لا على غيره) [492])) يُنظر: ((فيض القدير)) (4/92). .
وقال سُليمانُ بنُ عبدِ اللهِ آل الشيخِ في كلامِه على قَولِه تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ  [الأنعام: 82] : (فدَلَّت على فَضْلِ التوحيدِ وتكفيرِه للذُّنوبِ؛ لأنَّ من أتى به تامًّا فله الأمنُ التَّامُّ والاهتداءُ التَّامُّ، ودخل الجنَّةَ بلا عذابٍ، ومن أتى به ناقصًا بالذُّنوبِ التي لم يَتُبْ منها، فإن كانت صغائِرَ كُفِّرت باجتنابِ الكبائِرِ؛... وإن كانت كبائِرَ فهو في حُكمِ المشيئةِ؛ إن شاء الله غَفَر له، وإن شاء عَذَّبه، ومآلُه إلى الجنَّةِ) [493])) يُنظر: ((تيسير العزيز الحميد)) (ص: 51). .
وقال ابنُ عاشور: (المعنى: الذين آمنوا باللهِ ولم يُشرِكوا به غَيْرَه في العِبادةِ... لَهُمُ الْأَمْنُ، والمراد: الأمنُ من عذابِ الدُّنيا بالاستئصالِ ونحوِه، وما عُذِّبَت به الأُمَمُ الجاحِدةُ، ومن عذابِ الآخرةِ؛ إذ لم يكُنْ مطلوبًا منهم حينئذٍ إلَّا التوحيدُ) [494])) يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/ 332). .
وقال ابنُ باز: (من مات على التَّوحيدِ لا يُشرِكُ باللهِ شَيئًا فإنَّه من أهلِ الجنَّةِ وإن زنى وإن سرق، وهكذا لو فَعَل معاصيَ أخرى، كالعُقوقِ والرِّبَا وشَهادةِ الزُّورِ، ونحوِ ذلك؛ فإنَّ العاصيَ تحت مَشيئةِ اللهِ؛ إن شاء رَبُّنا غفر له، وإن شاء عَذَّبَه على قَدْرِ معاصيه إذا مات غيرَ تائبٍ، ولو دَخَل النَّارَ وعُذِّبَ فيها فإنَّه لا يخَلَّدُ، بل سوف يخرُجُ منها إلى الجنَّةِ بعد التَّطهيرِ والتَّمحيصِ) [495] يُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) (6/ 51). .
وقال أيضًا: (إنَّ ما جاء في فَضلِ التَّوحيدِ ومن مات عليه فهو من أهلِ الجنَّةِ: إنَّما يكونُ بالتزامِه أُمورَ الإسلامِ، ومِن ذلك أمرُ الصَّلاةِ، من التزَمَ بها حَصَل له ما وُعِد به المتَّقون، ومن أبى حصل عليه ما تُوُعِّدَ به غيرُ المتَّقينَ، ولو أنَّ إنسانًا قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، ووَحَّد اللهَ ثم جَحَد وُجوبَ الصَّلاةِ، كفَرَ، ولا ينفَعُه قَولُه: لا إلهَ إلَّا اللهُ، أو توحيدُه لله مع جَحْدِه وجوبَ الصَّلاةِ، فهكذا مَن تَرَكها تساهُلًا وعَمْدًا وقِلَّةَ مُبالاةٍ: حُكمُه حُكمُ من جَحَد وجوبَها في الصَّحيحِ مِن قَولَيِ العُلَماءِ، ولا تنفَعُه شهادتُه بأنَّه لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ لأنَّه تَرَك حَقَّها؛ لأنَّ مِن حَقِّها أن يؤدِّيَ المرءُ الصَّلاةَ، وهكذا لو وَحَّد اللهَ وأقَرَّ بأنَّه لا إلهَ إلَّا اللهُ، ولكِنَّه استهزأ بشَيءٍ مِن دينِ اللهِ؛ فإنَّه يَكفُرُ، كما قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: 65، 66]) [496] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن باز)) (10/ 264). .
وقال ابنُ عثيمين: (تحقيقُ التَّوحيدِ: تخليصُه مِن الشِّرْكِ، ولا يكونُ إلَّا بأمورٍ ثلاثةٍ:
الأوَّلُ: العِلمُ، فلا يمكِنُ أن تحَقِّقَ شَيئًا قَبلَ أن تَعلَمَه؛ قال اللهُ تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد: 19]
الثَّاني: الاعتِقادُ، فإذا عَلِمْتَ ولم تعتَقِدْ واستكبَرْتَ، لم تحَقِّقِ التَّوحيدَ؛ قال اللهُ تعالى عن الكافِرينَ: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: 5] ، فما اعتَقَدوا انفرادَ اللهِ بالأُلوهيَّةِ.
الثَّالث: الانقيادُ، فإذا عَلِمْتَ واعتقَدْتَ ولم تنْقَدْ، لم تحَقِّقِ التَّوحيدَ؛ قال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ [الصافات: 35، 36]، فإذا حَصل هذا وحَقَّق التَّوحيدَ، فإنَّ الجنَّةَ مَضمونةٌ له بغيرِ حِسابٍ، ولا يحتاجُ أن نقولَ: إن شاء اللهُ؛ لأنَّ هذا حكايةُ حُكمٍ ثابتٍ شَرعًا، أمَّا بالنِّسبةِ للرَّجُلِ المعَيَّنِ، فإنَّنا نقولُ: إن شاء اللهُ) [497] يُنظر: ((القول المفيد)) (1/ 91).

انظر أيضا: