الموسوعة العقدية

المَبحَثُ الأوَّلُ: الجَهْلُ

تمهيدٌ
مسألةُ العُذْر بالجَهْلِ مِن مَسائِلِ العَقيدةِ المُهِمَّةِ التي ينبغي الاعتِناءُ بها وضَبطُها جَيِّدًا، والمقصودُ بهذه المسألةِ هو تحريرُ القَولِ فيمَن وقَعَ في الكُفرِ أو الشِّركِ جاهِلًا، كيف يُعامل؟ هل يُعاقَبُ في الدُّنيا؟ وهل يَستَحِقُّ العذابَ في الآخِرةِ؟ أم يُعذَرُ في ذلك أو في بَعْضِه؟
وقد أخطَأَ في هذه المسألةِ طائِفتانِ:
1- طائِفةٌ جَعَلت الجَهْلَ عُذرًا بإطلاقٍ في جميعِ المَسائِلِ، وفي جميعِ الأحوالِ، دونَ اعتبارٍ للضَّوابِطِ التي وضَعَها أئمَّةُ أهلِ السُّنَّةِ، وغالى بعضُ أصحابِ هذا القِسمِ حتَّى وضع شروطًا يستحيلُ معها تكفيرُ المعَيَّنِ، بحُجَّةِ أنَّه يَنطِقُ بالشَّهادَتينِ، ولم يُكَفِّروا إلَّا المعانِدَ.
2- وطائفةٌ لم تَجعَلِ الجَهْلَ عُذرًا في جميعِ الأحوالِ، وفي جميعِ المَسائِلِ؛ فسارعوا في تكفيرِ مَن تلبَّس بالشِّركِ أو الكُفرِ، دونَ اعِتبارٍ للضَّوابِطِ والموانِعِ التي قد تمنَعُ مِن تكفيرِ المعيَّنِ.
وهدى اللهُ أهلَ السُّنَّةِ للحَقِّ والصَّوابِ والوَسَطيَّةِ، كما هداهم للوَسَطيَّةِ في سائِرِ أُمورِ الاعتِقادِ، فليس كُلُّ جَهْلٍ يُعذَرُ فيه الإنسانُ؛ فهناك جَهْلٌ يُعذَرُ فيه، وجَهْلٌ لا يُعذَرُ فيه؛ فما كان ناشِئًا عن تفريطٍ وإهمالٍ مع قيامِ المقتَضِي للتعَلُّمِ، وكان العِلمُ إذ ذاك مستفيضًا؛ فإنَّه لا يُعذَرُ فيه، وما كان ناشئًا عن خِلافِ ذلك، أي: أنَّه لم يُهمِلْ ولم يُفَرِّطْ، ولم يَقُمِ المقتضي للتعَلُّمِ، بأن كان يجَهْلُ تمامًا أنَّ هذا الشَّيءَ حَرامٌ أو كُفرٌ، وكان الجَهلُ مُنتشِرًا، وقَلَّ العِلمُ بآثارِ الرِّسالةِ؛ فإنَّه يُعذَرُ فيه في الدُّنيا، وفي الآخِرةِ أمْرُه إلى اللهِ تعالى، يأمُرُه ويمتَحِنُه، فإن أطاع اللهَ دَخَل الجنَّةَ، وإن عصى دَخَل النَّارَ.
قال ابنُ تَيميَّةَ: (نصوصُ الوَعيدِ التي في الكتابِ والسُّنَّةِ، ونصوصُ الأئمَّةِ بالتكفيرِ والتفسيقِ ونحوِ ذلك، لا يستلزِمُ ثبوتُ مُوجِبِها في حَقِّ المعَيَّنِ إلَّا إذا وُجِدَت الشُّروطُ وانتَفَت الموانِعُ، لا فَرْقَ في ذلك بين الأُصولِ والفُروعِ. هذا في عذابِ الآخرةِ؛ فإنَّ المستَحِقَّ للوعيدِ من عذابِ اللهِ ولَعنتِه وغَضَبِه في الدَّارِ الآخرةِ خالِدٌ في النَّارِ أو غيرُ خالدٍ، وأسماءُ هذا الضَّربِ من الكُفرِ والفِسقِ يدخُلُ في هذه القاعدةِ، سواءٌ كان بسبَبِ بِدعةٍ اعتقاديَّةٍ أو عباديَّةٍ، أو بسَبَبِ فُجورٍ في الدُّنيا، وهو الفِسقُ بالأعمالِ) [1428] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (10/ 372). .
وقال أيضًا: (تكفيرُ المعَيَّنِ من هؤلاء الجُهَّالِ وأمثالِهم -بحيثُ يُحكَمُ عليه بأنَّه من الكُفَّارِ- لا يجوزُ الإقدامُ عليه إلَّا بعد أن تقومَ على أحَدِهم الحُجَّةُ الرِّساليَّةُ التي يتبيَّنُ بها أنَّهم مخالِفون للرُّسُلِ، وإن كانت هذه المقالةُ لا ريبَ أنَّها كُفرٌ. وهكذا الكلامُ في تكفيرِ جميعِ المعَيَّنين، مع أنَّ بعضَ هذه البِدعةِ أشَدُّ من بعضٍ، وبعضُ المبتَدِعةِ يكونُ فيه من الإيمانِ ما ليس في بعضٍ، فليس لأحَدٍ أن يُكَفِّرَ أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغَلِطَ، حتى تقامَ عليه الحُجَّةُ، وتُبَيَّنَ له المحجَّةُ، ومن ثبت إيمانُه بيقينٍ لم يَزُلْ ذلك عنه بالشَّكِّ؛ بل لا يزولُ إلَّا بعد إقامةِ الحُجَّةِ، وإزالةِ الشُّبهةِ) [1429] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (12/ 500). .
ويَحسُنُ التنبيهُ هنا إلى أنَّ بَعضَ صُوَرِ العُذْرِ بالجَهْلِ هي من المَسائِلِ الاجتهاديَّةِ التي يَسُوغُ فيها الخِلافُ بيْن العُلَماءِ، وبَعضُها قد يكون خِلافًا لَفظيًّا فقط، ولا يُضلَّلُ المخالِفُ فيها ولا يُبدَّعُ، فضلًا عن أن يُكفَّرَ.
والظَّنُّ بخلافِ ذلك أدَّى إلى ادِّعاءِ البَعضِ دعوى الإجماعِ فيما ليس فيه إجماعٌ، حتى يقَوِّيَ حُجَّتَه مِن جِهةٍ، ولأنَّه اعتقد أنَّها من مسائِلِ العقيدةِ التي يُبَدَّعُ مُخالِفُها؛ فأراد تنزيهَ العُلَماءِ عن ذلك، كما أنَّه أدَّى كذلك إلى الغُلُوِّ في التَّبديعِ والتَّضليلِ، بل والتَّكفيرِ، حتى وصل بالبَعضِ إلى تكفيرِ العاذِرِ نَفْسِه، فضلًا عمَّن وقع في الشِّركِ!
قال سُلَيمانُ بنُ سَحمانَ: (لَو قُدِّر أَنَّ أحدًا من الْعُلَمَاءِ توقَّف عَن القَوْل بِكفْر أحدٍ من هَؤُلَاءِ الْجُهَّالِ المقَلِّدينَ للجَهميَّةِ أَو الْجُهَّالِ المقَلِّدينَ لعُبَّادِ الْقُبُورِ، أمكَنَ أَن نعتَذِرَ عَنهُ بِأنَّه مُخطئٌ مَعْذُورٌ، وَلَا نقُولُ بِكُفْرِه؛ لعَدَمِ عِصمتِه من الْخَطَأِ) [1430] يُنظر: ((كشف الأوهام والالتباس)) (ص: 70). .
وجاء في فتاوى اللَّجنةِ الدَّائمةِ برئاسةِ ابنِ باز: (لا يجوزُ لطائفةِ الموَحِّدين الذين يعتَقِدون كُفرَ عُبَّادِ القُبورِ أن يُكَفِّروا إخوانَهم الموَحِّدين الذين توَقَّفوا في كُفْرِهم حتى تقامَ عليهم الحُجَّةُ؛ لأنَّ توَقُّفَهم عن تكفيرِهم له شُبهةٌ، وهي اعتقادُهم أنَّه لا بدَّ من إقامةِ الحُجَّةِ على أولئك القُبوريِّين قبل تكفيرِهم، بخِلافِ من لا شُبهةَ في كُفْرِه؛ كاليَهودِ والنَّصارى والشيوعيِّين وأشباهِهم، فهؤلاء لا شُبهةَ في كُفْرِهم، ولا في كُفْرِ مَن لم يُكَفِّرْهم) [1431] يُنظر: ((فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى)) (2/151). .
وقال ابنُ عُثَيمين: (الاختِلافُ في مسألةِ العُذْر بالجَهْلِ كغَيرِه مِنَ الاختِلافاتِ الفِقهيَّةِ الاجتِهاديَّةِ، ورُبَّما يكونُ اختِلافًا لَفظيًّا في بعضِ الأحيانِ؛ مِن أجلِ تَطبيقِ الحُكمِ على الشَّخصِ المعَيَّنِ، أي: أنَّ الجَميعَ يتَّفِقونَ على أنَّ هذا القَولَ كُفرٌ، أو هذا الفِعلَ كُفرٌ، أو هذا التَّرْكَ كُفرٌ، ولكِنْ هل يَصدُقُ الحُكمُ على هذا الشَّخصِ المعَيَّنِ لقيامِ المقتضي في حَقِّه وانتِفاءِ المانِعِ، أو لا ينطَبِقُ لفواتِ بَعضِ المقتَضَياتِ، أو وُجودِ بَعضِ الموانِعِ؟) [1432] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن عثيمين)) (7/37). .

  • المَطْلَب الأوَّلُ: أدِلَّة العُذرِ بالجَهْلِ.
  • المَطْلَبُ الثَّاني: أحوالُ الجاهِلِ مُرتَكِبِ الكُفرِ.
  • المَطْلَب الثَّالث: الكُفرُ الذي ارتكَبَه الجاهِلُ.
  • انظر أيضا: