الموسوعة العقدية

الكِتابُ التَّاسِع: نَواقِض الإيمانِ ونواقِصُه

تمهيدٌ في تعريفِ النَّاقِضِ لُغةً واصطِلاحًا والأحْكامِ المتَرتِبةِ على وجُودِه
 النَّاقِضُ في اللُّغةِ: هو المُبطِلُ المُفسِدُ، والنَّقْضُ: إفسادُ ما أَبرمْتَ من عَقدٍ أو بِناءٍ، وأصلُ (نقض): يَدُلُّ على نَكْثِ شَيْءٍ [961] يُنظَر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري (8/ 269)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/ 470)، ((المفردات)) للراغب (ص: 821). .
النَّاقِضُ في الاصطلاحِ:
هو الاعِتقادُ أو الشَّكُ أو القَولُ أو الفِعلُ أو تَرْكُ الفِعْلِ، الذي ينتفي به إيمانُ العبدِ ويزولُ، ويُخرِجُه من دائرةِ الإسلامِ والإيمانِ إلى حظيرةِ الكُفرِ؛ سواءٌ كان ذلك اعتقادًا أو عنادًا مع التَّصديقِ، أو استهزاءً ولَعِبًا [962] يُنظر: ((الشريعة)) للآجري (1/550-653)، ((الإبانة الكبرى)) لابن بطة (2/763-826)، ((الشفا)) لعياض (2/211-304)، ((الحدود والتعزيرات عند ابن القيم)) لبكر أبو زيد (ص: 434). .
النَّاقِصُ في اللُّغةِ: من النَّقْصِ: الذي هو خِلَافُ الزِّيادةِ، والنَّقْصُ في الشَّيءِ: ذَهابُ شَيءٍ منه بَعدَ تَمامِه [963] يُنظَر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/ 470)، ((المفردات)) للراغب (ص: 821)، ((تاج العروس)) للزبيدي (18/ 187). .
النَّاقِصُ في الاصطلاحِ: هو كُلُّ قَولٍ أو فِعلٍ أو اعتقادٍ حَكَم الشَّارعُ بأنَّه يَنقُصُ الإيمانَ ولا يَنقُضُه.
ونواقِضُ الإسلامِ أو نواقِضُ التَّوحيدِ: هي الخِصالُ المفسِدةُ لمعنى الشَّهادةِ، فإذا وُجِدَ في العبدِ ناقِضٌ مِن النَّواقِضِ فإنَّه لا يكونُ مِن المُسلِمينَ، ولا تجري عليه أحكامُهم، وهذا في الجُمْلة.
والأحكامُ المُترَتِّبةُ على وُجودِ النَّاقِضِ نَوعانِ:
الأوَّلُ: عَدَمُ دُخولِه في الإسلامِ إن وُجِدَ النَّاقِضُ معه، فيَكونُ قد نَطَق بالشَّهادَةِ، واعتَقَد مَدلولَها، وعَمِلَ بمُوجِباتِها، ولكِنْ معَ وُجودِ ما يُناقِضُها فيه وعدَمِ زَوالِه؛ فلا تَنفَعُه.
الثَّاني: أن يَرِدَ عليه النَّاقِضُ بَعْدَ دُخولِه في الإسلامِ، فيكونُ بوُرودِه عليه مُرتَدًّا، خارجًا عن دينِ الإسلامِ.
وهذه النَّواقِضُ في الجُملةِ هي:
1- الجَهلُ بمعنى الشَّهادةِ؛ فإنَّ قَولَها لا يَنفَعُ المتكَلِّمَ بها بلا عِلمٍ بمعناها.
2- الشَّكُّ والترَدُّدُ في مَدلولِها أو بَعْضِه؛ لأنَّه بذلك يَفرِضُ جوازَه وعَدَمَه، حتَّى ولو رَجَح أحدُ الطَّرَفينِ، فلا بُدَّ مِنَ اليَقينِ.
3- الإعراضُ عن معناها وعن قَبولِ اعتِقادِه؛ فإنَّ مُشْرِكي العَرَبِ كانوا يَعلَمونَ معناها، لكِنَّهم رافِضونَ له، غيرُ راضِينَ به.
4- تَرْكُ العَمَلِ بمُوجِبِها جُملةً وتَفصيلًا، فلا يصَلِّي، ولا يصومُ، ولا يحُجُّ، ولا يزكِّي، ولا يَعمَلُ أيَّ عَمَلٍ مِن أعمالِ الإسلامِ.
5- النِّفاقُ، بأن يُبدِيَ الإيمانَ ويُضمِرَ الكُفرَ، والواجِبُ أن يُصَدِّقَ القَلبُ اللِّسانَ الذي نَطَق بكَلِمةِ التَّوحيدِ.
6- الشِّرْكُ باللهِ؛ فإنَّ البراءةَ مِن الشِّرْكِ ونَفْيَ الشُّرَكاءِ رُكنٌ في شهادةِ التَّوحيدِ.
7- البُغضُ لهذه الكَلِمةِ وما تحمِلُه من معنًى، وعداءُ أهلِها، وصَدُّ النَّاسِ عنها، والدَّعوةُ إلى ما يُضادُّها، ونُصرةُ المُشْرِكينَ، ومحَبَّتُهم، واتِّخاذُهم أولياءَ مِن دُونِ اللهِ.
وقد قسَّمَ بَعضُ العُلَماءِ النَّواقِضَ إلى أربعةِ أنواعٍ، هي:
1- النَّاقِضُ القَوليُّ، كـسَبِّ اللهِ سُبحانَه، والبراءةِ مِن دينِ الإسلامِ، والاستغاثةِ بغيرِ اللهِ.
2- النَّاقِضُ الفِعليُّ، كالسُّجودِ لغَيرِ اللهِ تعالى.
3- النَّاقِضُ الاعتِقاديُّ، كاعتِقادِ تعَدُّدِ الإلهِ، أو أنَّ هناك من يُجيبُ الدُّعاءَ، ويَكشِفُ الضُّرَّ سِواه.
4- الشَّكُّ في شيءٍ مِن مَدلولاتِها، كالشَّكِّ في كَونِ اللهِ إلهًا واحِدًا أو أكثَرَ، وفي كونِ الكاشفِ للضُّرِّ اللهَ أو غَيرَه.
ومنهم من اختار تقسيمًا آخر، وهو:
1- النَّواقِضُ المتعَلِّقةُ بالذَّاتِ والإلَهيَّةِ؛ كالشِّرْكِ، وإنكارِ الصِّفاتِ والأسماءِ، وإنكارِ الرُّبوبيَّةِ.
2- النَّواقِضُ المتعَلِّقةُ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ كإنكارِ ما جاء به الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أو إنكارِ بَعضِ ما جاء به، وجَحْدِه.
3- النَّواقِضُ المتعَلِّقةُ بالشَّريعةِ؛ كتجويزِ التعَبُّدِ بغَيرِها والتَّحاكُمِ لِغَيرِها، أو تحليلِ الحرامِ وتحريمِ الحلالِ، أو إنكارِ ما هو معلومٌ بالضَّرورةِ مِن دينِ الإسلامِ، أو الاستهزاءِ بالدِّينِ وأهلِه.
4- النَّواقِضُ المتعَلِّقةُ بأعداءِ اللهِ؛ كموالاةِ المُشْرِكينَ، ومُظاهَرتِهم، ومُعاوَنتِهم على المُسلِمين، والسِّحرِ، والكِهانةِ.
وهذه التَّقاسيمُ مهما تنَوَّعَت فإنَّها مُتَّفِقةٌ غَيرُ مختَلِفةٍ في جُملتِها، فأصلُ الفِكرةِ ومَعناها واحِدٌ [964] يُنظر: ((المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية)) لإبراهيم البريكان (ص: 111)، ((تسهيل العقيدة الإسلامية)) لعبد الله الجبرين (ص: 64)، ((نواقض الإيمان الاعتقادية)) للوهيبي، ((نواقض الإيمان القولية والعملية)) لعبد العزيز آل عبد اللطيف. .
قال مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ الوَهَّابِ: (اعلَمْ أنَّ نواقِضَ الإسلامِ عَشَرةُ نواقِضَ:
الأوَّلُ: الشِّرْكُ في عِبادةِ اللهِ وَحْدَه لا شَريكَ له؛ قال اللهُ تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: 48] ، إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة: 72] ، ومنه: الذَّبحُ لغَيرِ اللهِ، كمَن يَذبَحُ للجِنِّ أو للقَبرِ.
الثَّاني: مَن جَعَل بيْنه وبيْن اللهِ وَسائِطَ يَدعوهم ويَسألُهم الشَّفاعةَ، ويتوكَّلُ عليهم، كَفَر إجماعًا.
الثَّالِثُ: من لم يُكَفِّرِ المُشْرِكينَ، أو شَكَّ في كُفْرِهم، أو صَحَّح مَذْهَبَهم، كَفَر.
الرَّابعُ: من اعتَقَد أنَّ غَيرَ هَدْيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أكمَلُ مِن هَدْيِه، أو أنَّ حُكمَ غَيرِه أحسَنُ مِن حُكمِه، كالذين يُفَضِّلونَ حُكمَ الطَّواغيتِ على حُكمِه، فهو كافِرٌ.
الخامِسُ: من أبغَضَ شَيئًا ممَّا جاء به الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولو عَمِلَ به؛ كَفَر.
السَّادِسُ: مَن استهزَأَ بشَيءٍ مِن دِينِ اللهِ، أو ثَوابِه، أو عِقابِه؛ كَفَر، والدَّليلُ قَولُه تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: 65، 66].
السَّابِعُ: السِّحرُ، ومنه الصَّرفُ والعَطفُ؛ فمَن فَعَله أو رَضِيَ به، كَفَر، والدَّليلُ قَولُه تعالى: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ [البقرة: 102].
الثَّامِنُ: مُظاهَرةُ المُشْرِكينَ ومُعاونَتُهم على المُسلِمين، والدَّليلُ قَولُه تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: 51] .
التَّاسِعُ: مَن اعتَقَد أنَّ بَعضَ النَّاسِ يَسَعُه الخُروجُ عن شَريعةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كما وَسِعَ الخَضِرَ الخُروجُ عن شريعةِ مُوسى عليه السَّلامُ؛ فهو كافِرٌ.
العاشِرُ: الإعراضُ عن دينِ اللهِ، لا يتعَلَّمُه، ولا يَعمَلُ به، والدَّليلُ قَولُه تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ [السّجدة: 22]. ولا فَرْقَ في جميعِ هذه النَّواقِضِ بيْن الهازِلِ والجادِّ والخائِفِ، إلَّا المُكْرَهَ، وكُلُّها من أعظَمِ ما يكونُ خَطَرًا، وأكثَرِ ما يكونُ وُقوعًا؛ فينبغي للمُسلِمِ أن يَحذَرَها، ويخافَ منها على نَفْسِه، نعوذُ باللهِ مِن مُوجِباتِ غَضَبِه، وأليمِ عِقابِه) [965] يُنظر: ((الدرر السنية)) (2/ 361)، ((العقيدة الصحيحة وما يضادها ونواقض الإسلام)) لابن باز (ص: 36 - 40). .
وقال ابنُ باز: (مُبطِلاتُ الإسلامِ هي نواقِضُ الإسلامِ، النَّواقِضُ أسبابُ الرِّدَّةِ قد بَيَّنَها العُلَماءُ في بابٍ مُستَقِلٍّ في كتُبِ الفِقهِ، سَمَّوه بابَ حُكمِ المرتَدِّ، ذكروه في أواخِرِ كُتُبِ الفِقْهِ عندما ذَكَروا الدِّيَاتِ والقَوَدَ والحُدودَ، ذكَروا هذا البابَ؛ ففي إمكانِك أن تراجِعَ هذا البابَ في كُتُبِ الحنابِلةِ والشَّافِعيَّةِ والمالِكيَّةِ والحَنَفيَّةِ وكُتُبِ أهلِ الحديثِ؛ حتَّى تستفيدَ مِن هذه الكُتُبِ العظيمةِ، المقصودُ: أنَّ هذا البابَ بابٌ عَظيمٌ ذَكَروا فيه نواقِضَ الإسلامِ، وأعظَمُها الشِّرْكُ باللهِ عزَّ وجَلَّ؛ أن يدعوَ الأوثانَ، يدعو أصحابَ القُبورِ، أو يدعو النُّجومَ، أو يدعو الأصنامَ، أو يدعو الأشجارَ والأحجارَ، يستغيثُ بها أو يُنذِرُ لها أو يَذبَحُ لها، هذا من الشِّرْكِ الأكبَرِ باللهِ تعالى. ومن نواقضِ الإسلامِ سَبُّ الدِّينِ، كَونُه يَسُبُّ الدِّينَ، يَسُبُّ الإسلامَ أو يَعيبُه، أو يتنَقَّصُ الإسلامَ، هذا من نواقِضِ الإسلامِ، ومِن نواقِضِ الإسلامِ الاستِهزاءُ بالدِّينِ، الاستِهزاءُ بما قاله اللهُ ورَسولُه، أو الاستِهزاءُ بالرَّسولِ أو بالقُرْآنِ، هذا مِن نواقِضِ الإسلامِ، كذلك إذا استحَلَّ ما حرَّمَ اللهُ، إذا قال: الزِّنا حلالٌ، أو الخَمرُ حَلالٌ، أو الرِّبَا حلالٌ؛ يكونُ رِدَّةً عن الإسلامِ بإجماعِ المُسلِمينَ، كذلك إذا أسقَطَ ما أوجَبَ اللهُ؛ مِثلُ الذي يقولُ: الصَّلاةُ ما هي واجبةٌ، أو صومُ رَمَضانَ ما هو بواجِبٍ على المكَلَّفينَ، الزَّكاةُ غيرُ واجِبةٍ، أو الحَجُّ ما هو بواجِبٍ على المستَطيعِ، هذا كُلُّه رِدَّةٌ عن الإسلامِ) [966] يُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) (4/ 105). .

  • البابُ الأوَّلُ: تعريفُ الكُفْرِ والرِّدَّةِ وبيانُ أنواعِ الكُفْرِ، وضوابِطُ التَّكفيرِ عند أهلِ السُّنَّة والجماعةِ .
  • البابُ الثَّاني: نواقِضُ الإيمانِ في بابِ التَّوحيدِ.
  • البابُ الثَّالثُ: نواقِضُ الإيمانِ في بابِ النُّبُوَّاتِ .
  • البابُ الرَّابِعُ: نواقِضُ الإيمانِ في سائِرِ الغيبيَّاتِ.
  • البابُ الخامِسُ: نواقِضُ الإيمانِ الأُخرى.
  • البابُ السادس: تَرْكُ العَمَلِ بالكُلِّيَّةِ ناقِضٌ من نواقِضِ الإيمانِ .
  • انظر أيضا: