الموسوعة العقدية

الفَصلُ الثَّالِثُ: حُكمُ من مات من أطفالِ المُسلِمينَ

أطفالُ المُسلِمين الذين لم يَبلُغوا الحُلُمَ في الجنَّةِ إن شاء اللهُ تعالى بفَضْلِه ورَحمتِه.
قال الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور: 21].
فاستُدلَّ بقَولِه تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: 38] على أنَّ أطفالَ المُؤمِنين في الجَنَّةِ؛ لأنَّهم لم يَكتَسِبوا فيُرتَهَنوا بكَسْبِهم.
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((صِغارُهم دَعاميصُ الجَنَّةِ  [905]قال ابنُ الأثيرِ: (أي: أنَّهم سَّياحون في الجنَّةِ دَخَّالون في منازِلِها لا يُمنَعونَ مِن مَوضِعٍ، كما أنَّ الصِّبيانَ في الدُّنيا لا يُمنَعونَ مِنَ الدُّخولِ على الحُرَمِ ولا يحتَجِبُ منهم أحَدٌ) ((النهاية)) (2/ 120). وقال النَّوويُّ: ("صِغارُهم دَعاميصُ الجنَّةِ" هو بالدَّالِ والعَينِ والصَّادِ المُهمَلاتِ، واحِدُهم دُعْمُوصٌ -بضَمِّ الدَّالِ- أي: صِغارُ أهلِها، وأصلُ الدُّعموصِ دُوَيبَّةٌ تكونُ في الماءِ لا تُفارِقُه، أي: أنَّ هذا الصَّغيرَ في الجنَّةِ لا يفارِقُها) ((شرح مسلم)) (16/ 182). ، يتلَقَّى أحَدُهم أباه -أوْ قَال: أبَوَيه- فيأخُذُ بثَوبِه -أو قَال: بيَدِه- كما آخُذُ أنا بصَنِفةِ ثَوبكِ  [906]قال أبو العبَّاسِ القُرطبيُّ: (قال الجَوهريُّ: صَنِفةُ الإزارِ -بكَسْرِ النُّونِ-: طُرَّتُه، وهو جانِبُه الذي لا هُدْبَ له، ويقالُ: هي حاشِيةُ الثَّوبِ، أيَّ جانبٍ كان) ((المفهم)) (6/ 641). وقال النَّوويُّ: (هو طرَفُه) ((شرح مسلم)) (16/ 182). هذا، فلا يتناهى، -أو قَال: فلا ينتهي- حتى يُدخِلَه اللهُ وأباه الجَنَّة )) [907] أخرجه مسلم (2635). .
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ذراريُّ المُسلِمين في الجنَّةِ يَكفُلُهم إبراهيمُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم )) [908] [ضعيف] أخرجه أحمد (8307) واللَّفظُ له، وابن حبان (7446)، والحاكم (3399). .
وقد عقد البُخاريُّ في صحيحِه بابًا عَنْون له بقَولِه: (بابُ فَضلِ من مات له وَلَدٌ فاحتَسَبَ)، وأورد فيه حديثَ أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ما مِنَ النَّاسِ مِن مُسلِمٍ يُتوفَّى له ثلاثٌ لم يَبْلُغوا الحِنْثَ، إلَّا أدخَلَه اللهُ الجنَّةَ بفَضْلِ رَحمتِه إيَّاهم )) [909] أخرجه البخاري (1248). .
وذكَرَ أيضًا حديثَ أبي سعيدٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النساءَ قُلْنَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اجعَلْ لنا يومًا، فوعَظَهنَّ، وقال: ((أيُّما امرأةٍ مات لها ثلاثةٌ مِنَ الولَدِ، كانوا حِجابًا مِنَ النَّارِ. قالت امرأةٌ: واثنانِ؟ قال: واثنانِ )) [910] أخرجه البخاري (1249) واللفظ له، ومسلم (2633). .
وذكر أيضًا حديثَ البراءِ رَضِيَ اللهُ عنه قال: لَمَّا تُوفِّيَ إبراهيمُ عليه السَّلَامُ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ له مُرْضِعًا في الجَنَّةِ )) [911] أخرجه البخاري (1382). .
ووَجهُ الدَّلالةِ مِن الأحاديثِ التي ساقها البُخاريُّ على أنَّ أطفالَ المُؤمِنين في الجنَّةِ، كما يقولُ ابنُ حَجَرٍ: (إنَّ من يكونُ سببًا في حَجَبِ النَّارِ عن أبويه أَولى بأن يُحجَبَ هو؛ لأنَّه أصلُ الرَّحمةِ وسَبَبُها) [912] يُنظر: ((فتح الباري)) (3/244). .
وعن أبي ذَرٍّ مرفوعًا: ((ما من مُسلِمينِ يموتُ لهما ثلاثةٌ من الوَلَدِ لم يبلغوا الحِنْثَ إلَّا أدخَلَهم اللهُ الجنَّةَ بفَضْلِ رحمتِه إيَّاهم )) [913] أخرجه من طرق: النسائي (1874)، وأحمد (21358) واللَّفظُ له. صحَّحه ابنُ حبَّان في ((صحيحه)) (2940)، والألباني في ((صحيح سنن النسائي)) (1874)، وصحَّح إسنادَه شعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (21358). .
وقال النوويُّ: (أجمع من يُعتَدُّ به من عُلَماء المُسلِمين على أنَّ من مات من أطفالِ المُسلِمين فهو من أهلِ الجنَّةِ؛ لأنَّه ليس مُكَلَّفًا) [914] يُنظر: ((شرح مسلم)) (16/207). .

انظر أيضا: