الموسوعة العقدية

المَبحثُ الثَّاني: ضوابِطُ أهلِ السُّنَّةِ في مسألةِ اجتِماعِ الإيمان وبَعضِ شُعَبِ الكُفْرِ في الشَّخصِ الواحِدِ

قعَّد أهلُ السُّنَّةِ هذا الأصلَ، واعتمدوا في ذلك التفصيلَ دون الإطلاقِ، ووضَعوا ضوابِطَ وشُروطًا لذلك؛ حتى تنحَصِرَ الأنواعُ في إطارٍ شَرعيٍّ مَتينٍ، ولا تتمَيَّعَ المسألةُ حتى يخوضَ فيها من يشاءُ كيفما شاء.
ومن هذه الضَّوابطِ:
1- الحديثُ يكونُ عن الشُّعَبِ، وليس عن الأصلِ
إذا قال أهلُ السُّنَّةِ: إنَّ الشَّخصَ قد يجتَمِعُ فيه إيمانٌ وكُفرٌ، أو إيمانٌ ونِفاقٌ، فليس مقصودُهم أصلَ الكُفْرِ أو أصلَ النِّفاقِ، إنَّما المقصودُ شُعَبُهما التي لا تُضادُّ أصلَ الدِّينِ.
لهذا فصَّل ابنُ القَيِّمِ معنى الشِّركِ المذكورِ في قَولِه تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ [يوسف: 106] فذكر أنَّه إن كان هذا الشِّركُ يتضَمَّنُ تكذيبًا لرُسُلِ اللهِ عليهم السَّلَامُ، فإنَّ الإيمانَ الذي معهم لا ينفَعُهم، أمَّا إن كان متضَمِّنًا للتصديقِ برُسُلِ اللهِ عليهم السَّلَامُ، فإنَّ الإيمانَ الذي معهم ينفَعُهم في عَدَمِ الخُلودِ في النَّارِ دونَ دُخولِها [877] يُنظر: ((مدارج السالكين)) (1/ 293). .
ولَمَّا لم يفهَمْ أحدُ مُبتَدِعةِ العراقِ هذه المسألةَ حاول أن يبَرِّرَ ما عليه قَومُه من الشِّركِ بعبادةِ غيرِ اللهِ مِن المقبورينَ والذَّبحِ لهم، فحاول نفيَ الشِّركِ عنهم بهذا الأصلِ الذي أُثِرَ عن السَّلَفِ، وهو أنَّ اجتماعَ الإيمانِ وبَعضَ شُعَبِ الكُفْرِ في الشَّخصِ الواحِدِ لا يلزَمُ منه كُفرُ هذا الشَّخصِ، فرَدَّ عليه ابنُ سحمانَ بقَولِه: (أمَّا قَولُه أي: العراقيِّ: المُسلِم قد يجتَمِعُ فيه الكُفْرُ والإسلامُ، والشِّركُ والإيمانُ، ولا يَكفُرُ كُفرًا ينقُلُه عن المِلَّةِ. فأقولُ: نعم، هذا فيما دون الشِّرْكِ والكُفْرِ الذي يُخرِجُ عن المِلَّةِ) [878] يُنظر: ((الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق)) (ص: 376). ، ثمَّ سرد بعضَ الشُّعَبِ الشِّركية والكُفْريةِ (التي هي من جِنسِ الشِّركِ والكُفْرِ الأصغَرِ)، وبَيَّن أنَّها هي التي قد تجتَمِعُ مع الإيمانِ في شَخصٍ واحدٍ، ولا يَخرُجُ من المِلَّةِ بذلك.
ومفهومُ كلامِه في الرَّدِّ على العراقيِّ أنَّ ما كان شِركًا أكبَرَ، أو كُفرًا أكبَرَ مِمَّا يُخرِجُ عن الملَّةِ، لا يمكِنُ أن يجتَمِعَ مع الإيمانِ الذي ينجو به العَبدُ من الكُفْرِ في الدُّنيا، وينجو به من الخُلودِ في النَّارِ يومَ القيامةِ؛ فهما نقيضانِ لا يجتَمِعانِ.
2- قيامُ شُعبةٍ مِن الكُفْرِ أو أكثَرَ بالعَبدِ لا يَلزَمُ منه كُفْرُه بالضَّرورةِ:
من ثبت له عَقدُ الإسلامِ لا يُحكَمُ بكُفْرِه بمجَرَّدِ صُدورِ فِعلٍ كُفريٍّ عنه حتى يَثبُتَ في حَقِّه التكفيرُ، كإثباتِ أنَّ الفِعلَ الكُفْريَّ الذي صدر عنه يعتبَرُ ناقضًا للإسلامِ بلا نزاعٍ، كما أنَّ هذا الحُكمَ بالتكفيرِ منوطٌ بعَدَمِ وُجودِ موانِعَ في حَقِّ ذلك الشَّخصِ، سواءٌ كانت جِبِلِّيةً أو مُكتَسَبةً.
أمَّا ما لا يُعتَبَرُ من الأعمالِ الكُفْريَّةِ ناقضًا للإسلامِ فالأدِلَّةُ تدُلُّ على إمكانِ اجتماعِهما بالإيمانِ في الشَّخصِ الواحِدِ دونَ أن يكون كافرًا بذلك، وذلك ما كان من بابِ (كُفرٍ دونَ كُفرٍ).
 قال ابنُ تيميَّةَ: (إنَّ النَّاسَ قد يكونُ فيهم من معه شُعبةٌ مِن شُعَبِ الإيمانِ، وشُعبةٌ مِن شُعبِ الكُفْر أو النِّفاقِ، ويُسَمَّى مُسلِمًا، كما نَصَّ عليه أحمدُ، وتمامُ هذا أنَّ الإنسانَ قد يكونُ فيه شُعبةٌ من شُعَبِ الإيمانِ، وشُعبةٌ من شُعَبِ النِّفاقِ، وقد يكونُ مُسلِمًا وفيه كُفرٌ دون الكُفْرِ الذي ينقُلُ عن الإسلامِ بالكُلِّيَّة، كما قال ابنُ عباسٍ وغيرُه: كُفرٌ دونَ كُفرٍ، وهذا قَولُ عامَّةِ السَّلَفِ، وهو الذي نَصَّ عليه أحمدُ وغيرُه ممَّن قال في السَّارِقِ والشَّارِبِ ونَحوِهم ممَّن قال فيه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّه ليس بمُؤمِنٍ)) [879] أخرجه البخاري (2475)، ومسلم (57) من حديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. ولفظ البخاري: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن..)) : إنَّهم يقالُ لهم: مُسلِمون لا مُؤمِنون. واستدَلُّوا بالقُرآنِ والسُّنَّةِ على نَفْيِ اسمِ الإيمانِ مع إثباتِ اسمِ الإسلامِ، وبأنَّ الرَّجُلَ قد يكونُ مُسلِمًا ومعه كُفرٌ لا يَنقُلُ عن المِلَّةِ، بل كُفرٌ دونَ كُفرٍ) [880] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (7/350). .
3- قيامُ شُعبةٍ مِن الإيمانِ أو أكثَرَ بالعَبدِ لا يَلزَمُ منه تسميتُه مُؤمِنًا
وهذا الضَّابِطُ له صورتان:
الصَّورةُ الأُولى: من لم يستوفِ جميعَ خِصالِ الإيمان الواجِبِ الذي بموجِبِه يكونُ مِن أهلِ الجنَّةِ ابتداءً، فهذا لا يُسَمَّى مُؤمِنًا وإن قامت به بعضُ شُعَبِ الإيمانِ دونَ بَعْضِها الآخَرِ؛ وذلك لِما قد يعتريه من ضَعفٍ، فيعصي اللهَ تعالى بفِعلِ محَرَّمٍ أو بتَرْكِ واجبٍ، كما قال اللهُ تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: 14].
وعن سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أعطى رهطًا وسَعدٌ جالِسٌ، فترك رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رجُلًا هو أعجَبُهم إليَّ، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ما لك عن فلانٍ؟! فواللهِ إنِّي لأراه مُؤمِنًا، فقال: ((أو مُسلِمًا))... [881] أخرجه البخاري (27) واللفظ له، ومسلم (150). الحديث.
الصَّورةُ الثانيةُ: وهي تَصدُقُ على المنافِقِ الذي يُظهِرُ الإسلامَ ويُبطِنُ الكُفْرَ، فمن عُلِمَ منه النِّفاقُ، لا يُسَمَّى مُؤمِنًا ولا مُسلِمًا وإن قام بظاهِرِه كثيرٌ مِن الشُّعَبِ الإيمانيَّةِ، كالشَّهادتينِ، وأركانِ الإسلامِ الأخرى [882] يُنظر: ((الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه)) لعبد الرزاق بن طاهر (ص: 155). .
كما قال تعالى عن بعضِ المنافِقين: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ [آل عمران: 167] .
 قال السمعاني: (لأنَّهم كانوا من قَبْلُ من المُؤمِنين في الظَّاهِرِ، وإن كانوا منافِقين في الباطِنِ، فلَمَّا فارقوا المُؤمِنين صاروا أقرَبَ إلى الكُفْرِ منهم للإيمانِ) [883] ينظر: ((تفسير السمعاني)) (1/ 377). .

انظر أيضا: