الموسوعة العقدية

المَبحَثُ الثَّالِثُ: دَلالةُ الشَّرعِ

قال ابنُ القَيِّمِ: (هذه الطَّريقُ من أقوى الطُّرُقِ وأصَحِّها وأدَلِّها على الصَّانِعِ وصِفاتِه وأفعالِه، وارتِباطُ أدلَّةِ هذه الطَّريقِ بمدلولاتِها أقوى مِن ارتِباطِ الأدِلَّةِ العَقليَّةِ الصَّريحةِ بمَدلولاتِها؛ فإنَّها جمَعَت بيْن دَلالةِ الحِسِّ والعَقلِ، ودَلالتُها ضروريةٌ بنَفْسِها؛ ولهذا يسَمِّيها اللهُ سُبحانَه آياتٍ بَيِّناتٍ، وليس في طُرُقِ الأدِلَّةِ أوثَقُ ولا أقوى منها) [409] يُنظر: ((الصواعق المرسلة)) (3/1197). .
وبيانُ هذه الطَّريقِ مِن وَجهَينِ:
الوَجهُ الأوَّلُ: المُعجِزاتُ:
فقد أرسَلَ اللهُ تعالى رُسُلَه بالوَحيِ، وأيَّدهم بالمُعجِزاتِ تَصديقًا لهم، وإذا جاء الرَّسولُ بآيةٍ تدُلُّ على صِدْقِه فقد ثبَتَت الرِّسالةُ، وتَثبُت الرُّبوبيَّةُ بذلك ضِمْنًا؛ لأنَّها حَدَثٌ من جِنسٍ لا يَقدِرُ على مِثْلِه البَشَرُ.
قال اللهُ تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ [الحديد: 25].
وقال اللهُ سُبحانَه عن آيتَيِ العَصا واليَدِ اللَّتَينِ أُرسِلَ بهما موسى عليه السَّلامُ: فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ [القصص: 32] .
فقد دعا موسى عليه السَّلامُ فِرعَونَ بهذينِ البُرهانَينِ العََظيمينِ، فقال له: قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ [الشعراء: 30] .
وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ [هود: 13-14] ، وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ما من الأنبياءِ مِن نبيٍّ إلَّا قد أُعطِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثلُه آمَنَ عليه البَشَرُ، وإنَّما كان الذي أُوتيتُ وحيًا أوحاه اللهُ إليَّ، فأرجو أن أكونَ أكثَرَهم تابعًا يومَ القيامةِ )) [410] أخرجه البخاري (7274)، ومسلم (152) واللَّفظُ له. .
فبمُعجِزةِ القُرآنِ تَثبُتُ وتتقَرَّرُ الرِّسالةُ والوَحْدانيَّةُ، ومعلومٌ أنَّ توحيدَ الأُلوهيَّةِ مُتضَمِّنٌ لتوحيدِ الرُّبوبيَّةِ، فإذا ثَبَت الأوَّلُ ثَبَت الثَّاني ضِمنًا [411] يُنظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) (9/40)، ((مجموع الفتاوى)) (11/379) كلاهما لابن تيمية، ((منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى)) لخالد عبد اللطيف (1/292). .
الوَجهُ الثَّاني: العُلومُ والأحكامُ المُتضَمِّنةُ لمصالِحِ الخَلْقِ:
أوَّلًا: العُلومُ:
اتَّفَق الرُّسُلُ جميعًا على الإخبارِ بأشياءَ مُعَيَّنةٍ، ومِن ذلك: دَعوتُهم جميعًا إلى عبادةِ إلهٍ واحِدٍ، وكذلك بِشارةُ موسى وعيسى برِسالةِ رَسولِنا محمَّدٍ، عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ، مِن غيرِ تَواطُؤٍ منهم على الاتِّفاقِ على ذلك، مع بُعدِ الأزمِنةِ والأمكِنةِ، وقد قَصَّ الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أخبارَ الأُمَمِ الماضِينَ مع القَطْعِ بأنَّه كان يَعيشُ في أمَّةٍ أمِّيَّةٍ، وأخبَرَ في القُرآنِ والسُّنَّةِ بأُمورٍ تَقَعُ في المُستَقبَلِ، فوقَعَت كما أخبَرَ.
فممَّا ورد في القُرآنِ قولُه تعالى: الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم: 1-4] فكان كما أخبَرَ اللهُ عزَّ وجلَّ.
وممَّا ورد في السُّنَّةِ ما جاء عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إذا هَلَك كِسْرى فلا كِسْرى بَعْدَه )) [412] أخرجه البخاري (3618) واللفظ له، ومسلم (2918). ، فكان الأمرُ كما أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
والأخبارُ في هذا كثيرةٌ يَحصُلُ بمَجموعِها العِلمُ الضَّروريُّ اليَقينيُّ، وهي تدُلُّ دَلالةً واضِحةً على صِدْقِ نُبُوَّةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعلى وُجودِ الخالِقِ سُبحانَه؛ لأنَّه هو الذي أطلَعَه على ذلك، فلا يُعقَلُ أن يخبِرَ بأشياءَ يَصدُقُ فيها دائمًا إلَّا إذا كان نَبيًّا، وكان الذي أوحى إليه هو من بيَدِه كُلُّ شَيءٍ، وتتطابَقُ أخبارُه مع أقدارِه [413] يُنظر: ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (6/80)، ((منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى)) لخالد عبد اللطيف (1/295). .
ثانيًا: الأحكامُ المتضَمِّنةُ لمصالحِ الخَلْقِ:
فقد تضَمَّنت الشَّريعةُ الإسلاميَّةُ حِكَمًا ومَصالِحَ عظيمةً يَقطَعُ الإنسانُ أنَّها لا يمكِنُ أن تكونَ إلَّا من خالقٍ عليمٍ حكيمٍ؛ فالشَّريعةُ جاءت لتَحصيلِ المصالِحِ وتَكميلِها، ودَرْءِ المفاسِدِ وتَقليلِها [414] يُنظر: ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (2/215)، ((الموافقات)) للشاطبي (2/17) و (3/7)، ((منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى)) لخالد عبد اللطيف (1/297). .

انظر أيضا: