الموسوعة العقدية

المبحثُ الرَّابِعُ: من أوجُهِ زيادةِ الإيمانِ ونُقصانِه: أنَّ المَعرِفةَ القَلْبيَّةَ يتفاضَلُ النَّاسُ فيها

فهي تختَلِفُ من حيثُ الإجمالُ والتفصيلُ، والقُوَّةُ والضَّعفُ، ودوامُ الحضورِ والغَفلةُ؛ فليست المعرفةُ المستحضَرةُ الثَّابتةُ التي يُثَبِّتُ اللهُ صاحِبَها كالمجمَلةِ التي غَفَل عنها صاحِبُها، وإذا حصل له ما يَريبُه فيها ارتاب، ثم رَغِبَ إلى اللهِ في كَشْفِ الرَّيبِ.
 قال ابنُ تيميَّةَ: (وكذلك المعرفةُ التي في القُلوبِ تَقبَلُ التفاضُلَ على الصَّحيحِ عند أهلِ السُّنَّةِ، وفي هذا كُلِّه نزاعٌ؛ فطائفةٌ من المنتَسِبين إلى السُّنَّةِ تُنكِرُ التفاضُلَ في هذا كلِّه، كما يختارُ ذلك القاضي أبو بكرٍ وابنُ عَقيلٍ وغَيرُهما، وقد حُكِيَ عن أحمدَ في التفاضُلِ في المعرفةِ رِوايتانِ) [378] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (7/ 407) (10/722)، ((شرح الكوكب المنير)) لابن النجار (1/63). .
إنَّ ممَّا يوضِّحُ مسألةَ التفاضُلِ في المعرفةِ أنَّ مَعرِفةَ الإنسانِ بالشَّيءِ إن عاينه تختَلِفُ عن مَعرِفَتِه به إن لم يعايِنْه وإن كان جازِمًا بصِدْقِ مَن أخبَرَه؛ فعن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ليس الخَبَرُ كالمعايَنةِ )) [379] أخرجه أحمد (1842)، وابن حبان (6213)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (25) من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما. صحَّحه ابنُ حِبَّان، والحاكم في ((المستدرك)) (3250)، والألباني في ((صحيح الجامع)) (5374)، والوادعي على شرط الشيخينِ في ((الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين)) (632)، وشُعَيبٌ الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (1842). .
وموسى عليه السَّلامُ لَمَّا أخبَره رَبُّه أنَّ قَومَه عَبَدوا العِجلَ، لم يُلْقِ الألواحَ، فلمَّا رآهم قد عَبَدوه ألقاها، وليس ذلك لشَكِّ موسى في خَبَرِ الله، لكِنَّ المخبَرَ وإن جزم بصِدقِ المخبِرِ، فقد لا يتصوَّرُ المخبَرَ به في نَفْسِه، كما يتصَوَّرُه إذا عاينه، بل يكونُ قلبُه مشغولًا عن تصَوُّرِ المخبَرِ به، وإن كان مُصَدِّقًا به.
ومن المعلومِ أنَّ النَّاسَ يتفاضَلون في معرفةِ الملائكةِ وصِفاتِهم، ويتفاضَلون في معرفةِ الرُّوحِ وصِفاتِها، وفي معرفةِ الجِنِّ وصِفاتِهم، وفي معرفةِ الآخِرةِ وما بها من نعيمٍ وعَذابٍ، بل ويتفاضلون في معرفة أبدانهم وصفاتها وصحتها ومرضها وما يتبع ذلك، فإن كانوا متفاضِلينَ في ذلك كُلِّه؛ فتفاضُلُهم في معرفةِ اللهِ أعظَمُ وأعظَمُ [380] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّةَ (7/569). .
قال ابنُ تيميَّةَ: (لا رَيبَ أنَّ المؤمنين يَعرِفونَ رَبَّهم في الدُّنيا، ويتفاوتون في درجاتِ العِرْفانِ، والنبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أعلَمُنا باللهِ، وقد قال: ((لا أُحصِي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نَفْسِك )) [381] أخرجه مسلم (486) مطولًا من حديثِ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها. وهذا يتعَلَّقُ بمعرفةِ زيادةِ المعرفةِ ونَقْصِها، المتعَلِّقةِ بمسألةِ زيادةِ الإيمانِ ونَقْصِه) [382] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (6/479). .
وقال السُّبكيُّ: (المعرِفةُ يتفاوَتُ النَّاسُ فيها تفاوتًا كثيرًا،... وأعلى الخَلقِ مَعرِفةً النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثم الأنبياءُ والملائِكةُ على مراتبِهم، وأدنى المراتِبِ الواجِبُ الذي لا بُدَّ منه في النَّجاةِ مِن النَّارِ، وفي عِصمةِ الدَّمِ، وبين ذلك وسائِطُ كثيرةٌ، منها واجِبٌ، ومنها ما ليس بواجِبٍ، وكُلُّ ذلك داخِلٌ في اسمِ الإيمانِ) [383] يُنظر: ((إتحاف السادة المتقين)) للزبيدي (2/280). .
وقد تنازع النَّاسُ في المعرفةِ القَلبيَّةِ: هل حصَلَت بالشَّرعِ أو بالعَقْلِ؟
 قال ابنُ تيميَّةَ: (حقيقةُ المسألةِ: أنَّ المعرِفةَ منها ما يحصُلُ بالعَقلِ، ومنها ما لا يُعرَفُ إلَّا بالشَّرعِ؛ فالإقرارُ الفِطريُّ، كالإقرارِ الذي أخبَرَ اللهُ به عن الكُفَّارِ، قد يحصُلُ بالعَقْلِ، كقَولِه تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ * لقمان: 25*. وأمَّا ما في القُلوبِ مِن الإيمانِ المشارِ إليه في قَولِه تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى: 52] فلا يحصُلُ إلَّا بالوَحْيِ) [384] يُنظر: ((درء التعارض)) (7/458). .

انظر أيضا: