الموسوعة العقدية

المَبحثُ الأوَّلُ: حقيقةُ الإيمانِ عند أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ

تمهيدٌ:
إنَّ مُسَمَّى الإيمانِ عند أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ، كما أجمع عليه أئمَّتُهم وعلماؤُهم، هو: تصديقٌ بالجَنانِ، وقَولٌ باللِّسانِ، وعَمَلٌ بالجوارحِ والأركانِ، يزيدُ بالطَّاعةِ، ويَنقُصُ بالمعصيةِ [18] يُنظر: ((الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة)) لعبد الله الأثري (ص: 25). .
فالإيمانُ حقيقةٌ مُرَكَّبةٌ.
 قال ابنُ تيميَّةَ: (الإيمانُ المؤلَّفُ من الأقوالِ الواجبةِ والأعمالِ الواجِبةِ الباطِنةِ والظَّاهِرةِ: هو المجموعُ الواجِبُ الكامِلُ)  [19]يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (18/276). .
 وقال ابنُ القَيِّمِ في تعريفِ الإيمانِ: (هو حقيقةٌ مُرَكَّبةٌ من معرفةِ ما جاء به الرَّسولُ عِلمًا، والتَّصديقُ به عَقدًا، والإقرارُ به نُطقًا، والانقيادُ له محبَّةً وخُضوعًا، والعَمَلُ به باطِنًا وظاهِرًا) [20] يُنظر: ((الفوائد)) (ص: 107). .
 وقال أيضًا: (حقيقةُ الإيمانِ مُرَكَّبةٌ من قَولٍ وعَمَلٍ. والقَولُ قِسمانِ: قَولُ القَلبِ، وهو الاعتقادُ، وقولُ اللِّسانِ، وهو التكَلُّمُ بكَلِمةِ الإسلامِ، والعَمَلُ قِسمانِ: عَمَلُ القَلبِ، وهو نيَّتُه وإخلاصُه، وعَمَلُ الجوارحِ.
فإذا زالت هذه الأربعةُ زال الإيمانُ بكَمالِه، وإذا زال تصديقُ القَلبِ لم تنفَعْ بقيَّةُ الأجزاءِ، فإنَّ تصديقَ القَلبِ شَرطٌ في اعتقادِها وكَونِها نافِعةً، وإذا زال عَمَلُ القَلبِ مع اعتقادِ الصِّدقِ فهذا موضِعُ المعركةِ بين المرجِئةِ وأهلِ السُّنَّةِ.
فأهلُ السُّنَّةِ مجمِعون على زوالِ الإيمانِ، وأنَّه لا ينفَعُ التصديقُ مع انتفاءِ عَمَلِ القَلبِ، وهو محبَّتُه وانقيادُه كما لم ينفَعْ إبليسَ وفِرعَونَ وقَومَه واليهودَ والمشركِينَ الذين كانوا يعتَقِدونَ صِدقَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، بل ويُقِرُّونَ به سِرًّا وجَهرًا، ويقولون: ليس بكاذِبٍ، ولكِنْ لا نتَّبِعُه ولا نؤمِنُ به) [21] يُنظر: ((الصلاة وأحكام تاركها)) (ص: 56). .
وقال الحواليُّ: (أهلُ السُّنَّةِ حين يُقِرُّونَ أنَّ تَرْكَ العَمَلِ تَركٌ لرُكنِ الإيمانِ الذي لا يكونُ إلَّا به، لا يعتَمِدون على تفلسُفٍ أو نظريَّاتٍ ذِهنيَّةٍ، وإنَّما ينطَلِقون من مُنطَلَقٍ واقعيٍّ وعِلميٍّ في غايةِ الوُضوحِ، وهو أنَّ هذه الحالةَ الرابعةَ أن يوجَدَ إيمانُ القَلبِ مع انتفاءِ عَمَلِ الجوارحِ لا وجودَ لها في واقِعِ الجيلِ الأوَّلِ، ولا في تصَوُّرِه، وكذا لا وجودَ لها في الواقِعِ النَّفسيِّ المحسوسِ، كما لا يمكِنُ أن تتَّفِقَ مع حقيقةِ الإيمانِ الشَّرعيةِ التي تشهَدُ النُّصوصُ بأنَّها مركَّبةٌ من القَولِ والعَمَلِ معًا، كما لا تتَّفِقُ مع النُّصوصِ الأخرى الكثيرةِ في حُكمِ التوَلِّي عن طاعةِ اللهِ ورَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وتَرْكِ الامتثالِ لأوامِرِه، والتخاذُلِ عن القيامِ بفرائِضِه بالكُلِّيَّةِ. وهو كذلك مناقِضٌ لِما ورد عن السَّلَفِ الأخيارِ، والأئمَّةِ الأعلامِ في هذا الأمرِ) [22] يُنظر: ((ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي)) (ص: 437). .  
إذَن فالإيمانُ ذو ثلاثةِ أجزاءٍ لا تنفَكُّ عن بَعضِها: الاعتقادُ والقَولُ والعَمَلُ.

  • المَطلَبُ الأوَّلُ: الاعتِقادُ بالقَلبِ.
  • المَطلَبُ الثَّاني: قَولُ اللِّسانِ (الإقرارُ باللِّسانِ).
  • المَطلَبُ الثَّالثُ: عَمَلُ الجوارحِ.
  • انظر أيضا: