الموسوعة العقدية

المَطلَبُ الأوَّلُ: أنواعُ الهدايةِ

قال ابنُ تيميَّةَ: (الهُدى أربعةُ أقسامٍ: أحَدُها: الهدايةُ إلى مصالحِ الدُّنيا؛ فهذا مُشتَرَكٌ بين الحيوانِ النَّاطِقِ والأعجَمِ، وبين المؤمِنِ والكافِرِ.
والثَّاني: الهدى بمعنى دُعاءِ الخَلْقِ إلى ما ينفَعُهم وأمْرُهم بذلك، وهو نَصبُ الأدِلَّةِ وإرسالُ الرُّسُلِ وإنزالُ الكُتُبِ، فهذا أيضًا يشتَرِكُ فيه جميعُ المكَلَّفين، سواءٌ آمنوا أو كفَروا، كما قال تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت: 17] ، وقال تعالى: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [الرعد: 7] ، وقال تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: 52]، فهذا مع قَوله: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: 56] يُبَيِّن أنَّ الهدى الذي أثبته هو البيانُ والدُّعاءُ والأمرُ والنَّهيُ والتعليمُ وما يتبَعُ ذلك، ليس هو الهدى الذي نفاه، وهو القِسمُ الثالِثُ الذي لا يَقدِرُ عليه إلَّا اللهُ.
والقسم الثَّالِثُ: الهدى الذي هو جعْلُ الهدى في القلوبِ. وهو الذي يُسَمِّيه بعضُهم بالإلهامِ والإرشادِ...
والقسمُ الرَّابعُ: الهدى في الآخرةِ، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ [الحج: 23- 24] ، وقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [يونس: 9] )( يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (18/ 171-174). .
وقال ابنُ القَيِّمِ: (أمَّا مراتِبُ الهدى فأربعةٌ:
إحداها: الهدى العامُّ، وهو هدايةُ كُلِّ نَفسٍ إلى مصالحِ معاشِها وما يُقِيمُها، وهذا أعمُّ مراتِبِه.
المرتبةُ الثانيةُ: الهدى بمعنى البيانِ والدَّلالةِ والتعليمِ والدَّعوةِ إلى مصالحِ العَبدِ في معادِه، وهذا خاصٌّ بالمكَلَّفينَ، وهذه المرتبةُ أخَصُّ من المرتبةِ الأُولى وأعمُّ من الثالثةِ.
المرتبةُ الثالثةُ: الهدايةُ المُستَلزِمةُ للاهتداءِ، وهي هدايةُ التوفيقِ ومَشيئةُ اللهِ لعَبدِه الهدايةَ، وخلْقُه دواعيَ الهُدى وإرادتَه والقُدْرةَ عليه للعبدِ، وهذه الهدايةُ التي لا يَقدِرُ عليها إلَّا اللهُ عزَّ وجَلَّ.
المرتبة الرَّابعة: الهدايةُ يومَ المعادِ إلى طريقِ الجنَّةِ والنَّارِ)( يُنظر: ((شفاء العليل)) (ص: 179). .
وقال السَّعديُّ: (الهدايةُ نوعان: هدايةُ البيانِ، وهدايةُ التوفيقِ. فالمتَّقون حصلت لهم الهدايتانِ، وغيرُهم لم تحصُلْ لهم هدايةُ التوفيقِ. وهدايةُ البيانِ بدون توفيقٍ للعَمَلِ بها، ليست هدايةً حقيقيَّةً تامَّةً)( يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 40). .

انظر أيضا: