الموسوعة العقدية

المَطلَبُ الرَّابعُ: من مراتِبِ الإيمانِ بالقَدَرِ: الإيمانُ بأنَّ اللهَ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ

لا يقَعُ في هذا الكونِ شَيءٌ إلَّا واللهُ خالِقُه، ومن ذلك أفعالُ العِبادِ.
أوَّلًا: الأدِلَّةُ من القرآنِ الكريمِ:
1- قال اللهُ تعالى: قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الرعد: 16] .
2- قال اللهُ سُبحانَه: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر: 62] .
3- قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [غافر: 62].
4- قال اللهُ تعالى حكايةً لقَولِ إبراهيمَ عليه السَّلام لقَومِه: أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: 95-96] .
ثانيًا: الأدِلَّةُ من السُّنَّةِ:
عن حُذَيفةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ يصنَعُ كُلَّ صانعٍ وصَنْعَتَه)) [5548] أخرجه البخاري في ((خلق أفعال العباد)) (117)، واللالكائي في ((شرح أصول الاعتقاد)) (943)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (570) صحَّحه ابن عساكر في ((معجم الشيوخ)) (1/114)، وابنُ حجر في ((فتح الباري)) (13/507)، والألبانيُّ على شرط مسلم في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (1637)، وشعيب الأرناؤوط في تخريج ((العواصم والقواصم)) (7/47). وفي لفظٍ: ((إنَّ اللهَ خالقُ كلِّ صانعٍ وصَنعَتِه ))( أخرجه ابن منده في ((التوحيد)) (113)، والحاكم (86) واللفظ لهما، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (190) بلفظ: "خلق". صَحَّحه على شرط مسلم الحاكم، والألباني في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (3/381)، والوادعي في ((الصَّحيح المسند مما ليس في الصحيحين)) (306). .
قال البخاري: (فأخبر أنَّ الصناعاتِ وأهلَها مخلوقةٌ)( يُنظر: ((خلق أفعال العباد)) (2/ 66). .
وأمَّا قَولُ اللهِ تعالى: ... وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:78-79] ، فقال ابنُ أبي العز: (إن قيل: فكيف الجَمعُ بين قَولِه: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وبين قَولِه: فَمِنْ نَفْسِكَ، قيل: قَولُه: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: الخِصْبُ والجَدْبُ، والنَّصرُ والهزيمةُ، كُلُّها من عند اللهِ، وقَولُه: فَمِنْ نَفْسِكَ: أي: ما أصابك من سيئةٍ من اللهِ فبذَنبِ نَفْسِك عقوبةً لك، كما قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: 30]. يدُلُّ على ذلك ما رُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: أنَّه قرأَ: وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وأنا كتبتُها عليك.
والمرادُ بالحسنةِ هنا النِّعمةُ، وبالسَّيِّئةِ البَلِيَّةُ، في أصَحِّ الأقوالِ. وقد قيل: الحسنةُ الطاعةُ، والسيئةُ المعصيةُ. وقيل: الحسنةُ ما أصابه يومَ بدرٍ، والسيئةُ ما أصابه يومَ أحُدٍ. والقولُ الأوَّلُ شامِلٌ لمعنى القولِ الثالثِ. والمعنى الثاني ليس مرادًا دون الأولِ قطعًا، ولكِنْ لا منافاةَ بين أن تكونَ سَيِّئةُ العَمَلِ وسَيِّئةُ الجزاءِ مِن نَفْسِه، مع أنَّ الجميعَ مُقَدَّرٌ، فإنَّ المعصيةَ الثانيةَ قد تكونُ عقوبةَ الأُولى، فتكونُ من سيِّئاتِ الجزاءِ، مع أنها من سَيِّئاتِ العَمَلِ، والحسَنةَ الثانيةَ قد تكونُ من ثوابِ الأُولى، كما دَلَّ على ذلك الكِتابُ والسُّنَّةُ. وليس للقَدَريَّةِ أن يحتَجُّوا بقَولِه تعالى: فَمِنْ نَفْسِكَ، فإنهم يقولون: إنَّ فِعْلَ العبدِ -حسنةً كان أو سيئةً- فهو منه لا من اللهِ! والقرآنُ قد فَرَّق بينهما، وهم لا يُفَرِّقون، ولأنَّه قال تعالى: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فجعل الحسناتِ من عند اللهِ، كما جعل السيِّئاتِ من عندِ اللهِ، وهم لا يقولون بذلك في الأعمالِ، بل في الجزاءِ. وقَولُه بعد هذا: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ، ومِنْ سَيِّئَةٍ مِثْلُ قَولِه: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ.
وفَرَّق سُبحانَه وتعالى بين الحسَناتِ التي هي النِّعَمُ، وبين السيِّئاتِ التي هي المصائِبُ، فجعل هذه من اللهِ، وهذه من نَفسِ الإنسانِ؛ لأنَّ الحسنةَ مُضافةٌ إلى اللهِ؛ إذ هو أحسَنَ بها من كُلِّ وجهٍ، فما من وَجهٍ من أوجُهِها إلَّا وهو يقتضي الإضافةَ إليه، وأمَّا السَّيِّئةُ فهو إنما يخلُقُها لحِكمةٍ، وهي باعتبارِ تلك الحِكمةِ من إحسانِه، فإنَّ الرَّبَّ لا يفعَلُ سَيِّئةً قطُّ، بل فِعْلُه كُلُّه حَسَنٌ وخيرٌ)( يُنظر: ((شرح الطحاوية)) (2/ 515). .
ومِن أقوالِ أهلِ العِلْمِ في مَرتبةِ الخَلْقِ:
1- قال أبو حنيفةَ: (نُقِرُّ بأنَّ العبدَ مع أعمالِه وإقرارِه ومعرفتِه مخلوقٌ، فلمَّا كان الفاعِلُ مخلوقًا، فأفعالُه أَولى أن تكونَ مخلوقةً)( يُنظر: ((شرح وصية الإمام أبي حنيفة)) للبابرتي (ص: 105). .
2- قال الشَّافعي: (النَّاسُ لم يخلُقُوا أعمالَهم، بل هي خَلقٌ من اللهِ تعالى، فِعلٌ للعِبادِ)( يُنظر: ((مناقب الإمام الشافعي)) للرازي (ص: 125). .
3- قال حَنبلٌ: (سألتُ أبا عبدِ اللهِ يعني: أحمدَ بنَ حَنبلٍ، قلتُ: أفاعيلُ العبادِ مخلوقةٌ؟ قال: نعم، مُقَدَّرةٌ عليهم بالشَّقاءِ والسَّعادةِ، قُلتُ له: الشقاءُ والسعادةُ مكتوبان على العبدِ؟ قال: نعم، سابِقٌ في علمِ اللهِ، وهما في اللَّوحِ المَحفوظِ قبل أن يَخلُقَه، والشقاءُ والسعادةُ من اللهِ عزَّ وجَلَّ)( يُنظر: ((السنة)) للخلال (3/536). .
4- قال البخاري: (سمعتُ عُبيدَ اللهِ بنَ سعيدٍ يقولُ: سمعتُ يحيى بن سعيدٍ يقولُ: ما زلتُ أسمعُ أصحابَنا يقولون: إنَّ أفعالَ العِبادِ مَخلوقةٌ. قال أبو عبدِ اللهِ يعني: البخاريَّ: حركاتُهم وأصواتُهم واكتسابُهم وكتابتُهم مخلوقةٌ)( يُنظر: ((خلق أفعال العباد)) (2/ 70). .
5- قال الطحاوي: (أفعالُ العبادِ خَلقُ اللهِ وكَسبٌ من العبادِ)( يُنظر: ((متن الطحاوية)) (ص: 75). .
6- قال أبو الحسنِ الأشعريُّ: (أجمعوا على أنَّه تعالى قد قدَّر جميعَ أفعالِ الخَلْقِ وآجالِهم وأرزاقِهم قبل خَلقِه لهم)( يُنظر: ((رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب)) (ص: 140). .
7- قال أبو بكرٍ الإسماعيليُّ في اعتقادِ أهلِ السُّنَّة: (يقولونَ: إنَّه لا خالِقَ على الحقيقةِ إلَّا اللهُ عزَّ وجَلَّ، وأنَّ أكسابَ العبادِ كُلَّها مخلوقةٌ للهِ، وأنَّ اللهَ يهدي من يشاءُ ويُضِلُّ من يشاءُ، لا حُجَّةَ لِمن أضلَّه اللهُ عزَّ وجَلَّ، ولا عُذرَ، كما قاله اللهُ عزَّ وجَلَّ: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام: 149] )( يُنظر: ((اعتقاد أئمة الحديث)) (ص: 60).
8- قال ابنُ أبي زَمَنين: (المقاديرُ كُلُّها: خَيرُها وشَرُّها، حُلوُها ومُرُّها من اللهِ عزَّ وجَلَّ؛ فإنَّه خَلَق الخَلْقَ، وقد علم ما يعملون، وما إليه يصيرون، فلا مانِعَ لِما أعطى، ولا معطِيَ لِما منع)( يُنظر: ((أصول السنة)) (ص: 197). .
9- قال ابنُ حزم: (اتَّفقوا أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ وَحْدَه لا شريكَ له خالِقُ كُلِّ شَيءٍ غيرِه... خلق الأشياءَ كُلَّها كما شاء)( يُنظر: ((مراتب الإجماع)) (ص: 167). .
10- قال البيهقيُّ: (الإيمانُ بالقَدَرِ هو الإيمانُ بتقَدُّمِ عِلمِ اللهِ سُبحانَه بما يكونُ من أكسابِ الخَلْقِ وغَيرِها من المخلوقاتِ، وصُدورِ جميعِها عن تقديرٍ منه، وخلْقٍ لها خيرِها وشرِّها)( يُنظر: ((الاعتقاد)) (ص: 139). .
11- قال البغويُّ: (الإيمانُ بالقَدَرِ فَرضٌ لازمٌ، وهو أن يعتقِدَ أنَّ اللهَ تعالى خالِقُ أعمالِ العِبادِ، خيرِها وشَرِّها، كتبها عليهم في اللَّوحِ المَحفوظِ قبل أن يَخلُقَهم، قال اللهُ سُبحانَه وتعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: 96] ، وقال اللهُ عزَّ وجَلَّ: قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد: 16] ، وقال عزَّ وجَلَّ: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49])( يُنظر: ((شرح السنة)) (1/142). .
12- قال يحيى بنُ أبي الخيرِ العُمرانيُّ في بيانِ عقيدةِ أصحابِ الحديثِ: (وأنَّ اللهَ خلق أفعالَ العبادِ وأقوالَهم، ونيَّاتِهم وخَطَراتِهم في الطَّاعةِ والمعصيةِ، وأنَّه أمرهم بالطَّاعةِ، ونهاهم عن المعصيةِ)( يُنظر: ((الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار)) (1/100). .
13- قال ابنُ تيميَّةَ: (أفعالُ العِبادِ مَخلوقةٌ باتِّفاقِ سَلَفِ الأُمَّة وأئِمَّتها، كما نَصَّ على ذلك سائِرُ أئمَّةِ الإسلامِ: الإمامُ أحمدُ ومَن قَبلَه وبَعدَه حتى قال بعضُهم: من قال: إنَّ أفعالَ العِبادِ غيرُ مخلوقةٍ، فهو بمنزلةِ من قال: إنَّ السماءَ والأرضَ غيرُ مخلوقةٍ)( يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (8/ 406). .
14- قال ابنُ أبي العزِّ: (قال أهلُ الحقِّ: أفعالُ العِبادِ بها صاروا مطيعين وعصاةً، وهي مخلوقةٌ للهِ تعالى، والحقُّ سُبحانَه وتعالى منفرِدٌ بخَلقِ المخلوقاتِ، لا خالِقَ لها سواه)( يُنظر: ((شرح الطحاوية)) (2/ 640). .
15- قال صُنْعُ اللَّهِ الحلبيُّ: (الإيمانُ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه: بأن َّكلًّا منهما بخَلقِه تعالى وإرادتِه، فما شاء كان، وما لم يشأْ لم يكُنْ، فالكُفرُ والمعاصي بخَلقِه تعالى وإرادتِه، وكذا الطاعاتُ وفِعلُ الخيراتِ؛ إذ لا خالِقَ غيرُه، قال جَلَّ ذِكرُه: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر: 62] ، وهَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر: 3] )( يُنظر: ((سيف الله على من كذب على أولياء الله)) (ص: 109). .
16- قال حُسينُ بنُ غنَّامٍ الأحسائيُّ: (إنَّ اللهَ خلق أفعالَ عبادِه كُلَّها من الكُفرِ والإيمانِ والطاعةِ والعِصيانِ)( يُنظر: ((العقد الثمين في شرح أحاديث أصول الدين)) (ص: 48). .
17- قال الشنقيطيُّ في تفسيرِ قَولِ اللهِ تعالى: وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود: 119] : (أي: خلقهم لأن يختَلِفوا إلى مؤمنٍ وكافرٍ، وبَرٍّ وفاجرٍ، وشَقيٍّ وسعيدٍ؛ لِيَصرِفَ كلًّا إلى ما كُتِب له في الأزَلِ، ولتظهَرَ فيهم آثارُ صِفاتِ اللهِ تعالى وأسمائِه؛ من رحمةٍ ورِضًا، وثوابٍ للمُطيعين، وقَهرٍ وجَبَروتٍ وشِدَّةِ عذابٍ للعاصين)( يُنظر: ((معارج الصعود إلى تفسير سورة هود)) (ص: 302). .
18- قال ابنُ عثيمين: (إنَّ اللهَ تعالى خالِقُ كُلِّ شيءٍ، وأنْ لا خالِقَ إلَّا اللهُ؛ فيَجِبُ الإيمانُ بعُمومِ خَلقِ اللهِ عزَّ وجَلَّ، وأنَّه خالِقُ كُلِّ شَيءٍ، حتى أعمالِ العِبادِ؛ لقَولِه تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد: 16] ، وعَمَلُ الإنسانِ مِنَ الشَّيءِ، وقال تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان: 2] ... والآياتُ في هذا كثيرةٌ)( يُنظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) (2/209). .
وللعبادِ قُدرةٌ وإرادةٌ ومشيئةٌ واختيارٌ.
فمع اعتقادِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ أنَّ اللهَ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ وخالِقُ العِبادِ وأفعالِهم؛ فإنهم يعتَقِدون أنَّ للعبادِ قُدرةً ومشيئةً على أعمالِهم، ويُفَرِّقون بين ما يفعله العبدُ اضطِرارًا وما يفعَلُه اختيارًا.
فللعبدِ قُدرةٌ ومشيئةٌ على فِعْلِه، واللهُ عزَّ وجَلَّ هو الذي خلق في العبدِ قُدرتَه ومشيئتَه.
ومن الأدِلَّةِ على ذلك:
قَولُ اللهِ تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ [المدثر: 37].
وقَولُ اللهِ سُبحانَه: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا [الكهف: 29] .
وقَولُ اللهِ عزَّ وجَلَّ: إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا [المزمل: 19].
وقَولُ اللهِ تعالى: ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا [النبأ: 39].
وقَولُ اللهِ سُبحانَه: كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ [عبس: 11، 12].
وقَولُ اللهِ عزَّ وجَلَّ: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 27 - 29].
قال ابنُ قُتيبةَ: (عَدلُ القَولِ في القَدَرِ أن تعلَمَ أنَّ اللهَ عَدلٌ لا يجورُ، كيف خلق، وكيف قدَّر، وكيف أعطى، وكيف منع، وأنَّه لا يخرجُ من قُدرتِه شَيءٌ، ولا يكونُ في مَلَكوتِه من السَّمَواتِ والأرضِ إلَّا ما أراد، وأنَّه لا دَيْنَ لأحَدٍ عليه، ولا حَقَّ لأحدٍ قِبَلَه، فإن أعطى فبفَضلٍ، وإن منع فبعَدلٍ، وأنَّ العبادَ يستطيعون ويعمَلون، ويُجَزون بما يَكسِبون)( يُنظر: ((الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية)) (ص: 35). .
وقال الخطابي: (اللهُ سُبحانَه وتعالى خالِقُ الخيرِ والشَّرِّ جميعًا، لا يكونُ شيءٌ منهما إلَّا بمشيئتِه، فهما مضافان إليه سُبحانَه وتعالى خَلْقًا وإيجادًا، وإلى الفاعِلينَ لهما من عبادِه فِعلًا واكتِسابًا)( يُنظر: ((معالم السنن)) (4/ 317). .
وقال نجمُ الدِّينِ النَّسفيُّ: (للعبادِ أفعالٌ اختياريَّةٌ يُثابون بها ويُعاقبون عليها)( يُنظر: ((شرح العقائد النسفية)) للتفتازاني (ص: 81-85). .
وقال يحيى بن أبي الخيرِ العمرانيُّ: (على هذا القَصدِ والاختيارِ وقع المدحُ والذَّمُّ والثَّوابُ والعِقابُ، إلَّا أنَّ اللهَ هو الخالِقُ لقَصْدِنا ومشيئتِنا؛ لأنَّه شيءٌ، وقد قال اللهُ تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، ومَشيئَتُنا وقعت بمشيئةِ اللهِ. قال اللهُ تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)( يُنظر: ((الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار)) (1/ 172). .
وقال القرطبيُّ: (إنَّ المهتَدِينَ من المؤمنين إنما هداهم اللهُ تعالى إلى الإيمانِ والطَّاعةِ على طريقِ الاختيارِ، حتى يصِحَّ التكليفُ، فمن شاء آمن وأطاع اختيارًا لا جبرًا، قال اللهُ تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [التكوير: 28]، وقال: فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا [الإنسان: 29]، ثمَّ عقَّب هاتين الآيتينِ بقَولِه تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير: 29] فوقع إيمانُ المؤمنين بمشيئتِهم، ونفى أن يشاؤوا إلَّا أن يشاءَ اللهُ؛ ولهذا فَرَّطَت المُجْبِرةُ لَمَّا رأوا أنَّ هدايتَهم إلى الإيمانِ... بمشيئةِ اللهِ تعالى، فقالوا: الخَلْقُ مجبورون في طاعتِهم كُلِّها، التفاتًا إلى قَولِه: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، وفَرَّطت القَدَريَّةُ لَمَّا رأوا أنَّ هدايتَهم إلى الإيمانِ... بمشيئةِ العِبادِ، فقالوا: الخَلْقُ خالِقون لأفعالِهم، التفاتًا منهم إلى قَولِه تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [التكوير: 28]، ومَذهَبُنا هو الاقتصادُ في الاعتقادِ، وهو مَذهَبٌ بين مَذهَبيِ المُجْبِرة والقَدَريَّةِ، وخيرُ الأمورِ أوساطُها، وذلك أنَّ أهلَ الحَقِّ قالوا: نحن نُفَرِّقُ بين ما اضطُرِرْنا إليه وبين ما اختَرْناه، وهو أنَّا نُدرِكُ تَفرِقةً بين حركةِ الارتعاشِ الواقعةِ في يَدِ الإنسانِ بغيرِ محاولتِه وإرادتِه، ولا مقرونةٌ بقُدرتِه، وبين حركةِ الاختيارِ إذا حرَّك يدَه حركةً مماثِلةً لحركةِ الارتعاشِ، ومن لا يُفَرِّقُ بين الحركتينِ: حَرَكةِ الارتعاشِ وحَركةِ الاختيارِ، وهما موجودتان في ذاتِه، ومحسوستان في يدِه بمشاهَدتِه وإدراكِ حاسَّتِه، فهو معتوهٌ في عَقلِه، ومختلٌّ في حِسِّه، وخارجٌ مِن حزبِ العُقَلاءِ، وهذا هو الحَقُّ المُبِينُ، وهو طريقٌ بين طريقَيِ الإفراطِ والتفريطِ، وكِلا طَرَفيْ قَصدِ الأمورِ ذَميمٌ)( يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (14/97). .
وقال ابنُ حمدان الحنبليُّ: (فِعلُ العَبدِ مختارٌ مُيَسَّرٌ في كَسبِ الطاعةِ واكتسابِ المعصيةِ، غيرُ مُكرَهٍ ولا مجبَرٍ ولا مُضطَرٍّ، واللهُ الخالِقُ ما كسبه العبدُ واكتسبه وفعَلَه)( يُنظر: ((نهاية المبتدئين في أصول الدين)) (ص: 40). .
وقال ابنُ تيميَّةَ: (وممَّا اتَّفَق عليه سَلَفُ الأُمَّةِ وأئمَّتُها مع إيمانهم بالقَضاءِ والقَدَرِ وأنَّ اللهَ خالِقُ كُلِّ شيءٍ، وأنَّه ما شاء كان وما لم يشَأْ لم يكُنْ، وأنَّه يُضِلُّ من يشاءُ ويهدي من يشاءُ: أنَّ العِبادَ لهم مشيئةٌ وقُدرةٌ يفعلون بمشيئتِهم وقُدرتِهم ما أقدَرَهم اللهُ عليه مع قَولهم: إنَّ العبادَ لا يشاؤونَ إلَّا أن يشاءَ اللهُ. كما قال اللهُ تعالى: كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [المدثر: 54 - 56] الآية. وقال تعالى: إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: 29، 30]، وقال: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 27 - 29]، والقرآنُ قد أخبر بأنَّ العبادَ يُؤمِنون ويَكفُرون ويفعلون ويَعمَلون ويَكسِبون ويُطيعون ويَعصُون ويُقيمون الصَّلاةَ ويُؤتون الزكاةَ ويحُجُّون ويعتَمِرون ويقتُلون ويَزنون ويَسرِقون ويَصدُقون ويَكذِبون ويأكُلون ويَشرَبون ويقاتِلون ويحارِبون، فلم يكُنْ من السَّلَفِ والأئمَّةِ من يقولُ: إنَّ العبدَ ليس بفاعلٍ ولا مختارٍ ولا مُريدٍ ولا قادرٍ، ولا قال أحدٌ منهم: إنَّه فاعِلٌ مجازًا، بل من تكلَّم منهم بلفظِ الحقيقةِ والمجازِ مُتَّفِقون على أنَّ العبدَ فاعِلٌ حقيقةً، واللهُ تعالى خالِقُ ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه. وأوَّلُ من ظَهَر عنه إنكارُ ذلك هو الجَهمُ بنُ صَفوانَ وأتباعُه، فحُكِيَ عنهم أنهم قالوا: إنَّ العبدَ مجبورٌ وإنَّه لا فِعْلَ له أصلًا وليس بقادرٍ أصلًا)( يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (8/ 459). .
وقال أيضًا: (إنَّ أهلَ السُّنَّةِ يقولون: إنَّ العبدَ له مشيئةٌ وقُدرةٌ وإرادةٌ، وهو فاعِلٌ لفِعلِه حقيقةً، وينهَون عن إطلاقِ "الجَبْرِ"؛ فإنَّ لَفظَ "الجبرِ" يُشعِرُ أنَّ اللهَ أجبر العبدَ على خلافِ مُرادِ العبدِ كما تُجبَرُ المرأةُ على النِّكاحِ، وليس كذلك، بل العبدُ مختارٌ يفعَلُ باختيارِه ومشيئتِه ورِضاه ومحبَّتِه، ليس مجبورًا عديمَ الإرادةِ، واللهُ خالِقُ هذا كُلِّه)( يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (12/331). .
وقال أيضًا: (إنَّ المشهورَ إطلاقُ لفظِ الجبرِ والإجبارِ على ما يُفعَلُ بدونِ إرادةِ المجبورِ، بل مع كراهتِه، كما يجبرُ الأبُ ابنَتَه على النِّكاحِ، وهذا المعنى منتَفٍ في حقِّ اللهِ تعالى؛ فإنَّه سُبحانَه لا يخلُقُ فِعْلَ العبدِ الاختياريِّ بدونِ اختيارِه، بل هو الذي جعله مُريدًا مختارًا، وهذا لا يَقدِرُ عليه أحَدٌ إلَّا اللهُ.
ولهذا قال من قال من السَّلَف: اللهُ أعظَمُ وأجَلُّ مِن أن يُجبِرَ، إنما يجبِرُ غَيرُه من لا يَقدِرُ على جَعْلِه مختارًا، واللهُ تعالى يجعَلُ العَبْدَ مُختارًا، فلا يحتاجُ إلى إجبارِه)( يُنظر: ((منهاج السنة النبوية)) (3/ 246). .
وقال ابنُ القَيِّمِ في تفسيرِ قَولِ اللهِ تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 26]: (الذي دلَّت عليه الآيةُ مع سائرِ أدِلَّةِ التوحيدِ، وأدِلَّةِ العَقلِ الصريحِ: أنَّ مشيئةَ العِبادِ من جملةِ الكائناتِ التي لا تُوجَدُ إلَّا بمشيئةِ اللهِ سُبحانَه وتعالى، فما لم يشَأْ لم يكُنِ البتَّةَ، كما أنَّ ما شاء كان ولا بدَّ.
ولكِنْ هاهنا أمرٌ يجِبُ التنبيهُ عليه، وهو أنَّ مشيئةَ اللهِ سُبحانَه تارةً تتعَلَّقُ بفِعلِه، وتارةً تتعَلَّقُ بفِعلِ العَبدِ.
فتعَلُّقُها بفِعْلِه سُبحانَه هو أن يشاءَ مِن نَفْسِه إعانةَ عَبدِه وتوفيقَه وتهيئتَه للفِعْلِ، فهذه المشيئةُ تستلزِمُ فِعْلَ العَبدِ ومَشيئَتَه، ولا يكفي في وقوعِ الفِعلِ مَشيئةُ اللهِ لِمشيئةِ عَبْدِه، دون أن يشاءَ فِعْلَه، فإنَّه سُبحانَه قد يشاءُ من عَبدِه المشيئةَ وَحدَها، فيشاءُ العبدُ الفِعلَ ويُريدُه ولا يفعَلُه؛ لأنَّه لم يشَأْ من نفسِه سُبحانَه إعانتَه عليه، وتوفيقَه له.
وقد دلَّ على هذا وهذا قَولُه تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 29]، وقَولُه تعالى: وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [المدثر: 56].
وهاتان الآيتان متضَمِّنتانِ: إثباتَ الشَّرعِ والقَدَرِ، والأسبابِ والمُسَبَّباتِ، وفِعْلِ العَبدِ واستِنادِه إلى فِعلِ الرَّبِّ.
ولكلٍّ منهما عُبوديةٌ تختصُّ بها:
فعُبوديةُ الآيةِ الأولى: الاجتهادُ، واستفراغُ الوُسعِ، والاختيارُ والسَّعيُ. وعُبوديةُ الثانيةِ: الاستعانةُ باللهِ، والتوكُّلُ عليه، واللَّجَأُ إليه، واستنزالُ التوفيقِ والعونِ منه، والعِلْمُ بأنَّ العبدَ لا يمكِنُه أن يشاءَ ولا يفعَلَ حتى يجعَلَه اللهُ كذلك.
وقَولُه: رَبُّ الْعَالَمِينَ ينتَظِمُ ذلك كُلَّه ويتضَمَّنُه، فمن عطَّل أحدَ الأمرينِ فقد جحد كمالَ الرُّبوبيةِ وعَطَّلها. وباللهِ التوفيقُ)( يُنظر: ((التبيان في أيمان القرآن)) (1/ 205). .
وقال الكرمانيُّ في شَرحِ ترجمةِ البخاريِّ (بابُ قَولِ اللهِ تعالى: فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا [البقرة: 22] ): (الترجمةُ مُشعِرةٌ بأنَّ المقصودَ من البابِ إثباتُ نَفيِ الشَّريكِ عن اللهِ تعالى، فكان المناسِبُ ذِكْرَه في أوائِلِ كتابِ التوحيدِ. قلتُ: ليس المقصودُ ذلك، بل هو بيانُ أفعالِ العِبادِ بخَلقِ اللهِ تعالى؛ إذ لو كانت أفعالهم بخَلقِهم لكانوا شُرَكاءَ للهِ تعالى وأندادًا له في الخَلْقِ؛ ولهذا عُطِف وما ذُكِر عليه، وفيه الرَّدُّ على الجَهميَّةِ؛ حيث قالوا: لا قُدرةَ للعَبدِ أصلًا، وعلى المعتَزِلةِ؛ حيث قالوا: لا دَخْلَ لقُدرةِ اللهِ تعالى فيها؛ إذ المَذهَبُ الحَقُّ أنْ لا جَبْرَ ولا قَدَرَ، ولكِنْ أمرٌ بين الأمرينِ، أي: بخَلقِ اللهِ، وكَسْبِ العَبدِ)( يُنظر: ((الكواكب الدراري)) (25/ 212). .
وقال ابنُ أبي العزِّ: (اختلف النَّاسُ في أفعالِ العِبادِ الاختياريَّةِ... وقال أهلُ الحَقِّ: أفعالُ العِبادِ بها صاروا مطيعين وعُصاةً، وهي مخلوقةٌ للهِ تعالى، والحَقُّ سُبحانَه وتعالى منفَرِدٌ بخَلقِ المخلوقاتِ، لا خالِقَ لها سواه)( يُنظر: ((شرح الطحاوية)) (2/ 639). .
وقال جمال الدين القاسميُّ: (معنا قضيتانِ قطعِيَّتَا الثُّبوتِ:
إحداهما: كونُ الإنسانِ يَعمَلُ بقُدرةٍ وإرادةٍ يَبعَثُها عِلْمُه على الفِعلِ أو التركِ والكَفِّ، وهي بديهيَّةٌ.
والثانية: هي أنَّ اللهَ هو الخالِقُ الذي بيَدِه ملَكوتُ كُلِّ شَيءٍ، وهي نظريَّةٌ.
.... القَضاءُ عِبارةٌ عن تعَلُّقِ عِلمِ اللهِ تعالى أو إرادتِه في الأزَلِ بأنَّ الشَّيءَ يكونُ على الوَجهِ المخصوصِ مِنَ الوُجوهِ المُمكِنةِ، والقَدَرُ وُقوعُ الأشياءِ فيما لا يزالُ على وَفقِ ما سبق في الأزَلِ.
ومن الأشياءِ التي يتعَلَّقُ بها القَضاءُ والقَدَرُ أفعالُ العِبادِ الاختياريَّةُ، فإذا كان قد سبق القَضاءُ المبرَمُ بأنَّ زيدًا يعيشُ كافرًا ويموتُ كافرًا، فما معنى مطالبتِه بالإيمانِ وهو ليس في طاقتِه، ولا يمكِنُ في الواقِعِ ونَفسِ الأمرِ أن يَصدُرَ منه؛ لأنَّه في الحقيقةِ مجبورٌ على الكُفرِ في صورةِ مُختارٍ له، كما قال بعضُهم؟!
والجوابُ عن هذا: أنَّ تعَلُّقَ العِلْمِ والإرادةِ بأنَّ فُلانًا يفعَلُ كذا لا ينافي أن يفعَلَه باختيارٍ، إلَّا إذا تعلَّق العِلْمُ بأن يفعَلَه مُضطرًّا كحركةِ المُرتَعِشِ مثلًا، ولكِنَّ أفعالَ العِبادِ الاختياريَّةَ قد سبق في القَضاءِ بأنها تقَعُ اختياريَّةً، أي: بإرادةِ فاعليها لا رغمًا عنهم، وبهذا صَحَّ التكليفُ، ولم يكُنْ التشريعُ عَبَثًا ولا لَغْوًا)(  يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (4/532). .
وقال السَّعديُّ: (من أصولِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ:... أنَّ أعمالَ العِبادِ كُلَّها خَيْرَها وشَرَّها داخلةٌ في قضائِه وقُدرتِه تعالى، مع وقوعِها طِبْقَ إرادتهم وقدرتهم، ولم يجبِرْهم عليها؛ فإنَّه خلق لهم جميعَ القُوى الظَّاهِرةِ والباطنةِ، ومنها القُدْرةُ والإرادةُ التي بها يختارونَ وبها يفعلونَ)( يُنظر: ((فتح الرحيم الملك العلام)) (ص: 98). .
وقال أيضًا: (ومن جملةِ الأشياءِ: أفعالُ العِبادِ طاعتُهم ومعاصيهم، فهو تعالى يَعلَمُها إجمالًا وتفصيلًا قبل أن يَعمَلوها.
وأعمالهم وأفعالهم داخلةٌ تحت مشيئةِ اللهِ وإرادتِه؛ فقد شاءها منهم وأرادها، ولم يجبِرْهم لا على الطَّاعاتِ، ولا على المعاصي، بل هم الذين فعلوها باختيارِهم، كما قال تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:28، 29].
فهذه الآيةُ فيها: رَدٌّ على القَدَريَّةِ النُّفاةِ، وعلى القَدَريَّةِ المُجْبِرةِ، وإثباتٌ للحَقِّ الذي عليه أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، فقَولُه: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ أثبتت أنَّه لهم مشيئةً حقيقيَّةً وفِعلًا حقيقيًّا، وهو الاستقامةُ باختيارِهم. فهذا ردٌّ على الجَبْريَّةِ.
وقَولُه: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أخبر أنَّ مشيئتَهم تابِعةٌ لمشيئةِ اللهِ، وأنها لا توجَدُ بدونِها. فما شاء اللهُ كان وما لم يشَأْ لم يكُنْ. ففيها ردٌّ على القَدَريةِ القائلين: إنَّ مشيئةَ العِبادِ مستقِلَّةٌ، وليست تابعةً لِمشيئةِ اللهِ. بل عندهم: يشاءُ العِبادُ ويفعلون ما لا يشاؤه اللهُ ولا يُقَدِّرُه!
ودلَّت الآيةُ على الحَقِ الواضِحِ، وهو: أنَّ العِبادَ هم الذين يعملون الطاعاتِ والمعاصيَ حقيقةً، وليسوا مجبورين عليها، وأنها مع ذلك تابعةٌ لِمشيئةِ اللهِ، كما تقدَّم كيفيَّةُ وَجهِ ذلك، والآياتُ الدَّالَّاتُ على هذا كثيرةٌ جِدًّا)( يُنظر: ((الدرة البهية)) (ص: 22). .
وقال أيضًا في حديثِ: ((اعمَلوا فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِق له))( أخرجه البخاري (4949)، ومسلم (2647) مُطَوَّلًا من حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه. : (توضيحُ ذلك: أنَّ العبدَ إذا صلَّى وصام وعَمِلَ الخيرَ، أو عمل شيئًا من المعاصي، كان هو الفاعِلَ لذلك العَمَلِ الصَّالحِ وذلك العمَلِ السَّيِّئ، وفِعلُه المذكورُ بلا ريبٍ واقِعٌ باختيارِه، وهو يحِسُّ ضَرورةً أنَّه غيرُ مجبورٍ على الفِعلِ أو التركِ، وأنَّه لو شاء لم يفعَلْ، وكما أنَّ هذا هو الواقِعُ، فهو الذي نصَّ اللهُ عليه في كتابِه ونصَّ عليه رسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ حيث أضاف الأعمالَ صالحَها وسيِّئَها إلى العِبادِ، وأخبر أنهم الفاعِلون لها، وأنهم محمودون عليها إن كانت صالحةً ومُثابون عليها ومذمومون إن كانت سيِّئةً ومعاقَبون عليها. فقد تبَيَّن بهذا واتَّضَح أنها واقعةٌ منهم وباختيارِهم، وأنهم إن شاؤوا فعلوا، وإن شاؤوا تركوا، وأنَّ هذا الأمرَ ثابِتٌ عَقلًا وحِسًّا وشرعًا ومشاهَدةً.
... اللهُ هو الذي خلق قُدرَتَهم وإرادتَهم، وهو الذي خلق ما به تقعُ الأفعالُ، كما أنَّه الخالِقُ للأفعالِ، وهذا هو الذي يحُلُّ الإشكالَ، ويتمكَّنُ العَبدُ أن يعقِلَ بقَلْبِه اجتماعَ القَدَرِ والقَضاءِ والاختيارِ.
ومع ذلك فهو تعالى أمدَّ المؤمنين بأسبابٍ وألطافٍ وإعاناتٍ مُتنوِّعةٍ، وصرف عنهم الموانِعَ، كما قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أمَّا من كان من أهلِ السَّعادةِ فيُيَسَّرُ لعمَلِ أهلِ السَّعادةِ ))( أخرجه مُطَوَّلًا البخاري (4949) واللَّفظُ له، ومسلم (2647) من حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه. ، وكذلك خَذَل الفاسقين ووكَلَهم إلى أنفُسِهم ولم يُعِنْهم؛ لأنهم لم يؤمِنوا به، ولم يتوكَّلوا عليه، فوَلَّاهم ما توَلَّوه لأنفُسِهم)( يُنظر: ((التنبيهات اللطيفة على ما احتوت عليه العقيدة الواسطية من المباحث المنيفة)) (ص 100-102). .
وقال حافِظٌ الحَكَميُّ: (للعبادِ قُدرةٌ على أعمالِهم، ولهم مشيئةٌ وإرادةٌ، وأفعالُهم تضافُ إليهم حقيقةً وبحَسَبِها كُلِّفوا، وعليها يُثابون ويُعاقبون، ولم يُكَلِّفْهم اللهُ إلَّا وُسْعَهم، وقد أثبت لهم ذلك في الكِتابِ والسُّنَّةِ، ووصفهم به، ولكِنَّهم لا يَقدِرون إلَّا على ما أقدرهم اللهُ عليه، ولا يشاؤون إلَّا أن يشاءَ اللهُ، ولا يفعلون إلَّا بجَعْلِه إيَّاهم فاعلين، كما تقدَّم في نصوصِ المشيئةِ والإرادةِ والخَلْقِ، فكما لم يُوجِدوا أنفُسَهم لم يُوجِدوا أفعالَهم، فقُدرتُهم ومشيئتُهم وإرادتُهم وأفعالُهم تابعةٌ لقدرتِه ومشيئتِه وإرادتِه وفِعْلِه؛ إذ هو خالِقُهم وخالِقُ قُدرتِهم وإرادتِهم ومشيئتِهم وأفعالِهم، وليس مشيئَتُهم وإرادتُهم وقدرتُهم وأفعالُهم هي عَينَ مَشيئةِ اللهِ وإرادتِه وقُدرتِه وأفعالِه، كما ليس هم إيَّاه، تعالى اللهُ عن ذلك، بل أفعالُهم المخلوقةُ للهِ قائمةٌ بهم لائقةٌ بهم مضافةٌ إليهم حقيقةً، وهي من آثارِ أفعالِ اللهِ القائمةِ به اللائِقةِ المضافةِ إليه حقيقةً؛ فاللهُ فاعِلٌ حقيقةً، والعبدُ مُنفَعِلٌ حقيقةً، واللهُ هادٍ حقيقةً، والعبدُ مُهتَدٍ حقيقةً؛ ولهذا أضاف كُلًّا من الفعلينِ إلى من قام به، فقال تعالى: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ [الأعراف: 178] فإضافةُ الهدايةِ إلى اللهِ حقيقةٌ، وإضافةُ الاهتداءِ إلى العَبدِ حقيقةٌ، فكما ليس الهادي هو عَينَ المُهتَدِي، فكذلك ليس الهدايةُ هي عينَ الاهتداءِ، وكذلك يُضِلُّ اللهُ من يشاءُ حقيقةً، وذلك العَبدُ يكونُ ضالًّا حقيقةً، وهكذا جميعُ تصَرُّفِ اللهِ في عبادِه، فمن أضاف الفِعْلَ والانفعالَ إلى العبدِ كَفَر، ومن أضافه إلى اللهِ كَفَر، ومن أضاف الفِعلَ إلى الخالِقِ والانفعالَ إلى المخلوقِ كلاهما حقيقةً، فهو المؤمِنُ حقيقةً)( يُنظر: ((أعلام السنة المنشورة)) (ص: 90). .
وقال الشنقيطيُّ: (حاصِلُ هذا أنَّ اللهَ تبارك وتعالى قدَّر مقاديرَ الخَلْقِ قبل أن يَخلُقَ الخَلْقَ، وعَلِم أنَّ قومًا صائرون إلى الشَّقاءِ وقومًا صائرون إلى السَّعادةِ، فريقٌ في الجنَّةِ وفريقٌ في السعيرِ. وأقام الحُجَّةَ على الجميعِ ببَعْثِ الرُّسُلِ وتأييدِهم بالمُعجِزاتِ التي لا تَتركُ في الحَقِّ لَبْسًا، فقامت عليهم حُجَّةُ اللهِ في أرْضِه بذلك.
ثمَّ إنَّه تعالى وفَّق من شاء توفيقَه، ولم يوفِّقْ من سبق لهم في عِلْمِه الشَّقاءُ الأزليُّ، وخَلَق لكُلِّ واحدٍ منهم قدرةً وإرادةً يَقدِرُ بها على تحصيلِ الخيرِ والشَّرِّ، وصَرَف قدرتَهم وإراداتِهم بقدرتِه وإرادتِه إلى ما سبق لهم في عِلمِه من أعمالِ الخيرِ المُستوجِبةِ للسعادةِ، وأعمالِ الشَّرِّ المستوجِبةِ للشقاءِ؛ فأَتَوا كُلَّ ما أَتَوا، وفعلوا كُلَّ ما فعلوا، طائعينَ مختارينَ غيرَ مجبورينَ ولا مقهورينَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ، وادِّعاءُ أنَّ العبدَ مجبوٌر لا إرادةَ له ضروريُّ السُّقوطِ عند عامَّةِ العُقَلاءِ، ومن أعظَمِ الضرورياتِ الدَّالَّةِ عليه: أنَّ كُلَّ عاقلٍ يَعلَمُ أنَّ بين الحركةِ الاختياريةِ والحركةِ الاضطراريَّةِ كحَركةِ المرتَعِشِ فَرقًا ضروريًّا، لا ينكِرُه عاقِلٌ... ومِن أعظَمِ الأدِلَّةِ القَطعيَّةِ الدَّالَّةِ على بطلانِ مَذهَبِ القَدَريةِ، وأنَّ العبدَ لا يَستقِلُّ بأفعالِه دون قُدرةِ اللهِ ومشيئتِه: أنَّه لا يمكِنُ أحدًا أن ينكِرَ عِلمَ اللهِ بكُلِّ شيءٍ قبل وقوعِه، والآياتُ والأحاديثُ الدَّالَّةُ على هذا لا يُنكِرُها إلَّا مكابِرٌ، وسبْقُ علمِ اللهِ بما يقعُ من العبدِ قبل وقوعِه بُرهانٌ قاطعٌ على بطلانِ تلك الدعوى...
ولا إشكالَ البتَّةَ في أنَّ اللهَ يخلُقُ للعَبدِ قُدرةً وإرادةً يَقدِرُ بها على الفِعلِ والتركِ، ثمَّ يَصرِفُ اللهُ بقدرتِه وإرادتِه قدرةَ العبدِ وإرادتَه إلى ما سبق به عِلْمُه، فيأتيه العبدُ طائعًا مختارًا غيرَ مقهورٍ ولا مجبورٍ، وغيرَ مُستَقِلٍّ به دونَ قُدرةِ اللهِ وإرادتِه، كما قال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير: 29])( يُنظر: ((أضواء البيان)) (7/96). .
وقال ابنُ عثيمين: (قال المؤلِّفُ يعني: ابنَ تيميَّةَ: «وهم وسَطٌ في بابِ أفعالِ اللهِ بين الجَبْريَّةِ والقَدَريَّةِ».
الشَّرحُ:
* في بابِ القَدَرِ انقسم النَّاسُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:... والقِسمُ الثَّالِثُ: أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، قالوا: نحن نأخذُ بالحَقِّ الذي مع الجانبينِ، فنقولُ: إنَّ فِعلَ العبدِ واقِعٌ بمشيئةِ اللهِ وخَلْقِ اللهِ، ولا يمكِنُ أن يكونَ في مُلكِ اللهِ ما لا يشاؤه أبدًا، والإنسانُ له اختيارٌ وإرادةٌ، ويُفَرِّقُ بين الفعلِ الذي يُضطَرُّ إليه والفِعلِ الذي يختارُه؛ فأفعالُ العِبادِ باختيارِهم وإرادتِهم، ومع ذلك فهي واقعةٌ بمشيئةِ اللهِ وخَلْقِه.
لكنْ سيبقى عندنا إشكالٌ: كيف تكونُ خَلقًا للهِ وهي فِعلُ الإنسانِ؟!
والجوابُ: أنَّ أفعالَ العَبدِ صدَرَت بإرادةٍ وقدرةٍ، والذي خلق فيه الإرادةَ والقُدْرةَ هو اللهُ عزَّ وجَلَّ. لو شاء اللهُ تعالى لسلبك القُدْرةَ؛ فلم تستَطِعْ، ولو أنَّ أحدًا قادِرًا لم يُرِدْ فِعلًا لم يقَعِ الفِعلُ منه، كُلُّ إنسانٍ قادِرٌ يفعَلُ الفِعلَ؛ فإنَّه بإرادتِه، اللَّهُمَّ إلَّا من أُكرِهَ. فنحن نفعلُ باختيارِنا وقُدرتِنا، والذي خلق فينا الاختيارَ والقُدْرةَ هو اللهُ)( يُنظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) (2/ 67-69). .

انظر أيضا: