الموسوعة العقدية

الفرعُ الثَّاني: أنواعُ التقاديرِ المتعَلِّقةِ بمَرتَبةِ الكتابةِ

تمهيدٌ:
قال ابنُ القَيِّمِ في مقدِّمةِ كتابِه ((شِفاء العليل)): (سمَّيتُه: «شِفاءَ العليل في مسائِلِ القَضاءِ والقَدَرِ والحِكمةِ والتعليل». وجعلتُه أبوابًا:
«البابُ الأوَّلُ: في تقديرِ المقاديرِ قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ».
«البابُ الثاني: في تقديرِ الرَّبِّ تعالى شقاوةَ الِعبادِ وسعادتَهم وأرزاقَهم وآجالَهم قبل خَلقِهم وهو تقديرٌ ثانٍ بعد الأوَّلِ».
«البابُ الثَّالِثُ: في ذِكرِ احتجاجِ آدَمَ وموسى في ذلك وحُكْمِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لآدَمَ».
«البابُ الرَّابعُ: في ذِكرِ التقديرِ الثَّالِثِ والجنينُ في بطنِ أمِّه».
«البابُ الخامسُ: في التقديرِ الرَّابعِ ليلةَ القَدْرِ».
«البابُ السَّادسُ: في ذِكرِ التقديرِ الخامِسِ اليوميِّ»... وكلُّ واحدٍ من هذه التقاديرِ كالتفصيل من التقديرِ السَّابِقِ، وفي ذلك دليلٌ على كمالِ عِلمِ الرَّبِّ وقُدرتِه وحِكمتِه، وزيادةُ تعريفٍ لملائكتِه وعبادِه المؤمنين بنَفسِه وأسمائِه، وقد قال تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: 29].
وأكثَرُ المفَسِّرين على أنَّ هذا الاستنساخَ من اللَّوحِ المَحفوظِ، فتستنسِخُ الملائكةُ ما يكونُ من أعمالِ بني آدَمَ قبل أن يَعمَلوها، فيَجِدون ذلك موافِقًا لِما يعملونه، فيُثبِتُ اللهُ تعالى منه ما فيه ثوابٌ أو عِقابٌ، ويَطرَحُ منه اللَّغْوَ)( يُنظر: ((شفاء العليل)) (ص: 13، 65). .
وقال حافِظٌ الحَكَميُّ في الإيمانِ بكتابةِ المقاديرِ: (يدخُلُ في ذلك خمسةٌ من التقاديرِ كُلُّها ترجِعُ إلى العِلْمِ:
التقديرُ الأوَّلُ: كتابةُ ذلك قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ بخمسينَ ألفَ سَنةٍ، عندما خلق اللهُ القَلَمَ، وهو التقديرُ الأزَليُّ.
الثاني: التقديرُ العُمريُّ، حين أخذ الميثاقَ يومَ قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: 172] .
الثَّالِثُ: التقديرُ العُمريُّ أيضًا عند تخليقِ النُّطفةِ في الرَّحمِ.
الرَّابعُ: التقديرُ الحَوليُّ في ليلةِ القَدْرِ.
الخامِسُ: التقديرُ اليوميُّ، وهو تنفيذُ كُلِّ ذلك إلى مواضِعِه)( يُنظر: ((أعلام السنة المنشورة)) (ص: 81). .
وقال ابنُ عثيمين: (التقاديرُ خمسةُ أنواعٍ:
النوعُ الأوَّلُ: التقديرُ العامُّ، وهو المكتوبُ في اللَّوحِ المَحفوظِ الذي كان قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ بخمسينَ ألفَ سنةٍ، وكان عرشُه على الماءِ...
النوعُ الثاني: تقديرُ أرزاقِ العبادِ وآجالِهم وأعمالِهم قبل أن يخلُقَهم.
النوعُ الثَّالِثُ: تقديرُ ما ذُكِر على الجنينِ في بَطنِ أمِّه...
النوعُ الرَّابعُ: التقديرُ السَّنويُّ، وهو ما يكونُ ليلةَ القَدْرِ.
النوعُ الخامِسُ: التقديرُ اليوميُّ.
فالتقديراتُ خمسةٌ: يوميٌّ، وحَوليٌّ، وعُمريٌّ عند تعلُّقِ النَّفسِ بالبدَنِ وعند تخليقِه، وتقديرٌ قبل وجودِ ابنِ آدمَ بعد خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ، وتقديرٌ قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ، وكُلُّ هذه تفاصيلُ للتقديرِ السَّابقِ)( يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن عثيمين)) (7/ 265). .
1- كتابةُ مقاديرِ الخلائِقِ قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرض بخَمسينَ ألفَ سَنةٍ
دليلُه:

عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قالَ: وَعَرْشُهُ علَى المَاءِ ))( رواه مسلم (2653). .
قال الثعلبيُّ في تفسيرِ قَولِه تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: 22]: (إِلَّا فِي كِتَابٍ يعني: اللَّوحَ المَحفوظَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا: من قبلِ أن نخلُقَ الأرضَ والأنفُسَ)( يُنظر: ((تفسير الثعلبي)) (9/ 245).  .
وقال ابنُ عطيَّةَ: (قَولُه تعالى: إِلَّا فِي كِتَابٍ معناه: إلَّا والمصيبةُ في كتابٍ. و: نَبْرَأَهَا معناه: نخلُقها، يقال: برأ اللهُ الخَلْقَ: أي: خلَقَهم، والضميرُ عائدٌ على المصيبةِ، وقيل: على الأرضِ، وقيل: على الأنفُسِ، قاله ابنُ عَبَّاسٍ وقتادةُ وجماعةٌ، وذكر المهدويٌّ جوازَ عودِ الضَّميرِ على جميعِ ما ذُكِرَ، وهي كُلُّها معانٍ صِحاحٍ؛ لأنَّ الكتابَ السَّابِقَ أزليٌّ قبل هذه كُلِّها)( يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (5/ 268). .
وعقد البيهقيُّ في كتابِه ((القَضاء والقَدَر)) عدَّةَ أبوابٍ:
منها: (بابُ ذِكرِ البيانِ أنَّ اللهَ جَلَّ ثناؤه قدَّر المقاديرَ كُلَّها قبل أن يخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ، قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49]، فأخبر أن كُلَّ شيءٍ خلقه إنما هو بحسَبِ ما قدَّره قبل أن يَخلُقَه، فجرى الخَلْقُ على ما قدَّر، وجرى القَدَرُ على ما عَلِمَ...).
ومنها: (بابُ ذِكرِ البيانِ أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ كتب المقاديرَ كُلَّها في الذِّكرِ، وهو المرادُ بتقديرِ المقاديرِ على ما لم يَزَلْ به عالِمًا...).
ومنها: (بابُ ذِكرِ البيانِ أنَّ القَلَمَ لَمَّا جرى بما هو كائِنٌ، كان فيما جرى...)( يُنظر: (ص: 108-121). .
وقال القرطبيُّ في تفسيرِ قَولِه تعالى: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا [الإسراء: 13] : (قال ابنُ عبَّاسٍ: «طائِرَه» عَمَلَه وما قُدِّر عليه من خيرٍ وشَرٍّ، وهو ملازِمُه أينما كان، وقال مقاتِلٌ والكلبيُّ: خَيرُه وشَرُّه معه، لا يفارقُه حتى يحاسَبَ به... وقال الحسَنُ: «أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ» أي: شقاوتَه وسعادتَه، وما كُتِب له من خيرٍ وشَرٍّ، وما طار له من التقديرِ، أي: صار له عند القِسمةِ في الأزَلِ)( يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/ 229). .
وقال ابنُ تيميَّةَ: (يجِبُ الإيمانُ أنَّ اللهَ عَلِم ما سيكونُ كُلُّه قبل أن يكونَ، ويجِبُ الإيمانُ بما أخبر به من أنَّه كتب ذلك وأخبر به قبل أن يكونَ، كما في صحيحِ مُسلمٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((إنَّ اللهَ قدَّر مقاديرَ الخلائِقِ قبل أن يَخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ بخَمسينَ ألفَ سَنةٍ، وكان عَرشُه على الماءِ ))( أخرجه مسلم (2653) باختِلافٍ يسيرٍ. وفي صحيحِ البخاريِّ وغيرِه عن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((كان اللهُ ولا شيءَ غَيرُه، وكان عَرشُه على الماءِ، وكتب في الذِّكرِ كُلَّ شَيءٍ، وخَلَق السَّمَواتِ والأرضَ ))( أخرجه البخاري (3191) مُطَوَّلًا بلفظ: ((كان اللهُ ولم يكُنْ شيءٌ غَيرُه، وكان عرشُه على الماءِ، وكتب في الذِّكرِ كُلَّ شىءٍ، وخلق السَّمَواتِ والأرضَ)). وفي لفظ: ((ثمَّ خلق السَّمَواتِ والأرضَ))( أخرجه البخاري (7418) مُطَوَّلًا. )( يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (8/ 66). .
وقال أيضًا: (هؤلاء جميعُهم سبقت لهم عند اللهِ السَّوابقُ، وكتب اللهُ مقاديرَهم قبل أن يَخلُقَهم، وهم مع هذا قد انقسموا إلى سعيدٍ بالإيمانِ والعَمَلِ الصَّالحِ، وإلى شَقيٍّ بالكُفرِ والفِسقِ والعِصيانِ)( يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (8/ 264). .
وقال أيضًا: (وأمَّا كَونُ الأشياءِ معلومةً للهِ قبل كونِها: فهذا حَقٌّ لا رَيبَ فيه، وكذلك كونُها مكتوبةً عنده أو عند ملائكَتِه، كما دَلَّ على ذلك الكِتابُ والسُّنَّةُ، وجاءت به الآثارُ)( يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (2/ 152). .
وقال ابنُ القَيِّمِ: (عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ قال: سمعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: ((كتب اللهُ مقاديرَ الخلائِقِ قبل أن يَخلُقَ السَّمواتِ والأرضَ بخَمسينَ ألفَ سَنةٍ، وعرشُه على الماءِ ))... وفيه دليلٌ على أنَّ خَلْقَ العَرشِ سابِقٌ على خَلقِ القَلَمِ. وهذا أصحُّ القولَينِ... وكتابةُ القَلَمِ للقَدَرِ كان في السَّاعةِ التي خُلِق فيها.. هذا الذي كتبه القَلَمُ هو القَدَرُ)( يُنظر: ((شفاء العليل)) (ص: 17). .
وقال ابنُ أبي العزِّ: (قد سبق عِلمُه بالكائناتِ، وأنَّه قدَّر مقاديرَها قبل خَلقِها، كما قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((قَدَّرَ اللهُ مقاديرَ الخَلْقِ قبل أن يَخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ بخَمسينَ ألفَ سَنةٍ))( أخرجه مسلم (2653) باختِلافٍ يسيرٍ. )( يُنظر: ((شرح الطحاوية)) (2/ 353). .
وقال ابنُ باز: (قد سبق في عِلمُه كُلُّ شيءٍ، كما قال عزَّ وجَلَّ: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((كتب اللهُ مقاديرَ الخلائِقِ قبل أن يَخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ بخَمسينَ ألفَ سَنةٍ قال: وعَرشُه على الماءِ))... ولكنَّه عزَّ وجَلَّ لا يؤاخِذُ العبادَ بمقتضى عِلْمِه السَّابِقِ، وإنما يؤاخِذُهم ويثيبُهم على ما يَعلَمُه منهم، بعد عَمَلِهم إيَّاه، ووجودِه منهم في الخارجِ)( يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن باز)) (1/ 58). .
وقال أيضًا: (اللهُ سُبحانَه قد قدَّر مقاديرَ الخلائقِ، وعَلِم ما هم عاملون، وقدَّر أرزاقَهم وآجالَهم، وكتب ذلك كُلَّه لديه، كما قال تعالى: قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا الآية، وقال سُبحانَه: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، وقال سُبحانَه: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، والآياتُ في هذا المعنى كثيرةٌ)( يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن باز)) (1/ 97). .
2- تقديرُ أهلِ الجَنَّةِ وأهلِ النَّارِ قبل خَلقِ الخلائِقِ. 
دليلُه:
1- عن أبي عبدِ اللهِ رَجُلٍ من الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنه قال: (مرِضَ رجلٌ من أصحابِ النبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِه وسلَّمَ، فدخلَ عليهِ أصحابُهُ يعودونَهُ فبكى، فقيلَ لهُ: ما يبكيكَ يا أبا عبدِ اللَّهِ؟ ألم يقُلْ لكَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِه وسلَّمَ: خُذْ مِن شارِبِكَ ثمَّ أَقِرَّهُ حتَّى تلقاني؟ قالَ: بلَى، ولكنِّي سمعتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ يقولُ: ((إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قبضَ قبضةً بيَمينِهِ وقالَ: هذِهِ لهذهِ ولا أبالي، وقبضَ قبضةً أخرى بيدِهِ الأخرى جلَّ وعلا، فقالَ: هذِهِ لهذهِ ولا أبالي))، فلا أدري في أيِّ القبضتينِ أنا .( أخرجه أحمد (17594) واللَّفظُ له، وأبو يعلى في ((إبطال التأويلات)) (173). صَحَّحه ابن القيم في ((أحكام أهل الذمة)) (2/1003)، والوادعي في ((الصَّحيح المسند مما ليس في الصحيحين)) (1250)، وصَحَّح إسناده ابن حجر في ((الإصابة)) (4/126)، والألباني في ((سلسلة الأحاديث الصَّحيحة)) (50)، وشعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (17594). (
2- عن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ خلقَ خلقَهُ في ظُلمةٍ، ثمَّ ألقَى عليهِم من نورِهِ يومئذٍ، فمَن أصابَهُ من نورِهِ يومئذٍ اهتَدى، ومَن أخطأَهُ ضلَّ؛ فلذلِكَ أقولُ: جفَّ القَلَمُ على علمِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ ))( أخرجه الترمذي (2642)، وأحمد (6644) واللَّفظُ له من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عنهما. صَحَّحه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (2642)، والوادعي في ((الصَّحيح المسند مما ليس في الصحيحين)) (791)، وحَسَّنه الترمذيُّ، وابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) (5/316). .
سُئِلَ ابنُ تيميَّةَ عن حديثِ: ((إنَّ اللهَ قبض قبضتين فقال: هذه للجنَّةِ ولا أُبالي، وهذه للنَّارِ ولا أُبالي)): فهل هذا الحديثُ صحيحٌ؟ واللهُ قبضَها بنَفْسِه أو أمر أحَدًا من الملائكةِ بقَبضِها؟ والحديثُ الآخَرُ في أنَّ اللهَ لَمَّا خلق آدمَ أراه ذريَّتَه عن اليمينِ والشِّمالِ، ثم قال: هؤلاء إلى النَّارِ ولا أُبالي، وهؤلاء إلى الجنَّةِ ولا أُبالي، وهذا في الصحيحِ.
فأجاب: (نعم، هذا المعنى مشهورٌ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من وجوهٍ متعَدِّدةٍ؛ مِثلُ ما في موطَّأِ مالكٍ وسُنَنِ أبي داودَ والنَّسائيِّ وغيرِه عن مُسلِمِ بنِ يَسارٍ، وفي لفظٍ عن نُعَيمِ بنِ ربيعةَ: أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ سُئِلَ عن هذه الآيةِ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ... الآية، فقال عُمَرُ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وفي لفظٍ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سُئِلَ عنها، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "إنَّ اللهَ خلق آدَمَ ثم مسح ظَهْرَه بيمينِه فاستخرج منه ذُريَّةً، فقال: خلَقْتُ هؤلاء للجنَّةِ وبعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ يَعمَلونَ، ثم مسح ظَهْرَه فاستخرج منه ذُريَّةً، فقال: خلَقْتُ هؤلاء للنَّارِ وبعَمَلِ أهلِ النَّارِ يَعملَونَ، فقال رَجُلٌ: يا رسولَ اللهِ، ففيم العَمَلُ؟! فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ اللهَ إذا خلق الرَّجُلَ للجنَّةِ استعمله بعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ حتى يموتَ على عَمَلٍ من أعمالِ أهلِ الجنَّةِ، فيُدخِلُه به الجنَّةَ، وإذا خلق الرَّجُلَ للنَّارِ استعمله بعَمَلِ أهلِ النَّارِ حتى يموتَ على عَمَلٍ من أعمالِ أهلِ النَّارِ، فيُدخِلُه به النَّارَ". وفي حديثِ الحَكَمِ بنِ سُفيانَ عن ثابتٍ عن أنَسِ بنِ مالكٍ قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "إنَّ اللهَ قبض قبضةً فقال: إلى الجنَّةِ برحمتي، وقبض قبضةً فقال: إلى النَّارِ ولا أُبالي" وهذا الحديثُ ونحوه فيه فصلانِ.
أحدُهما: القَدَرُ السَّابِقُ، وهو أنَّ اللهَ سُبحانَه عَلِمَ أهلَ الجنَّةِ من أهلِ النَّارِ من قبل أن يعمَلوا الأعمالَ، وهذا حَقٌّ يجِبُ الإيمانُ به، بل قد نَصَّ الأئمَّةُ كمالكٍ والشَّافعيِّ وأحمدَ، أنَّ من جحد هذا فقد كَفَر)( يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (8/ 65). .
وقال ابنُ كثيرٍ بعد أن ساق رواياتِ الأحاديثِ الواردةِ في قَولِه تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف: 172] : (فهذه الأحاديثُ دالَّةٌ على أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ استخرج ذُرِّيَّةَ آدمَ من صُلْبِه، ومَيَّز بين أهلِ الجنَّةِ وأهلِ النَّارِ)( يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/ 506). .
وقال ابنُ أبي العِزِّ بعد ذِكرِه للأحاديثِ الدَّالَّةِ على هذا التقديرِ: (وفي ذلك أحاديثُ أُخَرُ أيضًا كلُّها دالةٌ على أنَّ اللهَ استخرج ذُرِّيَّةَ آدمَ مِن صُلبِه، وميَّز بين أهلِ النَّارِ وأهلِ الجنَّةِ... وقدَّر خلْقَها وأجَلَها وعمَلَها، واستخرج تلك الصُّوَرَ مِن مادَّتِها، ثم أعادها إليها، وقدَّر خروجَ كُلِّ فَردٍ من أفرادِها في وقتِه المقدَّرِ له)( يُنظر: ((شرح الطحاوية)) (1/ 307). .
3- التقديرُ العُمريُّ عند أوَّلِ تخليقِ النُّطفةِ فيُكتَبُ رِزقُ الجنينِ، وأجَلُه، وعَمَلُه، وشَقِيٌّ أو سعيدٌ.
دليلُه:
حديثُ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: حدَّثنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو الصَّادِقُ المصدوقُ: ((إنَّ أحَدَكم يُجمَعُ خَلْقُه في بَطنِ أمِّه أربعين يومًا نُطفةً، ثم يكونُ عَلَقةً مِثلَ ذلك، ثم يكونُ مُضغةً مِثلَ ذلك، ثم يَبعَثُ اللهُ إليه ملَكًا بأربَعِ كَلِماتٍ: بكَتْبِ رِزْقِه، وأَجَلِه، وعَمَلِه، وشَقِيٌّ أو سعيدٌ، ثم يُنفَخُ فيه الرُّوحُ، فواللهِ الذي لا إلهَ غَيرُه، إنَّ أحَدَكم ليَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ حتى ما يكونُ بينه وبينها إلَّا ذراعٌ فيَسبِقُ عليه الكِتابُ فيَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ النَّارِ فيَدخُلُها، وإنَّ أحَدَكم ليَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ النَّارِ حتى ما يكونُ بينه وبينها إلَّا ذراعٌ فيَسبِقُ عليه الكِتابُ، فيَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ فيَدخُلُها ))( أخرجه البخاري (3332) واللَّفظُ له، ومسلم (2643). .
وعن أنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((وكَّل اللهُ بالرَّحِم ِمَلَكًا، فيقولُ: أيْ رَبِّ نُطفةٌ، أيْ رَبِّ عَلَقةٌ، أيْ رَبِّ مُضغةٌ. فإذا أراد اللهُ أن يقضِيَ خَلْقَها، قال: أيْ رَبِّ ذَكَرٌ أم أنثى، أشَقِيٌّ أم سعيدٌ؟ فما الرِّزقُ؟ فما الأجَلُ، فيُكتَبُ كُلُّ ذلك في بَطنِ أمِّه ))( أخرجه البخاري (6595) واللَّفظُ له، ومسلم (2646). .
قال محمَّدُ بنُ الحسَنِ الشَّيبانيُّ في حديثِ ابنِ مَسعودٍ المتقَدِّمِ: (وبهذا نأخُذُ، وبه كان يأخُذُ أبو حنيفةَ: الشَّقِيُّ من شَقِيَ في بَطنِ أمِّه، والسَّعيدُ من وُعِظَ بغيرِه)( يُنظر: ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) للالكائي (4/ 779). .
وقال الآجُرِّي فيه كذلك: (ينبغي لك أيُّها السَّائِلُ أن تعلَمَ: أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ قد فرغ من أرزاقِ العِبادِ، وأنَّ كُلَّ عَبدٍ مُستوفٍ رِزقَه، لا يَزيدُ فيه ولا يَنقُصُ منه، وكذا قد فَرَغ من الآجالِ، لا يزدادُ أحدٌ على أجَلِه ولا يُنتَقَصُ منه حتى يأتيَه آخِرُ أجَلِه، وكذا كتب اللهُ عزَّ وجَلَّ عمَلَه الذي يعمَلُ، خيرًا كان أو شرًّا، وكَتَبه شقيًّا أو سعيدًا، فكُلُّ العبادِ يَسْعَون في أمرٍ قد فُرِغ منه، والإيمانُ بهذا واجِبٌ، ومن لم يؤمِنْ به كَفَر)( يُنظر: ((الأربعون حديثا)) (ص: 89).
وقال البيهقيُّ: (بابُ ذِكرِ البيانِ أنَّ كُلَّ من سبق في عِلمِ اللهِ عزَّ وجَلَّ كونُه سعيدًا، ثم جرى القَلَمُ بسعادتِه وخرج في المَسحةِ الأُولى من ظَهرِ آدَمَ، وأصابه النُّورُ الذي ألقِيَ عليهم، وأقَرَّ بالتوحيدِ طَوعًا في الميثاقِ الأوَّلِ، وجُعِلت الجنَّةُ له وهو في صُلبِ أبيه، خُلِق في بطنِ أمِّه سعيدًا، ووُلِد سعيدًا، وخُتِم له بعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ، ومن سَبَق في عِلمِ اللهِ عزَّ وجَلَّ كونُه شَقِيًّا، ثم جرى القَلَمُ بشقاوتِه، وخرج في المَسحةِ الأُخرى من ظَهرِ آدمَ، وأخطأه النُّورُ الذي ألقِيَ عليهم، وامتنع من الإقرارِ بالتوحيدِ، أو أقرَّ به كَرْهًا في الميثاقِ الأوَّلِ، وجُعِلت النَّارُ له وهو في صُلبِ أبيه، خُلِق في بَطنِ أمِّه شَقِيًّا، ووُلِد شقيًّا، وخُتِم له بعَمَلِ أهلِ النَّارِ. نعوذُ باللهِ مِنَ النَّارِ)( يُنظر: ((القضاء والقدر)) (ص: 147). .
وقال القُرطبيُّ في تفسيرِ قَولِه تعالى: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا [الإسراء: 13] : (طَائِرَهُ... قال مجاهِدٌ: عَمَلَه ورِزْقَه. وعنه: ما من مولودٍ يُولَدُ إلَّا وفي عُنُقِه وَرقةٌ فيها مكتوبٌ: شَقِيٌّ أو سعيدٌ)( يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/ 229). .
وقال ابنُ تيميَّةَ: (التقديرُ والكتابةُ تكونُ تفصيلًا بعد جملةٍ؛ فاللهُ تعالى لَمَّا قَدَّر مقاديرَ الخلائِقِ قبل أن يَخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ بخَمسينَ ألفَ سَنةٍ، لم يُظهِرْ ذلك التقديرَ للملائكةِ، ولَمَّا خلق آدَمَ قبل أن يَنفُخَ فيه الرُّوحَ أظهر لهم ما قدَّره كما يَظهَرُ لهم ذلك من كُلِّ مولودٍ)( يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (12/387). .
وقال ابنُ القَيِّمِ بعد ذِكْرِ أحاديثَ وآثارٍ في المسألةِ: (اجتمعت هذه الأحاديثُ والآثارُ على تقديرِ رِزقِ العَبدِ وأجَلِه وشَقاوتِه وسعادتِه، وهو في بَطنِ أمِّه... وهذا تقديرٌ بعد التقديرِ الأوَّلِ السَّابِقِ على خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ، وبعد التقديرِ الذي وقع يومَ استخراجِ الذرِّيَّةِ بعد خَلقِ أبيهم آدَمَ)( يُنظر: ((شفاء العليل)) (ص: 58). .
وعَبَّر ابنُ أبي العِزِّ عن هذا التقديرِ بالقَلَمِ الثَّالِثِ، فقال: (الذي دلَّت عليه السُّنَّةُ أنَّ الأقلامَ أربعةٌ)، فذكر الأوَّلَ والثَّانيَ، ثم قال: (القَلَمُ الثَّالِثُ: حين يُرسَلُ الملَكُ إلى الجنينِ في بَطنِ أمِّه، فيَنفُخُ فيه الرُّوحَ، ويُؤمَرُ بأربَعِ كَلِماتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِه، وأجَلِه، وعَمَلِه، وشَقِيٌّ أو سعيدٌ. كما ورد ذلك في الأحاديثِ الصَّحيحةِ)( يُنظر: ((شرح الطحاوية)) (2/ 348). .
وقال ابنُ باز تعليقًا على حديثِ ابنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه: (هذا حديثٌ صحيحٌ رواه البخاريُّ ومسلمٌ في الصحيحِ... فالشَّقيُّ من أهلِ النَّارِ، والسَّعيدُ من أهلِ الجنَّةِ، واللهُ جَلَّ وعلا يكتُبُ أعمالَه كُلَّها، ولا يُمنَعُ في هذا الأمرُ والنَّهيُ؛ فالقَدَرُ ماضٍ في أمرِ اللهِ، ولكِنْ على العبدِ أن يعمَلَ)( يُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) (4/ 256). .
وقال أيضًا: (كُلُّ جنينٍ يُكتَبُ في حَقِّه، وهو في رَحِمِ أمِّه، يُكتَبُ له جميعُ ما يحصُلُ له من الحوادِثِ المُستَقبَلةِ: أعمالُه وأقوالُه، وشقاوتُه وسعادتُه وسرورُه، وهو تفصيلٌ أيضًا من القَدَرِ السَّابِقِ)( يُنظر: ((الإفهام في شرح عمدة الأحكام)) (ص: 433). .
وقال ابنُ عثيمين: (هناك تقديراتٌ أُخرى نِسبيَّةٌ؛ منها: تقديريٌّ عُمريٌّ: حين يَبلُغُ الجنينُ في بَطنِ أمِّه أربعةَ أشهُرٍ يُرسَلُ إليه الملَكُ، فيَنفُخُ فيه الرُّوحَ، ويَكتُبُ رِزْقَه وأجَلَه وعمَلَه وشَقِيٌّ أو سعيدٌ)( يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن عثيمين)) (10/ 992). .
4- التقديرُ الحَوليُّ في ليلةِ القَدْرِ.
في ليلةِ القَدْرِ يُكتَبُ من أمِّ الكِتابِ ما يكونُ في السَّنَةِ مِن مَوتٍ وحياةٍ، ورِزقٍ ومَطَرٍ، وما يقومُ به العبادُ من أعمالٍ، ونحوُ ذلك( يُنظر: ((الإيمان بالقضاء والقدر)) لعمر الأشقر (ص: 40). .
دليلُه:
قَولُ اللهِ تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القَدَر: 1].
وقَولُ اللهِ سُبحانَه: إِنا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [الدخان: 3-5] .
عن مجاهدٍ أنَّه قال في قَولِه تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ: (في ليلةِ القَدْرِ كُلُّ أمرٍ يكونُ في السَّنَةِ إلى السَّنَةِ: الحياةُ والموتُ، يُقَدَّرُ فيها المعايِشُ والمصائِبُ كُلُّها)( يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/ 8). .
عن قتادةَ قال: (هي ليلةُ القَدْرِ فيها يُقضى ما يكونُ من السَّنَة إلى السَّنَةِ)( يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/ 9). .
قال ابنُ جرير: (في هذه الليلةِ المباركةِ يُقضى ويُفصَل كُلُّ أمرٍ أحكمه اللهُ تعالى في تلك السَّنَةِ إلى مِثلهِا من السَّنَةِ الأُخرى)( يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/ 10). .
وقال الزَّجَّاج: (يَفرُقُ اللهُ عزَّ وجَلَّ في ليلةِ القَدْرِ كُلَّ أمرٍ فيه حِكمةٌ مِن أرزاقِ العِبادِ وآجالِهم وجميعِ أمْرِهم الذي يكونُ مؤجَّلًا إلى ليلةِ القَدْرِ التي تكونُ في السَّنَةِ المُقبِلةِ)( يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) (4/423). .
وقال أبو اللَّيثِ السَّمَرقَنديُّ: (قَولُه تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ يعني: في ليلةِ القَدْرِ، يُقضى كُلُّ أمرٍ مُحكَمٍ، ما يكونُ في تلك السَّنَةِ إلى السَّنَةِ الأخرى، وهذا قَولُ عِكرِمةَ. وروى منصورٌ عن مجاهِدٍ قال: فيها يُقضى أمرُ السَّنَةِ إلى السَّنَةِ مِنَ المصائبِ والأرزاقِ وغيرِ ذلك. وهذا موافِقٌ للقَولِ الأوَّلِ. ويقالُ: في تلك الليلةِ يُفرَقُ، يعني: يُنسَخُ من اللَّوحِ المَحفوظِ ما يكونُ إلى العامِ القابِلِ مِنَ الرِّزقِ والأجَلِ والأمراضِ، والخِصْبِ والشِّدةِ. وروى سعيدُ بنُ جُبَيرٍ عن ابنِ عباسٍ أنَّه قال: إنَّك لَتَلقَى الرَّجُلَ في الأسواقِ وقد وقع اسمُه في الأمواتِ! ثم قرأ هذه الآيةَ)( يُنظر: ((بحر العلوم)) (3/ 267). .
وقال السَّمرقنديُّ أيضًا: (إنما سُمِّيَت ليلةَ القَدْرِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى يُقَدِّرُ في تلك الليلةِ ما يكونُ من السَّنَةِ القابِلةِ من أمرِ الموتِ والأجَلِ والرِّزقِ وغَيرِه)( يُنظر: ((بحر العلوم)) (3/ 601). .
وقال البيهقيُّ: (إنما قيل ليلةُ القَدْرِ بتسكينِ الدَّالِ؛ لأنَّه لم يُرَدْ به ليلةُ القَضاءِ، فإنَّ القَضاءَ سابِقٌ، وإنما أريدَ به تفصيلُ ما قد جرى به القَضاءُ وتجديدُه؛ ليكونَ ما يُلْقى إلى الملائكةِ في السَّنَةِ مُقَدَّرًا بمقدارٍ يَحصُره عِلْمُهم)( يُنظر: ((شعب الإيمان)) (5/ 253). .
وقال الرَّازي: (اختلفوا في أنَّه لمَ سُمِّيَت هذه اللَّيلةُ ليلةَ القَدْرِ، على وُجوهٍ:
أحَدُها: أنها ليلةُ تقديرِ الأمورِ والأحكامِ، قال عطاءٌ عن ابنِ عبَّاسٍ: إنَّ اللهَ قدَّر ما يكونُ في كُلِّ تلك السَّنَةِ من مَطَرٍ ورِزقٍ وإحياءٍ وإماتةٍ إلى مِثلِ هذه الليلةِ من السَّنَةِ الآتيةِ، ونظيرُه قَولُه تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان: 4] ، واعلَمْ أنَّ تقديرَ اللهِ لا يحدُثُ في تلك الليلةِ، فإنَّه تعالى قدَّر المقاديرَ قبل أن يَخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ في الأزَلِ، بل المرادُ إظهارُ تلك الليلةَ المقاديرِ للملائكةِ... وهذا القَولُ اختيارُ عامَّةِ العُلَماءِ)( يُنظر: ((تفسير الرازي)) (32/229).
وقال ابنُ القَيِّمِ: (قال أبو عبدِ الرَّحمنِ السُّلَميُّ: يُقَدَّرُ أمرُ السَّنَةِ كُلِّها في ليلةِ القَدْرِ، وهذا هو الصَّحيحُ، إنَّ القَدْرَ مصدَرُ قَدَر الشَّيءَ يَقدُره قَدْرًا، فهي ليلةُ الحُكمِ والتقديرِ. وقالت طائفةٌ: ليلةُ القَدْرِ ليلةُ الشَّرَفِ والعَظَمةِ، من قَولهم: لفلان قَدْرٌ في النَّاسِ، فإن أراد صاحِبُ هذا القولِ أنَّ لها قَدْرًا وشَرَفًا، مع ما يكونُ فيها من التقديرِ، فقد أصاب، وإن أراد أن معنى القَدْرِ فيها هو الشَّرَفُ والخَطَرُ، فقد غلط؛ إنَّ اللهَ سُبحانَه أخبر أنَّ فيها يُفرَقُ، أي: يَفصِلُ اللهُ ويُبَيِّنُ ويُبرِمُ كلَّ أمرٍ حَكيمٍ)( يُنظر: ((شفاء العليل)) (ص: 62). .
وقال ابنُ باز: (يُفرَقُ فيها كُلُّ أمرٍ حكيمٍ، وهو ما يكونُ في السَّنَةِ، تُقَدَّرُ فيها حوادِثُ السَّنَةِ تفصيلًا من القَدَر السَّابقِ، وهذا من آياتِ اللهِ وحِكمتِه سُبحانَه وتعالى)( يُنظر: ((الإفهام في شرح عمدة الأحكام)) (ص: 433). .
وقال ابنُ عثيمين: (التقديرُ الحَوليُّ: وهو الذي يكونُ في ليلة القَدْرِ، يُكتَبُ فيها ما يكونُ في السَّنَةِ؛ قال تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:4] )( يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن عثيمين)) (10/ 993). .
5- التقديرُ اليَوميُّ وهو سَوقُ المقاديرِ المكتوبةِ وتنفيذُ كُلِّ ذلك في مواضِعِه المُحَدَّدةِ ووَقْتِه المكتوبِ سابِقًا.
دليلُه:
قَولُ اللهِ سُبحانَه: يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: 29].
قال الثعلبي: (قَولُه: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فإنها شُؤونٌ يُعيدُها، لا شُؤونٌ يُبدِيها، ومجازُ الآيةِ: سَوقُ المقاديرِ إلى المواقيتِ)( يُنظر: ((تفسير الثعلبي)) (9/ 154). .
وقال البغوي: (قال المفسِّرون: مِن شأنِه أن يحييَ ويميتَ ويَرزُقَ، ويُعِزَّ قَومًا ويُذِلَّ قَومًا، ويشفيَ مريضًا ويَفُكَّ عانيًا ويُفَرِّجَ مَكروبًا، ويجيبَ داعيًا ويعطيَ سائِلًا ويَغفِرَ ذنبًا، إلى ما لا يُحصى مِن أفعالِه وإحداثِه في خَلْقِه ما يشاءُ)( يُنظر: ((تفسير البغوي)) (4/ 335). .
وقال ابنُ عطية: (قَولُه: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ أي: يُظهِرُ شأنًا من قُدرتِه التي قد سبقت في الأزَلِ في ميقاتِه من الزَّمَنِ من إحياءٍ وإماتةٍ ورِفعةٍ وخَفضٍ، وغيرِ ذلك من الأمورِ التي لا يَعلَمُ نهايَتَها إلَّا هو تعالى)( يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (5/ 229). .
وقال ابنُ عثيمين: (ومنها التقديرُ اليوميُّ: كما ذكره بعضُ أهلِ العِلْمِ، واستدَلَّ له بقَولِه تعالى: يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: 29]، فهو كُلَّ يومٍ يُغني فقيرًا، ويُفقِرُ غَنِيًّا، ويُوجِدُ مَعدومًا، ويُعدِمُ مَوجودًا، ويَبسُطُ الرِّزقَ ويَقْدِرُه، ويُنشِئُ السَّحابَ والمطَرَ، وغيرَ ذلك)( يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن عثيمين)) (10/ 993). .

انظر أيضا: