الموسوعة العقدية

الفَرعُ التَّاسعُ: قَرْنُ مَعبُوداتِهم وشياطينِهم بهم في النَّارِ

قال اللهُ تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [الأنبياء: 98-99] .
قال ابنُ رَجَبٍ: (إنَّ الكُفَّارَ لَمَّا عَبَدُوا الآلِهةَ مِن دُونِ اللهِ واعتَقَدُوا أنَّها تَشفَعُ لَهم عِندَ الله وتُقَرِّبُهم إليه، عُوقِبُوا بأن جُعِلتْ مَعَهم في النَّارِ إهانةً لَها وإذلالًا، ونِكايةً لَهم، وإبلاغًا في حَسرَتِهم ونَدامَتِهم؛ فإنَّ الإنسانَ إذا قُرنَ في العَذاب بمَن كانَ سَبَبَ عَذابه كانَ أشَدَّ في ألَمِه وحَسرَتِه. ولِهذا المَعنى يُقرَنُ الكُفَّارُ بشياطينِهم الَّتي أضَلَّتْهم) [5233] يُنظر: ((التخويف من النار)) (ص: 133). .
وعَن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عَنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((الشَّمسُ والقَمَرُ مُكَوَّرانِ يَومَ القيامةِ )) [5234] أخرجه البخاري (3200) .
قال القُرطُبيُّ: (إنَّما يُجمَعانِ في جَهَنَّمَ؛ لِأنَّهما قَد عُبِدا مِن دُونِ اللهِ، لا تَكُونُ النَّارُ عَذابًا لَهما، لِأنَّهما جَمادٌ، وإنَّما يَفعَلُ ذَلِكَ بهما زيادةً في تَبكيتِ الكافِرينَ وحَسرَتِهم، هَكَذا قال بَعضُ أهلِ العِلمِ) [5235] يُنظر: ((التذكرة)) (2/ 100). .
ويُقرَنُ الكُفَّارُ بشياطينِهم ليَكُونَ أشَدَّ لِعَذابِهم.
قال اللهُ تعالى: وَمَنْ يَعْشَ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: 36-39].
قال السَّمعانيُّ: (قَولُه: قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ فيه قَولانِ: أحَدُهما: بُعْدُ المَشرِقِ مِنَ المَغرِبِ، وسَمَّاها مَشْرِقينِ على عادةِ العَرَبِ، فإنَّهم يَذكُرُونَ شيئينِ مُختَلِفينِ ويُسَمُّونَهما باسمٍ واحِدٍ... والقَولُ الثَّاني: بُعْدُ المَشرِقينِ، أي: مَشرِقِ الشِّتاءِ ومَشرِقِ الصَّيفِ. وقَولُه: فَبِئْسَ الْقَرِينُ أي: بَئسَ المُقارِنُ أنتَ. قَولُه تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ أي: لَن يُسَهِّلَ عَليكم عَذابَكم رُؤيَتُكم غيرَكم مُشارِكينَ لَكم في العَذاب، فكَأنَّ اللهَ تعالى مَنعَهمُ التَّأسيَ بما يُسهِّلُ على الإنسانِ المُصيبةَ والعُقُوبةَ؛ فإنَّه إذا كانَ في مُصيبةٍ فرأى غيرِه في مِثلِها سَهُلَ عليه. والتَّأسِّي التَّسَلِّي. قالتِ الخَنساءُ في أخيها صَخرٍ:
ولَولا كَثرةُ الباكينَ حَولي ... على إخوانِهم لِقَتَلْتُ نَفسي
وما يَبكُونُ مِثلَ أخي ولَكِنْ ... أُعزِّي النَّفسَ عَنه بالتَّأسِّي) [5236] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (5/ 103). .
وقال ابنُ جُزَيٍّ: (حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَرَأ نافِعٌ وابنُ كَثيرٍ وابنُ عامِر وأبُو بَكرٍ جَاءَانَا بضَميرِ الِاثنينِ وهما مِن يَعْشُّ وشيطانُه، وقَرَأ الباقُونُ بغيرِ ألفٍ على أنَّه ضَميرُ واحِدٍ وهو مَن يَعْشُ. والضَّميرُ في قال: لِـ مَنْ يَعْشُ، وقيلَ: لِلشَّيطانِ. بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فيه قَولانِ: أحَدُهما: أنَّه يَعني المَشرِقَ والمَغرِبَ، وغُلِّبَ أحَدُهما في التَّشبيه، كَما قيلَ: القَمَرانِ. والآخَرُ: أنَّه يَعني المَشرِقينِ والمَغرِبَينِ، وحَذَفَ المَغرِبَينِ لِدَلالةِ المَشرِقَينِ عليه. وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ هذا كَلامٌ يُقالُ لِلكُفَّارِ في الآخِرةِ، ومَعناه: أنَّهم لا يَنفَعُهمُ اشتِراكُهم في العَذابِ، ولا يَجِدُونَ راحةَ التَّأسِّي الَّتي يَجِدُها المَكرُوبُ في الدُّنيا إذا رَأى غيرَه قَد أصابَه مِثلُ الَّذي أصابَه) [5237] يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/ 259). .

انظر أيضا: