الموسوعة العقدية

المَبحَثُ الثَّاني: خَزَنةُ النَّارِ

قال اللهُ تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا [الزمر: 71] .
قال ابنُ جرير: (خَزَنَتُهَا قُوَّامُها) [4979] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/ 264). .
وقال ابنُ كثيرٍ: (يقولُ لهم خَزَنَتُها من الزَّبانِيَةِ -الذين هم غِلاظُ الأخلاقِ، شِدادُ القُوى- على وَجهِ التقريعِ والتوبيخِ والتنكيلِ: أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) [4980] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/ 118). .
وقال اللهُ سُبحانَه: وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ [غافر: 49].
قال ابنُ كثيرٍ: (سأَلوا الخَزَنةَ -وهم كالبوَّابِينَ وفي نسخةٍ: كالسَّجَّانينَ لأهلِ النَّارِ- أن يَدْعُوا لهم اللهَ أن يُخَفِّفَ عن الكافِرينَ ولو يومًا واحدًا من العذابِ) [4981] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/ 149). .
وقال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ [الملك: 8].
قال النَّسَفيُّ: (سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا مالِكٌ وأعوانُه مِنَ الزَّبانِيَةِ توبيخًا لهم: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ رسولٌ يخَوِّفُكم من هذا العَذابِ) [4982] يُنظر: ((تفسير النسفي)) (3/ 513). .
وقال اللهُ سُبحانَه: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر: 26 - 30].
قال ابنُ جَريرٍ: (قَولُه: عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ يَقُولُ تعالى ذِكرُه: على سَقَرَ تِسعةَ عَشَرَ مِنَ الخَزَنةِ) [4983] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (23/ 435). .
وقال السَّمعاني: (قَولُه: عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ أي: مِنَ الزَّبانِيَةِ وخَزَنةِ النَّارِ) [4984] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (6/ 95). .
وقال ابنُ كثيرٍ: (قَولُه: عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ أي: من مُقَدَّمِي الزَّبانيةِ، عَظيمٌ خَلْقُهم، غليظٌ خُلُقُهم) [4985] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (8/ 268). .
وقد فُتن الكُفَّارُ بهذا العَدَدِ، فقد ظنُّوا أنه يمكِنُ التغَلُّبُ على هذا العَدَدِ القليلِ!
قال اللهُ تعالى: وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا [المدثر: 31].
قال ابنُ رَجَب: (المَشهورُ بينَ السَّلَفِ والخَلفِ أنَّ الفِتنةَ إنَّما جاءَت مِن حيثُ ذِكْرُ عَدَدِ المَلائِكةِ الَّذينَ اغتَرَّ الكُفَّارُ بقِلَّتِهم، وظَنُّوا أنَّهم يُمكِنُهم مُدافَعَتُهم ومُمانَعَتُهم، ولَم يَعلَمُوا أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَلائِكةِ لا يُمكِنُ البَشَرَ كُلَّهم مُقاومَتُه!) [4986] يُنظر: ((التخويف من النار)) (ص: 218). .
وقال اللهُ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6].
قال ابنُ جَريرٍ: (قَولُه: عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ يَقُولُ: على هذه النَّارِ مَلائِكةٌ مِن مَلائِكةِ اللهِ، غِلاظٌ على أهلِ النَّارِ، شِدادٌ عليهم لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ يَقُولُ: لا يُخالِفُونَ اللهَ في أمرِه الَّذي يَأمُرُهم به وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ يَقُولُ: ويَنتَهونَ إلى ما يَأمُرُهم به رَبُّهم) [4987] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (23/ 105). .
وقال ابنُ كَثيرٍ: (قَولُه: عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ أي: طِباعُهم غَليظةٌ، قَد نُزِعَت مِن قُلُوبهمُ الرَّحِمةُ بالكافِرين باللهِ، شِدَادٌ أي: تَركيبُهم في غايةِ الشِّدَّةِ والكَثافةِ والمَنظَرِ المُزعِجِ) [4988] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (8/ 168). .
وعن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: (كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصَلِّي، فجاء أبو جَهلٍ فقال: ألم أنْهَك عن هذا؟ ألم أنْهَك عن هذا؟ ألم أنْهَك عن هذا؟ فانصرف النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فزَبَره، فقال أبو جَهلٍ: إنَّك لتعلَمُ ما بها نادٍ أكثَرُ منِّي، فأنزل الله: فَلْيَدْعُ نَادِيَهْ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ [العلق: 17-18]، فقال ابنُ عبَّاسٍ: فواللهِ لو دعا نادِيَه لأخذَتْه زَبانِيَةُ اللهِ) [4989] أخرجه الترمذي (3349) واللفظ له، وأحمد (2321)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11684). صححه الترمذي، والوادعي على شرط البخاري في ((الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين)) (675)، وصحَّح إسنادَه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (3349)، وقواه شعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (2321). .
وفي روايةٍ: (أخذَتْه زبانيةُ العَذابِ مِن ساعَتِه) [4990] أخرجه الطبري في ((التفسير)) (24/525)، والضياء في ((الأحاديث المختارة)) (379). صحَّح إسنادَه على شرط مسلم: الألباني في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (275). .
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قالَ أَبُو جَهْلٍ: هلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ قالَ: فقِيلَ: نَعَمْ، فَقالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يَفْعَلُ ذلكَ لَأَطَأنَّ علَى رَقَبَتِهِ، أَوْ لأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ في التُّرَابِ، قالَ: فأتَى رَسُولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وَهو يُصَلِّي -زَعَمَ- لِيَطَأَ علَى رَقَبَتِهِ، قالَ: فَما فَجِئَهُمْ منه إلَّا وَهو يَنْكُصُ علَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بيَدَيْهِ، قالَ: فقِيلَ له: ما لَكَ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِن نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً. فَقالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لو دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ المَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا. قالَ: فأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، لا نَدْرِي في حَديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ شيءٍ بَلَغَهُ: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ [العلق: 6-19] زَادَ عُبَيْدُ اللهِ في حَديثِهِ قالَ: وَأمَرَهُ بما أَمَرَهُ بهِ. وَزَادَ ابنُ عبدِ الأعْلَى فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ يَعْنِي: قَوْمَهُ) [4991] أخرجه مسلم (2797). .
قال الجوهريُّ: (الزَّبانِيَةُ عند العرَبِ: الشُّرَطُ، وسُمِّيَ بذلك بعضُ المَلائِكةِ؛ لدَفْعِهم أهلَ النَّارِ إليها) [4992] يُنظر: ((الصحاح)) (5/ 2130). .
وقال القُرطبيُّ: (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ أي: المَلائِكةَ الغِلاظَ الشِّدادَ... وقال قتادةُ: هم الشُّرَطُ في كلامِ العَرَبِ. وهو مأخوذٌ مِنَ الزَّبْنِ، وهو الدَّفعُ... وقيل: إنما سُمُّوا الزَّبانِيَةَ لأنَّهم يَعمَلون بأرجُلِهم كما يَعمَلون بأيديهم... وقيل: إنَّهم أعظَمُ المَلائِكةِ خَلْقًا، وأشَدُّهم بَطشًا، والعَرَبُ تُطلِقُ هذا الاسمَ على من اشتَدَّ بَطْشُه) [4993] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (20/ 126). .
وقال السَّعْديُّ: (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ أي: خَزَنةَ جَهنَّمَ، لِأَخْذِه وعُقوبتِه) [4994] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 930). .
ومالِكٌ هو كَبيرُ خَزَنَتِها ومُقَدَّمُهم.
قال اللهُ تعالى: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف: 77].
وعن سَمُرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((رأيتُ اللَّيلةَ رَجُلينِ أتياني، قالا: الذي يوقِدُ النَّارَ مالِكٌ خازِنُ النَّارِ، وأنا جِبريلُ، وهذا ميكائيلُ )) [4995] أخرجه البخاري (3236). .
قال ابنُ القَيِّمِ: (سمَّى تعالى خازنَ النَّارِ مالِكًا، وهو اسمٌ مُشتَقٌّ مِن المَلْكِ، وهو القُوَّةُ والشِّدَّةُ حيث تصَرَّفَت حروفُه) [4996] يُنظر: ((حادي الأرواح)) (ص: 109). .
وعَن سَمُرةَ بنِ جُندُبٍ رَضِيَ اللهُ عَنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّه أتاني اللَّيلةَ آتيانِ -فذَكَرَ رُؤيا طَويلةً وفيها-: قال: فأتينا على رَجُلٍ كَريهِ المَرآةِ، كَأَكْرَهِ ما أنتَ راءٍ رَجُلًا مَرآةً، وإذا عِندَه نارٌ يَحُشُّها ويَسعى حَولَها، قال: قُلتُ لَهما: ما هذا؟ قالا لي: انطَلِقِ انطَلِقِ)) وفي آخِرِ الحَديثِ أنَّ المَلَكينِ قالا لَه: ((أمَّا الرَّجُلُ الكَرِيهُ المَرآةِ الَّذي عِندَ النَّارِ يَحُشُّها ويَسعى حَولَها فإنَّه مالِكٌ خازِنُ جَهَنَّمَ)) [4997] أخرجه مطولًا البخاري (7047) واللَّفظُ له، ومسلم (2275). .
قال ابنُ رَجَب: (قَولُه: كَريهُ المَرآةِ، أيِ المَنظَرِ، وقَولُه: يَحُشُّها، أي: يُوقِدُها) [4998] يُنظر: ((التخويف من النار)) (ص: 99). .
وقال ابنُ حَجَرٍ: (قَولُه: خازِنُ جَهَنَّم، إنَّما كانَ كَريهَ الرُّؤيةِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ زيادةً في عَذاب أهلِ النَّارِ) [4999] يُنظر: ((فتح الباري)) (12/ 445). .

انظر أيضا: