الموسوعة العقدية

المَطْلَبُ الثَّاني: نَعيمُ أهلِ الجَنَّةِ

تَمهيدٌ:
قال اللهُ تعالى: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ [آل عمران: 198] .
قال ابنُ جَريرٍ: (قَولُه: وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ يَقُولُ: وما عِندَ اللهِ مِنَ الحياةِ والكَرامةِ، وحُسنِ المَآب: خيرٌ لِلأبرارِ مِمَّا يَتَقَلَّبُ فيه الَّذينَ كَفرُوا؛ فإنَّ الَّذي يَتَقَلَّبُونَ فيه زائِلٌ فانٍ، وهو قَليلٌ مِنَ المَتاعِ خَسيسٌ، وما عِندَ اللهِ خيرٌ مِن كَرامَتِه لِلأبرارِ، وهم أهلُ طاعَتِه، باقٍ غيرُ فانٍ ولا زائِلٍ) [4749] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/ 326). .
وقال اللهُ سُبحانَه: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه: 131] .
قال ابنُ جَريرٍ: (يَقُولُ تعالى ذِكرُه لِنَبيِّهِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ولا تَنظُرْ إلى ما جَعَلْنا لِضُرَباءِ هَؤُلاءِ المُعْرِضينَ عَن آياتِ رَبِّهم وأشكالِهم مُتعةً في حياتِهمُ الدُّنيا، يَتَمَتَّعُونَ بها، مِن زَهرةِ عاجِلِ الدُّنيا ونَضرَتِها لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ يَقُولُ: لِنَختَبرَهم فيما مَتَّعْناهم به مِن ذَلِكَ، ونَبتَليهم، فإنَّ ذَلِكَ فانٍ زائِلٌ، وغُرُورٌ وخُدَعٌ تَضمَحِلُّ وَرِزْقُ رَبِّكَ الَّذي وعَدَكَ أن يَرزُقَكه في الآخِرةِ حَتَّى تَرضى، وهو ثَوابُه إيَّاه خَيْرٌ لَكَ مِمَّا مَتَّعْناهم به مِن زَهرةِ الحياةِ الدُّنيا وَأَبْقَى يَقُولُ: وأدَوْمُ؛ لِأنَّه لا انقِطاعَ لَه ولا نَفادَ) [4750] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/ 213). .
وقال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: زُيِّنَ لِلناسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَناتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد [آل عمران: 14-15] .
قال السَّمعانيُّ: (ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فيه إشارةٌ إلى أنَّه مَتاعٌ يَفنى. وَاللَّهُ عِنْدَه حُسْنُ الْمَآبِ فيه تَزهيدٌ في الدُّنيا وتَرغيبٌ في الآخِرةِ) [4751] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (1/ 300). .
وقال ابنُ كَثيرٍ: (قال تعالى: ذَلِكَ مَتاَعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أي: إنَّما هذا زَهرةُ الحياةِ الدُّنيا وزينَتُها الفانيةُ الزَّائِلةُ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ أي: حُسْنُ المَرجِعِ والثَّوابِ... قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ أي: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ: أأُخبرُكم بخيرٍ مِمَّا زُيِّنَ لِلنَّاسِ في هذه الحياةِ الدُّنيا مِن زَهرَتِها ونَعيمِها، الَّذي هو زائِلٌ لا مَحالةَ؟ ثُمَّ أخبَرَ عَن ذَلِكَ، فقال: لِلَّذِينِ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ....)  [4752]يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/ 22). .
وقال اللهُ تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران: 185] .
قال ابنُ جَريرٍ: (فمَن نُحِّيَ عَنِ النَّارِ فأُبعِدَ مِنها، وأُدخِلَ الجَنَّةَ، فقَد نَجا وظَفِرَ بعَظيمِ الكَرامةِ) [4753] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/ 288). .
وفَضْلُ نَعيمِ الآخِرةِ على مَتاعِ الدُّنيا وخيريَّتُه يَتَبيَّنُ مِن عِدَّةِ أوجُهٍ [4754] يُنظر: ((مختصر منهاج القاصدين)) لأبي العباس المقدسي (ص: 324)، ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (2/177)، ((شرح رياض الصالحين)) (3/ 354) ((شرح العقيدة السفارينية)) (ص: 510) كلاهما لابن عثيمين، ((الجنة والنار)) لعمر الأشقر (ص: 223). :
الوَجهُ الأوَّلُ: مَتاعُ الدُّنيا قَليلٌ
قال اللهُ تعالى: قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى [النساء: 77] .
قال السَّعْديُّ: (قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى أيِ: التَّمَتُّعُ بلَذَّاتِ الدُّنيا وراحَتِها قَليلٌ، فتَحمُّلُ الأثقالِ في طاعةِ الله في المُدَّةِ القَصيرةِ مِمَّا يَسهُلُ على النُّفُوسِ ويَخِفُّ عليها؛ لِأنَّها إذا عَلِمَتْ أنَّ المَشَقَّةَ الَّتي تَنالُها لا يَطُولُ لُبْثُها هانَ عليها ذَلِكَ، فكيفَ إذا وازَنتَ بينَ الدُّنيا والآخِرةِ، وأنَّ الآخِرةَ خيرٌ مِنها في ذاتِها ولَذَّاتِها وزَمانِها؛ فذاتُها -كَما ذَكرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الحَديثِ الثَّابتِ عَنه أنَّ ((مَوضِعَ سَوطٍ في الجَنَّةِ خيرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها )) [4755] أخرجه البخاري (2892) عن سهلِ بنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((.. وموضِعُ سَوطِ أحَدِكم من الجنَّةِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيا وما عليها..)). . ولَذَّاتُها صافيةٌ عَنِ المُكَدِّراتِ، بَل كُلُّ ما خَطَرَ بالبالِ أو دارَ في الفِكرِ مِن تَصَوُّرِ لَذَّةٍ، فلَذَّةُ الجَنةِ فوقَ ذَلِكَ، كَما قال تعالى: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ، وقال اللهُ على لِسانِ نَبيِّه: ((أعَدَدتُ لِعِبادي الصَّالِحينَ ما لا عينٌ رَأت، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطرَ على قَلب بَشَرٍ )) [4756] أخرجه البخاري (3244)، ومسلم (2824) من حديث أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. . وأمَّا لَذَّاتُ الدُّنيا فإنَّها مَشُوبةٌ بأنواعِ التَّنغيصِ الَّذي لَو قُوبِلَ بينَ لَذَّاتِها وما يَقتَرِنُ بها مِن أنواعِ الآلامِ والهمُومِ والغُمُومِ، لَم يَكُن لِذَلِكَ نِسبةٌ بوجهٍ مِنَ الوُجُوهِ. وأمَّا زَمانُها فإنَّ الدُّنيا مُنقَضيةٌ، وعُمرُ الإنسانِ بالنِّسبةِ إلى الدُّنيا شيءٌ يَسيرٌ، وأمَّا الآخِرةُ فإنَّها دائِمةُ النَّعيمِ وأهلُها خالِدُون فيها، فإذا فكَّرَ العاقِلُ في هاتينِ الدَّارينِ وتَصَوَّرَ حَقيقَتَهما حَقَّ التَّصَوُّرِ، عَرَفَ ما هو أحَقُّ بالإيثارِ، والسَّعيِ لَه والِاجتِهادِ لِطَلَبِه؛ ولِهذا قال: وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى أي: اتَّقى الشِّركَ، وسائِرَ المُحَرَّماتِ) [4757] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 188). .
وقال اللهُ سُبحانَه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة: 38] .
قال ابنُ جَريرٍ: (قَولُه: أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ يَقُولُ جَلَّ ثَناؤُه: أرضِيتُم بَحظِّ الدُّنيا والدَّعةِ فيها عِوضًا مِن نَعيمِ الآخِرةِ وما عِندَ الله لِلمُتَّقينَ في جِنانِه؟ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ يَقُولُ: فما الَّذي يَستَمتِعُ به المُتَمَتِّعُونَ في الدُّنيا مِن عَيشِها ولَذَّاتِها في نَعيمِ الآخِرةِ والكَرامةِ الَّتي أعَدَّها اللهُ لِأوليائِه وأهلِ طاعَتِه إلَّا قَلِيلٌ يَسيرٌ. يَقُولُ لَهم: فاطلُبُوا أيُّها المُؤمِنونَ نَعيمَ الآخِرةِ وتَرَفَ الكَرامةِ الَّتي عِندَ الله لِأَوليائِه بطاعَتِه والمُسارَعةِ إلى الإجابةِ إلى أمرِه في النَّفيرِ لِجِهادِ عَدوِّه) [4758] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/ 459). .
وعَنِ المُستَوردِ بن شَدَّادٍ رَضِيَ اللهُ عَنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((واللَّهِ ما الدُّنيا في الآخِرةِ إلَّا مِثلُ ما يَجعَلُ أحَدُكم إصبَعَه هذه -وأشارَ يَحيى بالسَّبَّابةِ- في اليَمِّ، فليَنظُرْ بمَ يَرجِعُ )) [4759] أخرجه مسلم (2858). .
قال النَّوويُّ: (مَعنى الحَديثِ: ما الدُّنيا بالنِّسبةِ إلى الآخِرةِ في قِصَرِ مُدَّتِها وفَناءِ لَذَّاتِها ودَوامِ الآخِرةِ ودَوامِ لَذَّاتِها ونَعيمِها، إلَّا كَنِسبةِ الماءِ الَّذي يَعلقُ بالأصبَعِ إلى باقي البَحرِ) [4760] يُنظر: ((شرح مسلم)) (17/ 192). .
وقال الطِّيبيُّ: (قَولُه: ((ما الدُّنيا في الآخِرةِ)) أي مَثَلُ الدُّنيا في جَنبِ الآخِرةِ. قَولُه: ((فليَنظُرْ بمَ يَرجِعُ)) وُضِعَ مَوضِعَ قَولِه: فلا يَرجِعُ بشيءٍ، كَأنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَستَحضِرُ تِلكَ الحالةَ في مُشاهَدةِ السَّامِعِ، ثُمَّ يَأمُرُه بالتَّأمُّلِ والتَّفَكُّرِ هَل يَرجِعُ بشيءٍ أم لا؟ هذا تَمثيلٌ على سَبيلِ التَّقريب، وإلَّا فأينَ المُناسَبةُ بينَ المُتَناهي وغيرِ المُتَناهي؟) [4761] يُنظر: ((شرح المشكاة)) (10/ 3272). .
الوَجهُ الثَّاني: نَعيمُ الآخِرةَ أفضَلُ مِن حيثُ النَّوعُ
فما في الجَنَّةِ مِن ثيابٍ وحُلِيٍّ وطَعامٍ وشَرابٍ وأشجارٍ وقُصُورٍ وغيرِ ذَلِكَ أفضَلُ مِمَّا هو مَوجُودٌ مِنها في الدُّنيا.
عَن أنسِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((... ولَو أنَّ امرَأةً مِن أهلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَت إلى أهلِ الأرضِ لأضاءَت ما بينَهما ولمَلأتْه ريحًا، ولنَصِيفُها على رَأسِها خيرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها )) [4762] أخرجه البخاري (2796). .
قال الصَّنعانيُّ: (كَأنَّه ضَمَّنَ اطَّلَعَ مَعنى نَظَرَ، أيِ: اطَّلَعَت ناظِرةً إلى الأرضِ، ويُحتَمَلُ أنَّه يَتَعَدَّى اطَّلَع بإلى... ((لمَلَأت ما بينَهما)) أي: بينَ السَّماءِ والأرضِ، وإن لَم يَتقَدَّم ذِكْرٌ لِلسَّماءِ، إلَّا أنَّه يُعرَفُ بذِكرِ مُقابَلَتُها أعني الأرضَ أو ما بينَ الجَنَّةِ والأرضِ ((ريحًا)) عَرفًا طيِّبًا. ((ولأضاءَت)) أنوارُ جَمالِها ما بينَهما، ((ولَنَصيفُها)) بفَتحِ النُّونِ وكَسرِ المُهمَلةِ فمُثَناةٍ تَحتيَّةِ ففاءٍ: الخِمارُ على رَأسِها ((خيرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها)) أخبَرَ عَن طيبٍ ريحِها ثُمَّ عَن أنوارِ جَمالِها ثُمَّ عَن ظاهرِ مَلبُوسِها، فكيفَ بجَمالِها وباطِنِ مَلبُوسِها؟! اللَّهمُ إنَّا نَسألُكُ الجَنَّةَ وما قَرَّبَ إليها مِن قَولٍ وعَمَلٍ) [4763] يُنظر: ((التنوير شرح الجامع الصغير)) (9/ 65). .
وقال ابنُ باز: (هذا كُلُّه يُبيِّنُ نَعيمَ الجَنَّةِ وأنَّه شيءٌ لا يُقارِبُ الدُّنيا ولا يُدانيها، وهذه صِفاتٌ لا تَدُورُ بالخيالِ) [4764] يُنظر: ((الحلل الإبريزية)) (2/ 466). .
ومَوضِعُ سَوطٍ في الجَنةِ خيرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها .
عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِديِّ رَضِيَ اللهُ عَنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((مَوضِعُ سَوطٍ في الجَنةِ خيرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها )) [4765] أخرجه البخاري (3250). .
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: (قَولُه هذا إنَّما أرادَ به ذَمَّ الدُّنيا والزُّهدَ فيها والتَّرغيبَ في الآخِرةِ؛ فأخبَرَ أنَّ اليَسيرَ مِنَ الجَنَّةِ خيرٌ مِنَ الدُّنيا كُلِّها، وأرادَ بذِكرِ السَّوطِ -واللهُ أعلَمُ- التَّقليلَ لا أنَّه أرادَ مَوضِعَ السَّوطِ بعينِه، بَل مَوضِعُ نِصفِ سَوطٍ ورُبعِ سَوطٍ مِنَ الجَنةِ الباقيةِ خيرٌ مِنَ الدُّنيا الفانيةِ) [4766] يُنظر: ((التمهيد)) (2/ 287). .
وقال ابنُ عُثيمين: (الدُّنيا مِن أوَّلِها إلى آخِرِها برِئاساتِها وأموالِها وبنيها وقُصُورِها وكُلِّ ما فيها، ومَوضِعُ السَّوطِ مِترٌ تَقريبًا؛ إذًا مَتاعُ الدُّنيا قَليلٌ) [4767] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/ 258). .
وعَن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عَنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لَقَابُ قَوسِ أحَدِكم في الجَنَّةِ خيرٌ مِمَّا طَلَعتْ عليه الشَّمسُ أو تَغرُبُ )) [4768] أخرجه البخاري (2793). .
وعَن أنسِ بن مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لَرَوحةٌ في سَبيلِ الله أو غَدوةٌ خيرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها، ولَقابُ قَوسِ أحَدِكم مِنَ الجَنَّةِ، أو مَوضِعُ قيدٍ -يَعني سَوطَه- خيرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها )) [4769] أخرجه البخاري (2796) واللَّفظُ له، ومسلم (1880) مختصرًا. .
قال المُهلَّبُ: (قَولُه: ((الغَدوةُ والرَّوحةُ خيرٌ مِنَ الدُّنيا)) يَعني: خيرٌ مِن زَمَنِ الدُّنيا؛ لِأنَّ الغَدوةَ والرَّوحةَ في زَمَنٍ، فيُقالُ: إنَّ ثَوابَ هذا الزَّمَنِ القَليلِ في الجَنَّةِ خيرٌ مِن زَمَنِ الدُّنيا كُلِّها، وكَذَلِكَ قَولُه: ((لَقابُ قَوسِ أحَدِكم)) أو ((مَوضِعُ سَوطٍ في الجَنةِ)) يُريدُ أنَّ ما صَغُرَ في الجَنةِ مِنَ المَواضِعِ كُلِّها مِن بساتينِها وأرضِها، فأخبَرَ في هذا الحَديثِ أنَّ قَصيرَ الزَّمانِ وصَغيرَ المَكانِ في الآخِرةِ خيرٌ مِن طَويلِ الزَّمانِ وكَبيرِ المَكانِ في الدُّنيا، تَزهيدًا فيها وتَصغيرًا لَها وتَرغيبًا في الجِهادِ؛ إذ بالغَدوةِ والرَّوحةِ فيه أو مِقدارُ قَوسِ المُجاهدِ يُعطيه اللهُ في الآخِرةِ أفضَلُ مِنَ الدُّنيا وما فيها، فما ظَنُّكَ بمَن أتعَبَ فيه نَفسَه وأنفَقَ مالَه؟) [4770] يُنظر: ((شرح صحيح البخاري)) لابن بطال (5/ 14). .
الوجه الثَّالِثُ: الجَنَّةُ خاليةٌ مِن شَوائِب الدُّنيا وكَدَرِها:
فخَمرُ الجنَّةِ: بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات: 46-47] .
قال البَغَويُّ: (بَيْضَاءَ: قال الحَسنُ: خَمرٌ أشَدُّ بياضًا مِنَ اللَّبَنِ. لَذَّةٍ: أي لَذيذةٍ لِلشَّاربِينَ. لَا فِيهَا غَوْلٌ: قال الشَّعبيُّ: لا تَغتالُ عُقُولَهم فتَذهَبُ بها. قال الكَلبيُّ: ليسَ فيها إثمٌ. وقال قَتادةُ: وجَعُ البَطنِ. وقال الحَسَنِ: صُداعٌ. وقال أهلُ المَعاني: الغَوْلُ فَسادٌ يَلحَقُ في خَفاءٍ، يُقالُ: اغتالُه اغتيالًا: إذا أفسَدَ عليه أمرَه في خُفْيةٍ، وخَمرةُ الدُّنيا يَحصُلُ مِنها أنواعٌ مِنَ الفَسادِ، مِنها السُّكْرُ وذَهابُ العَقلِ ووجَعُ البَطنِ والصُّداعُ والقَيءُ والبَولُ، ولا يُوجَدُ شيءٌ مِن ذَلِكَ في خَمرِ الجَنَّةِ. وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ... مَن فتحَ الزَّايَ فمَعناه: لا يَغلِبُهم على عُقُولِهم ولا يَسكَرُونَ، يُقالُ: نُزِفَ الرَّجُلُ فهو مَنزُوفٌ ونَزيفٌ: إذا سَكِرَ، ومَن كَسرَ الزَّايَ فمَعناه: لا يَنفَدُ شَرابُهم، يُقالُ: أنزَفَ الرَّجُلُ فهو مُنزِفٌ: إذا فَنِيَت خَمرَتُه) [4771] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (4/ 31). .
وماءُ الجَنَّةِ لا يَأسَنُ، ولَبَنُها لا يَتَغيَّرُ طَعمُه.
قال اللهُ تعالى: أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ [محمد: 15].
قال السَّمعانيُّ: (قَولُه: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ أي: غيرِ مُتَغيِّرٍ. يُقالُ: أسِنَ الماءُ يَأسَنُ: إذا تَغيَّرَ، وأجِنَ يَأجَنُ: إذا تَغيَّرَ أيضًا، وإنَّما قال ذَلِكَ؛ لِأنَّ الماءَ يَتَغيَّرُ بطُولِ المُكْثِ، وماءُ الجَنَّةِ لا يَتَغيَّرُ بطُولِ المُكْثِ. وقَولُه: وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغيَّرْ طَعْمُهُ أي: يَحمَضُ. وإنَّما قال ذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّبَنَ إذا مَرَّ عليه الزَّمانُ يَتَغيَّرُ ويَحمضُ) [4772] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (5/ 173). .
وأهلُ الجَنَّةِ لا يَتفِلُونَ ولا يَبُولُونَ ولا يَتَغَوَّطُونَ ولا يَمتَخِطُونَ.
عَن جابرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ أهلَ الجَنَّةِ يَأكُلُونَ فيها ويَشرَبُونَ، ولا يَتفِلُونَ ولا يَبُولُونَ ولا يَتَغَوطُونَ ولا يَمتَخِطُونَ، قالُوا: فما بالُ الطَّعامِ؟ قال: جُشاءٌ ورَشحٌ كَرَشحِ المِسْكِ، يُلهَمُونَ التَّسبيحَ والتَّحميدَ كَما تُلْهَمُونَ النَّفَسَ )) [4773] أخرجه مسلم (2835). .
قال النَّوويُّ: (مَذهَبُ أهلِ السُّنَّةِ وعامَّةِ المُسلِمينَ أنَّ أهلَ الجَنَّةِ يَأكُلُونَ فيها ويَشرَبُونَ، يَتَنَعَّمُونَ بذَلِكَ وبغيرِه مِن مَلاذِّ وأنواعٍ نَعيمِها تَنعُّمًا دائِمًا لا آخِرَ لَه ولا انقِطاعَ أبَدًا، وأنَّ تَنعُّمَهم بذَلِكَ على هيئةِ تَنَعُّمِ أهلِ الدُّنيا، إلا ما بينَهما مِنَ التَّفاضُلِ في اللَّذَّةِ والنَّفاسةِ الَّتي لا تشارِكُ نَعيمَ الدُّنيا إلَّا في التَّسميةِ وأصلِ الهيئةِ، وإلَّا في أنَّهم لا يَبُولُونَ ولا يَتَغَوطُونَ ولا يَتَمَخَّطُونَ ولا يَبصُقُونَ) [4774] يُنظر: ((شرح مسلم)) (17/ 173). .
وقال ابنُ حَجَرٍ: (قَدِ اشتَمَلَ ذَلِكَ على نَفيِ جَميعِ صِفاتِ النَّقصِ عَنهم) [4775] يُنظر: ((فتح الباري)) (6/ 324). .
ونِساءُ أهلِ الجَنَّةِ مُطَهَّراتٌ مِنَ الحيضِ والنِّفاسِ وكُلِّ القاذُوراتِ.
قال اللهُ سُبحانَه: وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 25] .
قال ابنُ جَريرٍ: (قَولُه: مُطَهَّرَةٌ فإنَّ تَأويلَه أنهنَّ طُهِّرْنَ مِن كُلٍّ أذًى وقَذًى وريبةٍ مِمَّا يَكُونُ في نِساءِ أهلِ الدُّنيا مِنَ الحَيضِ والنِّفاسِ والغائِطِ والبَولِ والمُخاطِ والبُصاقِ والمَنيِّ، وما أشبَهَ ذَلِكَ مِنَ الأذى والأدناسِ والرَّيب والمَكارِه) [4776] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/ 419). .
وقال السَّعْديُّ: (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ فلَم يَقُلْ: مُطَهَّرةٌ مِنَ العيبِ الفُلانيِّ؛ ليَشمَلَ جَميعَ أنواعِ التَّطهيرِ، فهنَّ مُطَهَّراتُ الأخلاقِ، مُطَهَّراتُ الخَلقِ، مُطَهَّراتُ اللِّسانِ، مُطَهَّراتُ الأبصارِ، فأخلاقُهنَّ أنهنَّ عُربٌ مُتَحَبِّباتٌ إلى أزواجِهنَّ بالخُلُقِ الحَسَنِ، وحُسنِ التَّبَعُّلِ، والأدَبِ القَوليِّ والفِعليِّ، ومُطَهَّرٌ خَلْقُهنَّ مِنَ الحيضِ والنِّفاسِ والمَنيِّ، والبَولِ والغائِطِ، والمُخاطِ والبُصاقِ، والرَّائِحةِ الكَريهةِ، ومُطَهَّراتُ الخَلقِ أيضًا بكَمالِ الجَمالِ؛ فليسَ فيهنَّ عيبٌ ولا دَمامةُ خُلُقٍ، بَل هنَّ خيراتٌ حِسانٌ، مُطَهَّراتُ اللِّسانِ والطَّرْفِ، قاصِراتٌ طَرْفَهنَّ على أزواجِهنَّ، وقاصِراتٌ ألسِنتَهنَّ عَن كُلِّ كَلامٍ قَبيحٍ) [4777] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 46). .
والجنَّةُ لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ [الطور: 23].
قال السَّمعاني: (أي: لا يَجري بينَهم كَلامٌ باطِلٌ، ولا كَلامٌ يَأثَمُ به قائِلُه) [4778] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (5/ 275). .
وقال اللهُ تعالى: لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا [ النبأ: 35].
قال ابنُ جَريرٍ: (لا يَسمَعُونَ في الجَنةِ لَغْوًا، يَعني باطِلًا مِنَ القَولِ، ولا كِذَّابًا، يَقُولُ: ولا مُكاذَبةً، أي: لا يَكذِبُ بَعضُهم بَعضًا) [4779] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (24/ 42). .
وقال ابنُ كَثيرٍ: (قَولُه: لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا كَقَولِه: لا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ [الطور: 23] أي: ليسَ فيها كَلامٌ لاغٍ عارٍ عَنِ الفائِدةِ، ولا إثمٌ كَذِبٌ، بَل هي دارُ السَّلام، وكُلُّ ما فيها سالِمٌ مِنَ النَّقصِ) [4780] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (8/ 308). .
وصُدُورُ أهلِ الجَنَّةِ خاليةٌ مِن كُلِّ غِلٍّ.
قال اللهُ تعالى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الحجر: 47] .
قال البَغَويُّ: (وَنَزَعْنَا: أخرَجْنا. مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ: هو الشَّحناءُ والعَداوةُ والحِقدُ والحَسدُ. إِخْوَانًا: نُصِبَ على الحالِ. عَلَى سُرُرٍ: جَمعُ سَريرٍ. مُتَقَابِلِينَ: يُقابلُ بَعضُهم بَعضًا لا يَنظُرُ أحَدٌ مِنهم إلى قَفا صاحِبه. وفي بَعضِ الأخبارِ: إنَّ المُؤمِنَ في الجَنَّةِ إذا ودَّ أن يَلقى أخاه المُؤمِنَ سارَ سَريرُ كُلِّ واحِدٍ مِنهما إلى صاحِبِه، فيَلتَقيانِ ويَتَحَدَّثانِ) [4781] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (3/ 60). .
وعَن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عَنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((أولُ زُمرةٍ تَدخُلُ الجَنَّةَ على صُورةِ القَمَرِ ليلةَ البَدْرِ، والَّذينَ على إثرِهم كَأشَدِّ كَوكَبٍ إضاءةً، قُلُوبُهم على قَلب رَجُلٍ واحِدٍ، لا اختِلافَ بينَهم ولا تَباغُضَ )) [4782] أخرجه مطولًا البخاري (3246) واللَّفظُ له، ومسلم (2834). .
قال علي القاري: ( ((على قَلبِ رَجُلٍ واحِدٍ)) أي في الِاتِّفاقِ والمحبَّةِ، فقَولُه: ((لا اختِلافَ بينَهم ولا تَباغُضَ)) تَفسيرٌ لِقَولِه: قُلُوبُهم إلَخ. وهذا المَعنى مُقتَبسٌ مِن قَولِه تعالى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر: 47] ) [4783] يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) (9/ 3580). .
قال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبيُّ: (نَعيمُ أهلِ الجَنةِ وكِسْوَتُهم ليسَ عَن دَفعِ ألمٍ اعتَراهم، فليسَ أكْلُهم عَن جُوعٍ، ولا شَرابُهم عَن ظَمأٍ، ولا تَطَيُّبُهم عَن نَتنٍ، وإنَّما هي لَذَّاتٌ مُتَواليةٌ، ونِعَمٌ مُتَتابعةٌ، ألا تَرى قَولَه تعالى لِآدَمَ: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى؟) [4784] يُنظر: ((المفهم)) (7/ 180). .
الوجه الرَّابعُ: نَعيمُ الدُّنيا زائِلٌ مُنقَطِعٌ، ونَعيمُ الآخِرةِ باقٍ دائِمٌ لا ينقطِعُ
قال اللهُ تعالى عَنِ الجَنَّةِ: أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا [الرعد: 35] .
قال ابنُ جَريرٍ: (قَولُه: أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا يَعني: ما يُؤكَلُ فيها، يَقُولُ: هو دائِمٌ لِأهلِها، لا يَنقَطِعُ عَنهم، ولا يَزُولُ ولا يَبيدُ، ولَكِنَّه ثابتٌ إلى غيرِ نِهايةٍ، وَظِلُّهَا: يَقُولُ: وظِلُّها أيضًا دائِمٌ، لِأنَّه لا شَمسَ فيها) [4785] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/ 555). .
وقال اللهُ سُبحانَه عَنِ الدُّنيا: وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف: 45 – 46].
قال ابنُ كَثيرٍ: (يَقُولُ تعالى: وَاضْرِبْ يا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ مَثَلَ الحْيَاةِ الدُّنْيَا في زَوالِها وفَنائِها وانقِضائِها كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ أي: ما فيها مِنَ الحَبِّ، فشَبَّ وحَسُنَ، وعَلاه الزَّهرُ والنَّورُ والنَّضرةُ، ثُمَّ بَعدَ هذا كُلِّه فَأَصْبَحَ هَشِيمًا يابسًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ أي: تُفَرِّقُه وتَطرَحُه ذاتَ اليَمينِ وذاتَ الشِّمالِ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شيءٍ مُقتَدِرًا أي: هو قادِرٌ على هذه الحالِ، وهذه الحالِ، وكَثيرًا ما يَضرِبُ اللهُ مَثَلَ الحياةِ الدُّنيا بهذا المَثَلِ كَما في سُورةِ يُونُسَ: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ الآية [يونس: 24]. وقال في سُورةِ الزُّمَرِ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ [الزُّمَر: 21]. وقال في سُورةِ الحَديدِ: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20]) [4786] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/ 161). .
وقال السَّعْديُّ: (يَقُولُ تعالى لِنَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أصلًا ولِمَن قامَ بوِراثَتِه بَعدَه تَبَعًا: اضرِبْ لِلنَّاسِ مَثَلَ الحياةِ الدُّنيا ليَتَصَوَّرُوها حَقُّ التَّصَوُّرِ، ويَعرِفُوا ظاهِرَها وباطِنَها، فيَقيسُوا بينَها وبينَ الدَّارِ الباقيةِ، ويُؤْثِرُوا أيَّهما أَولى بالإيثارِ. وأنَّ مَثَلَ هذه الحياةِ الدُّنيا كَمَثَلِ المَطَرِ، يَنزِلُ على الأرضِ، فيَختَلِطُ نَباتُها، تُنْبِتُ مِن كُلِّ زَوجٍ بهيجٍ، فبَيْنا زَهرَتُها وزُخرُفُها تَسُرُّ النَّاظِرين، وتُفرِحُ المُتَفَرِّجينَ، وتَأخُذُ بعُيُونِ الغافِلينَ؛ إذ أصبَحَت هَشيمًا تَذرُوه الرِّياحُ، فذَهَبَ ذَلِكَ النَّباتُ النَّاضِرُ، والزَّهرُ الزَّاهرُ، والمَنظَرُ البَهيُّ، فأصبَحَتِ الأرضُ غَبْراءَ تُرابًا، قَدِ انحَرَفَ عَنها النَّظَرُ، وصَدَف عَنها البَصَرُ، وأوحَشَتِ القَلبَ، كَذَلِكَ هذه الدُّنيا؛ بينَما صاحِبُها قَد أُعجِبَ بشَبابه، وفاقَ فيها على أقرانِه وأترابِه، وحَصَّلَ دِرْهمَها ودينارَها، واقتَطَفَ مِن لَذَّتِه أزهارَها، وخاضَ في الشَّهَواتِ في جَميعِ أوقاتِه، وظَنَّ أنَّه لا يَزالُ فيها سائِرَ أيَّامِه، إذ أصابَه المَوتُ أوِ التَّلَفُ لِمالِه، فذَهَبَ عَنه سُرُورُه، وزالَت لَذَّتُه وحُبُورُه، واستَوحَشَ قَلبُه مِنَ الآلامِ وفارَقَ شَبابَه وقُوَّتَه ومالَه، وانفَرَدَ بصالِحِ أو سيِّئِ أعمالِه، هنالِكَ يَعَضُّ الظَّالِمُ على يَدَيه، حينَ يَعلَمُ حَقيقةَ ما هو عليه، ويَتَمَنَّى العَودَ إلى الدُّنيا، لا ليَستَكمِلَ الشَّهَواتِ، بَل ليَستَدرِكَ ما فرَطَ مِنه مِنَ الغَفَلاتِ، بالتَّوبةِ والأعمالِ الصَّالِحاتِ، فالعاقِلُ الحازِمُ المُوفَّقُ يَعرِضُ على نَفسِه هذه الحالةَ، ويَقُولُ لِنَفسِه: قَدِّري أنَّكِ قَد مِتِّ، ولا بُدَّ أن تَمُوتي، فأيَّ الحالَتينِ تَختارينَ؟ الِاغتِرارَ بزُخرُفِ هذه الدَّارِ، والتَّمَتُّعَ بها كَتَمتُّعِ الأنعامِ السَّارِحةِ، أمِ العَمَلَ لِدارٍ أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها، وفيها ما تَشتَهيه الأنفُسُ وتَلَذُّ الأعيُنُ؟ فبهذا يُعرَفُ تَوفيقُ العَبْدِ مِن خِذْلانِه، ورِبحُه مِن خُسرانِه.
ولِهذا أخبَرَ تعالى أنَّ المالَ والبَنين زينةُ الحياةِ الدُّنيا، أي: ليسَ وراءَ ذَلِكَ شيءٌ، وأنَّ الَّذي يَبقى لِلإنسانِ ويَنفَعُه ويَسُرُّه الباقياتُ الصَّالِحاتُ، وهذا يَشمَلُ جَميعَ الطَّاعاتِ الواجِبةِ والمُستَحَبَّةِ مِن حُقُوقِ الله، وحُقُوقٍ عِبادِه... فهذه خيرٌ عِندَ اللهِ ثَوابًا وخيرٌ أملًا، فثَوابُها يَبقى ويَتَضاعَفُ على الآبادِ، ويُؤمَّلُ أجرُها وبِرُّها ونَفعُها عِندَ الحاجةِ) [4787] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 478). .
وهنا جُملةٌ مِمَّا أُعِدَّ لِأهلِ الجَنةِ فيها مِن نَعيمٍ

  • الفَرعُ الأولُ: طَعامُ أهلِ الجَنَّةِ وشَرابُهم.
  • الفَرعُ الثَّاني: خَمرُ أهلِ الجَنَّةِ.
  • انظر أيضا: