الموسوعة العقدية

المَبحَثُ الثَّالِثُ: أسماءُ الجَنَّةِ

قال ابنُ القيِّمِ عَنِ الجَنَّةِ: (لَها عِدَّةُ أسماءٍ باعتِبارِ صِفاتِها، ومُسَمَّاها واحِدٌ باعتِبارِ الذَّاتِ؛ فهي مُتَرادِفةٌ مِن هذا الوَجهِ، وتَختَلِفُ باعتِبارِ الصِّفاتِ فهي مُتَبايِنةٌ مِن هذا الوَجهِ، وهَكَذا أسماءُ الرَّبِّ سُبحانَه وتعالى، وأسماءُ كِتابِه، وأسماءُ رُسُلِه، وأسماءُ اليَومِ الآخِرِ، وأسماءُ النَّارِ) [4436] يُنظر: ((حادي الأرواح)) (ص: 94). .
الِاسمُ الأولُ: الجَنَّةُ:
وهو الِاسمُ العامُّ المُتَناوِلُ لِتِلكَ الدَّارِ وما اشتَمَلت عليه مِن أنواعِ النَّعيمِ.
قال ابنُ فارِس: (الجَنَّةُ ما يَصيرُ إليه المُسلِمُونَ في الآخِرةِ، وهو ثَوابٌ مستُورٌ عَنهمُ اليَومَ) [4437] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) (1/ 421). .
وقال ابنُ القيِّمِ: (أصلُ اشتِقاقِ هذه اللَّفظةِ مِنَ السَّترِ والتَّغْطيةِ، ومِنه الجَنينُ لِاستَتارِه في البَطنِ، والجانُّ لِاستَتارِه عَنِ العُيُونِ، والمِجنُّ لِسَتْرِه ووِقايَتِه الوجهَ، والمَجنُونُ لِاستِتارِ عَقلِه وتَواريه عَنه، والجان، وهي الحيَّةُ الصَّغيرةُ الرَّقيقةُ... ومِنه سُمِّيَ البستانُ جَنَّةً لِأنَّه يَستُرُ داخِلَه بالأشجارِ ويُغَطِّيه فلا يَستَحِقُّ هذا الِاسمَ إلَّا مَوضِعٌ كَثيرُ الأشجارِ مُختَلِفُ الأنواعِ، والجُنَّةُ بالضَّمِّ: ما يُستَجَنُّ به مِن تُرسٍ أو غَيرِه) [4438] يُنظر: ((حادي الأرواح)) (ص: 94). .
الاسمُ الثَّاني: دارُ السَّلامِ:
قال اللهُ تعالى: لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الأنعام: 127] .
قال البَغَويُّ: (سُمِّيَت دارَ السَّلامِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن دَخلَها سَلِمَ مِنَ البلايا والرَّزايا. وقيلَ: سُمِّيَتْ بذَلِكَ لِأنَّ جَميعَ حالاتِها مَقرُونةٌ بالسَّلام، فقال في الِابتِداءِ: ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ [الحجر: 46] ، وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ [الرعد: 23- 24] ، وقال: لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا [الواقعة: 25- 26]، وقال: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ [يونس: 10] ، سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: 58] ) [4439] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (2/ 159). .
وقال السَّعْديُّ: (سُمِّيَتِ الجَنَّةُ دارَ السَّلام لِسَلامَتِها مِن كُلِّ عَيبٍ وآفةٍ وكَدَرٍ، وهَمٍّ وغَمٍّ وغيرِ ذَلِكَ مِنَ المُنغِّصاتِ، ويَلزَمُ مِن ذَلِكَ أن يَكُونَ نَعيمُها في غايةِ الكَمالِ، ونِهايةِ التَّمامِ، بحيثُ لا يَقدِرُ على وصفِه الواصِفُونَ، ولا يَتَمَنَّى فوقَه المُتَمَنونَ مِن نَعيمِ الرُّوحِ والقَلبِ والبَدَنِ، ولَهم فيها ما تَشتَهيه الأنفُسُ، وتَلَذُّ الأعيُنُ وهم فيها خالِدُون) [4440] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 273). .
وقال اللهُ سُبحانَه: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ [يونس: 25] .
قال ابنُ جَريرٍ: (إنَّ اللهَ يَدعُوكم إلى دارِه، وهي جَنَّاتُه الَّتي أعَدَّها لِأَوليائِه، تَسلَموا مِنَ الهُمومِ والأحزانِ فيها، وتَأمَنُوا مِن فَناءِ ما فيها مِنَ النَّعيمِ والكَرامةِ الَّتي أعَدَّها لِمَن دَخلَها) [4441] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/ 153). .
وقال ابنُ القيِّمِ: (هي أحَقُّ بهذا الِاسمِ فإنَّها دارُ السَّلامةِ مِن كُلِّ بَليةٍ وآفةٍ ومَكرُوهٍ، وهي دارُ اللهِ، واسمُه سُبحانَه وتعالى السَّلامُ الَّذي سَلَّمَها وسَلَّم أهلَها) [4442] يُنظر: ((حادي الأرواح)) (ص: 95). .
الِاسمُ الثَّالِثُ: جَنَّةُ الخُلدِ
قال اللهُ تعالى: قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا * لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا [الفرقان: 15، 16].
قال ابنُ جَريرٍ: (يَقُولُ تعالى ذِكرُه: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُكَذِّبينَ بالسَّاعةِ: أهذه النَّارُ الَّتي وصَفَ لَكم رَبُّكم صِفَتَها وصِفةَ أهلِها خيرٌ، أم بُستانُ الخُلدِ الَّذي يَدُومُ نَعيمُه ولا يَبيدُ، الَّذي وعدَ مَنِ اتَّقاه في الدُّنيا بطاعَتِه فيما أمرَه ونَهاه؟) [4443] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/ 413). .
وقال الشَّوكانيُّ: (في إضافةِ الجَنَّةِ إلى الخُلدِ إشعارٌ بدَوامِ نَعيمِها وعَدَمِ انقِطاعِه) [4444] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/ 75). .
الِاسمُ الرَّابعُ: دارُ المُقامةِ:
قال اللهُ تعالى حكايةً عن أهلِها: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ [فاطر: 34-35].
قال مُقاتِلٌ: (قالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ يَعني دارَ الخُلُودِ، أقامُوا فيها أبَدًا لا يَمُوتُونَ ولا يَتَحَوَّلونَ عَنها أبَدًا) [4445] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/ 558). .
وقال ابنُ جَريرٍ: (أي: رَبُّنا الَّذي أنزَلَنا هذه الدَّارَ، يَعنُونَ الجَنَّةَ؛ فدارُ المُقامةِ: دارُ الإقامةِ الَّتي لا نقلةَ مَعَها عَنها، ولا تَحَوُّلَ، والميمُ إذا ضُمَّتْ مِنَ المُقامةِ، فهي مِنَ الإقامةِ؛ فإذا فُتِحتَ فهي مِنَ المَجْلِسِ والمَكانِ الَّذي يُقامُ فيه) [4446] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (19/380). .
الاسمُ الخامِسُ: جَنَّةُ المأوى:
قال اللهُ تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات: 40-41].
قال ابنُ القيِّمِ: (قال مُقاتِلٌ والكَلبيُّ: هي جَنةٌ تَأوي إليها أرواحُ الشُّهداءِ. وقال كَعبٌ: جَنةُ المَأوى جَنَّةٌ فيها طيرٌ خُضْرٌ ترتَعُ فيها أرواحُ الشُّهداءِ. وقالت عائِشةُ رَضيَ اللهُ عَنها وزِرُّ بنُ حُبَيشٍ: هي جَنَّةٌ مِنَ الجِنانِ.
والصَّحيحُ أنَّه اسمٌ مِن أسماءِ الجَنةِ، كَما قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى. وقال في النَّارِ: فَإِنَّ الجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى. وقال: وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ) [4447] يُنظر: ((حادي الأرواح)) (ص: 97). .
وقال ابنُ كَثيرٍ: (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى أي: مُنقَلَبُه ومَصيرُه ومَرجِعُه إلى الجَنَّةِ الفَيحاءِ) [4448] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (8/ 318). .
الاسمُ السَّادِسُ: جنَّاتُ عَدنٍ
قال اللهُ تعالى: جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ [البينة: 8].
قال ابنُ عُثيمين: (العَدْنُ بمَعنى الإقامةِ في المَكانِ وعَدَمِ النُّزُوحِ عَنه، ومِن تَمامِ نَعيمِ أهلِ الجَنَّةِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم لا يَطلُبُ تَحَوُّلًا عَمَّا هو عليه مِنَ النَّعيمِ؛ لِأنَّه لا يَرى أنَّ أحَدًا أكمَلُ مِنه، ولا يُحِسُّ في قَلبِه أنَّه في غَضاضةٍ بالنِّسبةِ لِمَن هو أرقى مِنه وأكمَلُ؛ قال اللهُ تباركَ وتعالى: لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف: 108] . أي: لا يَبغُونَ تَحَوُّلًا عَمَّا هم عليه؛ لِأنَّ اللهَ قَد أقنَعَهم بما أعطاهم فلا يَجِدُونَ أحَدًا أكمَلُ نَعيمًا مِنهم؛ ولِهذا سَمَّى اللهُ تعالى هذه الجَنَّاتِ جَناتِ عَدْنٍ) [4449] يُنظر: ((تفسير جزء عم)) (ص: 282). .
قيلَ: هذا الِاسمُ خاصٌّ بجَنَّةٍ مِنَ الجَنَّاتِ.
وقيلَ: هو اسمٌ عامٌّ وشامِلٌ لِجُملةِ الجَنَّاتِ.
قال ابنُ القيِّمِ: (الصَّحيحُ أنَّه اسمٌ لِجُملةِ الجِنانِ وكُلُّها جَنَّاتُ عَدْنٍ. قال تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ. وقال تعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ. وقال تعالى: وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ، والِاشتِقاقُ يَدُلُّ على أنَّ جَميعَها جَناتُ عَدْنٍ؛ فإنَّه مِنَ الإقامةِ والدَّوامِ، يُقالُ: عَدَن بالمَكانِ: إذا أقامَ به، وعَدَنتُ البَلَدَ: تَوطَّنْتُه، وعَدنَتِ الإبلُ مَكانَ كَذا: لَزِمَتْه فلَم تَبرَح مِنه. قال الجَوهَريُّ: ومِنه جَناتُ عَدنٍ، أيْ إقامةٍ، ومِنه سُمِّيَ المَعدِنُ -بكَسرِ الدَّالِ- لِأنَّ النَّاسَ يُقيمُونَ فيه الصَّيفَ والشِّتاءَ، ومَركَزُ كُلِّ شيءٍ مَعدِنُه، والعادِنُ النَّاقةُ المُقيمةُ في المَرعى [4450] يُنظر: ((الصحاح)) للجوهري (6/ 2162). [4451] يُنظر: ((حادي الأرواح)) (ص: 98). .
الاسمُ السَّابعُ: دارُ الحَيوانِ:
قال اللهُ تعالى: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ [العنكبوت: 64] .
قال ابنُ جَريرٍ: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ [العنكبوت: 64] يَقُولُ: وإنَّ الدَّارَ الآخِرةَ لَفيها الحياةُ الدَّائِمةُ الَّتي لا زَوالَ لَها ولا انقِطاعَ، ولا مَوتَ مَعَها) [4452] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/ 440). .
وقال السَّفارينيُّ: (قال أهلُ التَّفسيرِ: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ يَعني: الجَنَّةَ لَهِيَ الْحيَوَانُ هي: دارُ الحياةِ الَّتي لا مَوت فيها.
قال أهلُ اللُّغةِ: الحيَوانُ بمَعنى: الحياةِ.
قال أبُو عُبيدةَ وابنُ قُتيبةَ: الحياةُ: الحيَوانُ.
وقال أبُو عُبيدةَ: الحياةُ والحيَوانُ والحِيُّ بكَسرِ الحاءِ واحِدٌ.
قال أبُو عَليٍّ: يَعني: أنَّها مَصادِرُ، فالحياةُ فَعلةٌ كالجبلةِ، والحيَوانُ كالنَّزَوانِ والغَلَيانِ، والحِيُّ كالِعيِّ.
وقال أبُو زيدٍ: الحيَوانُ ما فيه رُوحٌ، والمَوتانِ والمَواتُ ما لا رُوحَ فيه، والصَّوابُ: أنَّ الحيَوانَ يَقَعُ على ضَربَينِ: أحَدُهما: مَصدَرٌ كَما حَكاه أبُو عُبيدةَ، والثَّاني: وصَفٌ كَما حَكاه أبُو زيدٍ.
فعلى قَولِ أبي زيدٍ يَكُونُ المَعنى أنَّها الدَّارُ الَّتي لا تَفنى ولا تَنقَطِعُ ولا تَبيدُ، كَما تَفنى الأحياءُ في هذه الدَّارِ، فهي أحَقُّ بهذا الِاسمِ مِنَ الحيَوانِ الَّذي يَفنى ويَمُوتُ، والأولُ أظهَرُ، واللهُ أعلَمُ) [4453] يُنظر: ((البحور الزاخرة)) (3/ 1004). ويُنظر: ((حادي الأرواح)) لابن القيم (ص: 98). .
وقال السَّعْديُّ: (أمَّا الدَّارُ الآخِرةُ، فإنَّها دارُ الحيَوانِ أيِ: الحياةِ الكامِلةِ، الَّتي مِن لَوازِمِها أن تَكُونَ أبَدانُ أهلِها في غايةِ القُوَّةِ، وقُواهم في غايةِ الشِّدَّةِ؛ لِأنَّها أبدانٌ وقُوًى خُلِقَت لِلحياةِ، وأن يَكُونَ مَوجُودًا فيها كُلُّ ما تَكمُلُ به الحياةُ، وتَتِمُّ به اللَّذَّاتُ مِن مُفرِحاتِ القُلُوب وشَهواتِ الأبَدانِ مِنَ المآكِلِ والمَشارِبِ والمَناكِحِ، وغيرِ ذَلِكَ مِمَّا لا عينٌ رَأت، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطرَ على قَلبِ بَشَرٍ) [4454] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 635). .
الاسمُ الثَّامِنُ: الفِرْدَوسُ
قال ابنُ القيِّمِ: (الفِردَوسُ: اسمٌ يُقالُ على جَميعِ الجَنَّةِ، ويُقالُ على أفضَلِها وأعلاها، كَأنَّه أحَقُّ بهذا الِاسمِ مِن غيرِه مِنَ الجَناتِ) [4455] يُنظر: ((حادي الأرواح)) (ص: 99). .
قال اللهُ تعالى: أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون: 10-11] .
وقال اللهُ سُبحانَه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [الكهف: 107] .
وعَن أبي هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عَنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((فإذا سَألتُمُ اللَّهَ فاسألُوه الفِردَوسَ؛ فإنَّه أوسَطُ الجَنَّةِ وأعلى الجَنَّةِ -أُراه- فوقَه عَرْشُ الرَّحمَنِ، ومِنه تفجَّرُ أنهارُ الجَنَّةِ )) [4456] أخرجه البخاري (2790) مطولًا. .
وعَن أنسِ بن مالِك رَضيَ اللهُ عَنه قال: إنَّ أُمَّ الربيعِ بنت البراءِ، وهي أم حارِثةَ بنِ سُراقةَ، أتَتِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالت: يا نَبيَّ الله، ألا تُحدِّثُني عَن حارِثةَ، وكانَ قُتلَ يَومَ بَدرٍ أصابَه سَهمٌ غَربٌ، فإن كانَ في الجَنةِ صَبرْتُ، وإن كانَ غيرَ ذَلِكَ اجتَهَدتُ عليه في البَكاءِ، قال: ((يا أمَّ حارِثةَ، إنَّها جِنانٌ في الجَنَّةِ، وإنَّ ابنَكِ أصابَ الفِردَوسَ الأعلى )) [4457] أخرجه البخاري (2809). .
قال ابنُ القيِّمِ: (أنزَهُ المَوجُوداتِ وأظهَرُها وأَنْوَرُها وأشرَفُها وأعلاها ذاتًا وقَدْرًا وأوسَعُها: عَرشُ الرَّحمَنِ جَلَّ جَلالُه؛ ولِذَلِكَ صَلحَ لِاستِوائِه عليه، وكُلُّ ما كانَ أقرَبَ إلى العَرشِ كانَ أَنْورَ وأنزَهَ وأشرَفَ مِمَّا بَعُدَ عَنه؛ ولِهذا كانَت جَنَّةُ الفِردَوسِ أعلى الجِنانِ وأشرَفُها وأَنْوَرُها وأجَلُّها لِقُرْبِها مِنَ العَرْشِ؛ إذ هو سَقْفُها) [4458] يُنظر: ((الفوائد)) (ص: 27). .
وقال علي القاري: («والفِردَوس» أيِ: الجَنَّةُ المُسَمَّاةُ بالفِردَوسِ المَذكُورِ في القُرآنِ في قَولِه تعالى: قَدْ أفلَحَ الْمُؤمِنُونَ [المؤمنون: 1] إلى قَولِه: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ [المؤمنون: 10 - 11] «أعلاها» أي: على سائِرِ الجِنانِ... وفي النِّهايةِ: الفِردَوسُ البُستانُ الَّذي فيه الكُرُومُ والأشجارُ، ومِنه جَنَّةُ الفِردَوسِ، قُلتُ: لا بُدَّ لَه مِن وصفٍ زائِدٍ يَختَصُّ به ويَمتازُ به عَن غيرِه...مِن جَنَّةِ الفِردَوسِ «تُفَجَّرُ أنهارُ الجَنَّةِ»: بصيغةِ المَجهولِ، أي: تُشَقَّقُ وتَجري أنهارُ الجَنَّةِ «الأربَعةُ» -بالرَّفعِ- صِفةً لِلأنهارِ، وهي أنهارُ الماءِ واللَّبَنِ والخَمْرِ والعَسَلِ، المَذكُورِ في القُرآنِ: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلِ مُصَفًّى [محمد: 15] «ومِن فوقِها يَكُونُ عَرْشُ الرَّحمَنِ» فهذا يَدُلُّ على أنَّ الفِردَوس فوقَ جَميعِ الجِنانِ؛ ولِذا قال صَلَّى اللهُ تعالى عليه وسَلَّم تَعليمًا لِلأُمَّةِ وتَعظيمًا لِلهمَّةِ: ((فإذا سَألتُمُ اللهَ فاسألُوه الفِردَوسَ)) [4459] يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) (9/ 3579). .
وقال المُناويُّ: (المُرادُ أنَّه وسَطُ الجَنَّةِ وأوسَعُها وأعلاها وأفضَلُها، والوسَطُ أبعَدُ مِنَ الخَلَلِ والآفاتِ مِنَ الأطرافِ. قال ابنُ القيِّمِ: والجَنةُ مُقَبَّبةٌ أعلاها أوسَعُها وكُلَّما عَلَتِ اتَّسَعَت) [4460] يُنظر: ((فيض القدير)) (1/ 368). .
الاسمُ التَّاسعُ: جَنَّاتُ النعيمِ
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ [لقمان: 8] .
قال ابنُ القيِّمِ: (هذا أيضًا اسمٌ جامِعٌ لِجَميعِ الجَنَّاتِ لِما تَضَمَّنتْه مِنَ الأنواعِ الَّتي يُتَنَعَّمُ بها مِنَ المَأكُولِ والمَشرُوبِ والمَلبُوسِ والصُّوَرِ والرَّائِحةِ الطَّيِّبةِ والمَنظَرِ البَهيجِ والمَساكِنِ الواسِعةِ، وغيرِ ذَلِكَ مِنَ النَّعيمِ الظَّاهرِ والباطِنِ) [4461] يُنظر: ((حادي الأرواح)) (ص: 100). .
الاسمُ العاشِرُ: المقامُ الأمينُ
قال اللهُ تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ [الدخان: 51] .
قال ابنُ القيِّمِ: (المَقامُ الأمينُ مَوضِعُ الإقامةِ، والأمينُ: الآمِنُ مِن كُلِّ سُوءٍ وآفةٍ ومَكرُوهٍ، وهو الَّذي قَد جَمَعَ صِفاتِ الأمنِ كُلَّها، فهو آمِنٌ مِنَ الزَّوالِ والخَرابِ وأنواعِ النَّقصِ، وأهلُه آمِنُونَ فيه مِنَ الخُرُوجِ والنَّغصِ والنَّكدِ، والبَلَدُ الأمينُ الَّذي قَد أمِنَ أهلُه فيه مِمَّا يَخافُ مِنه سِواهمْ، وتَأمَّل كيفَ ذَكَرَ سُبحانَه الأمنَ في قَولِه تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ وفي قَولِه تعالى: يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ فجَمعَ لَهم بينَ أمنِ المَكانِ وأمنِ الطَّعامِ، فلا يخافُونَ انقِطاعَ الفاكِهةِ ولا سُوءَ عاقِبَتِها ومَضَرَّتَها، وأَمْنِ الخُرُوجِ مِنها، فلا يخافُونَ ذَلِكَ، وأمْنٍ مِنَ المَوتِ، فلا يخافُونَ فيها مَوتًا) [4462] يُنظر: ((حادي الأرواح)) (ص: 100). .
الِاسمُ الحادي عَشَرَ والثَّاني عَشَرَ: مَقعَدُ الصِّدقِ وقَدَمِ الصِّدقِ
قال اللهُ تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ [القمر: 54-55].
وقال اللهُ سُبحانَه: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [يونس: 2] .
قال ابنُ القيِّمِ: (فسَمَّى الجَنَّةَ مَقعَدَ صِدْقٍ لِحُصُولِ كُلِّ ما يُرادُ مِنَ المَقعَدِ الحَسَنِ فيها، كَما يُقالُ: مَودَّةٌ صادِقةٌ: إذا كانَت ثابتةً تامَّةً، وحَلاوةٌ صادِقةٌ، وجُملةٌ صادِقةٌ، ومِنه الكَلامُ الصِّدقُ لِحُصُولِ مَقصُودِه مِنه، ومَوضِعُ هذه اللَّفظةِ في كَلامِهمِ الصِّحَّةُ والكَمالُ، ومِنه الصِّدقُ في الحَديثِ، والصِّدقُ في العَمَلِ، والصِّدِّيقُ الَّذي يُصَدِّقُ قَولَه بالعَمَلِ، والصَّدْقُ -بالفَتحِ- الصُّلبُ مِنَ الرِّماحِ، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الشُّجاعِ: إنَّه لذُو مَصدَقٍ، أي: صادِقُ الجُملةِ، وهذا مِصداقُ هذا: أي ما يُصَدِّقُه، ومِنه الصَّداقةُ لِصَفاءِ المَودَّةِ والمُخالَّةِ، ومِنه صَدَقَني القِتالَ وصَدَقني المَودةَ، ومِنه قَدَمُ صِدقٍ، ولِسانُ صِدقٍ، ومُدخَلُ صِدقٍ ومُخرَجُ صِدقٍ، وذَلِكَ كُلُّه لِلحَقِّ الثَّابتِ المَقصُودِ الَّذي يُرغَبُ فيه بخِلافِ الكَذِبِ الباطِلِ الَّذي لا شيءَ تَحتَه، ولا يَتَضَمَّنُ أمرًا ثابتًا.
وفَسَّر قَومٌ قَدَمَ صِدْقٍ بالجَنَّةِ، وفُسِّرَ بالأعمالِ الَّتي تُنالُ بها الجَنَّةُ، وفُسِّر بالسَّابقةِ الَّتي سَبَقَت لَهم مِنَ اللهِ، وفُسِّر بالرَّسولِ الَّذي على يَدِه وهدايَتِه نالُوا ذَلِكَ، والتَّحقيقُ أنَّ الجَميعَ حَقٌّ؛ فإنَّهم سَبَقَت لَهم مِنَ اللهِ الحُسنى بتِلكَ السَّابقةِ، أي: بالأسباب الَّتي قَدَّرها لَهم على يَدِ رَسولِه وادَّخَرَ لَهم جَزاءَها يَومَ لِقائِه) [4463] يُنظر: ((حادي الأرواح)) (ص: 101). .

انظر أيضا: