الموسوعة العقدية

البابُ الخامِسُ: الجَنَّةُ والنَّارُ

تمهيدٌ:
أوَّلًا: الجنَّةُ والنَّارُ مَخلوقتانِ الآنَ، وقد أُعِدَّتا لأهْلِهما.
قال اللهُ تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133] .
قال ابنُ عثيمين: (هذا أمرٌ دَلَّ عليه الكِتابُ والسُّنَّةُ، وأجمع عليه أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ؛ أنَّ الجنَّةَ موجودةٌ الآنَ؛ ولهذا قال اللهُ تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133] ، أعِدَّت: يعني هُيِّئَت. وهذا دليلٌ على أنها موجودةٌ الآن، كما أنَّ النَّارَ أيضًا موجودةٌ الآن، ولا تَفنيانِ أبدًا) [4245] يُنظر: ((شرح رياض الصالحين)) (2/ 175(. .
وقال اللهُ سُبحانَه: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: 24] .
قال السَّمعانيُّ: (أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ أي: هُيِّئَت للكافرينَ، وهذا دليلٌ على أنَّ النَّارَ مخلوقةٌ، لا كما قال أهلُ البِدعةِ. ودليلٌ على أنَّها مخلوقةٌ للكافرينَ، وإن دخَلَها بعضُ المؤمنينَ تأديبًا وتعريكًا) [4246] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (1/ 59). .
وقال ابنُ كثير: (قَولُه تعالى: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ الأظهَرُ أنَّ الضَّميرَ في أُعِدَّتْ عائدٌ إلى النَّارِ التي وَقودُها النَّاسُ والحِجارةُ، ويحتَمِلُ عَودُه على الحجارةِ، كما قال ابنُ مسعودٍ، ولا منافاةَ بين القولينِ في المعنى؛ لأنَّهما متلازمانِ. وأُعِدَّتْ أي: أُرصِدَت وحَصَلت للكافِرينَ باللهِ ورَسولِه... وقد استدلَّ كثيرٌ من أئمَّةِ السُّنَّةِ بهذه الآيةِ على أنَّ النَّارَ موجودةٌ الآنَ؛ لِقَولِه: أُعِدَّتْ أي: أُرصِدَت وهُيِّئَت، وقد وردت أحاديثُ كثيرةٌ في ذلك؛ منها: ((تحاجَّت الجنَّةُ والنَّارُ)) [4247] أخرجه البخاري (4850)، ومسلم (2846) مطولًا من حديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. ولفظ البخاري: ((تحاجَّت الجنَّةُ والنَّارُ، فقالت النَّارُ: أُوثِرْتُ بالمتكبِّرينَ والمتجَبِّريَن، وقالت الجنَّةُ: ما لي لا يدخُلُني إلَّا ضُعَفاءُ النَّاسِ وسَقَطُهم؟! قال اللهُ تبارك وتعالى للجنَّةِ: أنت رحمتي أرحَمُ بكِ من أشاءُ من عبادي، وقال للنَّارِ: إنما أنتِ عذابٌ أُعَذِّبُ بكِ من أشاءُ من عبادي، ولكُلِّ واحدةٍ منهما مِلْؤُها؛ فأمَّا النَّارُ فلا تمتلئُ حتى يضَعَ رِجْلَه فتقولَ: قَطْ قَطْ قَطْ، فهنالك تمتَلِئُ ويُزوى بعضُها إلى بعضٍ، ولا يظلِمُ اللهُ عزَّ وجلَّ من خَلْقِه أحدًا، وأمَّا الجنَّةُ فإنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ يُنشِئُ لها خلقًا)). ، ومنها: ((استأذنت النَّارُ رَبَّها فقالت: ربِّ أكلَ بعضي بعضًا فأذِنَ لها بنَفَسَينِ: نَفَسٍ في الشِّتاءِ، ونَفَسٍ في الصَّيفِ)) [4248] أخرجه البخاري (537)، ومسلم (617) من حديث أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه بلفظ: ((اشتَكَت النَّارُ إلى رَبِّها، فقالت: يا ربِّ، أكل بعضي بعضًا، فأَذِنَ لها بنَفَسَينِ: نفسٍ في الشِّتاءِ، ونَفَسٍ في الصَّيفِ..)). ، وحديثُ ابنِ مَسعودٍ: سَمِعْنا وجبةً فقُلْنا: ما هذه؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((هذا حَجَرٌ أُلقِيَ به مِن شَفيرِ جَهَنَّمَ مُنذُ سَبعينَ سَنةً، الآنَ وصَلَ إلى قَعرِها! )) وهو عِندَ مُسلِمٍ [4249] أخرجه مسلم (2844) من حديث أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه بلفظ: (كنَّا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، إذ سمع وَجبةً، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: تدرون ما هذا؟ قال: قُلْنا: اللهُ ورسوله أعلَمُ، قال: هذا حجَرٌ رُمِي به في النَّارِ منذ سبعين خريفًا، فهو يهوي في النَّارِ الآن، حتى انتهى إلى قَعْرِها). ، وحديثُ صلاةِ الكُسوفِ [4250] أخرجه البخاري (745) من حديثِ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنهما (أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صلَّى صلاةَ الكسوفِ، فقام فأطال القيام ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيامَ ثم ركع فأطال الركوعَ، ثم رفع ثم سجد فأطال السجود، ثم رفع ثم سجد فأطال السجودَ، ثم قام فأطال القيامَ ثم ركع فأطال الركوع ثم رفع فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع ثم رفع فسجد فأطال السُّجودَ، ثم رفع ثم سجد فأطال السُّجودَ، ثم انصرف فقال : قد دنت مني الجنَّةُ حتى لو اجترأتُ عليها لجئتُكم بقطافٍ من قِطافِها، ودنت مني النارُ حتى قُلتُ: أيْ ربِّ، وأنا معهم؟ فإذا امرأةٌ -حَسِبْتُ أنَّه قال-: تخدِشُها هِرَّةٌ، قلتُ: ما شأنُ هذه؟ قالوا: حبَسَتها حتى ماتت جوعًا لا أطعَمَتْها، ولا أرسلَتْها تأكُلُ) قال نافع: حَسِبْتُ أنه قال: (من خشيشِ، أو خَشاشِ الأرض). وأخرجه مسلم (904) من حديث جابِرِ بنِ عبد الله رَضِيَ اللهُ عنهما بلفظ: (انكسفت الشمسُ في عهد رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يوم مات إبراهيمُ ابنُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال النَّاسُ: إنما انكسفت لموت إبراهيم. فقام النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فصلَّى بالنَّاسِ سِتَّ ركَعاتٍ بأربع سَجَداتٍ، بدأ فكبَّر، ثم قرأ فأطال القراءةَ، ثم ركع نحوًا مما قام، ثم رفع رأسَه من الركوعِ فقرأ قراءةً دون القراءةِ الأولى، ثم ركع نحوًا مما قام، ثم رفع رأسَه من الركوع فقرأ قراءةً دون القراءة الثانيةِ، ثم ركع نحوًا مما قام، ثم رفع رأسَه من الركوعِ، ثم انحدر بالسُّجودِ فسجد سجدتينِ، ثم قام فركعَ أيضًا ثلاثَ ركعاتٍ ليس فيها ركعةٌ إلا التي قبلها أطولُ من التي بعدها، وركوعه نحوًا من سجوَّده، ثم تأخَّر وتأخَّرت الصفوفُ خَلْفَه حتى انتهينا - وقال أبو بكرٍ حتى انتهى إلى النِّساءِ- ثم تقدَّم وتقدَّم الناسُ معه حتى قام في مقامه، فانصرف حين انصرف وقد آضت الشمسُ، فقال: يا أيها الناسُ، إنما الشَّمسُ والقَمَرُ آيتان من آيات الله، وإنهما لا ينكسفانِ لموتِ أحدٍ من الناس -وقال أبو بكر: لموتِ بَشَرٍ- فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فصلُّوا حتى تنجلي. ما من شيء تُوعَدونه إلا قد رأيتُه في صلاتي هذه. لقد جيءَ بالنَّار،ِ وذلكم حين رأيتموني تأخَّرتُ مخافةَ أن يصيبني من لَفْحِها وحتى رأيتُ فيها صاحِبَ المِحْجَنِ يجرُّ قُصْبَه في النارِ كان يسرقُ الحاجَّ بمِحْجَنِه، فإن فُطِنَ له قال: إنما تعلَّق بمِحْجَني. وإن غُفِل عنه ذهب به. وحتى رأيتُ فيها صاحبةَ الهِرَّةِ التي ربطَتْها فلم تطعِمْها ولم تدَعْها تأكُلُ من خشاشِ الأرضِ حتى ماتت جوعًا، ثم جيء بالجنَّةِ، وذلكم حين رأيتموني تقدَّمتُ حتى قمتُ في مقامي، ولقد مددتُ يدي وأنا أريدُ أن أتناولَ من ثمرها لتنظروا إليه، ثم بدا لي أن لا أفعل، فما من شيءٍ تُوعَدونه إلا قد رأيتُه في صلاتي هذه). وليلةِ الإسراءِ [4251] أخرجه البخاري (1386) في حديث طويلٍ مِن حديثِ سَمُرةَ بنِ جُندَبٍ رَضِيَ اللهُ عنه بلفظ: ((رأيتُ الليلةَ رجُلَينِ أتياني فأخذا بيدي، فأخرجاني إلي الأرض المقدَّسةِ.. وإذا رجلٌ قريبٌ من الشَّجَرةِ بين يديه نار يوقِدُها، فصَعِدَا بي في الشَّجَرةِ، وأدخلاني دارًا لم أرَ قطُّ أحسَنَ منها.. قلتُ: طوفَّتُماني الليلةَ، فأخبِراني عما رأيتُ، قالا: نعم، أمَّا الذي رأيتَه.. والذي يوقِدُ النَّارَ مالِكٌ خازِنُ النَّارِ)). ، وغيرُ ذَلِكَ مِنَ الأحاديثِ المُتَواتِرةِ في هذا المَعنى) [4252] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/ 202(. .
وقال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا [الكهف: 29] .
قال ابنُ عُثيمين: (نُؤمِنُ بالجَنَّةِ والنَّارِ، فالجَنةُ دارُ النَّعيمِ الَّتي أعَدَّها اللهُ تعالى لِلمُؤمِنينَ المُتَّقينَ، فيها مِنَ النَّعيمِ ما لا عينٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ على قَلب بَشَرٍ: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: 17] .
والنَّارُ دارُ العَذابِ الَّتي أعَدَّها اللهُ تعالى لِلكافِرينَ الظَّالِمينَ، فيها مِنَ العَذابِ والنَّكالِ ما لا يَخطُرُ على البالِ: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف: 29] ، وهما مَوجُودَتانِ الآنَ ولَن تَفنَيَا أبَدَ الآبدينَ) [4253] يُنظر: ((عقيدة أهل السنة والجماعة)) (ص: 25). .
وعَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ رَضيَ اللهُ عَنهما أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ أحَدَكم إذا مات عُرِضَ عليه مَقعَدُه بالغَداةِ والعَشيِّ، إن كانَ مِن أهلِ الجَنَّةِ فمِن أهلِ الجَنةِ، وإن كانَ مِن أهلِ النَّارِ فمِن أهلِ النَّارِ، يُقالُ هذا مَقعَدُكَ حَتَّى يَبعَثَكَ اللهُ إليه يَومَ القيامةِ )) [4254] أخرجه البخاري (1379)، ومسلم (2866) واللَّفظُ له. .
 قال الصَّنعانيُّ: ( ((إذا ماتَ أحَدُكم عُرِضَ عليه مَقعَدُه)) مَحَلُّ قُعُودِه ((مِنَ الجَنَّةِ أوِ النَّارِ))، وفيه أنَّ الجَنَّةَ والنَّارَ مَخلُوقَتانِ، وأدِلَّةُ ذَلِكَ شَمسٌ ظَهيرةٌ) [4255] يُنظر: ((التنوير شرح الجامع الصغير)) (2/ 209). .
وعَن أبي ذَرٍّ رَضيَ اللهُ عَنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((أبرِدُوا بالصَّلاةِ؛ فإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَيحِ جَهَنَّمَ )) [4256] أخرجه البخاري (3258) واللَّفظُ له، ومسلم (616). .
قال الخَطابيُّ: (قَولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: فيحُ جَهَنَّمَ، مَعناه سُطُوعُ حَرِّها وانتِشارُه، وأصلُه في كَلامِهمُ السَّعةُ والِانتِشارُ... ومَعنى الكَلامِ يَحتَمِلُ وجهينِ؛ أحَدُهما: أنَّ شِدَّةَ الحَرِّ في الصَّيفِ مِن وَهجِ حَرِّ جَهَنَّم في الحَقيقةِ. ورُوِيَ أنَّ الله تعالى أَذِنَ لِجَهَنَّمَ في نَفسَينِ: نَفَسٍ في الصَّيفِ، ونَفسٍ في الشِّتاءِ، فأشَدُّ ما تَجِدُونَه مِنَ الحَرِّ في الصَّيفِ فهو مِن نَفَسِها، وأشَدُّ ما تَرَونَه مِنَ البَردِ في الشِّتاءِ فهو مِنها [4257] أخرجه البخاري (537)، ومسلم (617) من حديث أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه بلفظ: ((اشتكت النَّارُ إلى ربها فقالت: يا ربِّ، أكل بعضي بعضًا، فأَذِنَ لها بنَفَسينِ: نفَسٍ في الشِّتاءِ، ونَفَسٍ في الصَّيفِ..)). . والوَجهُ الآخرُ: أنَّ هذا الكَلامَ إنَّما خَرجَ مَخرَجَ التَّشبيه والتَّقريبِ، أي: كَأنَّه نارُ جَهَنَّم في الحَرِّ؛ فاحذَرُوها واجتَنِبُوا ضَررَها) [4258] يُنظر: ((معالم السنن)) (1/ 129). .
وقال ابنُ المُلقِّنِ: (الَّذي يَقتَضيه مَذهَبُ أهلِ السُّنَّةِ، وظاهِرُ الحَديثِ: أنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فيحِ جَهَنَّمَ حَقيقةٌ لا استِعارة وتَشبيهًا وتَقريبًا، فإنَّها مَخلُوقةٌ مَوجُودةٌ، وقَدِ اشتَكَتِ النَّارُ إلى رَبِّها، كَما سَلَفَ) [4259] يُنظر: ((التوضيح لشرح الجامع الصحيح)) (6/ 146). .
وعَن أبي هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عَنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((اشتَكَتِ النَّارُ إلى رَبِّها فقالت: رَبِّ أكَلَ بَعضي بَعضًا، فأَذِنَ لَها بنَفَسينِ: نَفَسٍ في الشِّتاءِ، ونَفَسٍ في الصَّيفِ، فهو أشَدُّ ما تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ، وأشَدُّ ما تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَريرِ )) [4260] أخرجه البخاري (537)، ومسلم (617). .
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: (الدَّلائِلُ مِنَ الآثارِ كَثيرةٌ على أنَّ الجَنَّةَ مَخلُوقةٌ بَعدُ والنَّارَ مَخلُوقةٌ بَعدُ؛ فمِن ذَلِكَ... قَولُه: "اشتَكتِ النَّارُ إلى رَبِّها" هذا الحَديثُ أبينَ شيءٍ في أنَّها قَد خُلِقَت وأنَّها باقيةٌ شِتاءً وصيفًا) [4261] يُنظر: ((التمهيد)) (19/ 113). .
وعَن أنسٍ رَضيَ اللهُ عَنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((والَّذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيَدِه، لَو رَأيتُم ما رَأيتُ لضَحِكتُم قَليلًا ولبَكيتُم كَثيرًا. قالُوا: وما رَأيتَ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قال: رَأيتُ الجَنَّةَ والنَّارَ )) [4262] أخرجه مسلم (426) مطولًا. .
قال النَّوويُّ: (قَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((رَأيتُ الجَنَّةَ والنَّارَ)) فيه أنَّهما مَخلُوقَتانِ) [4263] يُنظر: ((شرح مسلم)) (4/ 151). .
وعَن أبي هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عَنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لَمَّا خَلَقَ اللهُ الجَنَّةَ والنَّارَ أرسَلَ جِبريلَ إلى الجَنَّةِ، فقال: انظُرْ إليها وإلى ما أعدَدتُ لِأهلِها فيها، قال: فجاءَها فنَظَر إليها وإلى ما أعَدَّ اللهُ لِأهلِها فيها، قال: فرَجَع إليه، قال: فوعِزَّتِك لا يَسمَعُ بها أحَدٌ إلَّا دَخلَها، فأمرَ بها فحُفَّت بالمَكارِه، فقال: ارجِعْ إليها فانظُرْ إليها وإلى ما أعدَدتُ لِأهلِها فيها، قال: فرَجَع إليها فإذا هي قَد حُفَّت بالمَكارِه، فرَجَعَ إليه فقال: فوعِزَّتِكَ لَقَد خِفتُ أن لا يَدخُلَها أحَدٌ، قال: اذهَبْ إلى النَّارِ فانظُرْ إليها وإلى ما أعدَدتُ لِأهلِها فيها، فإذا هي يَركَبُ بَعضُها بَعضًا، فرَجَعَ إليه، فقال: وعِزَّتِكَ لا يَسمَعُ بها أحَدٌ فيَدخُلُها، فأمرَ بها فحُفَّت بالشَّهَواتِ، فقال: ارجِعْ إليها، فرَجَعَ إليها فقال: وعِزَّتِكَ لَقَد خَشيتُ أن لا يَنجُوَ مِنها أحَدٌ إلَّا دَخلَها )) [4264] أخرجه أبو داود (4744)، والترمذي (2560) واللَّفظُ له، والنسائي (3763)، وأحمد (8398). صحَّحه الترمذي، وابن حبان في ((صحيحه)) (7394)، والحاكم على شرط مسلم في ((المستدرك)) (71). .
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: (مِمَّا يَدُلُّك على أنَّ النَّارَ والجَنَّةَ قَد خُلِقَتا: ... عَن أبي هريرةَ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال لَمَّا خَلقَ اللهُ الجَنَّةَ دَعا جِبريلَ فأرسَلَه إليها، فقال: انظُرْ إليها وإلى ما أعْدَدتُ لِأهلِها... فلِهذه الأحاديثِ وما كانَ مِثلَها قال أهلُ السُّنَّةِ: إنَّ الجَنَّةَ والنَّارَ مَخلُوقَتانِ، وإنَّهما لا تَبِيدانِ) [4265] يُنظر: ((التمهيد)) (5/ 8-10). .
ومِن أقوالِ أهلِ العِلمِ في هذا الشَّأنِ:
1- قال أحمَدُ بنُ حَنبلٍ: (الجَنَّةُ والنَّارُ مَخلُوقَتانِ، قَد خُلِقَتا كَما جاءَ الخَبرُ عَن رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ... فمَن زَعَم أنَّهما لَم يُخلَقا فهو مُكَذِّبٌ برسُولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبالقُرآنِ، كافِرٌ بالجَنةِ وبالنَّارِ، يُستَتابُ، فإنْ تاب وإلَّا قُتلَ) [4266] يُنظر: ((طبقات الحابلة)) لابن أبي يعلى (1/312). .
2- قال أبُو مَنصُورٍ البَغداديُّ عَنِ الجَنةِ والنَّارِ: (هما عِندَنا مَخلُوقَتانِ... ودَليلُنا على وُجُودِهما: إخبارُ اللهِ عَنِ الجَنَّةِ أنَّها أعِدَّت لِلمُتَّقينَ، وعَنِ النَّارِ أنَّها أُعِدَّت لِلكافِرين، ويَدُلُّ على وُجُودِهما ما تَواتَرَت به الأخبارُ الَّتي كَفَرَتِ القَدَريَّةُ بها، في قِصَّةِ المِعراجِ، وسائِرِ ما ورَدَ في صِفاتِ الجَنَّةِ والنَّارِ) [4267] يُنظر: ((أصول الإيمان)) (ص: 189). .
3- قال البيهقيُّ: (مِمَّا يَحِقُّ مَعرِفَتَه في هذا البابِ أن يُعلَمَ أنَّ الجَنَّةَ والنَّارَ مَخلُوقَتانِ مُعَدَّتانِ لِأهلِهما، قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ في الجَنةِ: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133] ، وقال في النَّارِ: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: 24] ، والمُعَدَّةُ لا تَكُونُ إلَّا مَخلُوقةً مَوجُودةً، وقال في الجَنةِ: وَجَنَّةٍ عَرْضُها السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ [آل عمران: 133] ، والمَعدُومُ لا عَرْضَ لَه) [4268] يُنظر: ((شعب الإيمان)) (1/589). .
4- قال طاهرُ بنُ مُحَمَّدٍ الإسفرايينيُّ: (...والجَنَّةُ والنَّارُ مَخلُوقَتانِ، وكُلُّ ذَلِكَ وارِدٌ في القُرآنِ، وفي الأخبارِ الظَّاهرةِ عَنِ المُصطَفى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، على وجهٍ لا يُبقي شَكًّا ولا شُبهةً لِمَن تَركَ العَصَبيَّةَ، وقَد صَرَّحَ اللهُ تعالى بذِكرِ النَّارِ والجَنةِ ووُجُودِهما، وإعدادِ الجَنَّةِ لِلمُؤمِنينَ، والنَّارِ للكافِرين، وإنزالِ آدَمَ عليه السَّلامُ في الجَنَّةِ، ثُمَّ إخراجِه مِنها وإهباطِه إلى الأرضِ، وما ورَدَ عَن الرَّسُولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه دَخلَ الجَنَّةَ ليلةَ المِعراجِ، ورَأى فيها قَصرًا لِعُمرَ رَضيَ اللهُ عَنه، وقال لِعُمَرَ: (ما مَنعَني أن أدخُلَه إلَّا غيرَتُكَ)، فبكى عُمَرُ رَضيَ اللهُ عَنه، وقال: أوَعَليكَ كُنتُ أُغارُ يا رَسولَ اللَّه؟! [4269] لفظ الحديث: أن أبا هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: (بينا نحن عند رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ قال: بينا أنا نائمٌ رأيتُني في الجنَّةِ، فإذا امرأةٌ تتوضَّأُ إلى جانب قصرٍ، فقلتُ: لمن هذا القصرُ؟ فقالوا: لعُمَرَ بنِ الخطَّابِ، فذكرتُ غَيرتَه، فولَّيتُ مُدبِرًا. فبكى عُمَرُ وقال: أعليك أغارُ يا رسولَ اللهِ؟!). أخرجه البخاري (3242) واللَّفظُ له، ومسلم (2395). ، وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((سَمِعتُ حِسَّه فالتَفَتُّ، فإذا هو بلالٌ)) [4270] أخرجه البخاري (3679) مطولًا بلفظ: ((رأيتني دخلتُ الجنَّةَ، فإذا أنا بالرُّمَيصاءِ امرأةِ أبي طلحة، وسمعتُ خَشَفةً، فقلتُ: من هذا؟ فقال: هذا بلالٌ..)). ومسلم (2457) بلفظ: ((خشخشة)) من حديث جابر بن عبد الله رَضِيَ اللهُ عنهما. ، وكانَ ذَلِكَ مِن صِفاتِ المَوجُوداتِ، فإنَّ المَعدُومَ لا يَتَّصِفُ بهذه الصِّفاتِ، ومَن تَأمَّلَ ما ورَدَ فيه مِنَ الآيِ والأخبارِ والآثارِ لَم يَستَجِز إنكارَه) [4271] يُنظر: ((التبصير في الدين)) (ص: 177). .
5- قال أبُو اليسرِ البَزدَويُّ: (الجَنَّةُ والنَّارُ مَخلُوقَتانِ عِندَ أهلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ... والدَّليلُ على أنَّهما مَخلُوقَتانِ: قَولُ الله تعالى: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133] ، وقَولُه تعالى: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: 131] أخبَرَ أنَّ الجَنَّةَ والنَّارَ أُعِدَّتا، والإعدادُ هو الِادِّخارُ وهو تَهيِئةُ الشَّيءِ لِأمرٍ) [4272] يُنظر: ((أصول الدين)) (ص 170). .
6- قال نَجمُ الدِّينِ النَّسفيُّ السَّمرقَنديُّ: (الجَنَّةُ حَقٌّ والنَّارُ حَقٌّ، وهما مَخلُوقَتانِ الآنَ مَوجُودَتانِ باقيَتانِ، لا تَفنيانِ، ولا يَفنى أهلُهما) [4273] يُنظر: ((شرح العقائد النسفية)) التفتازاني (ص: 102). .
7- قال مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ الوهَّابِ: (أؤمِنُ بأنَّ الجَنَّةَ والنَّارَ مَخلُوقَتانِ، وأنَّهما اليَومُ مَوجُودَتانِ، وأنَّهما لا يَفنيانِ) [4274] يُنظر: ((الدرر السنية)) (1/ 32). .
ثانيًا: الجِنُّ مُكلَّفون كالإنسِ، قال اللهُ تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56].
قال السَّعْديُّ: (هذه الغايةُ الَّتي خَلَقَ اللهُ الجِنَّ والإنسَ لَها، وبَعَثَ جَميعَ الرُّسُلِ يَدعُونَ إليها، وهي عِبادَتُه المُتَضَمِّنةُ لِمَعرِفَتِه ومَحَبَّتِه، والإنابةِ إليه والإقبالِ عليه، والإعراضِ عَمَّا سِواه) [4275] ينظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 813). .
قال ابنُ عُثيمين: (قَولُه: الجِنَّ هم عالَمٌ غيبيٌّ مَخْفيٌّ عَنَّا؛ ولِهذا جاءَتِ المادَّةُ مِنَ الجيمِ والنُّونِ، وهما يَدُلَّانِ على الخَفاءِ والِاستِتارِ، ومِنه: الجَنَّةُ، والجِنَّةُ، والجُنَّةُ.
قَولُه: الْإِنْسَ سُمُّوا بذَلِكَ لِأنَّهم لا يَعيشُونَ بدُونِ إيناسٍ، فهم يَأنَسُ بَعضُهم ببَعضٍ، ويَتَحَرَّكُ بَعضُهم إلى بَعضٍ.
قَولُه: إلَّا لِيَعْبُدُونِ فُسِّر: إلَّا ليُوحِّدُونِ، وهذا حَقٌّ، وفُسِّرَ بمَعنى يَتَذَلَّلُونَ لي بالطَّاعةِ فِعلًا لِلمَأمُورِ، وتركًا لِلمَحظُورِ، ومِن طاعَتِه أن يُوحَّدَ سُبحانَه وتعالى، فهذه هي الحِكمةُ مِن خَلقِ الجِنِّ والإنسِ) [4276] يُنظر: ((القول المفيد)) (1/ 26). .
والجِنُّ مَحشورونَ يومَ القيامةِ.
قال اللهُ سُبحانَه: وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ [الأنعام: 128] .
قال ابنُ جَريرٍ: (يَعني تعالى ذِكرُه بقَولِه: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا: ويَومَ يَحشُرُ هَؤُلاءِ العادِلينَ باللهِ الأوثانَ والأصنامَ وغيرَهم مِنَ المُشرِكينَ مَعَ أُوليائِهم مِنَ الشَّياطينِ الَّذينَ كانُوا يُوحُونَ إليهم زُخرُفَ القَولِ غُرُورًا ليُجادِلُوا به المُؤمِنينَ، فيَجمَعُهم جَميعًا في مَوقِفِ القيامةِ، يَقُولُ لِلجِنِّ: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ، وحُذِفَ «يَقُولُ لِلجِنِّ» مِن الكَلامِ اكتِفاءً بدَلالةِ ما ظَهَرَ مِنَ الكَلامِ عليه مِنه، وعَنى بقَولِه: قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ: استَكثَرتُم مِن إضلالِهم وإغوائِهم) [4277] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/ 555). .
وكافِرُهم في النَّارِ ومُؤمِنُهم في الجَنَّةِ.
قال اللهُ تعالى: ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِن الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ [الأعراف: 38] .
قال ابنُ عُثيمين: (هذا نَصٌّ صَريحٌ في أنَّ النَّارَ يَدخُلُها أُمَمٌ مِنَ الجِنِّ وأمَمٌ مِنَ الإنسِ، وهذا مَحَلُّ إجماعٍ مِنَ العُلَماءِ؛ أنَّ كافِرَ الجِنِّ في النَّارِ كَكافِرِ الإنسِ، ويَدُلُّ لِهذا أيضًا قَولُه تعالى في سُورةِ الجِنِّ: وَأَنَّا مِنَّا المُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن: 14- 15]، فالكافِرُ مِنَ الجِنِّ في النَّارِ بالنَّصِّ والإجماعِ، ولا خِلافَ في ذَلِكَ) [4278] يُنظر: ((شرح العقيدة السفارينية)) (ص: 494). .
وقال ابنُ باز: (الكُفَّارُ مِنَ الجِنِّ والإنسِ في النَّارِ، والمُؤمِنونَ مِنَ الجِنِّ والإنسِ في الجَنَّةِ، قال اللهُ تعالى في سُورةِ الرَّحمَنِ: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ يَعني: مِنَ الجِنِّ والإنسِ، فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، وقال جَلَّ وعلا في سُورةِ الرَّحمَنِ: هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا المُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمِ آنٍ، فالجِنُّ والإنسُ سَواءٌ سَواءٌ، مَن آمَنَ مِنهم ومات على الإيمانِ دَخلَ الجَنَّةَ، ومَن مات على الكُفْرِ دَخلَ النَّارَ، سَواءٌ جِنًّا أو إنسًا) [4279] يُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) (1/ 218). .

  • الفَصلُ الأولُ: الجَنَّةُ.
  • الفَصلُ الثَّاني: النَّارُ.
  • انظر أيضا: