الموسوعة العقدية

المَبحَثُ الثَّالِثُ: الِاقتِصاصُ للبِهائِمِ بَعضِها من بَعضٍ

قال اللهُ تعالى: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير: 5].
قال الشَّوكانيُّ: (الوُحوشُ ما توَحَّشَ من دَوابِّ البَرِّ، ومَعنى حُشِرَتْ بُعِثَت، حَتَّى يُقتَصَّ لبَعضِها من بَعضٍ، فيُقتَصُّ للجَمَّاءِ من القَرْناءِ) [3809] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (5/470). .
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه عن رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لتُؤَدُّنَّ الحُقوقَ إلى أهلِها يَومَ القيامةِ، حَتَّى يُقادَ للشَّاةِ الجَلحاءِ من الشَّاةِ القَرْناءِ )) [3810] أخرجه مسلم (2582). .
وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((يُقتَصُّ للخَلقِ بَعضِهم من بَعضٍ، حَتَّى للجَمَّاءِ من القَرْناءِ، وحَتَّى للذَّرَّةِ من الذَّرَّةِ)) [3811] أخرجه أحمد (8756). صحَّح إسناده الألباني في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (4/116)، وقال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (4/302): رواته رواة الصحيح، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (10/355): رجاله رجال الصحيح‏‏، وقال شعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (8756): صحيح دون قوله: "وحتى للذَّرَّة من الذَّرَّة". والحديث أصله في الصحيح أخرجه مسلم (2582). .
قال ابنُ كثيرٍ: (المُرادُ بالذَّرَّةِ هاهنا النَّملةُ، واللهُ أعلَمُ. وإذا كان هذا حُكمَ الحَيَواناتِ التي ليست مُكَلَّفةً، فلَتَخليصُ الحُقوقِ من الآدَميِّينَ والجانِّ بَعضِهم من بَعضٍ يَومَ القيامةِ أَولى وأَحْرى!) [3812] يُنظر: ((البداية والنهاية)) (20/ 18). .
وقال ابنُ عُثَيمين: (في هذا الحَديثِ أقسَمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو الصَّادِقُ المُصَدَّقُ بغَيرِ قَسَمٍ. أقسَمَ أنَّ الحُقوقَ سَتُؤَدَّى على أهلِها يَومَ القيامةِ، ولا يَضيعُ لأحَدٍ حَقٌّ، الحَقُّ الذي لَك إن لَم تَستَوفِه في الدُّنيا استَوفيتَه في الآخِرةِ ولا بُدَّ، حَتَّى إنَّه يُقتَصُّ للشَّاةِ الجَلْحاءِ من الشَّاةِ القَرْناءِ. الجَلْحاءُ: التي ليس لها قَرْنٌ. والقَرْناءُ: التي لها قَرْنٌ. والغالِبُ أنَّ التي لها قرنٌ إذا ناطَحَتِ الجَلحاءَ التي ليس لها قَرنٌ تُؤذيها أكثَرَ، فإذا كان يَومُ القيامةِ قَضى اللهُ بينَ هاتينِ الشَّاتينِ، واقتُصَّ للشَّاةِ الجَلحاءِ من الشَّاةِ القَرْناءِ.
هذا وهيَ بهائِمُ لا يَعقِلْنَ ولا يَفهَمْنَ، لَكِنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ حَكمٌ عَدْلٌ، أرادَ أن يُريَ عِبادَه كمالَ عَدْلِه حَتَّى في البَهائِمِ العجمِ، فكَيفَ بَبني آدَمَ!!) [3813] يُنظر: ((شرح رياض الصالحين)) (2/ 488). .
كيفَ يُقتَصُّ من البِهائِمِ وهيَ غَيرُ مُكَلَّفةٍ؟
أشَكلَ على بَعضِ أهلِ العِلمِ ما ذَكرَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من حَشرِ البَهائِمِ والِاقتِصاصِ لبَعضِها من بَعضٍ.
وقد وضَّحَ النَّوَويُّ ذلك فقال: (هذا تَصريحٌ بحَشرِ البَهائِمِ يَومَ القيامةِ، وإعادَتِها يَومَ القيامةِ كما يُعادُ أهلُ التَّكليفِ من الآدَميِّينَ، وكَما يُعادُ الأطفالُ والمَجانِينُ، ومن لَم تَبلُغْه دَعوةٌ. وعلى هذا تَظاهَرَت دَلائِلُ القُرآنِ والسُّنَّةُ؛ قال اللهُ تعالى: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ. وإذا ورَدَ لَفظُ الشَّرعِ ولَم يَمنَعْ من إجرائِه على ظاهرِه عَقلٌ ولا شَرعٌ، وجَبَ حَملُه على ظاهرِه. قال العُلَماءُ: وليس من شَرطِ الحَشرِ والإعادةِ في القيامةِ المُجازاةُ والعِقابُ والثَّوابُ. وأمَّا القِصاصُ من القَرْناءِ للجَلْحاءِ فليس هو من قِصاصِ التَّكليفِ؛ إذ لا تَكليفَ عليها، بَل هو قِصاصُ مُقابَلةٍ) [3814] يُنظر: ((شرح مسلم)) (16/ 136). .
وقال ابنُ عُثَيمين: (هَل تَشمَلُ المُحاسَبةُ البَهائِمَ؟! أمَّا القِصاصُ فيَشمَلُ البَهائِمَ؛ لأنَّه ثَبتَ عن النَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ((أنَّه يُقتَصُّ للشَّاةِ الجَلحاءِ من الشَّاةِ القَرْناءِ))، وهذا قِصاصٌ، لَكِنَّها لا تُحاسَبُ حِسابَ تَكليفٍ وإلزامٍ؛ لأنَّ البَهائِمَ ليس لها ثَوابٌ ولا عِقابٌ) [3815] يُنظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) (2/ 154). .

انظر أيضا: