الموسوعة العقدية

المَبحَثُ الأوَّلُ: الأدِلَّةُ على كِتابةِ المَلائِكةِ لكُلِّ ما يَصدُرُ عن العِبادِ

1- قال اللهُ تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: 10 -11].
قال ابنُ جَريرٍ: (قَولُه: وإنَّ عليكم لحافِظينَ يَقولُ: وإنَّ عليكم رُقباءَ حافِظينَ يَحفَظونَ أعمالَكم، ويُحصونَها عليكم. كِرامًا كاتِبينَ يَقولُ: كِرامًا على الله كاتِبينَ، يَكتُبونَ أعمالَكم... وقَولُه: يَعلَمونَ ما تَفعَلونَ يَقولُ: يَعلَمُ هؤلاء الحافِظونَ ما تَفعَلونَ من خَيرٍ أو شَرٍّ، يُحصونَ ذلك عليكم) [3572] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (24/ 181). .
وقال السَّمعانيُّ: (قَولُه: كاتِبينَ همُ المَلائِكةُ يَقعُدونَ عن يَمينِ الإنسانِ ويَسارِه، فيَكتُبونَ ما عليه وله) [3573] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (6/ 175). .
2- قال اللهُ سُبحانَه: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ اليمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 17-18].
قال البَغَويُّ: (إِذْ يَتَلَقَّى المُتَلَقِّيانِ أي: يَتَلَقَّى ويَأخُذُ المَلَكانُ الموَكَّلانِ بالإنسانِ عَمَلَه ومَنطِقَه يَحفَظانِه ويَكتُبانِه، عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ، أي: أحَدُهما عن يَمينِه، والآخَرُ عن شِمالِه؛ فالذي عن اليَمينِ يَكتُبُ الحَسَناتِ، والذي عن الشِّمالِ يَكتُبُ السَّيِّئاتِ. قَعِيدٌ، أي: قاعِدٌ... قيلَ: أرادَ بالقَعيدِ المُلازِمَ الذي لا يَبرَحُ، لا القاعِدَ الذي هو ضِدُّ القائِمِ. قال مُجاهدٌ: القَعيدُ الرَّصيدُ. مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ، ما يَتَكَلَّمُ من كلامٍ فيَلفِظُه، أي: يَرميه من فِيهِ إلَّا لَدَيه رَقيبٌ حافِظٌ، عَتيدٌ، حاضِرٌ أينَما كان) [3574] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (4/ 272). .
وقال ابنُ كثيرٍ: (إِذْ يَتَلَقَّى المُتَلَقِّيانِ يَعني: المَلكَينِ اللَّذينِ يَكتُبانِ عَمَلَ الإنسانِ. عن اليَمينِ وعن الشِّمالِ قَعيدٌ أي: مُتَرَصِّدٌ. ما يَلفِظُ أي: ابنُ آدَم مِن قَولٍ أي: ما يَتَكَلَّمُ بكَلِمةٍ إلَّا لَدَيه رَقيبٌ عَتيدٌ أي: إلَّا ولها مَن يُراقِبُها مُعتَدٌّ لذلك يَكتُبُها، لا يَترُك كلِمةً ولا حَرَكةً، كما قال تعالى وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: 10 -12]) [3575] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/ 398). .
وقال ابنُ رَجَبٍ: (قال اللهُ تعالى: إذ يَتَلَقَّى المُتَلَقِّيانِ عن اليَمينِ وعن الشَّمالِ قَعِيدٌ * ما يَلفِظُ مِنْ قَولٍ إلَّا لَدَيه رَقيبٌ عَتيدٌ [ق: 17 - 18]، وقد أجمَعُ السَّلَفُ الصَّالِحُ على أنَّ الذي عن يَمينِه يَكتُبُ الحَسَناتِ، والذي عن شِمالِه يَكتُبُ السَّيِّئاتِ...
واختَلَفوا: هَل يُكتَبُ كُلُّ ما يُتَكَلَّمُ به، أو لا يُكتَبُ إلَّا ما فيه ثَوابٌ أو عِقابٌ؟ على قَولينِ مَشهورينِ) [3576] يُنظر: ((جامع العلوم والحكم)) (1/ 336). .
3- قال اللهُ عَزَّ وجلَّ: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّنْ بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ [يونس: 21] .
قال ابنُ كثيرٍ: (قَولُه: قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا أي: أشَدُّ استِدراجًا وإمهالًا حَتَّى يَظُنَّ الظَّانُّ من المُجرِمينَ أنَّه ليس بمُعَذَّبٍ، وإنَّما هو في مُهلةٍ، ثُمَّ يُؤخَذُ على غِرَّةٍ منه، والكاتِبونَ الكِرامُ يَكتُبونَ عليه جَميعَ ما يَفعَلُه، ويُحصونَه عليه، ثُمَّ يَعرِضونَ على عالِمِ الغَيبِ والشَّهادةِ، فيُجازيه على الحَقيرِ والجَليلِ، والنَّقيرِ والقِطْميرِ) [3577] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/ 258). .
قال الشَّوكانيُّ: (المَعنى: أنَّ رُسُلَ الله وهمُ المَلائِكةُ يَكتُبونَ مَكرَ الكُفَّارِ لا يَخفى ذلك على المَلائِكةِ الذينَ همُ الحَفَظةُ، فكَيفَ يَخفَى على العَليمِ الخَبيرِ؟) [3578] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (2/ 494). .
4- قال اللهُ تعالى: مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [التوبة: 120-121]
قال ابنُ كثيرٍ: (يَقولُ تعالى: ولا يُنفِقُ هؤلاء الغُزاةُ في سَبيلِ الله نَفقةً صَغيرةً ولا كبيرةً أي: قَليلًا ولا كثيرًا ولا يَقطَعونَ واديًا أي: في السَّيرِ إلى الأعداءِ إلَّا كُتِبَ لَهُمْ ولَم يَقُلْ هاهنا «به»؛ لأنَّ هذه أفعالٌ صادِرةٌ عنهم؛ ولِهذا قال: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [3579] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/ 234). .
وقال الشَّوكانيُّ: (والضَّميرُ في «به» يَعودُ إلى كُلِّ واحِدٍ من الأمورِ المَذكورةِ، والعَمَلُ الصَّالِحُ: الحَسنةُ المَقبولةُ، أي: إلَّا كتَبَه اللهُ لهم حَسَنةً مَقبولةً يُجازيهم بها) [3580] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (2/ 473). .
5- عن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه قال: قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إذا كان يَومُ الجُمُعةِ كان على كُلِّ بابٍ من أبوابِ المَسجِدِ مَلائِكةٌ يَكتُبونَ الأوَّلَ فالأوَّلَ، فإذا جَلَسَ الإمامُ طوَوا الصُّحُفَ، وجاؤوا يَستَمِعونَ الذِّكرَ، ومَثَلُ المُهَجِّرِ كمَثَلِ الذي يُهْدِي البَدَنةَ، ثُمَّ كالذي يُهدِي بَقرةً، ثُمَّ كالذي يُهْدي الكَبشَ، ثُمَّ كالذي يُهْدي الدَّجاجةَ، ثُمَّ كالذي يُهْدي البَيضةَ)).
قال المظهَريُّ: (قَولُه: ((يَكتُبونَ الأوَّلَ فالأوَّلَ)) أي: يَكتُبونَ من أتى المَسجِدَ أوَّلًا ثَوابَه أكثَرَ من ثَوابِ من أتى بَعدَه. ((المُهَجِّر)): الذي يَمشي إلى المَسجِدِ في أوَّلِ الوَقتِ، ((التَّهجيرُ)): المَشيُ في وقتِ غايةِ الحَرارةِ، يَعني: ثَوابَ الذَّاهبينَ إلى المَسجِدِ على هذا التَّفاوُتِ. ((فإذا خَرجَ الإمامُ)) أي: فإذا صَعِدَ الخَطيبُ المِنبَرَ تَطوي المَلائِكةُ كُتُبَهم ويَحضُرونَ استِماعَ الخُطبةِ، يَعني: من دَخلَ في هذا الوَقتِ يَكونُ ثَوابُه قَليلًا، ولا تَكتُبُه المَلائِكةُ من الذينَ لهم ثَوابٌ كامِلٌ) [3581] يُنظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) (2/ 322). .
6- عن رفاعةَ بنِ رافِعٍ الزرقيِّ رَضِيَ الله عنه قال: كُنَّا يَومًا نُصَلِّي وراءَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا رَفعَ رَأسَه من الرَّكعةِ قال: سمِعَ اللهُ لَمِن حَمِدَه. قال رَجُلٌ وراءَه: رَبَّنا ولَك الحَمدُ حَمدًا كثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه، فلَمَّا انصَرَفَ قال: من المُتَكَلِّمُ؟ قال: أنا، قال: ((رَأيتُ بضعةً وثَلاثينَ مَلَكًا يَبتَدِرونَها أيُّهم يَكتُبُها أوَّلُ )) [3582] أخرجه البخاري (799). .
قال عياضٌ: (وفيه أنَّ غَيرَ الحَفَظةِ قد تَكتُبُ أعمالَ العِبادِ وطاعاتِهم، وتَرفَعُها، وتَتَنافَسُ في ذلك، وتَرغَبُ فيه) [3583] يُنظر: ((إكمال المعلم)) (2/ 551). .
قال المظهريُّ: ( ((يَبتَدِرونَها)) أي: يَسبِقُ ويُعَجِّلُ بَعضُهم بَعضًا في كَتْبِه تلك الكَلِماتِ، ورَفْعِها إلى حَضرةِ اللهِ تعالى؛ لعِظَمِ قَدْرِها) [3584] يُنظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) (2/ 122). .
7- عن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((قالتِ المَلائِكةُ: رَبِّ، ذاك عَبدُك يُريدُ أن يَعمَلَ سَيِّئةً، وهو أبصَرُ به، فقال: ارقُبوه، فإنْ عَمِلَها فاكتُبوها له بمِثلِها، وإن تَركَها فاكتُبوها له حَسَنةً، إنَّما تَركَها من جِرَّاي )) [3585] أخرجه مسلم (129). .
قال النَّوَويُّ: (قال الإمامُ أبو جَعفَرٍ الطَّحاويُّ رَحِمَه اللهُ: في هذه الأحاديثِ دَليلٌ على أنَّ الحَفَظةَ يَكتُبونَ أعمالَ القُلوبِ وعَقْدَها خِلافًا لِمَن قال: إنَّها لا تُكتَبُ إلَّا الأعمالُ الظَّاهرةُ، واللهُ أعلَمُ) [3586] يُنظر: ((شرح مسلم)) (2/ 152). .
8- عن أنسِ بن مالِكٍ رَضِيَ الله عنه قال: كُنَّا عِندَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فضَحِكَ فقال: ((هَل تَدرونَ مِمَّ أضحَكُ؟)) قال: قُلنا: اللهُ ورُسولُه أعلَمُ. قال: ((من مُخاطَبةِ العَبدِ رَبَّه. يَقولُ: يا رَبِّ ألم تُجِرْني من الظُّلمِ؟ قال: يَقولُ: بَلى. قال: فيَقولُ: فإنِّي لا أُجيزُ على نَفسي إلَّا شاهدًا مِنِّي. قال: فيَقولُ: كفى بنَفسِك اليَومَ عليك شَهيدًا، وبِالكِرامِ الكاتِبينَ شُهودًا. قال: فيَختِمُ على فيه، فيُقالُ لأركانِه: انطِقي. قال: فتَنطِقُ بأعمالِه. قال: ثُمَّ يُخلَّى بينَه وبينَ الكَلامِ. قال: فيَقولُ: بُعدًا لَكُنَّ وسُحقًا، فعنكُنَّ كُنتُ أناضِلُ! )) [3587] أخرجه مسلم (2969). .
قال علي القاري: ( ((وبِالكِرامِ)) أي: وكَفى بالعُدولِ المُكَرَّمينَ ((الكاتِبينَ)) أي: لصُحفِ الأعمالِ ((شُهودًا)) [3588] يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) (8/ 3527). .

انظر أيضا: