الموسوعة العقدية

المَبحَثُ الثَّاني: شُروطُ الشَّفاعةِ

حُصولُ الشَّفاعةِ والِانتِفاعُ بها أمرٌ مُتَوَقِّفٌ على ثُبوتِ شُروطٍ وانتِفاءِ مَوانِعَ.
ولِلشَّفاعةِ شَرطانِ، هما:
1- الإذْنُ مِنَ اللهِ.
الدَّليلُ:
قَولُه تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: 26].
قال البَغَويُّ: (وكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ مِمَّن يَعبُدُهم هؤلاء الكُفَّارُ ويَرْجونَ شفاعتَهم عِندَ الله، لا تُغني شفاعتُهم شَيئًا إلَّا من بَعدِ أن يَأذَنَ اللهُ في الشَّفاعةِ لِمَن يَشاءُ ويَرضى، أي: مِن أهلِ التَّوحيدِ)  [3328]يُنظر: ((تفسير البغوي)) (4/ 310). .
وقال السَّعديُّ: (يَقولُ تعالى مُنكِرًا على من عَبدَ غَيرَه من المَلائِكةِ وغَيرِهم، وزَعَمَ أنَّها تَنفَعُه وتَشفَعُ له عِندَ اللهِ يَومَ القيامةِ: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ من المَلائِكةِ المُقَرَّبينَ، وكِرامِ المَلائِكةِ، لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا أي: لا تُفيدُ من دَعاها وتَعَلَّقَ بها ورَجاها، إلَّا مِنْ بَعدِ أن يَأذَنَ اللهُ لِمَن يَشَاءَ وَيَرْضَى أي: لا بُدَّ من اجتِماعِ الشَّرطينِ: إذْنِه تعالى في الشَّفاعةِ، ورِضاه عن المَشفوعِ له. ومنَ المَعلومِ المُتَقَرِّرِ أنَّه لا يُقبَلُ من العَمَلِ إلَّا ما كان خالِصًا لوَجهِ اللهِ، موافِقًا فيه صاحِبُه الشَّريعةَ، فالمُشرِكونَ إذَنْ لا نَصيبَ لهم من شفاعةِ الشَّافِعينَ، وقد سَدُّوا على أنفُسِهم رَحمةَ أرحَمِ الرَّاحِمينَ) [3329] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 820). .
وقال اللهُ سُبحانَه: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: 255] .
قال سُلَيمانُ بنُ عَبدِ الله آل الشَّيخِ: (قَولُه: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ في هذه الآيةِ رَدٌّ على المُشرِكينَ الذينَ اتَّخَذوا الشُّفعاءَ من دونِ الله من المَلائِكةِ والأنبياءِ والأصنامِ المُصَوَّرةِ على صوَرِ الصَّالِحينَ وغَيرِهم، وظَنُّوا أنَّهم يَشفَعونَ عِندَه بغَيرِ إذْنِه، فأنكَر ذلك عليهم، وبيَّنَ عَظيمَ مَلكوتِه وكِبريائِه وأنَّ أحَدًا لا يَتَمالَكُ أن يَتَكَلَّمَ يَومَ القيامةِ إلَّا إذا أُذِنَ له في الكَلامِ، كقَولِه: لا يَتَكَلَّمونَ إلَّا من أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ، [النَّبأ: 38]، وقَولُه: يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) [3330] يُنظر: ((تيسير العزيز الحميد)) (ص: 232). .
وقال ابنُ عُثَيمين: (قَولُه تعالى: إلَّا بِإِذْنِهِ أي: الكَونيِّ، يَعني: إلَّا إذا أُذِنَ في هذه الشَّفاعةِ -حَتَّى أعظَمُ النَّاسِ جاهًا عِندَ الله لا يَشفَعُ إلَّا بإذْنِ اللهِ؛ فالنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَومَ القيامةِ- وهو أعظَمُ النَّاسِ جاهًا عِندَ اللهِ، ومَعَ ذلك لا يَشفَعُ إلَّا بإذْنِ اللهِ لكَمالِ سُلطانِه جَلَّ وعلا وهيبَتِه، وكُلَّما كمَلَ السَّلطانُ صارَ أهيَبَ للمَلِكِ وأعظَمَ، حَتَّى إنَّ النَّاسَ لا يَتَكَلَّمونَ في مَجلِسِه إلَّا إذا تَكَلَّمَ) [3331] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (3/ 252). .
2- رِضاه عن الشَّافِعِ والمَشفوعِ له
الدَّليلُ:
قَولُ اللهِ عزَّ وجَلَّ: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: 28] .
قال ابنُ جَريرٍ: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: 28] يَقولُ: ولا تَشفَعُ المَلائِكةُ إلَّا لِمِن رَضِيَ اللهُ عنه) [3332] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/ 252). .
وقال اللهُ تعالى: يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفاعةُ إلَّا من أَذِنَ لَهُ الرَّحمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَولًا.
قال البَغَويُّ: (يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفاعةُ، يَعني: لا تَنفَعُ الشَّفاعةُ أحَدًا من النَّاسِ إلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ يَعني: إلَّا من أذِنَ له اللهُ أن يَشفَعَ، ورَضِيَ له قَولًا يَعني: ورَضِيَ قَولَه. قال ابنُ عَبَّاسٍ: يَعني قال: لا إلَهَ إلَّا اللهُ، فهذا يَدُلُّ على أنَّه لا يَشفَعُ لغَيرِ المُؤمِنِ) [3333] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (3/ 275). .
وقال ابنُ الجَوزيِّ: (قَولُه تعالى: يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفاعَةُ يَعني: لا تَنفَعُ أحَدًا إلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ أي: إلَّا شفاعةَ من أَذِنَ له الرَّحْمَنُ، أي: أَذِنَ أن يَشفَعَ له وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا أي: ورَضِيَ للمَشفوعِ فيه قَولًا، وهو الذي كان في الدُّنيا من أهلِ لا إلَهَ إلَّا اللهُ) [3334] يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/ 176). .
قال حافِظٌ الحَكَميُّ: (قد أثبَتَ اللهُ عزَّ وجَلَّ الشَّفاعةَ في كِتابِه في مَواضِعَ كثيرةٍ بقُيودٍ ثَقيلةٍ، وأخبَرَنا تعالى أنَّها مِلْكٌ له ليس لأحَدٍ فيها شَيءٌ، فقال تعالى: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر: 44] فأمَّا مَتى تَكونُ؟ فأخبَرَنا عزَّ وجَلَّ أنَّها لا تَكونُ إلَّا بإذْنِه، كما قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَه إِلَّا بِإِذْنِهِ [البَقرةُ: 255] مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ [يونس: 3] وكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَواتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إلَّا من بَعْدِ أن يَأذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضَى [النَّجمُ: 26] وَلَا تَنْفَعُ الشَّفاعةُ عِندَه إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سَبَأ: 23] وأمَّا مِمَّن تَكونُ؟ فكَما أخبَرَنا تعالى أنَّه لا تَكونُ إلَّا من بَعدِ إذْنِه، أخبَرَنا أيضًا أنَّه لا يَأذَنُ إلَّا لأوليائِه المُرتَضَينَ الأخيارِ، كما قال تعالى: لَا يَتَكَلَّمونَ إلَّا من أَذِنَ لَهُ الرَّحمَنُ وَقَالَ صَوَابًا [النبأ: 38]، وقال: لَا يَملِكُونَ الشَّفَاعَةَ إلَّا من اتَّخَذَ عِندَ الرَّحمَنِ عَهْدًا [مريم: 87] ، وأمَّا لمَن تَكونُ؟ فأخبَرَنا أنَّه لا يَأذَنُ أن يَشفَعَ إلَّا لِمَنِ ارتَضى، كما قال تعالى: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارتَضَى [الأنبياء: 28] ، يَوْمَئِذٍ لَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحمَنُ ورَضِيَ له قَولًا [طه: 109] وهو سُبحانَه لا يَرتَضي إلَّا أهلَ التَّوحيدِ والإخلاصِ، وأمَّا غَيرُهم فقال تعالى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: 18]، وقال تعالى عنهم: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشُّعراء: 100 - 101]، وقال تعالى فيهم: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: 48]... وقال له أبو هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه: من أسعَدُ النَّاسِ بشفاعتِك؟ قال: ((مَن قال: لا إلَه إلَّا اللهُ خالِصًا من قَلبِه )) [3335] أخرجه البخاري (99). [3336] يُنظر: ((أعلام السنة المنشورة)) (ص: 74). .
وقال مُحَمَّد خَليل هرَّاس: (الشَّفاعةُ من الأمورِ التي ثَبَتَت بالكِتابِ والسُّنَّةِ، وأحاديثُها مُتَواتِرةٌ، قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَه إِلَّا بِإِذْنِهِ فنَفيُ الشَّفاعةِ بلا إذْنٍ إثباتٌ للشَّفاعةِ من بَعدِ الإذْنِ. قال تعالى عن المَلائِكةِ: وكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى. فبَيَّنَ اللهُ الشَّفاعةَ الصَّحيحةَ، وهيَ التي تَكونُ بإذْنِه، ولِمَن يَرتَضي قَولَه وعَمَلَه) [3337] يُنظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) (ص: 215). .

انظر أيضا: