الموسوعة العقدية

الْمَبحَثُ الثَّالِثُ: نُزولُ الْمَسيحِ عيسى بنِ مَريَمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ

تَمهيدٌ:
أوَّلًا: تَسميةُ عيسى عليه السَّلامُ بالمَسيحِ وسَبَبُ التَّسميةِ
قال الله تعالى: إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ [آل عمران: 45] .
وقال اللهُ سُبحانَه: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء: 171] .
وعَنِ النَّوَّاسِ بن سَمعانَ رَضِيَ الله عَنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((فبينَما هو كذلك إذ بَعَثَ اللهُ المَسيحَ بنَ مَريَمَ، فيَنزِلُ عِندَ الْمَنارةِ البَيضاءِ شَرقيَّ دِمَشْقَ )) [2736] أخرجه مسلم (2937) مُطَولًا. .
وعَن عَبد اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((أراني اللَّيلةَ عِندَ الكَعبةِ، فرَأيتُ رَجُلًا آدَمَ كأحسَنِ ما أنت راءٍ من أدَمِ الرِّجالِ، لَه لمَّةٌ كأحسَنِ ما أنت راءٍ مِنَ اللمَمِ، قَد رَجَّلَها، تَقْطُرُ ماءً، مُتَّكِئًا على رَجُلَينِ أو على عَواتِقِ رَجُلَينِ، يَطوفُ بالبَيتِ، فسَألتُ: مَن هذا؟ فقيلَ: الْمِسيحُ بنُ مَريمَ)) [2737] أخرجه مُطَولًا البخاري (6999) واللَّفظُ له، ومسلم (169). .
قال السَّمعانيُّ: (اسمُه الْمَسيحُ عِيسَى بنُ مَريَمَ قال ابنُ عَبَّاس: إنَّما سُمِّي مَسيحًا؛ لأنَّه ما مَسَحَ ذا عاهةٍ إلَّا بَرئَ، وقال الحَسَنُ وقَتادةُ: سُمِّي مَسيحًا؛ لأنَّه مسحَ بالبَرَكةِ، وقيلَ: الْمَسيحُ: الصِّدِّيقُ، ويَكونُ الْمَسيحُ بمَعنى: الكَذَّابِ، وهو مِنَ الأضدادِ، وقيلَ: سُمِّي مَسيحًا؛ لأنَّه كان يَمسَحُ وجهَ الأرضِ، ويَسيحُ فيها، وقيلَ: إنَّما سُمِّي مَسيحًا؛ لأنَّه مَمسوحُ القَدَمِ لأخمُصَ قَدَمَيه، ومِنه قَولُ الشَّاعِرِ:
بات يُقاسيها غُلامٌ كالزَّلَمْ ... خَديجُ السَّاقينِ مَمسوحُ القَدَمْ
ومِن ذلك سُمِّيَ الدَّجَّالُ مَسيحًا؛ لأنَّه مُسِحَ أحَدُ شِقَّيْ وَجْهِه، لا عَينَ لَه) [2738] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (1/ 319). .
وقال ابنُ الجَوزيِّ: (في تَسميَتِه بالمَسيحِ سِتَّةُ أقوالٍ: أحَدُها: أنَّه لَم يَكُنْ لقَدَمِه أخمص، والأخمَصُ: ما يَتَجافى عَنِ الأرضِ مِنَ القَدَمِ، أخرجه عَطاءٌ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ. والثَّاني: أنَّه كان لا يَمسَحُ بيدِه ذا عاهةٍ إلَّا بَرَأَ، أخرجه الضَّحَّاكُ عَنِ ابنِ عَباسٍ. والثَّالِثُ: أنَّه مسحَ بالبَرَكةِ، قاله الحَسنُ، وسَعيدٌ. والرَّابِعُ: أنَّ مَعنى الْمَسيحِ الصِّدِّيقُ. قاله مُجاهِدٌ، وإبراهيمُ النَّخعيُّ، وذَكرَه اليَزيديُّ. قال أبو سُلَيمانَ الدِّمَشْقيُّ: ومَعنى هذا أنَّ الله مَسحَه، فطَهَّرَه مِنَ الذُّنوبِ. والخامِسُ: أنَّه كان يَمسَحُ الأرضَ، أي: يَقطَعُها، ذَكرَه ثَعلَبٌ. وبَيانُه: أنَّه كان كثيرَ السِّياحةِ. والسَّادِسُ: أنَّه خَرَجَ من بَطنِ أمِّه مَمسوحًا بالدُّهنِ، قاله أبو سُلَيمانَ الدِّمشقيُّ، وحَكاه ابنُ القاسِمِ) [2739] يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (1/ 282). .
وقال القُرطُبيُّ: (اختُلِفَ في الْمَسيحِ ابنِ مَريَمَ ممَّاذا أُخِذُ؛ فقيلَ: لأنَّه مَسحَ الأرضَ، أي: ذَهَبَ فيها فلَم يَستَكِنَّ بَكنٍّ. ورُوِيَ عَنِ ابنِ عَباسٍ أنَّه كان لا يَمسَحُ ذا عاهةٍ إلَّا بَرِئَ، فكَأنَّه سُمِّيَ مَسيحًا لذلك، فهو على هذا فعيلٌ بمَعنى فاعِلٍ. وقيل: لأنَّه مَمسوحٌ بَدُهنِ البَرَكةِ، كانتِ الأنبياءُ تُمسَحُ به، طَيِّبُ الرَّائِحةِ، فإذا مُسِحَ به عُلِمَ أنَّه نَبيٌّ. وقيلَ: لأنَّه كان مَمسوحُ الأخمَصينِ. وقيلَ: لأنَّ الجَمالَ مَسحَه، أي: أصابَه وظَهَرَ عليه. وقيلَ: إنَّما سُمِّيَ بذلك لأنَّه مُسِحَ بالطُّهرِ مِنَ الذُّنوبِ. وقال أبو الهَيثَمِ: الْمَسيحُ ضِدُّ الْمَسِيخِ، يُقالُ: مَسحَه اللهُ، أي: خَلقَه خَلقًا حَسَنًا مُبارَكًا، ومَسخَه أي: خَلقَه خَلْقًا مَلعونًا قَبيحًا. وقال ابنُ الأعرابي: الْمَسيحُ الصِّدِّيقُ، والمَسيخُ الأعوَرُ، وبِه سُمِّيَ الدَّجَّالُ) [2740] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (4/ 89). .
وقال النَّسفيُّ: (الْمَسيحُ سُمِّيَ مَسيحًا؛ لأنَّ جِبريلَ عليه السَّلامُ مَسحَه بالبَرَكةِ، فهو مَمسوحٌ، أو لأنَّه كان يَمسَحُ الْمَريضَ والأكَمَهَ والأبرَصَ فيَبرَأُ؛ فسُمِّيَ مَسيحًا بمَعنى الْماسِحِ) [2741] يُنظر: ((تفسير النسفي)) (1/ 413). .
وقال الْمُناويُّ: (هو لَقَبُ عيسى عليه السَّلامُ، أصلُه مَسيحا بالعبرانيَّةِ، وهو الْمُبارَكُ. وما قيلَ: إنَّه فعيلٌ بمَعنى مَفعولٍ لُقِّبَ به لأنَّه مُسِحَ بالبَرَكةِ والطَّهارةِ مِنَ الذُّنوبِ، أو لأنَّه خَرجَ من بَطنِ أمِّه مَمسوحًا بالدُّهنِ، أو لأنَّ جِبريل مَسحَه بجَناحِه، أو بمَعنى فاعِلٍ؛ لأنَّه كان يَمسَحُ الأرضَ بالسَّيرِ، أو كان لا يَمسَحُ ذا عاهةٍ إلَّا برِئَ، فلا يَثبُتُ. كذا ذَكرَه القاضي وذَكرَ صاحِبُ القاموسِ أنَّه جَمعَ في سَبَبِ تَسميَتِه بذلك خَمسينِ قَولًا أورَدها في شَرحِ الْمَشارِقِ) [2742] يُنظر: ((فيض القدير)) (4/ 275). .
ثانيًا: الْمُعتَقَدُ الصَّحيحُ في شَأنِ عيسى الْمَسيحِ
إنَّ عيسى بنَ مَريَمَ رَسولُ اللهِ وكَلِمَتُه ألقاها إلى مَريَمَ وُروحٌ مِنه، وهو عَبدٌ مِن عِبَادِ اللهِ سُبحانَه، ولَيسَ ابنًا للهِ، تعالى اللهُ عَمَّا يَقولُ الظَّالِمونَ عُلُوًّا كبيرًا.
قال اللهُ تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [النساء: 171] .
قال ابنُ كثيرٍ: (يَنهى تعالى أهلَ الكِتابِ عَنِ الغُلوِ والإطراءِ، وهذا كثيرٌ في النَّصارى، فإنَّهم تَجاوَزوا حَدَّ التَّصديقِ بعيسى، حَتَّى رَفعوه فوقَ الْمَنزِلةِ الَّتي أعطاه الله إيَّاها، فنَقلوه من حَيِّزِ النُّبوَّةِ إلى أنِ اتَّخَذوه إلهًا من دونِ الله يَعبُدونَه كما يَعبُدونَه، بَل قَد غَلَوا في أتباعِه وأشياعِه، مِمَّن زَعمَ أنَّه على دينِه؛ فادَّعوا فيهم العِصمةَ واتَّبَعوهم في كُلِّ ما قالوه، سَواءٌ كان حَقًّا أو باطِلًا أو ضَلالًا أو رَشادًا، أو صَحيحًا أو كَذِبًا؛ ولِهذا قال تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: 31] .
عَن عُمَرَ أنَّ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا تُطْرُوني كما أطْرَتِ النَّصارى عيسى بنَ مَريَم؛ فإنَّما أنا عَبدُ الله ورَسولُه )) [2743] أخرجه البخاري (3445) باختلافٍ يسيرٍ. .... عَن أنسِ بن مالِكٍ أنَّ رَجُلًا قال: مُحَمَّدٌ يا سَيِّدَنا وابنَ سَيِّدِنا، وخَيرَنا وابنَ خَيرِنا. فقال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يا أيُّها النَّاسُ، عليكم بقَولِكم، ولا يَستَهوينَّكم الشَّيطانُ، أنا مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ الله، عَبدُ الله ورَسولُه، واللهِ ما أُحِبُّ أن تَرفَعوني فوقَ مَنزِلَتي الَّتي أنزَلني اللهُ عَزَّ وجَلَّ )) [2744] أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (10077)، وأحمد (13529) باختلافٍ يسيرٍ. صحَّحه الألباني في ((غاية المرام)) (127)، والوادعي على شرط مسلم في ((الصَّحيح المسند مما ليس في الصحيحين)) (132)، وشعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (12551)، وصحَّح إسنادَه محمد بن عبد الهادي في ((الصارم المنكي)) (459) وقال: على شرط مسلم، وأحمد شاكر في ((عمدة التفسير)) (1/611). ... وقَولُه: وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلَّا الحَقُّ أي: لا تَفتَروا عليه وتَجعَلوا لَه صاحِبةً ووَلَدًا، تعالى الله عَن ذلك عُلوًّا كبيرًا، وتَنزَّه وتَقَدَّسَ وتوَحَّدَ في سُؤدُدِه وكِبريائِه وعَظمَتِه، فلا إلَه إلَّا هو، ولا رَبَّ سِواه؛ ولِهذا قال: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسىَ بْنُ مَريَمَ رَسولُ اللهِ وكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ أي: إنَّما هو عَبدٌ من عِبادِ الله وخَلقٌ من خَلقِه، قال لَه: كُنْ فكان، ورَسولٌ من رُسُلِه، وكَلِمَتُه ألقاها إلى مَريَمَ، أي: خَلَقَه بالكَلِمةِ الَّتي أرسَلَ بها جِبريلَ، عليه السَّلامُ، إلى مَريَم، فنَفخَ فيها من رُوحِه بإذْنِ رَبِّه عَزَّ وجَلَّ، فكان عيسى بإذنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وصارَت تِلكَ النَّفخةُ الَّتي نَفَخَها في جَيبِ دِرْعِها، فنَزَلَت حَتَّى ولَجَت فَرْجَها بمَنزِلةِ لِقاحِ الأبِ الأمَّ، والجَميعُ مَخلوقٌ للَّه عَزَّ وجَلَّ؛ ولِهذا قيلَ لعيسى: إنَّه كلِمةُ الله وروحٌ مِنه؛ لأنَّه لَم يَكُن لَه أبٌ توَلَّدَ مِنه، وإنَّما هو ناشِئٌ عَنِ الكَلِمةِ الَّتي قال لَه بها: كُنْ، فكان، والرُّوحِ الَّتي أرسِلُ بها جِبريلُ؛ قال الله تعالى: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ [المائدة: 75] ، وقال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: 59] ، وقال تعالى: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 91] ، وقال تعالى: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [التحريم: 12]، وقال تعالى إخبارًا عَنِ الْمَسيحِ: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الزخرف: 59].
وقال عَبدُ الرَّزاقِ، عَن مَعمَرٍ، عَن قَتادةَ: وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ هو كقَولِه: كُنْ [آل عمران: 59] فكان، وقال ابنُ أبي حاتِمٍ: حَدَّثنا أحمَدُ بن سنانَ الواسِطيُّ قال: سَمِعتُ شاذ بن يَحيى يَقولُ في قَولِ اللهِ: وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وُرُوحٌ مِنْهُ قال: لَيسَ الكَلِمةُ صارَت عيسى، ولَكِن بالكَلِمةِ صارَ عيسى) [2745] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/ 477). .
وقال السَّعديُّ: (يَنهى تعالى أهلَ الكِتابِ عَنِ الغُلُوِّ في الدِّينِ، وهو مُجاوَزةُ الحَدِّ والقَدْرِ الْمَشروعِ إلى ما لَيسَ بمَشروعٍ، وذلك كقَولِ النَّصارى في غُلُوِّهم بعيسى عليه السَّلامُ، ورَفعِه عَن مَقامِ النُّبوَّةِ والرِّسالةِ إلى مَقامِ الرُّبوبيَّةِ الذي لا يَليقُ بغَيرِ الله، فكَما أنَّ التَّقصيرَ والتَّفريطَ مِنَ الْمَنهِيَّاتِ، فالغُلُوُّ كذلك؛ ولِهذا قال: وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، وهذا الكَلامُ يَتَضَمَّنُ ثَلاثةَ أشياءَ:
أمرينِ مَنهيٌّ عَنهما، وهما قَولُ الكَذبِ على الله، والقَولُ بلا عِلمٍ في أسمائِه وصِفاتِه وأفعالِه وشَرعِه ورُسُلِه، والثَّالِثُ: مَأمورٌ به، وهو قَولُ الحَقِّ في هَذِه الأمورِ. ولَمَّا كانت هَذِه قاعِدةً عامَّةً كُلِّيَّةً، وكان السِّياقُ في شَأنِ عيسى عليه السَّلامُ، نَصَّ على قَولِ الحَقِّ فيه، الْمُخالِفِ لطَريقةِ اليَهوديَّةِ والنَّصرانيَّةِ، فقال: إنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ أي: غايةُ الْمَسيحِ عليه السَّلامُ ومُنتَهى ما يَصِلُ إليه من مَراتِبِ الكَمالِ أعلى حالةٍ تَكونُ للمَخلوقين، وهيَ دَرَجةُ الرِّسالةِ الَّتي هيَ أعلى الدَّرَجاتِ وأجلُّ الْمَثوباتِ. وأنَّه كَلِمَتُهُ الَّتي أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ أي: كلِمةٌ تَكَلَّمَ اللهُ بها، فكان بها عيسى، ولَم يَكُن تِلكَ الكَلِمةَ، وإنَّما كان بها، وهذا من بابِ إضافةِ التَّشريفِ والتَّكريمِ. وكَذلك قَولُه: وَرُوحٌ مِنْهُ أي: مِنَ الأرواحِ الَّتي خَلَقَها وكَمَّلَها بالصِّفاتِ الفاضِلةِ والأخلاقِ الكامِلةِ، أرسَلَ اللهُ رُوحَه جِبريلَ عليه السَّلامُ فنَفخَ في فَرْجِ مَريَمَ عليها السَّلامُ، فحَمَلَت بإذْنِ الله بِعيسى عليه السَّلامُ. فلَمَّا بيَّنَ حَقيقةَ عيسى عليه السَّلامُ، أمرَ أهلَ الكِتابِ بالإيمانِ به وبِرُسُلِه، ونَهاهم أن يَجعَلوا اللهَ ثالِثَ ثَلاثةٍ أحَدُهم عيسى، والثَّاني مَريَمُ، فهَذِه مَقالةُ النَّصارى قَبَّحَهم اللهُ. فأمرَهم أن يَنتَهوا، وأخبَرَ أنَّ ذلك خَيرٌ لَهم؛ لأنَّه الذي يَتَعَيَّنُ أنَّه سَبيلُ النَّجاةِ، وما سِواه فهو طَريقُ الهَلاكِ، ثُمَّ نَزَّه نَفسَه عَنِ الشَّريكِ والوَلَدِ، فقال: إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ أي: هو الْمُنفَرِدُ بالألوهيَّةِ، الذي لا تَنبَغي العِبادةُ إلَّا لَه. سُبْحَانَهُ أي: تَنزَّه وتَقَدَّسَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ؛ لأنَّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، فالكُلُّ مَملوكونَ لَه مُفتَقِرونَ إليه، فمُحالٌ أن يَكونَ لَه شَريكٌ مِنهم أو وَلَدٌ) [2746] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 216). .
وعيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لَم يُقتَلْ ولَم يُصلَبْ، بَل رَفَعَه اللهُ إليه.
قال اللهُ سُبحانَه: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: 157، 158]
قال البَغَويُّ: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ، وذلك أنَّ الله تعالى ألقى شَبَهَ عيسى عليه السَّلامُ على الذي دَلَّ اليَهودَ عليه، وقيلَ: إنَّهم حَبَسوا عيسى عليه السَّلامُ في بَيتٍ وجَعَلوا عليه رَقيبًا، فألقى الله تعالى شَبَهَ عيسى عليه السَّلامُ على الرَّقيبِ فقتَلوه، وقيلَ غَيرُ ذلك، كما ذَكَرنا في سورةِ آلِ عُمرانِ. قَولُه تَبارَكَ وتعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، في قَتلِه، لَفِي شَكٍّ مِنْهُ، أي: في قَتلِه، قال الكَلبيُّ: اختِلافُهم فيه هو أنَّ اليَهودَ قالت: نَحنُ قَتَلْناه، وقالت طائِفةٌ مِنَ النَّصارى: نَحنُ قَتَلْناه، وقالت طائِفةٌ مِنهم: ما قَتلَه هَؤُلاءِ ولا هَؤُلاءِ، بَل رَفعَه اللهُ إلى السَّمَاءِ، ونَحنُ نَنظُرُ إليه، وقيلَ: كان اللهُ تعالى ألقى شَبَهَ عيسى عليه السَّلامُ على وَجهِ سيطانوسَ ولَم يُلقِه على جَسَدِه، فاختَلَفوا فيه، فقال بَعضُهم: قَتَلْنا عيسى، فإنَّ الوَجهَ وَجهُ عيسى عليه السَّلامُ، وقال بَعضُهم: لَم نَقتُلْه؛ لأنَّ جَسَدَه لَيسَ جَسَدَ عيسى عليه السَّلامُ، فاختَلَفوا. قال السُّدِّيُّ: اختِلافُهم من حَيثُ إنَّهم قالوا: إن كان هذا عيسى فأينَ صاحِبُنا؟ وإن كان هذا صاحِبَنا فأينَ عيسى؟ قال اللهُ تعالى: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ من حَقيقةِ أنَّه قُتِلَ أو لَم يُقتَلْ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ، لَكِنَّهم يَتَّبِعونَ الظَّنَّ في قَتلِه. قال الله جَلَّ جَلالُه: وَمَا قَتَلُوه يَقِينًا، أي: ما قَتَلوا عيسى يَقينًا) [2747] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (1/ 718). .
وقال القُرطُبيُّ: (وَمَا قَتَلُوه وَمَا صَلَبُوهُ رَدٌّ لقَولِهم. ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ أي: أُلقِيَ شَبَهُه على غَيرِه، كما تَقَدَّم في "آلِ عِمرانَ". وقيلَ: لَم يَكونوا يَعرِفونَ شَخصَه وقَتَلوا الذي قَتَلوه وهم شاكُّونَ فيه، كما قال تعالى: وإنَّ الذينَ اختَلَفوا فيه لَفِي شَكٍّ مِنه. والإخبارُ قيل: إنَّه عَن جَميعِهم. وقيلَ: إنَّه لَم يَختَلِفْ فيه إلَّا عَوامُّهم، ومَعنى اختِلافِهم قَولُ بَعضِهم إنَّه إلَهٌ، وبَعضُهم هو ابنُ اللهِ. قاله الحَسنُ. وقيلَ: اختِلافُهم أنَّ عَوامَّهم قالوا: قَتَلْنا عيسى. وقال من عايَنَ رَفْعَه إلى السَّماءِ: ما قَتَلْناه. وقيلَ: اختِلافُهم أنَّ النسطوريَّةَ مِنَ النَّصارى قالوا: صُلِبَ عيسى من جِهةِ ناسُوتِه لا من جِهةِ لاهُوتِه. وقالتِ الْملكانيَّةُ: وقَعَ الصَّلبُ والقَتْلُ على الْمَسيحِ بكَمالِه ناسُوتِه ولاهُوتِه. وقيلَ: اختِلافُهم هو أنَّهم قالوا: إن كان هذا صاحِبَنا فأينَ عيسى؟! وإن كان هذا عيسى فأينَ صاحِبُنا؟! وقيلَ: اختِلافُهم هو أنَّ اليَهودَ قالوا: نَحنُ قَتَلْناه؛ لأنَّ يَهوذا رَأسَ اليَهودِ هو الذي سَعى في قَتلِه. وقالت طائِفةٌ مِنَ النَّصارى: بَل قَتَلْناه نَحنُ. وقالت طائِفةٌ مِنهم: بَل رَفعَه الله إلى السَّماءِ ونَحنُ نَنظُرُ إليه) [2748] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (6/ 9). .
وقَد رَآه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَّا عُرِجَ إلى السَّماءِ في السَّماءِ الثَّانيةِ.
عَن مالِكِ بنِ صَعصَعةَ الأنصاريِّ رَضِيَ الله عَنه أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حَدَّثَهُمْ عن لَيْلَةِ أُسْرِيَ به، قال: ((ثُمَّ صَعِدَ حتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَاسْتَفْتَحَ، قيلَ: مَن هذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ قيلَ: ومَن معكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ قيلَ: وقدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا يَحْيَى وعِيسَى وهُما ابْنَا خَالَةٍ، قالَ: هذا يَحْيَى وعِيسَى فَسَلِّمْ عليهمَا، فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا، ثُمَّ قالَا: مَرْحَبًا بالأخِ الصَّالِحِ والنبيِّ الصَّالِحِ )) [2749] أخرجه البخاري (3430) واللَّفظُ له، ومسلم (164) مُطَولًا بنحوه .
قال العَينيُّ: (قَولُه: ((فلَمَّا خَلَصْتُ)) أي: للصُّعودِ إلى السَّماءِ الثَّانيةِ ووَصَلْتُ إليها. قَولُه: ((وهما)) أي: يَحيى وعيسى، ولَعَلَّ القَرابةَ الَّتي كانت بينَهما كانت سَبَبًا لكَونِهما في سَماءٍ واحِدٍ مُجتَمِعَينِ) [2750] يُنظر: ((عمدة القاري)) (16/ 22). .
وقال علي القاري: ( ((قال)) أي: جِبريلُ ((هذا يَحيى)) قَدَّمُه لسَبْقِه في الوُجودِ ((وهذا عيسى)): خَتَمَ به؛ لأنَّه أتَمُّ في الشُّهودِ وخاتِمةُ أربابِ الفَضلِ والجُودِ. ((السَّلام عليهما)). أي: جُملةً أو على حِدَةٍ ((فسَلَّمتُ فرَدَّا))، أيِ: السَّلامَ عليَّ بأحسَنِ رَدٍّ ((ثُمَّ قالا: مَرْحَبًا بالأخِ الصَّالِحِ)): لقَولِه تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةً [الحجرات: 10] ولِما سَبَقَ في الحَديثِ من أنَّ الأنبياءَ إخوةٌ مِن عَلَّاتٍ وأمَّهاتُهم شَتَّى ودِينُهم واحِدٌ) [2751] يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) (9/ 3760). .
ثالِثًا: أوصافُه الخَلْقِيَّةُ
جاءَ في السُّنةِ النَّبَويَّةِ وصفُ قامَتِه وشَعْرِه ولَونُ بَشَرَتِه.
عَن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ الله عَنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رَأَيْتُ مُوسَى... وَرَأَيْتُ عِيسَى، فَإِذَا هو رَجُلٌ رَبْعَةٌ أَحْمَرُ، كَأنَّما خَرَجَ من دِيمَاسٍ )) [2752] أخرجه البخاري (3394)، ومسلم (168) مُطَولًا باختلافٍ يسيرٍ. .
قال النَّوَويُّ: (وأمَّا الدِّيماسُ... قيلَ: هو السَّرَبُ، وقيلَ: الكنُّ، وقيلَ: الحَمَّامُ... وأمَّا وصفُ عيسى صَلَواتُ اللهِ عليه وسَلامُه في هَذِه الرِّوايةِ، وهيَ رِوايةُ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ الله عَنه بأنَّه أحمَرُ، ووَصفُه في رِوايةِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنهما بَعدَها بأنَّه آدَمُ، والآدَمُ الأسمَرُ، وقَد رَوى البُخاريُّ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنهما أنَّه أنكَرَ رِوايةَ أحمَرَ، وحَلفَ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَم يَقُلْه، يَعني: وأنَّه اشتَبَهَ على الرَّاوي، فيَجوزُ أن يُتَأوَّلَ الأحمَرُ على الآدَمِ، ولا يَكونُ الْمُرادُ حَقيقةَ الأدمةِ والحُمرةِ، بَل ما قارَبَها، واللهُ أعلَمُ) [2753] يُنظر: ((شرح مسلم)) (2/ 232). .
وقال الطِّيبيُّ: ( ((رَبْعةٌ)) بالتَّسكينِ، أي لا طَويلٌ ولا قَصيرٌ، والتَّأنيثُ على تَأويلِ النَّفسِ) [2754] يُنظر: ((شرح المشكاة)) (11/ 3617). .
وقال ابنُ الْمُلَقنِ: (قَولُه في عيسى: ((كأنَّما خَرَجَ من ديماسٍ)) قيلَ: هو السَّرَبُ، وقيلَ: الحَمَّامُ، وأرادَ إشراقَ لَونِه ونَضارَتَه. وقيلَ: لَم يَكُنْ لَهم يَومَئِذٍ ديماسٌ، وإنَّما هو من عَلاماتِ نُبوَّتِه) [2755] يُنظر: ((التوضيح لشرح الجامع الصَّحيح)) (19/458). .
وقال القَسطلاني: ( ((ورَأيتُ عيسى)) بنَ مَريَم عليه السَّلامُ ((فإذا هو رَجُلٌ رَبْعةٌ)) بفَتحِ الرَّاءِ وسُكونِ الْموَحَّدةِ وقَد تُفتَحُ، أي: الْمَربوعُ، ومُرادُه أنَّه لَيسَ بطَويلٍ جِدًّا ولا قَصيرٍ جِدًّا، بَل وسَطٌ ((أحمَرُ كأنَّما)) وفي نُسخةٍ بالفرعِ كأصلِه: «كأنَّه» ((خَرَجَ من ديماسٍ)) بكَسرِ الدَّالِ الْمُهمَلةِ وسُكونِ التَّحتيةِ وبَعدَ الْميمِ ألفٌ فسينٌ مُهمَلةٌ، وزادَ في بابِ «واذكُرْ في الكِتابِ مَريَم» من رِوايةِ عَبدِ الرَّزاقِ عَن مَعمَرٍ: يَعني الحَمَّامَ. وقال في القاموسِ: الدِّيماسُ: الكنُّ والسَّرَبُ والحَمَّامُ، وزادَ غَيرُه الحَمَّامُ بلُغةِ الحَبَشةِ. وقيلَ: ولَم يَكُن لَهم يَومَئِذٍ ديماسٌ، والحَمَّامُ من جُملةِ الكنِّ، والمُرادِ وصفُه بصَفاءِ اللَّونِ ونَضارةِ الجِسمِ، وكَثرةِ ماءِ الوَجهِ) [2756] يُنظر: ((إرشاد الساري)) (5/ 377). .
وعَن عَبد اللهِ بن عُمَرَ رَضِيَ الله عَنهما أنَّ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((رَأَيْتُ عِنْدَ الكَعْبَةِ رَجُلًا آدَمَ، سَبْطَ الرَّأْسِ، واضِعًا يَدَيْهِ علَى رَجُلَيْنِ يَسْكُبُ رَأْسُهُ، أوْ يَقْطُرُ رَأْسُهُ، فَسَأَلْتُ مَن هذا؟ فقالوا: عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ، أوِ المَسِيحُ ابنُ مَرْيَمَ))، لا نَدْرِي أيَّ ذلكَ قالَ [2757] أخرجه البخاري (3441)، ومسلم (169) واللَّفظُ له .
جاءَ في تَتمةِ (الْمَفاتيحِ في شَرحِ الْمَصابيحِ): ( ((سَبطَ الرَّأسِ)) أي: مُستَرسِلَ شَعر رَأسِه) [2758] يُنظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) (6/ 68). .
وقال الصَّنعانيُّ: ( ((سَبط الرَّأسِ)) أي: مُستَرسِل شَعر الرَّأسِ، والسُّبوطةُ ضِدُّ الجُعودةِ) [2759] يُنظر: ((التنوير شرح الجامع الصغير)) (6/ 211). .
وفي روايةٍ عن عبدِ الله بن عمرَ رضيَ اللهُ عنهما مرفوعًا: ((أُرانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ، كَأَحْسَنِ ما أنْت راءٍ من أُدْمِ الرِّجالِ، له لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ ما أنْت راءٍ مِنَ اللِّمَمِ، قدْ رَجَّلَها، تَقْطُرُ ماءً، مُتَّكِئًا علَى رَجُلَيْنِ أوْ علَى عَواتِقِ رَجُلَيْنِ، يَطُوفُ بالبَيْتِ، فَسَأَلْتُ: مَن هذا؟ فقِيلَ: المَسِيحُ ابنُ مَرْيَمَ)) [2760] أخرجه مُطَولًا البخاري (6999) واللَّفظُ له، ومسلم (169). .
قال عياضٌ: (اللِّمَّةُ: الشَّعرُ، بكَسرِ اللَّامِ، وهي التي تلمُّ بالمَنكِبَينِ. وقَولُه: ((رَجَّلَها)) يُريدُ -واللهُ أعلَمُ- بالماءِ وبِالمُشطِ... قَولُه: ((تَقْطُرُ ماءً)) يُحتَمَلُ أن يَكونَ على ظاهِرِه، أي: يَقطُرَ بالماءِ الذي رَجَّلَها به لقُربِ تَرجيلِه إيَّاه، وإلى هذا نَحا القاضى الباجي، وقال: لَعَلَّه نَبَّه بذلك على أنَّ ذلك مَشروعٌ لطَوافِ الوُرودِ. ومَعناه عِندي: أن يَكونَ ذلك عِبارةً عَن نَضارَتِه وحُسنِه وتَرجيلِه، واستِعارةً لجَمالِه) [2761] يُنظر: ((إكمال المعلم)) (1/ 521). .
وقال أبو العَبَّاس القُرطُبيُّ: (قَولُه في وَصفِ عيسى: آدَمُ مِنَ الأدْمَةِ، وهو لَونٌ فوقَ السُّمرةِ ودونَ السحمةِ بالسِّينِ الْمُهمَلةِ، وكَأنَّ الأُدمةَ يَسيرُ سَوادٍ يَضرِبُ إلى الحُمرةِ، وهو غالِبُ ألوانِ العَرَبِ. ولِهذا جاءَ في أخرى في وصفِ عيسى: إنَّه أحمَرُ مَكانَ آدَمَ، وعلى هذا يَجتَمِعُ ما في الرِّوايَتين. وقَد رَوى البُخاريُّ من رِوايةِ أبي هُرَيرةَ في صِفةِ عيسى: أنَّه أحمَرُ، كأنَّما خَرَجَ من ديماسٍ، وقَد أنكَرَ ابنُ عُمرَ هذا، وحَلفَ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَم يَقُلْه. واللِّمَّةُ -بكَسرِ اللَّامِ: الشَّعرُ الواصِلُ إلى الْمَنكِبِ، كأنَّه ألَمَّ به، أي: نَزَلَ. والجِمَّةُ: الشَّعرُ الواصِلُ إلى شَحمةِ الأذُنِ، وهو أيضًا الوَفرةُ. والرَّجُلُ: فوقَ السَّبطِ ودونَ الجَعدِ، وهو الذي فيه يَسيرُ تَكَسُّرٍ. والجَعدُ الكَثيرُ التَّكَسُّرِ والتَّقَبُّضِ... وقَولُه: ((يَقْطُرُ رَأسُه ماءً)) يَعني: أنَّه قَريبُ عَهدٍ بغُسلٍ، وكَأنَّه اغتَسَلَ للطَّوافِ. وفي الرِّوايةِ الأخرى: يَنطَفُ، ومَعناه. يَقْطُرُ. وفي رِوايةٍ: قَد رَجَّلَها، أي: مَشَطَها، وشَعرٌ مُرَجَّلٌ، أي: مَمشوطٌ مُسَرَّحٌ. والشَّعرُ الرَّجِلُ مِنه) [2762] يُنظر: ((المفهم)) (1/ 400). .
وفي روايةٍ عن عبدِ الله بن عمرَ رضيَ اللهُ عنهما مرفوعًا: ((وأُرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ في المَنَامِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ، كَأَحْسَنِ ما يُرَى من أُدْمِ الرِّجَالِ، تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بيْنَ مَنْكِبَيْهِ، رَجِلُ الشَّعَرِ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، واضِعًا يَدَيْهِ علَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ وهو يَطُوفُ بالبَيْتِ، فَقُلتُ: مَن هذا؟ فَقالوا: هذا المَسِيحُ ابنُ مَرْيَمَ )) [2763] أخرجها البخاري (3440) واللَّفظُ له، ومسلم (169). .
قال ابنُ حَجَرٍ: (قَولُه: تَضرِبُ لِمَّتُهُ، بكَسرِ اللَّامِ، أي: شَعرُ رَأسِه، ويُقالُ لَه إذا جاوَزَ شَحمةَ الأُذُنَينِ وألمَّ بالمَنكِبَينِ: لِمَّةٌ، وإذا جاوَزَتِ الْمَنكِبَينِ فهيَ جِمَّةً، وإذا قَصُرَت عَنهما فهيَ وَفرةٌ. قَولُه: رَجِلُ الشَّعرِ، بكَسرِ الجيمِ، أي: قَد سَرَّحَه ودَهَنَه، وفي رِوايةِ مالِكٍ: لَه لِمَّةٌ قَد رَجَّلَها فهيَ تَقْطُرُ ماءً، وقَد تَقَدَّمَ أنَّه يُحتَمَلُ أن يُريدُ أنَّها تَقطُرُ مِنَ الْماءِ الذي سَرَّحَها به، أو أنَّ الْمُرادَ الِاستِنارةُ، وكُنِّي بذلك عَن مَزيدِ النَّظافةِ والنَّضارةِ، ووَقَعَ في رِوايةِ سالِمٍ الآتيةِ في نَعْتِ عَيسى أنَّه آدَمُ سَبطُ الشَّعرِ، وفي الحَديثِ الذي قَبلَه في نَعْتِ عيسى: أنَّه جَعْدُ والجَعْدُ ضِدُّ السَّبطِ، فيُمكِنُ أن يُجمَعَ بينَهما بأنَّه سَبْطُ الشَّعرِ ووَصفُه لجُعودةٍ في جِسمِه لا شَعرِه، والمُرادُ بذلك اجتِماعُه واكتِنازُه، وهذا الِاختِلافُ نَظيرُ الِاختِلافِ في كونِه آدَمَ أو أحمَرَ، والأحمَرُ عِندَ العَرَبِ الشَّديدُ البَياضِ مَعَ الحُمرةِ، والآدَمُ الأسمَرُ، ويُمكِنُ الجَمعُ بينَ الوَصفينِ بأنَّه احمَرَّ لَونُه بسَبَبٍ كالتَّعَبِ، وهو في الأصلِ أسمَرُ، وقَد وافَقَ أبو هُرَيرةَ على أنَّ عيسى أحمَرُ، فظَهَرَ أنَّ ابنَ عُمَرَ أنكَرَ شَيئًا حَفِظَه غَيرُه، وأمَّا قَولُ الدَّاوُديِّ: إنَّ رِوايةَ مَن قالَ آدَمُ أثبَتُ، فلا أدري مِن أينَ وقَعَ لَه ذلك مَعَ اتِّفاقِ أبي هُرَيرةَ وابنِ عَبَّاسٍ على مُخالَفةِ ابنِ عُمَرَ، وقَد وقَعَ في رِوايةِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ آدَمَ عَن أبي هُرَيرةَ في نَعْتِ عيسى: إنَّه مَربوعٌ إلى الحُمرةِ والبَياضِ. واللهُ أعلَمُ) [2764] يُنظر: ((فتح الباري)) (6/ 486). .
وعَن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ الله عَنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال ((لَيسَ بَيني وبينَه نَبيٌّ، يَعني عيسى عليه السَّلامُ، وإنَّه نازِلٌ، فإذا رَأيتُموه فاعرِفوه، رَجُلٌ مَربوعٌ إلى الحُمرةِ والبَياضِ، بينَ مُمَصَّرَتينِ، كأنَّ رَأسَه يَقطُرُ وإن لَم يُصِبْه بَلَلٌ )) [2765] أخرجه مُطَولًا أبو داود (4324) واللَّفظُ له، وأحمد (9270). صحَّحه ابن حبان في ((صحيحه)) (6821)، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (4324)، وشعيب الأرناؤوط في تخريج ((سنن أبي داود)) (4324)، وصحَّح إسنادَه الحاكم في ((المستدرك)) (4163)، وأحمد شاكر في ((عمدة التفسير)) (1/601)، وجوَّد إسناده وقوَّاه ابن كثير في ((نهاية البداية والنهاية)) (1/171)، وقال الطبري في ((التفسير)) (3/373): متواتر. .
قال ابنُ رسلان: ( ((إلى الحُمرةِ)) أي: لَونُه بينَ الحُمرةِ ((والبَياضِ بينَ مُمصَّرَتين)) بضَمِّ الْميمِ الأولى وفَتحِ الثَّانيةِ والصَّادِ الْمُهمَلةِ الْمُشَدَّدةِ، والمُمصَّرِ مِنَ الثِّيابِ هيَ الَّتي فيها صُفرةٌ خَفيفةٌ، وصِباغُها لَيسَ بمُشبعٍ ((كأنَّ رَأسَه يَقطُرُ)) مِنه الْماءُ ((وإن لَم يُصِبْه بلَلٌ)) ولِمُسْلِمٍ: ((فيَنزِلُ عِندَ الْمَنارةِ البَيضاءِ شَرقِيَّ دِمَشْقَ، بينَ مَهرودَتينِ واضِعًا كفَّيه على أجنِحةِ مَلَكينِ إذا طَأطَأ رَأسَه قَطَرَ، وإذا رَفَعَ رَأسَه تَحدَّرَ مِنه جُمانٌ كاللُّؤُلؤِ )) [2766] أخرجه مسلم (2937) مُطَولًا. . انتهى. ومَهرودَتين بمَعنى مُمصَّرَتين) [2767] يُنظر: ((شرح سنن أبي داود)) (17/ 160). .
وجاءَ في تَتمةِ (الْمَفاتيحِ في شَرحِ الْمَصابيحِ): ( ((الْمَربوعُ)): لا طَويلٌ ولا قَصيرٌ، والرَّبعةُ مِثلُه. ((إلى الحُمرةِ والبَياضِ)) يَعني: كان يَضرِبُ لَونُه إلى الحُمرةِ والبياضِ، يَعني: ما كان أحمَرَ قانيًا ولا أبيَضَ نَقيًّا، بَل كان لَونُه بينَ اللَّونينِ) [2768] يُنظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) (6/ 68). .
وقال الصَّنعانيُّ: ( ((ورَأيتُ عيسى رَجُلًا مَربوعَ الخَلقِ)) أي بينَ الطَّويلِ والقَصيرِ، وقَولُه: ((إلى الحُمرةِ)) حالٌ، أي: مائِلًا لَونُه إليها والبياضِ، فلَم يَكُن شَديدَ الحُمرةِ ولا البَياضِ) [2769] يُنظر: ((التنوير شرح الجامع الصغير)) (6/ 211). .

  • المَطلَبُ الأوَّلُ: ثُبوتُ نُزولِه.
  • الْمَطْلَبُ الثَّاني: مَوضِعُ نُزولِه.
  • المَطلَبُ الثَّالِثُ: صِفةُ نُزولِه.
  • الْمَطْلَبُ الرَّابِعُ: أوَّلُ أعمالِه بَعدَ نُزولِه .
  • الْمَطْلَبُ الخامِسُ: طَبيعةُ الحَياةِ في عَهدِ عيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.
  • الْمَطْلَبُ السَّادِسُ: مُدَّةُ بَقائِه في الأرضِ.
  • الْمَطْلَبُ السَّابِعُ: أقوالُ أهلِ العِلمِ في نُزولِ عيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.
  • الْمَطْلَبُ الثَّامِنُ: حَولَ الحِكْمةِ من نُزولِه.
  • انظر أيضا: