الموسوعة العقدية

الْمَبحَثُ الثَّاني: خُروجُ الْمَسيحِ الدَّجَّالِ

تَمهيدٌ
 لَم يَرِدْ ذِكرُ الْمَسيحِ الدَّجَّالِ في القُرآنِ الكَريمِ صَراحةً.
قال ابنُ كثيرٍ: (قَد سَأل سائِلٌ سُؤالًا، فقال: ما الحِكْمةُ في أنَّ الدَّجَّالَ مَعَ كثرةِ شَرِّه وفُجورِه، وانتِشارِ أمرِه، ودَعواه الرُّبوبيَّةَ، وهو في ذاكِ ظاهِرُ الكَذبِ والِافتِراءِ، وقَد حَذَّرَ مِنه جَميعُ الأنبياءِ، كيفَ لَمْ يُذكَرْ في القُرآنِ، ويُحذَّرْ مِنه، ويُصرَّحْ باسمِه، ويُنَوَّهْ بكَذبِه وعِنادِه؟ والجَوابُ من وُجوهٍ: أحَدُها: أنَّه قَد أُشيرَ إلى ذِكرِه في قَولِه تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: 158] الآية.
فال أبو عيسى التِّرمِذيُّ عِندَ تَفسيرِها: حَدَّثنا عَبدُ بنُ حُمَيدٍ، حَدَّثنا يَعلى بن عُبيدٍ، عَن فضيلِ بنِ غَزوان، عَن أبي حازِمٍ، عَن أبي هُرَيرةَ، عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ثَلاثٌ إذا خَرَجنَ لا يَنفَعُ نَفسًا إيمانُها لَم تَكُن آمَنَتْ من قَبلُ أو كسَبَت في إيمانِها خَيرًا: الدَّجَّالُ، والدَّابَّةُ، وطُلوعُ الشَّمسِ مِنَ الْمَغرِبِ -أو من مَغرِبِها)). ثُمَّ قال: هذا حَديثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ [2419] أخرجه مسلم (158) باختلافٍ يسيرٍ. والحديث أخرجه الترمذي (3072) واللَّفظُ له كما ذكر المصنف. .
الثَّاني: أنَّ عيسى بنَ مَريَم يَنزِلُ مِنَ السَّماءِ الدُّنيا، فيَقتُلُ الدَّجَّالَ، كما تَقَدَّمَ، وكَما سَيَأتي، وقَد ذُكِرَ في القُرآنِ نُزولُه في قَولِه تعالى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [النساء: 158، 159].
وقَد قَرَّرنا في التَّفسيرِ أنَّ الضَّميرَ في قَولِه تعالى: قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء: 159] عائِدٌ على عيسى، أي: سَيَنزِلُ إلى الأرضِ، ويُؤمنُ به أهلُ الكِتابِ الذينَ اختَلَفوا فيه اختِلافًا مُتَبايِنًا، فمِن مُدَّعيِ الإلهيَّةِ كالنَّصارى، ومِن قائِلٍ فيه قَولًا عَظيمًا، وهو أنَّه وَلَدُ زِنْيةً، وهم اليَهودُ، ومِن قائِلٍ إنَّه قُتِلَ وصُلِبَ ومات، إلى غَيرِ ذلك، فإذا نَزلَ قَبلَ يَومِ القيامةِ تحَقَّقَ كُلٌّ مِنَ الفَريقين كَذِبَ نَفسِه فيما يَدَّعيه فيه مِنَ الِافتِراءِ، وسَنُقَرِّرُ هذا قَريبًا. وعلى هذا فيَكونُ ذِكرُ نُزولِ الْمَسيحِ عيسى بنِ مَريَم إشارةً إلى ذِكرِ الْمَسيحِ الدَّجَّالِ مَسيحِ الضَّلالةِ، وهو ضِدُّ مَسيحِ الهُدى، ومِن عادةِ العَرَبِ أنَّها تَكتَفي بذِكرِ أحَدِ الضِّدَّينِ عَن ذِكرِ الآخَرِ، كما هو مُقَرَّرٌ في مَوضِعِه.
الثَّالِثُ: أنَّه لَم يُذكَر بصَريحِ اسمِه في القُرآنِ احتِقارًا لَه؛ حَيثُ إنَّه يَدَّعي الإلهيَّةَ وهو بَشَرٌ، وهو مَعَ بَشَريَّتِه ناقِصُ الخَلقِ يُنافي حالُه جَلالَ الرَّبِّ وعَظَمَتَه وكِبرياءَه وتَنزيهَه عَنِ النَّقْصِ، فكان أمرُه عِندَ الرَّبِّ أحقَرَ من أن يُذكَر، وأصغَرَ وأدحَرَ من أن يُجلَّى عَن أمرِ دَعواه ويُحَذَّر، ولَكِنِ انتَصَرَ الرُّسُلُ لجَنابِ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ، فجَلَّوا لأمَمِهم عَن أمرِه، وحَذَّروهم ما مَعَه مِنَ الفِتَنِ الْمُضِلَّة، والخَوارِقِ الْمُنقَضيةِ الْمُضمَحِلَّة؛ فاكتَفى بإخبارِ الأنبياءِ، وتَواتر ذلك عَن سَيِّدِ ولَدِ آدَم إمامِ الأتِقياءِ عَن أن يَذكُرَ أمرَه الحَقيرَ بالنِّسبةِ إلى جَلالِ اللهِ، في القُرآنِ العَظيمِ، ووكَلَ بَيانَ أمرِه إلى كُلِّ نَبيٍّ كَريمٍ.
فإن قُلتَ: فقَد ذُكِرَ فِرْعَونُ في القُرآنِ، وقَدِ ادَّعى ما ادَّعاه مِنَ الإلهيَّةِ والكَذِبِ والبُهْتانِ؛ حَيثُ قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النَّازِعاتُ: 24]، وقال: يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص: 38] . فالجَوابُ: أنَّ أمرَ فرعونَ قَدِ انقَضى، وتَبَيَّنَ كذِبُه لكُلِّ مُؤمِنٍ وعاقِلٍ، وأمرُ الدَّجَّالِ سَيَأتي، وهو كائِنٌ فيما يُستَقبَلُ؛ فتنةً واختِبارًا للعِبادِ، فتُرِكَ ذِكرُه في القُرآنِ احتِقارًا لَه، وامتِحانًا به) [2420] يُنظر: ((البداية والنهاية)) (19/ 195-197). .
وقال ابنُ حَجَرٍ: (اشتَهَرَ السُّؤالُ عَنِ الحِكْمةِ في عَدَمِ التَّصريحِ بذِكرِ الدَّجَّالِ في القُرآنِ مَعَ ما ذُكِرَ عَنه مِنَ الشَّرِّ، وعِظَمِ الفِتَنةِ به، وتَحذيرِ الأنبياءِ مِنه، والأمرِ بالِاستِعاذةِ مِنه حَتَّى في الصَّلاةِ، وأجيبَ بأجوِبةٍ؛ أحَدُها: أنَّه ذُكِرَ في قَولِه: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا فقَد أخرَجَ التِّرمِذيُّ وصَحَّحَه عَن أبي هُرَيرةَ رَفَعَه: ((ثَلاثةٌ إذا خَرَجْنَ لَم يَنفَعْ نَفسًا إيمانُها لَم تَكُن آمَنت من قَبلُ: الدَّجَّالُ، والدَّابَّةُ، وطُلوعُ الشَّمسِ من مَغرِبِها)) [2421] أخرجه مسلم (158) باختلافٍ يسيرٍ. والحديث أخرجه الترمذي (3072) واللَّفظُ له. .
الثَّاني: قَد وقَعَتِ الإشارةُ في القُرآنِ إلى نُزولِ عيسى بن مَريَم في قَولِه تعالى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء: 159] ، وفي قَولِه تعالى: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ للسَّاعَةِ وصَحَّ أنَّه الذي يَقتُلُ الدَّجَّالَ، فاكتَفى بذِكرِ أحَدِ الضِّدَّين عَنِ الآخَرِ، ولِكَونِه يُلقَّبُ الْمَسيحَ كعيسى، لَكِنَّ الدَّجَّالَ مَسيحُ الضَّلالةِ، وعيسى مَسيحُ الهُدى.
الثَّالِثُ: أنَّه تُرِكَ ذِكرُه احتِقارًا، وتُعُقِّبُ بذِكرِ يَأجوجَ ومَأجوجَ، ولَيسَتِ الفِتنةُ بهم بدونِ الفِتنةِ بالدَّجَّالِ والذي قَبلَه، وتُعُقِّبَ بأنَّ السُّؤالَ باقٍ، وهو ما الحِكْمةُ في تَركِ التَّنصيصِ عليه؟ وأجابَ شَيخُنا الإمامُ البلقينيُّ بأنَّه اعتَبَرَ كُلَّ من ذُكِرَ في القُرآنِ مِنَ الْمُفسِدين، فوَجَدَ كُلَّ من ذُكرَ إنَّما هم مِمَّن مَضى وانقَضى أمرُه، وأمَّا من لَم يَجئْ بَعدُ فلَمْ يَذكُرْ مِنهم أحَدًا. انتَهى، وهذا يَنتَقِضُ بيَأجوجَ ومَأجوجَ، وقَد وقَعَ في تَفسيرِ البَغَويِّ أنَّ الدَّجَّالَ مَذكورٌ في القُرآنِ في قَولِه تعالى: لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ، وأنَّ الْمُرادَ بالنَّاسِ هنا الدَّجَّالُ، من إطلاقِ الكُلِّ على البَعضِ، وهذا إن ثَبَت أحسَنُ الأجوِبةِ، فيَكونُ من جُملةِ ما تَكفَّلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ببَيانِه، والعِلمُ عِندَ الله تعالى) [2422] يُنظر: ((فتح الباري)) (13/ 91). .
وقال السَّخاويُّ عَنِ الأشراطِ الكُبرى: (كُلُّها ذُكِرَت في القُرآنِ إمَّا صَريحًا أو إيماءً، بحَيثُ انتَقَدَ القائِلُ كيفَ لَم يُذكَرِ الدَّجَّالُ فيه مَعَ ما ذُكِرَ عَنه مِنَ الشَّرِّ وعَظيمِ الفِتنةِ به وتَحذيرِ الأنبياءِ مِنه والأمرِ بالِاستِعاذةِ مِنه حَتَّى في الصَّلاةِ؟ بأنَّه ذُكِرَ في قَولِه تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ.
فقَد أخرَجَ التِّرمِذيُّ وصَحَّحَه عَن أبي هُرَيرةَ: ((ثَلاثٌ إذا خَرَجْنَ لَم يَنفَعْ نَفسًا إيمانُها لَم تَكُن آمَنتْ من قَبلُ: الدَّجَّالُ، والدَّابَّةُ، وطُلوعُ الشَّمسِ من مَغرِبِها)) [2423] أخرجه مسلم (158) باختلافٍ يسيرٍ. والحديث أخرجه الترمذي (3072) واللَّفظُ له كما ذكر المصنف. .
وأيضًا فقَد وقَعَتِ الإشارةُ في القُرآنِ إلى نُزولِ عيسى عليه السَّلامُ في قَولِه: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء: 159] ، وفي قَولِه: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ للسَّاعَةِ مَعَ ما صَحَّ أنَّه هو الذي يَقتُلُه، فاكتَفى بذِكرِ أحَدِ الضِّدَّين عَنِ الآخَرِ. ولِكَونِه يُلقَّبُ بالمَسيحِ كعيسى، لَكِنَّ الدَّجَّالَ مَسيحُ الضَّلالةِ، وعيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مَسيحُ الهُدى.
بَل قال البَغَويُّ في تَفسيرِه: «إنَّ الدَّجَّالَ هو الْمُرادُ بالنَّاسِ في قَولِه تعالى: لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ من إطلاقِ الكُلِّ على البَعضِ». وهذا كما قال شَيخُنا أيِ ابنُ حَجَرٍ إن ثَبَت أحسَنُ الأجوِبةِ، فيَكونُ من جُملةِ من تَكَفَّلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ببَيانِه. على أنَّ البلقينيَّ قال: إنَّه اعتَبَرَ كُلَّ من ذُكِرَ في القُرآنِ مِنَ الْمُفسِدين، فوَجَدَ كُلَّ من ذُكرَ إنَّما هم مِمَّن مَضى وانقَضى أمرُه، وأمَّا من لَم يَجئْ فلَمْ يُذكَرْ مِنهم أحَدٌ. لَكِنَّه مُنتَقَضٌ بيَأجوجَ ومَأجوجَ) [2424] يُنظر: ((القناعة فيما يحسن الإحاطة به من أشراط الساعة)) (ص: 7-9). .

  • الْمَطْلَبُ الأوَّلُ: مَعنى الْمَسيحِ.
  • الْمَطْلَبُ الثَّاني: مَعنى الدَّجَّالِ.
  • الْمَطْلَبُ الثَّالِثُ: فتنةُ الْمَسيحِ الدَّجَّالِ.
  • الْمَطْلَبُ الرَّابِعُ: الْمَسيحُ الدَّجَّالُ كأنَّكَ تَراه.
  • الْمَطْلَبُ الخامِسُ: خُروجُ الْمَسيحِ الدَّجَّالِ.
  • الْمَطْلَبُ السَّادِسُ: العَواصِمُ مِنَ الدَّجَّالِ.
  • الْمَطْلَبُ السَّابِعُ: إمكاناتُ الدَّجَّالِ الَّتي تُسَبِّبُ الفِتْنةَ.
  • الْمَطْلَبُ الثَّامِنُ: قَتْلُ الْمَسيحِ الدَّجَّالِ ونِهايةُ فتنَتِه.
  • الْمَطْلَبُ التَّاسِعُ: أقوالُ أهلِ العِلمِ فيما يَجِبُ اعتِقادُه في شَأنِ الْمَسيحِ الدَّجَّالِ.
  • الْمَطْلَبُ العاشِرُ: ابنُ صيَّادٍ وأقوالُ العُلَماءِ فيه.
  • انظر أيضا: