الموسوعة العقدية

الْمَبحَثُ الأوَّلُ: الدُّخانُ

قال اللهُ تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الدخان: 10، 11].
قد صَحَّ عَن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ الله عَنه أنَّ هَذِه العَلامةِ قد وقعتْ في عَهدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: (إنَّ قُرَيْشًا لَمَّا غَلَبُوا النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ واسْتَعْصَوْا عليه، قالَ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عليهم بسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ؛ فأخَذَتْهُمْ سَنَةٌ أكَلُوا فِيهَا العِظَامَ والمَيْتَةَ مِنَ الجَهْدِ، حتَّى جَعَلَ أحَدُهُمْ يَرَى ما بيْنَهُ وبيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الجُوعِ، قالوا: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إنَّا مُؤْمِنُونَ فقِيلَ له: إنْ كَشَفْنَا عنْهمْ عَادُوا، فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عنْهمْ، فَعَادُوا، فَانْتَقَمَ اللَّهُ منهمْ يَومَ بَدْرٍ، فَذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَومَ تَأْتي السَّمَاءُ بدُخَانٍ مُبِينٍ إلى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ إنَّا مُنْتَقِمُونَ) [2396] أخرجه البخاري (4822) واللَّفظُ له، ومسلم (2798). .
قال ابنُ كثيرٍ مُعَلِّقًا على رَأيِ ابنِ مَسعودٍ رَضِيَ الله عَنه: (هذا التَّفسيرُ غَريبٌ جِدًّا، ولَم يُنقَلْ مِثلُه عَن أحَدٍ مِنَ الصَّحابةِ غَيرِه، وقَد حاوَلَ بَعضُ العُلَماءِ الْمُتَأخِّرينَ رَدَّ ذلك، ومُعارَضَتُه بما ثَبَت في حَديثِ أبي سَريحةَ حُذَيفةَ بن أسيدٍ: ((لا تَقومُ السَّاعةُ حَتَّى تَرَوْا عَشْرَ آياتٍ)). فذَكَرَ فيهِنَّ الدُّخانَ [2397] أخرجه مسلم (2901) باختلافٍ يسيرٍ. ، وكَذلك في حَديثِ أبي هُرَيرةَ: ((بادِروا بالأعمالِ سِتًّا )). فذَكَرَ فيهِنَّ الدُّخانَ [2398]أخرجه مسلم (2947). ، والحَديثانِ في صَحيحِ مُسْلِمٍ مَرفوعانِ، والمَرفوعُ مُقَدَّمٌ على كُلِّ مَوقوفٍ، وفي ظاهِرِ القُرآنِ ما يَدُلُّ على وُجودِ دُخَانٍ مِنَ السَّماءِ يَغشى النَّاسَ، وهذا أمرٌ مُحَقَّقٌ عامٌّ، ولَيسَ كما رُوِيَ عَنِ ابنِ مَسعودٍ أنَّه خيالٌ في أعيُنِ قُرَيشٍ من شِدَّةِ الجوعِ. قال تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ [الدخان: 10] . أي: ظاهِرٍ بيِّنٍ واضِحٍ جِلِيٍّ، لَيسَ خيالًا من شِدَّةِ الجوعِ، رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَّابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ [الدخان: 12] . أي: يُنادي أهلُ ذلك الزَّمانِ رَبَّهم بهذا الدُّعاءِ يَسألونَ كشفَ هَذِه الشِّدَّةِ عَنهم، فإنَّهم قَد آمَنوا، وأيقَنوا بما وُعِدوا به مِنَ الأمورِ الغَيبيَّةِ الكائِنةِ بَعدَ ذلك يَومَ القيامةِ، وهذا دَليلٌ على أنَّ هذا أمرٌ يَكونُ قَبلَ يَومِ القيامةِ؛ حَيثُ يُمكِنُ رَفعُه، ويُمكِنُ استِدراكُ التَّوبةِ والإنابةِ، والله أعلَمُ) [2399] يُنظر: ((البداية والنهاية)) (19/ 265). .
وقَد ذَهَبَ ابنُ جَريرٍ إلى إمكانِ الجَمعِ بينَ القَولينِ فقال: (وبَعدُ، فإنَّه غَيرُ مُنكَرٍ أن يَكونَ أحَلَّ بالكُفَّارِ الذينَ تَوَعَّدَهم بهذا الوَعيدِ ما تَوَعَّدَهم، ويَكونَ مَحَلًّا فيما يُستَأنَفُ بَعدُ بآخَرِينَ دُخانًا على ما جاءَت به الأخبارُ عَن رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِندَنا كذلك؛ لأنَّ الأخبارَ عَن رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَد تَظاهَرَت بأنَّ ذلك كائِنٌ؛ فإنَّه قَد كان ما رَوى عَنه عَبدُ الله بن مَسعودٍ، فكِلا الخَبرين اللَّذين رُوِيَا عَن رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صَحيحٌ) [2400] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/ 21). .
وقال أبو الخَطابِ بن دحية: (الذي يَقتَضيه النَّظَرُ الصَّحيحُ حَمْلُ ذلك على قَضيَّتين؛ إحداهما وقَعَت،ن وكانتِ الأخرى سَتَقَعُ وسَتَكونُ؛ فأمَّا الَّتي كانت فالَّتي كانوا يَرونَ فيها كهَيئةِ دُخَانٍ، وهيَ الدُّخانُ غَيرُ الدُّخانِ الحَقيقيِّ الذي يَكونُ عِندَ ظُهورِ الآياتِ الَّتي هيَ مِنَ الأشراطِ والعَلاماتِ، ولا يَمتَنِعُ إذا ظَهَرَت هَذِه العَلامةُ أن يَقولوا: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ [الدخان: 12] ، فيُكشَفُ عَنهم ثُمَّ يَعودونَ لقُربِ السَّاعةِ، وقَولُ ابنِ مَسعودٍ لَم يُسنِدْه إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، إنَّما هو من تَفسيرِه، وقَد جاءَ النَّصُّ عَن رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بخِلافِه. قال الْمُؤَلِّفُ رَحِمه الله يَعني القُرطُبيَّ: قَد رُويَ عَنِ ابنِ مَسعودِ أنَّهما دُخانانِ، قال مُجاهِدٌ: كان ابنُ مَسعودٍ يَقولُ: هما دُخانانِ قَد مَضى أحَدُهما، والذي بَقِيَ يَملَأ ما بينَ السَّماءِ والأرضِ، ولا يَجِدُ الْمُؤمِنُ مِنه إلَّا كالزكمةِ، وأمَّا الكافِرُ فتَثقُبُ مَسامِعَه، فتُبعَثُ عِندَ ذلك الرِّيحُ الجَنوبُ مِنَ اليَمَنِ، فتَقبِضُ روحَ كُلِّ مُؤمِنٍ ومُؤمِنةٍ، ويَبقى شِرارُ النَّاسِ) [2401] يُنظر: ((التذكرة)) (2/367). .
وعَن حُذَيفةَ بنِ أُسَيدٍ الغِفاريِّ رَضِيَ الله عَنه قال: كانَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ في غُرْفَةٍ وَنَحْنُ أَسْفَلَ منه، فَاطَّلَعَ إلَيْنَا، فَقالَ: ((ما تَذْكُرُونَ؟)) قُلْنَا: السَّاعَةَ، قالَ: ((إنَّ السَّاعَةَ لا تَكُونُ حتَّى تَكُونَ عَشْرُ آيَاتٍ: خَسْفٌ بالمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بالمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَالدُّخَانُ... )) [2402] أخرجه مسلم (2901). .
قال النَّوَويُّ: (هذا الحَديثُ يُؤَيِّدُ قَولَ من قال: إنَّ الدُّخانَ دُخانٌ يَأخُذُ بأنفاسِ الكُفَّارِ، ويَأخُذَ الْمُؤمِنَ مِنه كهَيئةَ الزُّكامِ وأنَّه لَم يَأتِ بَعْدُ، وإنَّما يَكونُ قَريبًا من قيامِ السَّاعةِ، وقَد سَبَقَ في كِتابِ بَدءِ الخَلقِ قَولُ من قال هذا، وإنكارُ ابن مَسعودٍ عليه، وأنَّه قال: إنَّما هو عِبارةٌ عَمَّا نالَ قُرَيشًا مِنَ القَحْطِ حَتَّى كانوا يَرَونَ بينَهم وبينَ السَّماءِ كهَيئةِ الدُّخانِ، وقَد وافَقَ ابنَ مَسعودٍ جَماعةٌ، وقال بالقَولِ الآخَرِ حُذَيفةُ وابنُ عُمَرَ والحَسَنُ، وأخرجه حُذَيفةُ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنَّه يَمكُثُ في الأرضِ أربَعينَ يَومًا، ويُحتَمَلُ أنَّهما دُخانانِ؛ للجَمعِ بينَ هَذِه الآثارِ) [2403] يُنظر: ((شرح مسلم)) (18/ 27). .
وعَن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ الله عَنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((بادِرُوا بالأعْمالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ من مَغْرِبِها، أوِ الدُّخانَ، أوِ الدَّجَّالَ، أوِ الدَّابَّةَ، أوْ خاصَّةَ أحَدِكُمْ، أوْ أمْرَ العامَّةِ )) [2404] أخرجه مسلم (2947). . وفي روايةٍ: ((خُوَيصَّة أحَدِكم)) [2405] أخرجها مسلم (2947). .
جاءَ في تَتِمَّةِ (الْمَفاتيحِ في شَرحِ الْمَصابيحِ): (قَولُه: ((بادِروا بالأعمالِ سِتًّا )) أي: سِتَّ آياتٍ، فحَذفَ الْمُضافَ إليه؛ لأنَّه يُفَسِّرُها ما بَعدَها، والشَّيءُ إذا أُبهِمَ ثُمَّ فُسِّر كان أفخَمَ عِندَ السَّامِعِ، أي: أسرِعوا إلى الأعمالِ الصَّالِحةِ قَبلَ ظُهورِ الآياتِ السِّتِّ الْمَذكورةِ؛ لأنَّ ظُهورَها يوجِبُ عَدَمَ توبةِ التَّائِبينَ، أي: عَدَمَ قَبولِها؛ لكَونِها مُلجِئةً إلى الإيمانِ، فلا يُثابُ الْمُكَلَّفُ عِندَ الإلجاءِ على عَمَلِه، فإذا انقَطَعَ الثَّوابُ انقَطَعَ التَّكليفُ. قَولُه: ((وأمْرَ العامَّةِ وخُوَيصَّةَ أحَدِكم))، ((وأمرَ العامَّةِ)): القيامة؛ لأنَّه يَعُمُّ الخَلائِقَ. ((الخَويصَّةُ)): تَصغيرُ الخاصَّةِ، وهيَ الْمَوتُ الذي يَخُصُّ كُلَّ واحِدٍ، وإنَّما صَغَّرَه تَصغيرَ تَحقيرٍ؛ لأنَّ الْمَوتَ بالإضافةِ إلى الدَّواهي الأُخَرِ مِنَ البَعثِ والحِسابِ وغَيرِ ذلك من شَدائِدِ الآخِرةِ العِظامِ صَغيرٌ وحَقيرٌ) [2406] يُنظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (5/ 406). .
وقال علي القاري: ( ((بادِروا)) أي: أسرِعوا وسابِقوا ((بالأعمالِ)) أيِ: الصَّالِحةِ النَّافِعةِ في الآخِرةِ ((سِتًّا)) أي: سِتَّ آياتٍ، أي: عَلاماتٍ؛ لوُجودِ السَّاعةِ؛ إذ يَعْسُرُ العَمَلُ ويَصعُبُ فيما بَعدَها، أو لَم يُقبَل ولَم يُعتَبَرْ بَعدَ تَحَقُّقِها، ((الدُّخانَ، والدَّجَّالَ، ودابَّةَ الأرضِ، وطُلوعَ الشَّمسِ من مَغرِبِها، وأمرَ العامَّةِ)) أيِ: الفِتْنةَ الَّتي تَعُمُّ النَّاسَ، أوِ الأمرَ الذي يَستَبِدُّ به العَوامُّ، ويَكونُ مِن قِبَلِهم دونَ الخَواصِّ من تَأميرِ الأمَّة، ((وخُوَيصَّةَ أحَدِكم)): بضَمٍّ وفَتحٍ وسُكونٍ وتَشديدٍ، وهو تَصغيرُ خاصَّةٍ، أيِ: الوَقعةَ الَّتي تَخُصُّ أحَدَكم، قيلَ: يُريدُ الْمَوتَ، وقيلَ: هيَ ما يَختَصُّ به الإنسانُ مِنَ الشَّواغِلِ الْمُتَعَلِّقةِ في نَفسِه ومالِه وما يَهتَمُّ به، وصُغِّرَت لاستِصغارِها في جَنبِ سائِرِ الحَوادِثِ مِنَ البَعثِ والحِسابِ وغَيرِ ذلك) [2407] يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) (8/ 3450). .
قال ابنُ حَجَرٍ: (رَوى الطَّبَريُّ من حَديثِ ربعيٍّ عَن حُذَيفةَ مَرفوعًا في خُروجِ الآياتِ والدُّخانِ قال حُذَيفةُ: يا رَسولَ اللهِ، وما الدُّخانُ، فتَلا هَذِه الآيةَ. قال: ((أمَّا الْمُؤمِنُ فيُصيبُه مِنه كهَيئةِ الزكمةِ، وأمَّا الكافِرُ فيَخرُجُ من منخرَيه وأُذُنَيه ودُبُرِه))، وإسنادُه ضَعيفٌ أيضًا، ورَوى ابنُ أبي حاتِمٍ من حَديثِ أبي سَعيدٍ نَحوَه، وإسنادُه ضَعيفٌ أيضًا، وأخرَجَه مَرفوعًا بإسنادٍ أصلَحَ مِنه، ولِلطَّبَريِّ من حَديثِ أبي مالِكِ الأشعَريِّ رَفعَه: ((إنَّ رَبَّكم أنذَرَكم ثَلاثًا: الدُّخانَ يَأخُذُ الْمُؤمِنَ كالزكمةِ)) الحَديث. ومِن حَديثِ ابن عُمَرَ نَحوُه، وإسنادُهما ضَعيفٌ أيضًا، لَكِن تَضافُرُ هَذِه الأحاديثِ يَدُلُّ على أنَّ لذلك أصلًا) [2408] يُنظر: ((فتح الباري)) (8/ 573). .
ومِن أقوالِ أهلِ العِلمِ في آيةِ الدخان:
1- قال ابنُ الموصِليِّ: (هاهُنا قاعِدةٌ يَجِبُ التَّنبيهُ عليها، وهيَ أنَّه إذا ثَبت عَن مالِكٍ وأحمَدَ وغَيرِهما تَأويلُ شَيءٍ في مَوارِدِ النِّزاعِ لَم يَكُن فيه أكثَرُ من أنَّه وقَعَ بينَهم نِزاعٌ في مَعنى الآيةِ أوِ الحَديثِ، وهو نَظيرُ اختِلافِهم في تَفسيرِ آياتٍ وأحاديثَ، مِثلُ تَنازُعِ ابنِ عَباسٍ وعائِشةَ في قَولِه تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى [النجم: 13]، فقال ابنُ عَبَّاسٍ: رَأى رَبَّه. قالت عائِشةُ: بَل رَأى جِبرائيلَ، وكَتَنازُعِ ابنِ مَسعودٍ وابنِ عَبَّاسٍ في قَولِه تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ [الدخان: 10] ، فقال ابنُ مَسعودٍ: هو ما أصابَ قُرَيشًا مِنَ الجوعِ حَتَّى كان أحَدُهم يَرى بينَه وبينَ السَّماءِ كهَيئةِ الدُّخانِ، وقال ابنُ عَبَّاس: هو دُخَانٌ قَبلَ يَومِ القيامةِ، وهذا هو الصَّحيحُ، ونَظائِرُ ذلك، فالحُجَّةُ هيَ الَّتي تَفصِلُ بينَ النَّاسِ) [2409] يُنظر: ((مختصر الصواعق المرسلة)) (ص: 617). .
2- قال السَّفارينيُّ عَن خُروجِ الدخان: (هو ثابِتٌ بالكِتابِ والسُّنةِ... قال ابنُ عَبَّاس وابنُ عُمَرَ والحَسَنُ وزيدُ بنُ عليٍّ: هو دُخَانٌ قَبلَ قيامِ السَّاعةِ يَدخُلُ في أسماعِ الكُفَّارِ والمُنافِقينَ، ويَعتَري الْمُؤمِنينِ مِنه كهَيئةِ الزُّكامِ، وتَكونُ الأرضُ كُلُّها كبَيتٍ أُوقِدَ فيه، ولَم يَأتِ بَعدُ، وهو آتٍ) [2410] يُنظر: ((البحور الزاخرة)) (2/ 677). .
3- قال صَديق حَسَن خان: (مِن أشراطِ السَّاعةِ الدُّخانُ... قال العُلَماءُ: آيةُ الدُّخانِ ثابِتةٌ بالكِتابِ والسُّنةِ) [2411] يُنظر: ((الإذاعة لما كان وما يكون من أشراط الساعة)) (ص: 214). .
4- قال ابنُ قاسِمٍ: (إنَّ من أشراطِ السَّاعةِ الَّتي ثبَت بها الكِتابُ والسُّنةُ، ويَجِبُ الإيمانُ بها: آية، أي: عَلامةَ الدُّخانِ، قال تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ [الدخان: 10] . قال ابنُ عَبَّاسٍ وغَيرُه: هو دُخَانٌ قَبلَ قيامِ السَّاعةِ، يَدخُلُ في أسماعِ الكُفَّارِ والمُنافِقينَ، ويَعتَري الْمُؤمِنَ مِنه كهَيئةِ الزُّكامِ. وتقَدَّمَ فيما أخرجه مُسْلِمٌ: ((إنَّها لَن تَقومَ السَّاعةُ حَتَّى تَرَوا عَشْرَ آياتٍ)) فذَكَرَ مِنها: ((الدُّخانَ)) [2412] أخرجه مسلم (2901) باختلافٍ يسيرٍ. )( يُنظر: ((حاشية الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية)) (ص: 82). .
5- قال ابنُ بازٍ مُعَلِّقًا على كلامِ ابنِ مَسعودٍ رَضِيَ الله عَنه: ((سَأحَدِّثُكم عَنِ الدُّخانِ، إنَّ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دَعا قُرَيشًا إلى الإسلامِ، فأبطَؤوا عليه، فقال: اللهمَّ أعنِّي عليهم بسَبعٍ كسَبعِ يوسُفَ، فأخذَتْهم سَنَةٌ فحَصَت كُلَّ شَيءٍ، حَتَّى أكَلوا الْمَيتةَ والجُلودَ، حَتَّى جَعلَ الرَّجُلُ يَرى بينَه وبينَ السَّماءِ دُخانًا مِنَ الجُوعِ [2414] أخرجه البخاري (4809) مُطَولًا. )، قال: (هذا دُخَانٌ وقَعَ لَهم في مَكَّةَ غَيرَ الدُّخانِ الذي سَيَأتي) [2415] يُنظر: ((الحلل الإبريزية)) (3/ 412). .
6- قال ابنُ عُثَيمين: (أمَّا آيةُ الدُّخانِ فقَدِ اختَلَفَ العُلَماءُ فيها: هَل هيَ آيةٌ مَضَت أو هيَ آيةٌ مُقْبِلةٌ؟ فمِنهم من قال: إنَّها آيةٌ مَضَت، وهيَ الْمُشارُ إليها في قَولِه تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ [الدخان: 10] ، وأنَّ الْمُرادَ بذلك ما أصابَ قُرَيشًا مِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ حَتَّى أُصيبوا بالجَهْدِ العَظيمِ، وكان الإنسانُ مِنهم يَنظُرُ إلى السَّماءِ فيَظُنُّ أنَّها دُخانٌ من شِدَّةِ تَأثيرِ الجُوعِ عليه. ومِنهم من قال: بَل هو أمرٌ مُستَقبَلٌ، وهو أنَّ الله سُبحانَه وتعالى يَبعَثُ عِندَ قيامِ السَّاعةِ دُخانًا عَظيمًا يَملَأ الأجواءَ ويَغشى النَّاسَ كُلَّهم. والأقرَبُ للصَّوابِ أنَّه دُخَانٌ يُرسِلُه اللهُ عَزَّ وجَلَّ عِندَ قيامِ السَّاعةِ، فيَغشى النَّاسَ كُلَّهم، واللهُ أعلَمُ بكَيفيَّةِ هذا الدُّخانِ، فنَحنُ إنَّما نَعرِفُ أنَّه دُخَانٌ، لَكِن لا نَعرِفُ كيفَ يَأتي النَّاسَ، ولا من أينَ يَأتي، فهذا أمرُه إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ. والمَقصودُ من هَذِه الأشراطِ هو إنذارُ النَّاسِ بقُربِ قيامِ السَّاعةِ؛ حَتَّى يَستَعِدُّوا لَها ويَعمَلوا لَها) [2416] يُنظر: ((شرح العقيدة السفارينية)) (ص: 465). .
ويَربِطُ بَعضُ الباحِثينَ الْمُعاصِرين إمكانيَّةَ حُدوثِ الدُّخانِ بارتِطامِ نَيزَكٍ ضَخمٍ بالأرضِ كما يَتَوَقَّعُ عُلَماءُ الفَلَكِ بحَيثُ يَنجُمُ عَن ذلك تَغَيُّراتٌ هائِلةٌ في جيولوجيَّةِ الأرضِ والمناخِ والأحوالِ الِاقتِصاديَّةِ وغَيرِها، مَعَ ما قَد يُحدِثُه ذلك الِارتِطامُ الهائِلُ والدُّخانُ العَظيمُ من عَلاماتٍ أخرى؛ كعَودةِ جَزيرةِ العَرَبِ جَناتٍ وأنهارًا، وانحِسارِ الفُرَاتِ عَن جَبَلٍ من ذَهَبٍ، وتَقارُبِ الزَّمانِ، وغَيرِ ذلك، مُستَشهِدًا ببَعضِ القِرائِنِ مَعَ الِاستِنباطاتِ الْمَأخوذةِ من بَعضِ الآياتِ والأحاديثِ، وبَعضِ الآثارِ الوارِدةِ عَنِ الصَّحابةِ رَضِيَ الله عَنهم. ومِن ذلك قَولُ الله تعالى: (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ* النَّجْمُ الثَّاقِبُ *.... وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ مَعَ ما جاءَ عَن عَبدِ الله بن أبي مليكةَ أنَّه قال: (غَدَوتُ على ابنِ عَبَّاس رَضِيَ الله عَنهما ذاتَ يَومٍ، فقال: ما نِمتُ اللَّيلةَ حَتَّى أصبَحْتُ. قُلتُ: لِمَ؟ قال: قالوا: طَلَع الكَوكَبُ ذو الذَّنَبِ؛ فخَشيتُ أن يَكونَ الدُّخانُ قَد طَرَقَ، فما نِمتُ حَتَّى أصبَحْتُ [2417] أخرجه الطبري في ((التفسير)) (22/17) واللَّفظُ له، والحاكم (8419). صحَّحه الحاكم على شرط الشيخين، وصحَّح إسنادَه ابن كثير في ((التفسير)) (7/235). [2418] يُنظر: ((الموسوعة في الفتن والملاحم وأشراط الساعة)) لمحمد المبيّض (ص: 505-579). .
وأيًّا كان سَبَبُ وُقوعِ الدُّخانِ فنَحنُ نُؤمِنُ بوُقوعِه كما أخبَرَنا اللهُ سُبْحانه وتعالى ورَسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

انظر أيضا: