الموسوعة العقدية

الْمَبحَثُ الأربَعونَ: تَكليمُ السِّباعِ والجَمادِ الإنْسَ

عَن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ رَضِيَ اللهُ عَنه قال: عَدا الذِّئبُ على شاةٍ فأخذَها فطَلَبه الرَّاعي فانتَزَعَها مِنه، فأقعى الذِّئبُ على ذَنَبِه، قال: ألَا تَتَّقي اللهَ، تَنزِعُ مِنِّي رِزقًا ساقَه الله إليَّ؟! فقال: يا عَجَبي! ذِئْبٌ مُقْعٍ على ذَنَبِه يُكَلِّمُني كلامَ الإنسِ! فقال الذِّئبُ: ألا أخبِرُكَ بأعجَبَ من ذلك؟ مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيثرِبَ يُخبِرُ النَّاسَ بأنباءِ ما قَد سَبَقَ! قال: فأقبَلَ الرَّاعي يَسوقُ غَنَمَه حَتَّى دَخلَ الْمَدينةَ فزَواها إلى زاويةٍ من زَواياها ثُمَّ أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأخبَرَه فأمرَ رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فنودي: الصَّلاةُ جامِعةٌ، ثُمَّ خَرجَ فقالَ للرَّاعي: ((أخبِرْهم)). فأخبَرَهم، فقال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((صَدَقَ، والذي نَفسي بيَدِه لا تَقومُ السَّاعةُ حَتَّى يُكلِّمَ السِّباعُ الإنسَ، ويُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذبةُ سَوطِه وشِراكُ نَعْلِه، ويُخبِرُه فخِذُه بما أحدَثَ أهلُه بَعْدَه! )) [2245] أخرجه الترمذي (2181) دون ذكر قصة الذئب، وأحمد (11792) واللَّفظُ له. صحَّحه ابن حبان في ((صحيحه)) (6494)، والحاكم على شرط مسلم في ((المستدرك)) (8442)، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (2181)، والوادعي في ((الصَّحيح المسند)) (412)، وقال الترمذي: حسن غريب. .
قال علي القاري: ( ((والذي نَفسي بيَدِه لا تَقومُ السَّاعةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السِّباعُ)) أي: سِباعُ الوَحشِ كالأسَدِ، أو سِباعُ الطَّيرِ كالبازي، ولا مَنْعَ مِنَ الجَمعِ، ((الإنسَ)) أي: جِنسَ الإنسانِ مِنَ الْمُؤمِنِ والكافِرِ) [2246] يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) (8/ 3446). .
وقال ابنُ الْمَلَكِ الكَرْمانيُّ: ( ((عَذبةُ سَوطِه)) أي: عَلاقةُ سَوطِه. ((وشِراكُ نَعلِه، وتُخبِرُه فخِذُه بما أحدَثَ أهلُه بَعدَه))، أي: في غَيبَتِه) [2247] يُنظر: ((شرح المصابيح)) (5/ 553). .
قال حُمُودٌ التُّويجريُّ: (الحَقُّ الذي لا شَكَّ فيه أنَّ السِّباعَ تُكلِّمُ الإنسَ في آخِرِ الزَّمانِ كلامًا حَقيقيًّا، وكَذلك الفَخِذُ وعَذَبةُ السَّوطِ وشِراكُ النَّعلِ؛ فكُلُّها تُكلِّمُ النَّاسَ في آخِرِ الزَّمانِ كلامًا حَقيقيًّا، ومَن أنكَرَ ذلك أو شَكَّ فيه فهو مِمَّن يُشَكُّ في إسلامِه؛ لأنَّه لَم يُحَقِّقِ الشَّهادةَ بأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ الله، ومِن تَحقيقِها تَصديقُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما أخبَرَ به مِنَ الغُيوبِ الْماضيةِ والغُيوبِ الآتيةِ.
قال اللهُ تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: 3-4].
وقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أُمِرْتُ أن أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدوا أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، ويُؤمِنوا بي وبِما جِئتُ به، فإذا فعَلوا ذلك عَصَموا مِنِّي دِماءَهم وأموالَهم؛ إلَّا بحقِّها، وحِسابُهم على اللهِ )). أخرجه مُسْلِمٌ من حَديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ الله عَنه [2248] أخرجه مسلم (21). .
وتَكليمُ السِّباعِ للإنسِ فيه خَرْقٌ للعادةِ، وكَذلك تَكليمُ الفَخِذِ وعَذَبةُ السَّوطِ وشِراكُ النَّعلِ؛ فكُلُّ ذلك خارِقٌ للعادةِ، ومُستَغرَبٌ جِدًّا؛ ولِهذا يَكونُ وُجودُ ذلك دَليلًا على اقتِرابِ السَّاعةِ ودُنُوِّها) [2249] يُنظر: ((إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة)) (3/ 223). .

انظر أيضا: