الموسوعة العقدية

المَبحَثُ الثَّالِثُ: انشِقاقُ القَمَرِ

قال اللهُ تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ [القمر: 1-2].
قال ابنُ جَريرٍ: (يَعني تعالى ذِكرُه بقَولِه: اقتَرَبَتِ السَّاعَةُ: دَنتِ السَّاعةُ الَّتي تَقومُ فيها القيامةُ، وقَولُه: اقْتَرَبَتْ: افتَعَلَت مِنَ القُربِ، وهَذا مِنَ الله تعالى ذِكرُه إنذارٌ لِعِبادِه بدُنُوِّ القيامةِ، وقُربِ فَناءِ الدُّنيا، وأمرٌ لَهم بالاستِعدادِ لِأهوالِ القيامةِ قَبلَ هُجومِها عليهم وهم عَنها في غَفلةٍ ساهونَ.
وقَولُه: وَانْشَقَّ القَمَرُ يَقولُ جَلَّ ثَناؤُه: وانفلَقَ القَمَرُ، وكانَ ذلك فيما ذُكِرَ على عَهدِ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو بمَكةَ قَبلَ هجرَتِه إلَى المَدينةِ، وذلك أنَّ كُفَّارَ أهلِ مَكةَ سألوه آيةً، فأراهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم انشِقاقَ القَمَرِ آيةً؛ حُجَّةً على صِدقِ قَولِه، وحَقيقةِ نُبوَّتِه) [1832] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/ 103). .
وعَن أنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنه قال: ((سألَ أهْلُ مَكَّةَ أن يُريَهم آيةً، فأراهمُ انشِقاقَ القَمَرِ )) [1833] أخرجه البخاري (4867) واللَّفظُ له، ومسلم (2802) .
وعَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي اللهُ عنه قال: ((بينَما نَحنُ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمِنًى إذِ انفلَقَ القَمَرُ فَلْقَتينِ، فكانَت فَلقةٌ وراءَ الجَبَلِ وفَلْقةٌ دونَه، فقال لَنا رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اشهَدوا )) [1834] أخرجه البخاري (3869) مختصراً، ومسلم (2800) واللفظ له. . وفي رِوايةٍ: ((فسَتَرَ الجَبَلُ فَلقةً، وكانَت فَلقةٌ فوقَ الجَبَلِ)) [1835] أخرجها مسلم (2800). .
قال عياضٌ: (آيةُ انشِقاقِ القَمَرِ مِن أمَّهاتِ آياتِ نَبَيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومُعجَزاتِه، وقَد رَوَاها عِدَّةٌ مِنَ الصَّحابةِ، وظاهرُ الآيةِ أيضًا وسياقُها وما بَعدَها مِن تَمادي قَريشٍ على التَّكذيبِ، يَشهَدُ بصِحَّتِها؛ لِقَولِه: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) [1836] يُنظر: ((إكمال المعلم)) (8/ 333). .
وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبيُّ: ( ((قَولُه: انفلَقَ القَمَرُ)) أيِ: انشَقَّ نِصفينِ، أي: وقَعَ ذلك الانشِقاقُ على حَقيقَتِه، ووجِدَ ذلك بمَكةَ بمِنًى، بَعدَ أن سألَت قُريشٌ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم آيةً، فأراهمُ انشِقاقَه على نَحوِ ما ذُكِرَ، ثُمَّ إنَّ عَبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ أوضَحَ كَيفيَّةَ هَذا الانشِقاقِ حَتَّى لَم يَترُكْ لِقائِلٍ مَقالًا، فقال: وكانَت فَلقةٌ وراءَ الجَبَلِ، وفلَقةٌ دونَه. وفي رِوايةٍ: فسَتَرُ الجَبَلُ فَلقةً، وكانَت فَلقةٌ فوقَ الجَبَلِ، ونَحو ذلك... وقَد رَوى هَذا الحَديثَ جَماعةٌ كَثيرةٌ مِنَ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عَنهم؛ مِنهم: عَبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ، وأنسٌ، وابنُ عَبَّاسٍ، وابنُ عُمَرَ، وحُذيفةُ، وعَليٌّ، وجُبَيرُ بنُ مُطعِمٍ، وغَيرُهم. ورَوى ذلك عَنِ الصَّحابةِ أمثالُهم مِنَ التَّابعينَ، ثُمَّ كَذلك يَنقُلُه الجُّمُ الغَفيرُ والعَدَدُ الكَثيرُ، إلَى أنِ انتَهَى ذلك إلَينا، وفاضَت أنوارُه علينا، وانضاف إلَى ذلك ما جاءَ مِن ذلك في القُرآنِ المُتَواتِرِ عِندَ كُلِّ إنسانٍ؛ فقَد حَصَلَ بهَذِه المُعجِزةِ العِلمُ اليَقينُ الَّذي لا يَشُكُّ فيه أحَدٌ مِنَ العاقِلينَ) [1837] يُنظر: ((المفهم)) (7/ 403). .
وقال أيضًا: (قَد تأوَّلَ مَن أنكَرَ وُقوعَ انشِقاقِ القَمَرِ مِنَ الإسلاميِّينَ قَولَه تعالى: وَانْشَقَّ الْقَمَرَ بمَعنى: يَنشَقُّ في القيامةِ، ومِمَّن حُكِيَ عَنه هَذا التَّأويلُ: الحَسَنُ البَصَريُّ، وتأوَّلَ غَيرُه ((انشَقَّ)): تَحَقَّقَ الأمرُ ووضَحَ، وقال آخَرُ: انشَقَّ الظَّلامُ عَنه بطُلوعِه.
قُلتُ: وهَذِه تَحريفاتٌ لا تأويلاتٌ. والحَسَنُ البَصريُّ أعلَمُ وأفضَلُ مِن أن يَذهَبَ إلَى شَيءٍ مِن ذلك، لا سيَّما مَعَ شُهرةِ القَضيَّةِ، وكَثرةِ الرُّواةِ لَها، واستِفاضَتِها، وعِلمِه هو بالأخبارِ، وسُلوكِه طَريقَ الصَّحابةِ والأخيارِ، وقَد أدرَكَ مِنهم جُملةً صالِحةً، وحَصَلَت لَه بهم صَفقةٌ رابحةٌ) [1838] يُنظر: ((المفهم)) (7/ 405). .
وقال القسطلانيُّ: ( ((فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم)): ((اشهَدوا)) مِنَ الشَّهادةِ، وإنَّما قال ذلك؛ لِأنَّها مُعجِزةٌ عَظيمةٌ لا يَكادُ يَعْدِلُها شَيءٌ مِن آياتِ الأنبياءِ عليهمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ) [1839] يُنظر: ((إرشاد الساري)) (6/ 74). .
وقَدِ اتَّفقَ العُلَماءُ على أنَّ القَمَرَ قَدِ انشَقَّ في عَهدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنَّ انشِقاقَه إحدَى المُعْجِزاتِ الباهرةِ.
قال القسطلانيُّ: (انشِقاقُ القَمَرِ مِن أمَّهاتِ المُعجِزاتِ، وأجمَعَ عليه المُفسِّرونَ وأهلُ السُّنَّةِ، ورُوِيَ عَن جَماعةٍ كَثيرةٍ مِنَ الصَّحابةِ) [1840] يُنظر: ((إرشاد الساري)) (6/ 74). .
وقال ابنُ كَثيرٍ: (قَولَه: وَانْشَقَّ القَمَرُ: قَد كانَ هَذا في زَمانِ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كَما ثَبَتَ ذلك في الأحاديثِ المُتَواتِرةِ بالأسانيدِ الصَّحيحةِ... وهَذا أمرٌ مُتَّفَقٌ عليه بينَ العُلَماءِ، أي: انشِقاقُ القَمَرِ، قَد وقَعَ في زَمانِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنَّه كانَ إحدَى المُعجِزاتِ الباهراتِ) [1841] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/ 470-472). .
ومِن أقوالِ أهلِ العِلمِ في هَذِه العَلامةِ:
1- قال ابنُ تيميَّةَ: (قال: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرَ [القَمَرُ: 1] بصيغةِ الفِعلِ الماضي، ولَم يَقُلْ قامَتِ السَّاعةُ، ولا سَتَقومُ، بَل قال: اقتَرَبَت أي: دَنَت وقَرَبُت، وانْشَقَّ القَمَرُ الَّذي هو دَليلٌ على نُبوَّةِ مُحَمَّدٍ، وعلى إمكانِ انحِراقِ الفلَكِ الَّذي هو قيامُ القيامةِ، وهو سُبحانَه قَرنَ بينَ خَبرِه باقتِرابِ السَّاعةِ وخَبرِه بانشِقاقِ القَمَرِ؛ فإنَّ مَبعَثَ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو مِن أشراطِ السَّاعةِ، وهو دَليلٌ على قُربِها، كَما قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الحَديثِ الصَّحيحِ: ((بُعِثْتُ أنا والسَّاعةُ كَهاتينِ، وجَمعَ بينَ أصبَعَيه السَّبَّابةِ والوُسطَى )). وقَد قال تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا [محمد: 18]... فانشِقاقُ القَمَرِ كانَ آيةً على شَيئينِ: على صِدْقِ الرَّسولِ، وعلى مَجيءِ السَّاعةِ وإمكانِ انشِقاقِ الفلَكِ) [1842] يُنظر: ((الجواب الصحيح)) (1/ 420-422). .
2- قال ابنُ رَجَب: (قَد جَعل اللهُ انشِقاقَ القَمَرِ مِن عَلاماتِ اقتِرابِ السَّاعةِ، كَما يَقولُ تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ، وكانَ انشِقاقُه بمَكةَ قَبلَ الهجرةِ) [1843] يُنظر: ((الحكم الجديرة بالإذاعة)) (ص: 10). .
3- قال ابنُ عُثَيمين: (قال تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ [القَمَرُ: 1]. قَولُه: اقْتَرَبَتِ بمعنى: قَرُبَت، لَكِنَّ العُلَماءَ يَقولونَ: إنَّ زيادةَ المَبنَى يَدُلُّ على زيادةِ المَعنَى، وهنا «اقتَرَبَت» فيها زيادةٌ في المَبنَى على قَرُبَت، والزِّيادةُ هيَ الهَمزةُ والتَّاءُ، فيَدُلُّ على أنَّ الاقتِرابَ قَريبٌ جِدًّا، أو يَدُلُّ على أنَّ القُربَ قَريبٌ جِدًّا، فمَعنَى «اقتَرَبَت» أي: قَرُبَت جِدًّا.
قَولُه: السَّاعةُ هيَ: يَومُ القيامةِ، وقَد قال اللهُ تعالى فيها: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا [محمد: 18]، أي: عَلاماتُها...قَولُه: «وَانْشَقَّ الْقَمَرُ»، وكأنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ أشارَ إلَى أنَّ هَذا مِن أشراطِ السَّاعةِ، «وانشَقَّ القَمَرُ» أي: صارَ فِرقَتينَ، تَمَيَّزَ بَعضُهما عَن بَعضٍ، أحَدُهما على جَبَلِ أبي قبيسٍ، والثَّاني على جَبَلِ قعيقعانَ، يَعني: واحِدٌ على الصَّفَا، وواحِدٌ على المِروةِ، والمَسافةُ في رُؤيا العينِ ما بينَ الصَّفَا والمِروةِ بَعيدةٌ جِدًّا قَد تَستَغرِقُ سَنَواتٍ، وانشَقَّ القَمَرُ في لَحظةٍ بأمرِ اللهِ عزَّ وجَلَّ، وتَباعَدَت أجزاؤُه بلَحظةٍ) [1844] يُنظر: ((لقاء الباب المفتوح)) (رقم اللقاء: 181). .

انظر أيضا: