الموسوعة العقدية

المَطلَبُ الأوَّلُ: مُستَقَرُّ الأرواحِ في البَرزَخِ

تَمهيدٌ:
البَرزَخُ لُغةً:
البَرْزَخُ: الحاجِزُ والمانِعُ، وكلُّ حاجزٍ بيْنَ شَيئينِ فهو بَرْزَخٌ. والخاءُ فيه زائِدةٌ، كأنَّ بينهما بَرَازًا، أَيْ: ‌مُتَّسَعًا ‌مِنَ ‌الأرْضِ، ثُمَّ صار كُلُّ حَائِلٍ بَرْزَحًا، وقيل: أَصلُه بَرْزَه، فعُرِّبَ [1654] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 314)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 126)، ((الغريبين في القرآن والحديث)) للهروي (1/169)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/333)، ((المفردات)) للراغب (ص: 118، 220). .
البَرزَخُ في الاصطِلاحِ:
 البَرْزَخُ: مَا بَين الدُّنيا والآخِرَةِ قبْلَ الحشْرِ مِنْ وَقْتِ الموْتِ إِلى القِيامَةِ. وَقَالَ الفرَّاءُ: البَرزَخُ مِن يَومِ يموتُ إِلى يَومِ يُبعَثُ، ومَنْ ماتَ فقدْ دَخَلَه، أَي: البَرْزخَ [1655] ينظر: ((التفسير البسيط)) للواحدي (16/ 65)، ((تاج العروس)) للزبيدي (7/ 234).   .
أرواحُ العِبادِ في البَرزَخِ مُتَفاوِتةٌ في مَنازِلِها.
قال اللهُ تعالى: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ [الواقعة: 83 - 95].
قال البَغَويُّ: (ذَكَر طَبَقاتِ الخَلقِ عِندَ المَوتِ وبيَّنَ دَرَجاتِهم، فقال:
فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، وهمُ السَّابقونَ فَرَوْحٌ قَرأ يَعقوبُ فَرُوحٌ، بضَمِّ الرَّاءِ، والباقونِ بفتحِها؛ فمن قَرأ بالضَّمِّ، قال الحَسَنُ مَعناه: تَخرُجُ رُوحُه في الرَّيحانِ، وقال قَتادةُ: الرُّوحُ: الرَّحمةُ، أي: لَه الرَّحمةُ، وقيل: مَعناه: فحياةٌ وبَقاءٌ لَهم.
ومن قَرأ بالفتحِ، مَعناه: فلَه رَوحٌ وهو الرَّاحةُ، وهو قَولُ مُجاهدٍ. وقال سَعيدُ بنُ جُبَيرٍ: فَرَحٌ. وقال الضَّحاكُ: مَغفِرةٌ ورَحمةٌ. وَرَيْحَانٌ استِراحةٌ، وقال مُجاهِدٌ وسَعيدُ بنُ جُبَيرٍ: رِزْقٌ...
وَأَمَّا إِنْ كَانَ المُتَوفَّى، مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، أي: سَلامةٌ لَكَ يا مُحَمَّدُ مِنهم، فلا تَهتَمَّ لَهم؛ فإنَّهم سَلِموا من عَذابِ اللَّهِ، أو أنَّكَ تَرَى فيهم ما تُحِبُّ مِنَ السَّلامةِ...
وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، الضَّالِّينَ عَنِ الهُدَى، وهم أصحابُ المَشأمةِ. فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ فالَّذي يُعَدُّ لَهم حَميمُ جَهَنَّمَ. وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ وإدخالُ نارٍ عَظيمةٍ.
إِنَّ هَذَا، يَعني: ما ذُكِرَ من قِصَّةِ المُحتَضَرينَ، لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ، أيِ: الحَقُّ اليَقينُ، أضافه إلَى نَفسِه) [1656] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (5/ 22). .
وقال ابنُ كَثيرٍ: (هَذِه الأحوالُ الثَّلاثةُ هيَ أحوالُ النَّاسِ عِندَ احتِضارِهم: إمَّا أن يَكونَ مِنَ المُقَرَّبينَ، أو يَكونَ مِمَّن دونَهم من أصحابِ اليَمينِ، وإمَّا أن يَكونَ مِنَ المُكذِّبينَ الضَّالِّينَ عَنِ الهُدَى، الجاهلينَ بأمرِ اللَّهِ)  [1657]يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/ 548). .
وقال السَّعديُّ: (ذَكَرَ اللَّهُ تعالى أحوالَ الطَّوائِفِ الثَّلاثِ: المُقَرَّبينَ، وأصحابَ اليَمينِ، والمُكَذِّبينَ الضَّالِّينَ، في أوَّلِ السُّورةِ في دارِ القَرارِ، ثُمَّ ذَكَرَ أحوالَهم في آخِرِها عِندَ الاحتِضارِ والمَوتِ) [1658] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 836). .
وقال ابنُ رَجَبٍ: (قَد يُستَدَلُّ لِلقَولِ بأنَّ أرواحَ المُؤمِنينَ في الجَنةِ، وأرواحَ الكُفَّارِ في النَّارِ، مِنَ القُرآنِ بأدِلَّةٍ؛ مِنها: قَولُه تعالى: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ [الواقعة: 83، 84]، إلَى قَولِه: فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ [الواقِعةُ: 88-94]، هو دُخولُ النَّارِ مَعَ إحراقِها وإنضاجِها، فجَعَلَ هَذا كُلَّه مُتَعَقِّبًا لِلِاحتِضارِ والمَوتِ.
وكَذلك قَولُه تعالى في قِصَّةِ المُؤمِنِ في سورةِ يس: قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [يس: 26، 27]، وإنَّما قال هَذا بَعدَ ما قَتَلوه، ورأى ما أعَدَّ اللَّهُ لَه، وقَولُه: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَةً [الفجر: 27، 28]، على تأويلِ من تأوَّلَ ذلك عِندَ الاحتِضارِ.
وكَذلك قَولُه تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ * قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ الآيةُ [الأعرافُ: 37، 38].
ونَظيرُ هَذِه الآيةِ قَولُه: الَّذِينَ تَتَوْفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ الآيةَ [النحل: 28]) [1659] يُنظر: ((أهوال القبور)) (ص: 105). .

  • الفَرْعُ الأوَّلُ: أرواحُ الأنبياءِ.
  • الفَرعُ الثَّاني: أرواحُ الشُّهداءِ.
  • الفَرعُ الثَّالِثُ: أرواحُ المُؤمِنينَ .
  • الفَرعُ الرَّابعُ: أرواحُ العُصاةِ .
  • الفَرعُ الخامِسُ: أرواحُ الكُفَّارِ .
  • انظر أيضا: