الموسوعة العقدية

المَبحَثُ السَّادِسُ: حُضورُ مَلَكِ المَوتِ وأعوانِه لقَبضِ الرُّوحِ

إذا حان أجَلُ العَبدِ وأراد اللهُ تعالى قَبْضَ رُوحِه، أَرسَل إليه مَلَكَ المَوتِ ومعه ملائِكةٌ يعاونونه على قَبضِ رُوحِ ذلك العَبدِ.
قال اللهُ تعالى: قل يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [السجدة: 11] .
وقال اللهُ سُبحانَه: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ [الأنعام: 61] .
أي: إنَّ ربَّكم يحفَظُكم وأعمالَكم في حياتِكم، بالملائِكَةِ الموَكَّلين بكم، إلى أنْ يَحْضُرَكم الموتُ، فإذا جاء ذلك أحدَكم تَوفَّتْه ملائكَتُنا، لا يَزيدونَ ساعةً ممَّا قَدَّرَه اللهُ وقَضَاه، ولا يَنْقُصونَ، ولا يُنَفِّذونَ ذلك إلَّا بحَسَب التقاديرِ الرَّبانيَّةِ، ولا يُفرِّطون أيضًا في حِفْظ رُوحِ المتوفَّى، بل يحفظونَها ويُنْزِلونَها حيثُ شاءَ اللهُ تعالى؛ فإنْ كان من الأبرارِ فهو في عِلِّيِّينَ، وإنْ كان من الفُجَّار فهو في سِجِّينٍ [1423] يُنظر: ((التفسير المحرر - سورة الأنعام)) (ص: 312). .
قال ابنُ جريرٍ: (فإن قال قائِلٌ: أوَليس الذي يقبِضُ الأرواحَ مَلَكُ الموتِ، فكيف قيل: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا والرُّسُلُ جملةٌ، وهو واحِدٌ؟ أوَليس قد قال: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [السجدة: 11] ؟
قيلَ: جائِزٌ أن يَكونَ اللَّهُ تعالى أعانَ مَلَكَ المَوتِ بأعوانٍ من عِندِه، فيَتَوَلَّونَ ذلك بأمرِ مَلَكِ المَوتِ، فيَكونُ التَّوفي مُضافًا -وإن كانَ ذلك من فِعلِ أعوانِ مَلَكِ المَوتِ- إلَى مَلكِ المَوتِ؛ إذ كانَ فِعلُهم ما فعَلوا من ذلك بأمرِه، كَما يُضافُ قَتْلُ مَن قَتَلَ من أعوانِ السُّلطانِ، وجَلْدِ مَن جَلَدوه بأمرِ السُّلطانِ إلَى السُّلطانِ، وإن لَم يَكُنِ السُّلطانُ باشَرَ ذلك بنَفسِه، ولا وَلِيَه بيَدِه) [1424] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/409) (9/ 290). .
وقال الشِّنقيطيُّ: (أسندَ هنا جَلَّ وعلا التوفِّيَ للملائكةِ في قَولِه: تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وأسنده في السَّجدة لِمَلَكِ الموتِ في قَولِه: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ، وأسنده في الزُّمَر إلى نَفْسِه جَلَّ وعلا في قَولِه: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا، وقَد بَيَّنَّا في كِتابِنا (دَفعُ إيهامِ الاضطِراب عَن آياتِ الكِتابِ) في سورةِ السَّجدةِ: أنَّه لا مُعارَضةَ بَينَ الآياتِ المَذكورةِ؛ فإسنادُه التَّوفيَ لِنَفسِه؛ لِأنَّه لا يَموتُ أحَدٌ إلَّا بمَشيئَتِه تعالى، كَما قال: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا، وأسنَدَه لِمَلَكِ المَوتِ؛ لِأنَّه هو المأمورُ بقَبضِ الأرواحِ، وأسنَدَه إلَى المَلائِكةِ؛ لِأنَّ لِمَلكِ المَوتِ أعوانًا مِنَ المَلائِكةِ يَنزِعونَ الرُّوحَ مِنَ الجَسَدِ إلَى الحُلقومِ فيأخُذُها مَلَكُ المَوتِ، كَما قاله بَعضُ العُلَماءِ. والعِلمُ عِندَ اللَّهِ تعالى) [1425] يُنظر: ((أضواء البيان)) (2/373). .
وقال أيضًا: (قَولُه تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ الآيةُ.
أسنَدَ في هَذِه الآيةِ الكِريمةِ التَّوفِّيَ إلَى مَلَكٍ واحِدٍ وأسنَدَه في آياتٍ أُخَرَ إلَى جَمَاعةِ المَلائِكةِ، كَقَولِه: إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكةُ الآيةَ، وقَولِه: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ الآيةُ، وأسنَدَه في آيةٍ أُخرَى إلَى نَفسِه جَلَّ وعلا، وهو قَولُه تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا الآيةُ.
والجَوابُ عَن هَذا ظاهِرٌ، وهو أنَّ إسنادَه التَّوفِّيَ إلَى نَفسِه؛ لِأنَّ مَلَكَ المَوتِ لا يَقْدِرُ أن يَقبِضَ رُوحَ أحَدٍ إلَّا بإذنِه ومَشيئَتِه تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا، وأسنَدَه لِمَلَكِ المَوتِ؛ لِأنَّه هو المأمورُ بقَبضِ الأرواحِ، وأسنَدَه لِلمَلائِكةِ؛ لِأنَّ مَلَكَ المَوتِ لَه أعوانٌ مِنَ المَلائِكةِ تَحتَ رِئاسَتِه، يَفعَلونَ بأمْرِه ويَنزِعونَ الرُّوحَ إلَى الحُلقومِ، فيأخُذُها مَلَكُ المَوتِ. والعِلمُ عِندَ اللَّهِ تعالى) [1426] يُنظر: ((دفع إيهام الاضطراب)) (ص: 184). .
سُئِلَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما عن قَولِه تعالى: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ [الأنعام: 61] ، فقال: (إنَّ لِمَلَكِ الموتِ أعوانًا مِنَ الملائكةِ)  [1427]يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/290). .
وعن مجاهدٍ قال: (جُعِلَت الأرضُ لملَكِ الموتِ مِثلَ الطِّستِ يتناوَلُ من حيث شاء، وجُعِلَت له أعوانٌ يتوفَّون الأنفُسَ ثم يقبِضُها منهم) [1428] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/292). .
والرُّوحُ تَبلُغُ الحُلْقومَ في حالِ الاحتضارِ، والنَّاسُ ينظُرون إلى ما يعانيه المحتَضَرِ من سَكَراتِ الموتِ، دون أن يروا الملائِكةَ التي تَسُلُّ رُوحَه.
قال اللهُ تعالى عن حالِ المحتَضَرِ: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ [الواقعة: 83-85].
قال ابنُ كَثيرٌ: (يَقولُ تعالى: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ أيِ: الرُّوحُ الْحُلْقُومَ أيِ: الحَلْقَ، وذلك حينَ الاحتِضارِ كَما قال: كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّراقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ [القيامةُ: 26، 30]؛ ولِهَذا قال هاهنا: وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ أي: إلَى المُحتَضَرِ وما يُكابدُه من سَكَراتِ المَوتِ. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ أي: بمَلائِكتِنا وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ أي: ولَكِنْ لا تَرَونَهم) [1429] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/ 547). .
وقال السَّعديُّ: (نحن أقرَبُ إليه منكم، بعِلْمِنا وملائِكَتِنا، ولكِنْ لا تُبصِرون) [1430] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 836). .

انظر أيضا: