الموسوعة العقدية

المَبحَثُ الخامِسُ: التَّأهُّبُ لِلمَوتِ قَبلَ نُزولِه

إنَّ المَوتَ هو الفيصَلُ بَينَ هَذِه الدَّارِ وبَينَ دارِ القَرارِ، وهو الفَصلُ بَينَ ساعةِ العَمَلِ والجَزاءِ عليه، والحَدُّ الفارِقُ بَينَ أوانِ تَقديمِ الزَّادِ والقُدومِ عليه؛ إذ لَيسَ بَعدَه لِأحَدٍ من مُستَعتَبٍ ولا اعتِذارٍ، ولا زيادةٍ في الحَسَناتِ ولا نَقْصٍ مِنَ السَّيِّئاتِ، ولا حيلةٍ ولا افتِداءٍ، ولا دِرهَمٍ ولا دينارٍ، ولا مَقعَدٍ ولا مَنزِلٍ؛ إلَّا القَبرَ، وهو إمَّا رَوضةٌ من رياضِ الجَنةِ أو حُفرةٌ من حُفَرِ النَّارِ إلَى يَومِ البَعثِ والجَزاءِ، وجَمعِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ وأهلِ السَّمَواتِ والأرضينَ، والمَوقِفِ الطَّويلِ بَينَ يَدَيِ القَويِّ المَتِينِ؛ يَومِ يقومُ النَّاسُ لِرَبِّ العالَمينَ الحَكيمِ العَليمِ، المُقْسِطِ العَدْلِ الحَكيمِ، الَّذي لا يَحيفُ ولا يَجورُ ولا يَظلِمُ مِثقالَ ذَرَّةٍ، ثُمَّ إمَّا نَعيمٌ مُقيمٌ في جَنَّاتِ النَّعيمِ، وإمَّا عَذابٌ أليمٌ في نارِ الجَحيمِ، فهَذا كُلُّه مِمَّا يَحمِلُ الإنسانَ على المُبادَرةِ إلَى العَمَلِ الصَّالِحِ والسَّعيِ النَّافِعِ قَبلَ حُلولِ الأجَلِ وانتِهاءِ العَمَلِ [1352] يُنظر: ((معارج القبول)) لحافظ الحكمي (2/ 708). .
قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ من قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا من شُفَعَاء فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ [الأعراف: 53] .
قال السَّعديُّ: (هَؤُلاءِ الَّذينَ حَقَّ عليهمُ العَذابُ، لَم يُؤمِنوا بهَذا الكِتابِ العَظيمِ، ولا انقادوا لِأوامِرِه ونواهِيه، فلَم يَبقَ فيهم حِيلةٌ إلَّا استِحقاقُهم أن يَحُلَّ بهم ما أخبَرَ به القُرآنُ؛ ولِهَذا قال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ أي: وُقوعَ ما أخبَرَ به. يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نُسُوهُ مِنْ قَبْلُ مُتَنَدِّمينَ مُتأسِّفينِ على ما مَضَى مِنهم، مُتَشَفِّعينَ في مَغفرةِ ذُنوبهم، مُقرِّينَ بما أخبَرَت به الرُّسُلُ: قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ إلَى الدُّنيا فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ وقَد فاتَ الوقتُ عَنِ الرُّجوعِ إلَى الدُّنيا. فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ... قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ حينَ فوَّتوها الأرباحَ، وسَلَكوا بها سَبيلَ الهَلاكِ، ولَيسَ ذلك كَخُسرانِ الأموالِ والأثاثِ أوِ الأولادِ، إنَّما هَذا خُسرانٌ لا جُبرانَ لِمُصابِه!) [1353] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 291). .
وقال اللهُ تعالى: حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:99-100] .
قال ابنُ جَريرٍ: (يَقولُ تعالى ذِكرُه: حَتَّى إذا جاءَ أحَدَ هَؤُلاءِ المُشرِكينَ المَوتُ، وعايَن نُزولَ أمرِ اللهِ به، قال لِعَظيمِ ما يُعايِنُ مِمَّا يَقْدَمُ عليه من عَذابِ اللَّهِ تَندُّمًا على ما فاتَ، وتَلهُّفًا على ما فرَّطَ فيه قَبلَ ذلك من طاعةِ اللَّهِ، ومَسألَتِه لِلإقالةِ: رَبِّ ارْجِعُونِ إلَى الدُّنيا فرُدُّوني إلَيها، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا يَقولُ: كَي أعمَلَ صالِحًا فيما تَرَكْتُ قَبلَ اليَومِ مِنَ العَمَلِ فضَيَّعْتُه وفرَّطْتُ فيه) [1354] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/ 106). .
وقال ابنُ كَثيرٍ: (يُخبرُ تعالى عَن حالِ المُحتَضَرِ عِندَ المَوتِ، مِنَ الكافِرِينَ أوِ المُفرِّطِينَ في أمرِ اللهِ تعالى، وقيلِهم عِندَ ذلك، وسُؤالِهمُ الرَّجْعةَ إلَى الدُّنيا؛ ليُصلِحَ ما كانَ أفسَدَه في مُدَّةِ حَياتِه) [1355] يُنظر:((تفسير ابن كثير)) (5/ 493). .
وقال اللهُ سُبحانَه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر: 18].
قال ابنُ جَريرٍ: (قَولُه: وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ يَقولُ: وليَنظُرْ أحَدُكُم ما قَدَّمَ ليَومِ القيامةِ مِنَ الأعمالِ، أمِنَ الصَّالِحاتِ الَّتي تُنجِيه أم مِنَ السَّيئاتِ الَّتي توبِقُه؟) [1356] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/ 546). .
وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنفِقُوا من مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون: 9 - 11].
قال ابنُ كَثيرٍ: (كُلُّ مُفَرِّطٍ يَندَمُ عِندَ الاحتِضارِ، ويَسألُ طولَ المُدَّةِ ولَو شَيئًا يَسيرًا، يَستَعتِبُ ويَستَدرِكُ ما فاتَه، وهيَهاتَ! كانَ ما كانَ، وأتَى ما هو آتٍ، وكُلٌّ بحَسَبِ تَفريطِه!) [1357] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (8/ 133). .
وقال ابنُ رَجَبٍ: (الواجِبُ على العَبدِ الاستِعدادُ لِلمَوتِ قَبلَ نُزولِه بالأعمالِ الصَّالِحةِ والمُبادَرةِ إلَى ذلك؛ فإنَّه لا يَدري المَرءُ مَتَى تَنزِلُ به هَذِه الشِّدَّةُ من لَيلٍ أو نَهارٍ... فمَن أطاعَ اللَّهَ واتَّقاه وحَفِظَ حُدودَه في حَياتِه، تولَّاه اللَّهُ عِندَ وفَاتِه، وتَوفَّاه على الإيمانِ وثَبَّتَه بالقَولِ الثَّابتِ في القَبرِ عِندَ سُؤالِ المَلَكينِ، ودَفعَ عَنه عَذابَ القَبرِ، وآنَس وحشتَه في تِلكَ الوَحدةِ والظُّلْمةِ) [1358] يُنظر: ((نور الاقتباس في وصية النبي لابن عباس)) (ص: 73-75). .

انظر أيضا: