الموسوعة العقدية

المَبْحَثُ الأوَّلُ: إخبارُ القُرآنِ ببِشاراتِ الأنبياءِ السَّابِقين بمُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم

تمهيدٌ:
إنَّ ذِكْرَ مَبعَثِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واسمِه وصِفَتِه ومَخرَجِه موجودٌ في الكُتُبِ السَّابقةِ.
قال اللهُ تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَاَل الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: 175] .
قال السَّعْديُّ: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ احترازٌ عن سائِرِ الأنبياءِ؛ فإنَّ المقصودَ بهذا مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بن ِعبدِ المُطَّلِبِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
والسِّياقُ في أحوالِ بني إسرائيلَ وأنَّ الإيمانَ بالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شرطٌ في دخولهم في الإيمانِ، وأنَّ المُؤمِنين به المتَّبِعين هم أهلُ الرحمةِ المُطلَقةِ، التي كتبها اللهُ لهم، ووصفَه بالأمِّيِّ لأنَّه من العَرَبِ الأُمَّةِ الأمِّيَّةِ، التي لا تقرَأُ ولا تكتُبُ، وليس عندها قبل القُرآن كِتابٌ.
الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ باسمِه وصفتِه، التي من أعظَمِها وأجَلِّها ما يدعو إليه، وينهى عنه، وأنَّه يَأمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وهو كُلُّ ما عُرِفَ حُسنُه وصلاحُه ونَفْعُه.
وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وهو: كُلُّ ما عُرِف قُبحُه في العُقولِ والفِطَرِ.
فيَأمُرُهم بالصَّلاةِ، والزكاةِ، والصومِ، والحَجِّ، وصِلَةِ الأرحامِ، وبِرِّ الوالِدَينِ، والإحسانِ إلى الجارِ والمملوكِ، وبَذْلِ النَّفعِ لسائِرِ الخَلْقِ، والصِّدْقِ، والعفافِ، والبِرِّ، والنصيحةِ، وما أشبهَ ذلك، وينهى عن الشِّرْكِ باللهِ، وقَتْلِ النُّفوسِ بغيرِ حَقٍّ، والزِّنا، وشُرْبِ ما يُسكِرُ العَقلَ، والظُّلمِ لسائرِ الخَلقِ، والكَذِبِ، والفُجورِ، ونحوِ ذلك.
فأعظَمُ دليلٍ يدُلُّ على أنَّه رسولُ اللهِ ما دعا إليه وأمر به، ونهى عنه، وأحَلَّه وحرَّمه، فإنَّه يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ مِنَ المطاعِمِ والمشاربِ والمناكِحِ. وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ من المطاعِمِ والمشارِبِ والمناكِحِ، والأقوالِ والأفعالِ. وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَاَل الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ أي: ومِن وَصفِه أنَّ دينَه سَهلٌ سَمحٌ مُيَسَّرٌ، لا إصْرَ فيه ولا أغلالَ، ولا مَشَقَّاتِ ولا تكاليفَ ثِقالٌ) [1043] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 305). .
وقال اللهُ سُبحانَه: وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة: 89] .
عن عاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ قتادةَ عن أشياخٍ منهم قالوا: (فينا واللهِ وفيهم -أي: الأنصارِ واليهودِ- نزلت هذه القِصَّةُ، قالوا: كنَّا علَوْناهم دهرًا في الجاهليَّةِ ونحن أهلُ شِركٍ وهم أهلُ كِتابٍ، فكانوا يقولون: إنَّ نبيًّا يُبعَثُ الآن نتَّبِعُه، قد أظَلَّ زمانُه، نقتُلُكم معه قَتْلَ عادٍ وإرَمَ. فلمَّا بعث اللهُ عزَّ وجلَّ رسولَه من قُرَيشٍ واتبَعْناه كفروا به؛ قال اللهُ عزَّ وجلَّ: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِه الآية) [1044] أخرجه محمد بن إسحاق في ((السيرة)) (62). حسَّنه الوادعي في ((صحيح أسباب النزول)) (26). .
وعن سَلَمةَ بنِ سلامةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: (كان لنا جارٌ مِن يَهودَ في بَني عَبدِ الأشهَلِ، وقال: فخرَجَ علينا يومًا مِن بَيْتِه قبلَ مَبعثِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيَسيرٍ، فوَقَفَ على مَجلسِ بني عَبدِ الأشهَلِ، قال سَلَمةُ: وأنا يومَئِذٍ أحدَثُ مَن فيه سِنًّا، علَيَّ بُرْدةٌ مُضطجِعًا فيها بفِناءِ أهلي، فذكَرَ البَعثَ والقيامةَ، والحِسابَ والميزانَ، والجنَّةَ والنَّارَ، فقال ذلك لقَومٍ أهلِ شِركٍ أصحابِ أوْثانٍ، لا يَرَوْنَ أنَّ بَعثًا كائنٌ بعدَ المَوتِ. فقالوا له: وَيحَكَ يا فُلانُ، تَرى هذا كائنًا أنَّ النَّاسَ يُبعَثونَ بعدَ مَوتِهم إلى دارٍ فيها جنَّةٌ ونارٌ، يُجزَوْنَ فيها بأعمالِهم؟! قال: نعمْ، والذي يُحلَفُ به، لوَدَّ أنَّ له بحَظِّه مِن تلك النَّارِ أعظَمَ تَنُّورٍ في الدُّنيا، يُحمونَه ثُمَّ يُدخِلونَه إيَّاه فيُطبَقُ به عليه، وأنْ يَنجُوَ مِن تلك النَّارِ غَدًا! قالوا له: وَيحَكَ، وما آيةُ ذلك؟ قال: نَبيٌّ يُبعَثُ مِن نحوِ هذه البِلادِ، وأشارَ بيَدِه نحوَ مكَّةَ واليَمنِ. قالوا: ومتى تَراه؟ قال: فنظَرَ إلَيَّ وأنا مِن أحدَثِهم سِنًّا، فقال: إنْ يَستَنفِدْ هذا الغُلامُ عُمُرَه يُدرِكْه. قال سَلَمةُ: فواللهِ ما ذهَبَ اللَّيلُ والنَّهارُ، حتى بعَثَ اللهُ تَعالى رسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو حَيٌّ بيْنَ أظهُرِنا؛ فآمَنَّا به، وكفَرَ به بَغيًا وحَسدًا! فقُلْنا: وَيلَكَ يا فُلانُ! ألستَ بالذي قُلتَ لنا فيه ما قُلتَ؟ قال: بَلى، وليس به) [1045] أخرجه أحمد (15841) واللَّفظُ له، والطبراني (7/42) (6327)، والحاكم (5764). صَحَّحه الحاكِمُ على شرطِ مسلمٍ، وحَسَّنه الوداعي في ((الصحيح المسند)) (443)، وحسَّن إسنادَه شعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (15841). .
 ومِن ذلك ما كان من خروجِ زيدِ بنِ عَمرِو بنِ نُفَيلٍ وسُؤالِه لأهلِ الكِتابِ وإخبارِهم عن أنَّ نَبِيًّا يُبعَثُ في العَرَبِ، فرجع وأدرك النَّبِيَّ قبل أن يُبعَثَ، ومات قبل البَعثةِ [1046] رواه البخاري (3827). .
وعن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما عن أبي سُفيانَ بنِ حَربٍ لَمَّا سأله هِرَقلُ مَلِكُ الرُّومِ عن صِفاتِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأخبره، فقال: (إنْ يَكُ ما تقولُ فيه حقًّا فإنَّه نَبيٌّ، وقد كنتُ أعلَمُ أنَّه خارِجٌ، ولم أكُ أظُنُّه منكم، ولو أني أعلَمُ أني أخلُصُ إليه لأحببتُ لقاءَه، ولو كنتُ عنده لغسَلْتُ عن قدَمَيه) [1047] رواه البخاري (4553) واللَّفظُ له، ومسلم (1773). .

  • المَطْلَبُ الأوَّلُ: دعوةُ إبراهيمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.
  • المَطْلَبُ الثَّاني: بِشارةُ موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.
  • المَطْلَبُ الثَّالِثُ: بشارةُ عيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.
  • انظر أيضا: